عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 03-06-2026, 08:14 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,297
افتراضي التَّوَازُنُ بَيْنَ العَطَاءِ وَحَقِّ الذَّاتِ بقلم فؤاد زاديكي بَيْنَ التَّضْحِيَة

التَّوَازُنُ بَيْنَ العَطَاءِ وَحَقِّ الذَّاتِ

بقلم فؤاد زاديكي

بَيْنَ التَّضْحِيَةِ وَالْأَنَانِيَّةِ بَوْنٌ شَاسِعٌ وَفَضَاءٌ رَحْبٌ؛ فَالتَّضْحِيَةُ عَطَاءٌ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْمَنْفَعَةِ الْخَاصَّةِ إِلَى آفَاقِ الْبَذْلِ وَالْفِدَاءِ، وَالْأَنَانِيَّةُ انْكِفَاءٌ عَلَى الذَّاتِ وَاسْتِئْثَارٌ بِالْمَصَالِحِ وَتَقْدِيمٌ لِلْأَنَا عَلَى مَا سِوَاهَا. وَلَئِنْ بَدَا أَنَّ هَذَيْنِ النَّقِيضَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ الْإِنْسَانِيَّةَ تُثْبِتُ أَنَّهُمَا يَتَجَاوَرَانِ فِي نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَمُجْتَمَعٍ وَاحِدٍ؛ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ الْبَقَاءِ وَرِعَايَةِ مَصْلَحَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ مَفْطُورٌ عَلَى التَّعَاطُفِ وَالْإِيثَارِ وَمُشَارَكَةِ الْآخَرِينَ هُمُومَهُمْ وَآمَالَهُمْ.

غَيْرَ أَنَّ الْحِكْمَةَ لَا تَكْمُنُ فِي الْانْحِيَازِ الْمُطْلَقِ إِلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، بَلْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى إِقَامَةِ تَوَازُنٍ دَقِيقٍ بَيْنَ حَقِّ الذَّاتِ وَوَاجِبِ الْغَيْرِ. فَالْإِنْسَانُ الَّذِي يُفْرِطُ فِي التَّضْحِيَةِ حَتَّى يُهْمِلَ نَفْسَهُ وَيُضَيِّعَ حُقُوقَهُ قَدْ يَجِدُ نَفْسَهُ بَعْدَ حِينٍ مُثْقَلًا بِالْإِرْهَاقِ وَالْمَرَارَةِ، وَالَّذِي يُغَالِي فِي الْعِنَايَةِ بِذَاتِهِ حَتَّى لَا يَرَى غَيْرَهُ يَغْدُو أَسِيرًا لِأَنَانِيَّتِهِ، مَقْطُوعَ الْوَشَائِجِ عَمَّنْ حَوْلَهُ. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ الْفَضِيلَةَ لَيْسَتْ فِي إِلْغَاءِ الذَّاتِ، وَلَا فِي تَأْلِيهِهَا، بَلْ فِي وَضْعِهَا فِي مَوْضِعِهَا الْعَادِلِ.

إِنَّ الْمُجْتَمَعَ السَّلِيمَ هُوَ الَّذِي يُرَبِّي أَبْنَاءَهُ عَلَى أَنَّ لِلْإِنْسَانِ حَقًّا عَلَى نَفْسِهِ كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ حَقًّا لِغَيْرِهِ؛ فَلَا يُطَالَبُ بِالْبَذْلِ فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَلَا يُسْمَحُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَصْلَحَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ مِعْيَارًا وَحِيدًا لِكُلِّ قَرَارٍ. وَعِنْدَمَا يَعِي الْفَرْدُ أَنَّ الْعَطَاءَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَكُونُ عَلَى حِسَابِ كَرَامَتِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ، وَأَنَّ الْعِنَايَةَ بِنَفْسِهِ لَا تَعْنِي التَّخَلِّيَ عَنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ التَّوَازُنُ الْمَنْشُودُ الَّذِي تَنْسَجِمُ فِيهِ الْحُقُوقُ مَعَ الْوَاجِبَاتِ.

وَلَعَلَّ أَبْلَغَ مَا يُقَالُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْمُجْتَمَعَ لَا يَنْهَضُ بِأُنَاسٍ يَسْتَنْزِفُونَ أَنْفُسَهُمْ حَتَّى الْفَنَاءِ، وَلَا بِآخَرِينَ يَعِيشُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَحْدَهَا، بَلْ يَنْهَضُ بِأُنَاسٍ يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْعَطَاءِ وَالْحِفَاظِ عَلَى الذَّاتِ، وَبَيْنَ الْإِيثَارِ وَالْإِنْصَافِ. فَكَمَا أَنَّ السَّفِينَةَ لَا تَسْلَمُ إِذَا انْشَغَلَ كُلُّ رَاكِبٍ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهَا لَا تَسْلَمُ أَيْضًا إِذَا أَهْمَلَ كُلُّ رَاكِبٍ مَوْضِعَهُ وَمَسْؤُولِيَّتَهُ. وَإِنَّمَا تَبْلُغُ شَاطِئَ الْأَمَانِ حِينَ يَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ بِدَوْرِهِ، ثُمَّ يَمُدُّ يَدَهُ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا.

وَهَكَذَا يَبْقَى التَّوَازُنُ بَيْنَ التَّضْحِيَةِ وَحَقِّ الذَّاتِ فَنًّا أَخْلَاقِيًّا رَفِيعًا، لَا يَقُومُ عَلَى الْحِسَابَاتِ الْجَافَّةِ، بَلْ عَلَى الْوَعْيِ وَالْبَصِيرَةِ وَسَلَامَةِ الضَّمِيرِ. فَمَتَى أَدْرَكَ الْإِنْسَانُ أَنَّ سَعَادَتَهُ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِسَعَادَةِ مَنْ حَوْلَهُ، وَأَنَّ عَطَاءَهُ لَنْ يَدُومَ إِلَّا إِذَا حَفِظَ لِنَفْسِهِ حَقَّهَا، أَمْكَنَهُ أَنْ يَسِيرَ فِي طَرِيقِ الْحَيَاةِ خُطًى مُتَّزِنَةً، تَجْمَعُ بَيْنَ نُبْلِ الْقَلْبِ وَحِكْمَةِ الْعَقْلِ.

فؤاد زاديكي.
__________________
fouad.hanna@online.de


التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 23-07-2026 الساعة 07:29 AM
رد مع اقتباس