عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم اليوم, 06:40 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,111
افتراضي هَلِ ٱلِاسْتِعْمَارُ هُوَ سَبَبُ تَخَلُّفِ ٱلشُّعُوبِ؟ بِقَلَمِ ٱلْبَاحِثِ فُؤَادْ ز

هَلِ ٱلِاسْتِعْمَارُ هُوَ سَبَبُ تَخَلُّفِ ٱلشُّعُوبِ؟

بِقَلَمِ ٱلْبَاحِثِ فُؤَادْ زَادِيكِي

كَثِيرًا مَا يُطْرَحُ سُؤَالُ التَّخَلُّفِ فِي ٱلْعَالَمِ ٱلْعَرَبِيِّ وَٱلْإِسْلَامِيِّ، وَيُرَدُّ فِي أَغْلَبِ ٱلْأَحْيَانِ إِلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ هُوَ ٱلِاسْتِعْمَارُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ ٱلِاسْتِعْمَارَ كَانَ قُوَّةً تَدْمِيرِيَّةً هَائِلَةً، نَهَبَتِ ٱلثَّرَوَاتِ، وَفَرَّقَتِ ٱلشُّعُوبَ، وَعَطَّلَتِ ٱلتَّنْمِيَةَ، وَفَرَضَتْ أَنْظِمَةً تَابِعَةً لِمَصَالِحِهَا. غَيْرَ أَنَّ ٱلِاخْتِزَالَ فِي تَفْسِيرِ تَخَلُّفِ ٱلشُّعُوبِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ يُفْقِدُنَا ٱلْقُدْرَةَ عَلَى فَهْمِ ٱلْوَاقِعِ فَهْمًا عَمِيقًا.
فَلَوْ كَانَ ٱلِاسْتِعْمَارُ وَحْدَهُ سَبَبَ ٱلتَّخَلُّفِ، لَمَا نَهَضَتْ دُوَلٌ كَأَلْمَانِيَا وَٱلْيَابَانِ بَعْدَ ٱلْحَرْبِ ٱلْعَالَمِيَّةِ ٱلثَّانِيَةِ، وَهُمَا ٱللَّتَانِ خَضَعَتَا لِٱحْتِلَالٍ أَمْرِيكِيٍّ مُبَاشِرٍ. وَلَمَا أَصْبَحَتِ ٱلْوِلَايَاتُ ٱلْمُتَّحِدَةُ أَقْوَى قُوَّةٍ ٱقْتِصَادِيَّةٍ وَعِلْمِيَّةٍ فِي ٱلْعَالَمِ وَهِيَ نَفْسُهَا كَانَتْ مُسْتَعْمَرَةً بَرِيطَانِيَّةً وكَانت الهندُ كَذَلِكَ تحتَ الإستعْمَارِ البَرِيطَانيّ وغيرُهُ كَثِيرٌ. وَفِي ٱلْمُقَابِلِ نَجِدُ دُوَلًا لَمْ تَخْضَعْ لِٱسْتِعْمَارٍ طَوِيلٍ، وَمَعَ ذَٰلِكَ عَانَتْ مِنَ ٱلضَّعْفِ وَٱلِانْهِيَارِ وَٱلْفَوْضَى.
إِنَّ ٱلْفَارِقَ ٱلْحَقِيقِيَّ بَيْنَ ٱلشُّعُوبِ لَا يَكْمُنُ فِي مَاضِيهَا فَقَطْ، بَلْ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى ٱلتَّجَدُّدِ وَبِنَاءِ ٱلْمُؤَسَّسَاتِ وَتَحْرِيرِ ٱلْعَقْلِ مِنَ ٱلْجُمُودِ. فَٱلْأُمَمُ ٱلَّتِي تَقَدَّمَتْ لَمْ تَفْعَلْ ذَٰلِكَ لِأَنَّهَا بِلَا مَاضٍ، بَلْ لِأَنَّهَا أَحْسَنَتِ ٱلتَّعَامُلَ مَعَ مَاضِيهَا، فَأَخَذَتْ مِنْهُ مَا يَنْفَعُهَا وَتَجَاوَزَتْ مَا يُعِيقُ حَرَكَتَهَا نَحْوَ ٱلْمُسْتَقْبَلِ.
