Kardukh Amed
أعتقد أن هناك خلطًا بين الاستمرارية الجغرافية والاستمرارية القومية المباشرة. فكون المصادر لا تذكر هجرة جماعية للكرد من خارج كردستان أو شمال ميزوبوتاميا لا يكفي وحده لإثبات أنهم الورثة المباشرون والحصريون لكل الحضارات التي قامت في المنطقة. فغياب رواية الهجرة ليس دليلًا تلقائيًا على وجود استمرارية قومية متصلة منذ آلاف السنين، تمامًا كما أن وجود شعب في منطقة معينة اليوم لا يجعله بالضرورة الامتداد الوحيد لكل الشعوب التي سكنتها في الماضي.
لا أحد ينكر أن الكرد شعب متجذر تاريخيًا في موطنه الحالي، وأن له حضورًا طويلًا في جبال زاغروس وشمال بلاد الرافدين وشرق الأناضول، لكن الانتقال من هذه الحقيقة إلى القول إن جميع الحضارات القديمة في المنطقة كانت كردية أو أن الكرد هم الورثة الحصريون لها يحتاج إلى أدلة تاريخية أكثر وضوحًا من مجرد الاستمرارية الجغرافية.
كما أن وصف الدولة الساسانية بأنها دولة كردية لا يمثل الرأي السائد في الدراسات التاريخية، إذ تُصنف عادة ضمن الدول الإيرانية القديمة، ولا توجد نصوص ساسانية أو مصادر معاصرة لها تُعرّفها بوصفها دولة كردية بالمعنى القومي المعروف اليوم. كذلك فإن الربط بين الكرد الحاليين وبين الكوردوئيين أو الميديين أو غيرهم من شعوب المنطقة القديمة يظل موضوعًا قابلًا للنقاش والبحث، لكنه لم يصل إلى درجة الحقيقة التاريخية القطعية التي لا خلاف عليها.
ومن جهة أخرى، فإن معظم شعوب الشرق الأوسط المعاصرة ليست نسخًا مطابقة للشعوب القديمة التي حملت الأسماء نفسها قبل آلاف السنين. فالهوية التاريخية لأي شعب هي نتاج تفاعل طويل بين السكان واللغة والثقافة والجغرافيا والهجرات والاختلاطات المتعاقبة. ولهذا فإن الحديث عن استمرارية مطلقة أو نقاء عرقي أو وراثة حصرية لحضارات قديمة لا ينسجم مع ما توصلت إليه الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية الحديثة.
لذلك فإن الموقف العلمي المتزن ليس إنكار تاريخ الكرد ولا إنكار تجذرهم في المنطقة، بل الاعتراف بأنهم شعب تاريخي حقيقي له استمرارية واضحة في موطنه، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن كثيرًا من الادعاءات المتعلقة بالأصول القديمة والانتساب المباشر إلى شعوب أو دول بعينها ما تزال بحاجة إلى أدلة أوضح من المتوافر حاليًا. فالتاريخ لا يُبنى على الرغبات القومية، بل على ما يمكن إثباته بالوثائق والآثار واللغة والدراسات العلمية.
__________________
fouad.hanna@online.de
|