عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 21-05-2026, 09:47 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,413
افتراضي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأُسْطُورَةُ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ: قِرَاءَةٌ تَارِيخِيَّةٌ نَقْدِيَّة

يَوْمُ عَرَفَةَ وَأُسْطُورَةُ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ: قِرَاءَةٌ تَارِيخِيَّةٌ نَقْدِيَّةٌ


فُؤَاد زَادِيكي

تُظْهِرُ الدِّرَاسَاتُ التَّارِيخِيَّةُ وَالنُّصُوصُ الدِّينِيَّةُ الْقَدِيمَةُ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ وَشَعَائِرَ الْحَجِّ لَمْ تَنْشَأْ مَعَ الْإِسْلَامِ، بَلْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ محمد بن عبد الله بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. فَالْعَرَبُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ كَانُوا يَحُجُّونَ إِلَى الكعبة المشرّفة، وَيَقِفُونَ فِي عَرَفَاتٍ، وَيُؤَدُّونَ طُقُوسًا مُتَعَدِّدَةً تَرْتَبِطُ بِالطَّوَافِ وَالْقُرْبَانِ وَالتَّلْبِيَةِ. وَقَدْ أَقَرَّ التُّرَاثُ الْإِسْلَامِيُّ نَفْسُهُ بِوُجُودِ هَذِهِ الشَّعَائِرِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، لَكِنَّهُ أَعَادَ تَفْسِيرَهَا دِينِيًّا وَرَبَطَهَا بِعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ.
إِنَّ التَّشَابُهَ بَيْنَ حَجِّ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْحَجِّ الْإِسْلَامِيِّ لَيْسَ تَشَابُهًا عَرَضِيًّا، بَلْ يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِيَّةٍ طَقْسِيَّةٍ وَثَقَافِيَّةٍ وَاضِحَةٍ. فَالِاسْمُ نَفْسُهُ بَقِيَ، وَالْمَكَانُ نَفْسُهُ بَقِيَ، وَالطَّقْسُ الْأَسَاسِيُّ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بَقِيَ أَيْضًا. وَمَا فَعَلَهُ الْإِسْلَامُ هُوَ إِعَادَةُ تَنْظِيمِ هَذِهِ الطُّقُوسِ وَإِدْمَاجُهَا فِي بِنْيَةٍ دِينِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، لَا اخْتِرَاعُهَا مِنَ الْعَدَمِ. وَهَذِهِ ظَاهِرَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي تَارِيخِ الْأَدْيَانِ، إِذْ تَعْمَدُ الدِّيَانَاتُ النَّاشِئَةُ إِلَى اسْتِيعَابِ التَّقَالِيدِ السَّابِقَةِ وَإِعَادَةِ تَأْوِيلِهَا بِمَا يَخْدِمُ رُؤْيَتَهَا الْعَقَدِيَّةَ.
أَمَّا الرِّوَايَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، الَّتِي تَقُولُ إِنَّ إبراهيم وَابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ بَنَيَا الْكَعْبَةَ، فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ إِلَى أَيِّ دَلِيلٍ تَارِيخِيٍّ أَوْ أَثَرِيٍّ مُسْتَقِلٍّ. فَالنُّصُوصُ الْيَهُودِيَّةُ وَالْمَسِيحِيَّةُ الْأَقْدَمُ، وَهِيَ الْمَصَادِرُ الْأَسَاسِيَّةُ لِسِيرَةِ إِبْرَاهِيمَ، تَضَعُهُ فِي مَنَاطِقَ مِثْلَ أُورَ وَحَرَّانَ وَكَنْعَانَ، وَلَا تَذْكُرُ مَكَّةَ أَوِ الْحِجَازَ مُطْلَقًا. كَمَا أَنَّهُ لَا تُوجَدُ أَيَّةُ إِشَارَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُعَاصِرَةٍ تُثْبِتُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى غَرْبِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَمِنَ النَّاحِيَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ وَالتَّارِيخِيَّةِ، فَإِنَّ الْمَسَارَاتِ الْمَعْرُوفَةَ لِحَرَكَةِ الْقَبَائِلِ وَالتِّجَارَةِ فِي عَصْرِ إِبْرَاهِيمَ لَا تُظْهِرُ أَيَّ صِلَةٍ مُبَاشِرَةٍ بِمَكَّةَ. كَمَا أَنَّ مَكَّةَ نَفْسَهَا لَا تَظْهَرُ فِي السِّجِلَّاتِ التَّارِيخِيَّةِ الْقَدِيمَةِ كَمَرْكَزٍ دِينِيٍّ أَوْ حَضَارِيٍّ مُهِمٍّ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ الْمُبَكِّرَةِ. وَلِذَلِكَ يَرَى كَثِيرٌ مِنَ الْبَاحِثِينَ الْمُعَاصِرِينَ أَنَّ رَبْطَ الْكَعْبَةِ بِإِبْرَاهِيمَ هُوَ تَقْلِيدٌ دِينِيٌّ إِسْلَامِيٌّ مُتَأَخِّرٌ هَدَفُهُ مَنْحُ الْمَرْكَزِ الدِّينِيِّ الْجَدِيدِ جُذُورًا إِبْرَاهِيمِيَّةً تُضْفِي عَلَيْهِ شَرْعِيَّةً تَارِيخِيَّةً وَرُوحِيَّةً.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُعْطَيَاتِ التَّارِيخِيَّةَ الْمُتَوَفِّرَةَ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ وَشَعَائِرَ الْحَجِّ كَانَتْ جُزْءًا مِنَ التَّرَاثِ الدِّينِيِّ الْعَرَبِيِّ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ تَبَنَّاهَا وَأَعَادَ صِيَاغَتَهَا فِي إِطَارٍ تَوْحِيدِيٍّ جَدِيدٍ. كَمَا أَنَّ قِصَّةَ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ لِلْكَعْبَةِ تَبْقَى رِوَايَةً دِينِيَّةً غَيْرَ مُثْبَتَةٍ تَارِيخِيًّا، وَلَا تَدْعَمُهَا الْأَدِلَّةُ الْأَثَرِيَّةُ أَوِ النُّصُوصُ الْقَدِيمَةُ الْمُسْتَقِلَّةُ.
__________________
fouad.hanna@online.de


التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 23-07-2026 الساعة 08:47 AM
رد مع اقتباس