لَقَدِ ٱسْتَطَاعَ ٱلْغَرْبُ، بَعْدَ صِرَاعٍ طَوِيلٍ، أَنْ يُحَرِّرَ ٱلْعَقْلَ مِنْ هَيْمَنَةِ ٱلْمَاضِي وَسُلْطَةِ ٱلتَّفْسِيرِ ٱلْمُغْلَقِ، فَظَهَرَتِ ٱلثَّوْرَةُ ٱلْعِلْمِيَّةُ، وَتَكَرَّسَتْ حُرِّيَّةُ ٱلْبَحْثِ وَٱلنَّقْدِ، وَتَأَسَّسَتِ ٱلدَّوْلَةُ ٱلْحَدِيثَةُ عَلَى ٱلْقَانُونِ وَٱلْمُؤَسَّسَاتِ، لَا عَلَى ٱلتَّقْدِيسِ ٱلْمُطْلَقِ لِلْمَاضِي. أَمَّا فِي كَثِيرٍ مِنَ ٱلْمُجْتَمَعَاتِ ٱلْعَرَبِيَّةِ وَٱلْإِسْلَامِيَّةِ، فَمَا يَزَالُ ٱلْمَاضِي يُمَارِسُ سُلْطَتَهُ عَلَى ٱلْعَقْلِ وَٱلتَّعْلِيمِ وَٱلسِّيَاسَةِ، حَتَّى أَصْبَحَ ٱلتَّفْكِيرُ ٱلنَّقْدِيُّ فِي أَحْيَانٍ كَثِيرَةٍ مَحْظُورًا أَوْ مُرِيبًا.
وَلَيْسَ ٱلْمَقْصُودُ مِنْ ذَٰلِكَ ٱلدَّعْوَةَ إِلَى قَطِيعَةٍ مَعَ ٱلتُّرَاثِ أَوِ ٱلدِّينِ، فَكُلُّ أُمَّةٍ بِحَاجَةٍ إِلَى جُذُورِهَا ٱلثَّقَافِيَّةِ وَٱلرُّوحِيَّةِ، وَلَٰكِنَّ ٱلْخَطَرَ يَبْدَأُ حِينَ يَتَحَوَّلُ ٱلْمَاضِي إِلَى سُلْطَةٍ مُطْلَقَةٍ فَوْقَ ٱلْعَقْلِ وَٱلنَّقْدِ وَٱلتَّطَوُّرِ. فَٱلْحَضَارَةُ لَا تُبْنَى بِٱلْبُكَاءِ عَلَى ٱلْمَاضِي، بَلْ بِٱلْعَمَلِ وَٱلْعِلْمِ وَحُرِّيَّةِ ٱلتَّفْكِيرِ وَبِنَاءِ ٱلْإِنْسَانِ.
إِنَّ أَزْمَةَ كَثِيرٍ مِنْ شُعُوبِنَا لَيْسَتْ فِي نُقْصَانِ ٱلْمَوَارِدِ، وَلَا فِي غِيَابِ ٱلتَّارِيخِ، بَلْ فِي عَجْزِهَا عَنْ بِنَاءِ دَوْلَةِ ٱلْمُؤَسَّسَاتِ وَتَحْرِيرِ ٱلْعَقْلِ مِنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلتَّقْلِيدِ وَٱلتَّبَعِيَّةِ. وَمَا لَمْ تُمْنَحِ ٱلْإِنْسَانُ حُرِّيَّةَ ٱلتَّفْكِيرِ وَٱلْإِبْدَاعِ وَٱلْمُسَاءَلَةِ، فَسَيَبْقَى أَسِيرَ ٱلْمَاضِي، حَتَّى وَلَوْ خَرَجَ ٱلِاسْتِعْمَارُ مِنْ أَرْضِهِ مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس