عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم اليوم, 07:22 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,125
افتراضي بَيْنَ مَا وُرِثْنَاهُ وَمَا نَخْتَارُهُ بقلم: فؤاد زاديكي كَثِيرًا مَا يَخْطُرُ بِ

بَيْنَ مَا وُرِثْنَاهُ وَمَا نَخْتَارُهُ

بقلم: فؤاد زاديكي

كَثِيرًا مَا يَخْطُرُ بِبَالِ الإِنْسَانِ سُؤَالٌ عَمِيقٌ وَمُقْلِقٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ: لِمَاذَا يَتَمَنَّى بَعْضُ النَّاسِ أَحْيَانًا لَوْ أَنَّهُمْ وُلِدُوا فِي أُسَرٍ غَيْرِ أُسَرِهِمْ، أَوْ نَشَأُوا فِي مُجْتَمَعَاتٍ غَيْرِ مُجْتَمَعَاتِهِمْ، أَوْ حَتَّى فِي بُلْدَانٍ غَيْرِ بُلْدَانِهِمْ؟ أَهُوَ عَدَمُ الرِّضَا عَنْ وَاقِعِهِمْ؟ أَمْ هِيَ رَغْبَةٌ دَفِينَةٌ فِي تَغْيِيرِ وَاقِعٍ فُرِضَ عَلَيْهِمْ دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِيهِ أَدْنَى اخْتِيَارٍ؟ فَالْإِنْسَانُ يَأْتِي إِلَى هٰذَا الْعَالَمِ حَامِلًا جُمْلَةً مِنَ الْمُعْطَيَاتِ، الَّتِي لَمْ يَخْتَرْ مِنْهَا شَيْئًا، لَمْ يَخْتَرِ اسْمَهُ، وَلَا وَالِدَيْهِ، وَلَا لُغَتَهُ الْأُولَى، وَلَا ثَقَافَتَهُ، وَلَا دِينَهُ، الَّذِي يُولَدُ فِي أَحْضَانِهِ، وَلَا الْبِيئَةَ، الَّتِي تَتَشَكَّلُ فِيهَا مَلَامِحُ شَخْصِيَّتِهِ الْأُولَى. كُلُّ ذٰلِكَ يَسْبِقُ وُعْيَهُ وَإِرَادَتَهُ، وَيَتَقَدَّمُ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْقَبُولِ أَوِ الرَّفْضِ.
وَلِذٰلِكَ، حِينَ يَبْلُغُ الْإِنْسَانُ مَرْحَلَةً مِنَ النُّضْجِ الْفِكْرِيِّ، يَبْدَأُ فِي إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي كُلِّ مَا وَرِثَهُ. وَلَيْسَ ذٰلِكَ بِالضَّرُورَةِ دَلِيلًا عَلَى التَّمَرُّدِ الْأَعْمَى أَوِ الْجُحُودِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ تَعْبِيرًا عَنْ حَاجَةٍ أَصِيلَةٍ إِلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ، وَتَمْيِيزِ مَا هُوَ اخْتِيَارٌ شَخْصِيٌّ عَمَّا هُوَ مُجَرَّدُ أَثَرٍ لِلظُّرُوفِ وَالْمُصَادَفَاتِ.
مِنْ هُنَا يَنْبَثِقُ السُّؤَالُ الْأَكْبَرُ: هَلْ يُعَدُّ التَّمَرُّدُ عَلَى بَعْضِ مَا وُرِثْنَاهُ أَمْرًا سَلْبِيًّا؟ أَمْ أَنَّهُ خُطْوَةٌ مَشْرُوعَةٌ فِي سَبِيلِ بِنَاءِ الْإِنْسَانِ لِذَاتِهِ عَلَى أَسَاسِ الْوَعْيِ وَالْفَهْمِ وَالْإِرَادَةِ الْحُرَّةِ؟
إِنَّ الْجَوَابَ لَا يَكْمُنُ فِي الرَّفْضِ ذَاتِهِ وَلَا فِي الْقَبُولِ ذَاتِهِ، بَلْ فِي الْكَيْفِيَّةِ، الَّتِي يَتِمُّ بِهَا ذٰلِكَ. فَرَفْضُ كُلِّ مَا وَرِثَهُ الْإِنْسَانُ لِأَنَّهُ مَوْرُوثٌ فَقَطْ لَيْسَ حُرِّيَّةً، بَلْ قَدْ يَكُونُ شَكْلًا آخَرَ مِنْ أَشْكَالِ الْاِنْفِعَالِ وَالتَّبَعِيَّةِ. أَمَّا إِخْضَاعُ الْمُسَلَّمَاتِ لِلْفَحْصِ، وَعَرْضُ الْمُورُوثَاتِ عَلَى الْعَقْلِ وَالضَّمِيرِ، وَالِاحْتِفَاظُ بِمَا يَثْبُتُ صِدْقُهُ أَوْ نَفْعُهُ، وَالتَّخَلِّي عَمَّا لَا يَقْنَعُ الْإِنْسَانَ بِهِ عَنْ بَصِيرَةٍ، فَهُوَ مِنْ جَوْهَرِ النُّضْجِ الْفِكْرِيِّ وَالْأَخْلَاقِيِّ.
وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْدَأَ مِنَ الصِّفْرِ، وَلَا أَنْ يَنْفَصِلَ انْفِصَالًا تَامًّا عَنْ مَوْرُوثِهِ. فَهُوَ يُفَكِّرُ بِلُغَةٍ لَمْ يَخْتَرْهَا، وَيُحَاكِمُ الْأَشْيَاءَ بِأَدَوَاتٍ شَكَّلَتْهَا بِيئَتُهُ وَتَجَارِبُهُ الْأُولَى. وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ لَا تَكْمُنُ فِي الْهُرُوبِ مِنَ الْمَاضِي، بَلْ فِي إِعَادَةِ تَشْكِيلِهِ وَإِعَادَةِ قِرَاءَتِهِ عَلَى ضَوْءِ الْوَعْيِ وَالِاخْتِيَارِ.
إِنَّ النُّضْجَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ أَنْ نَرْفُضَ كُلَّ مَا وَرِثْنَاهُ، وَلَا أَنْ نَقْبَلَهُ كُلَّهُ دُونَ سُؤَالٍ، بَلْ أَنْ نَمْتَلِكَ الشَّجَاعَةَ لِنُخْضِعَهُ لِلْفَهْمِ وَالتَّأَمُّلِ، ثُمَّ نَتَبَنَّى مِنْهُ مَا نَقْتَنِعُ بِهِ، وَنُغَادِرَ مِنْهُ مَا لَا نَرَاهُ مُعَبِّرًا عَنْ حَقِيقَتِنَا وَقَنَاعَاتِنَا.
فَالْحُرِّيَّةُ لَا تَبْدَأُ عِنْدَمَا نَخْتَارُ فَقَطْ، بَلْ عِنْدَمَا نَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى مُرَاجَعَةِ مَا لَمْ نَخْتَرْهُ أَصْلًا. وَرُبَّمَا كَانَ أَسْمَى مَا يَسْعَى إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ فِي رِحْلَةِ وُجُودِهِ هُوَ أَنْ يُحَوِّلَ حَيَاتَهُ مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ لَهُ بِحُكْمِ الْمُصَادَفَةِ وَالِانْتِمَاءِ، إِلَى شَيْءٍ يُسَاهِمُ هُوَ نَفْسُهُ فِي صُنْعِهِ وَتَشْكِيلِهِ بِوَعْيٍ وَإِرَادَةٍ وَاخْتِيَارٍ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس