عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم يوم أمس, 09:22 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,139
افتراضي بِمِعْيَارِ الإِنْسَانِيَّةِ بِقَلَمِ فُؤَادِ زَادِيكِي لَيْسَتِ الإِنْسَانِيَّةُ ح

بِمِعْيَارِ الإِنْسَانِيَّةِ

بِقَلَمِ فُؤَادِ زَادِيكِي

لَيْسَتِ الإِنْسَانِيَّةُ حِجَارَةً تُوَزَنُ، وَلَا رَقْمًا يُحْتَسَبُ، وَلَا مِعْيَارًا وَاحِدًا يُطْبَّقُ عَلَى النُّفُوسِ فَتَسْتَوِي أَوْ تَتَفَاضَلُ عَلَى وَفْقِهِ. إِنَّهَا بِنَاءٌ مُرَكَّبٌ تَتَدَاخَلُ فِيهِ الأَثَرَاتُ كَمَا تَتَدَاخَلُ أَشِعَّةُ الضَّوْءِ فِي زُجَاجَةٍ صَافِيَةٍ، فَتُشَكِّلُ فِي مَجْمُوعِهَا مَا يُشْبِهُ ظِلَّ الإِنْسَانِ وَحَقِيقَتَهُ.

وَإِذَا أَرَادَ النَّاسُ أَنْ يَقِيسُوا مَدَى الإِنْسَانِيَّةِ فِي فِعْلٍ أَوْ صَاحِبِهِ، فَإِنَّهُمْ يَلْجَأُونَ، دُونَ أَنْ يَشْعُرُوا، إِلَى مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْمَعَايِيرِ الْمُتَدَاخِلَةِ: فَيَنْظُرُونَ إِلَى أَثَرِ الْفِعْلِ عَلَى الْآخَرِينَ، فَإِنْ خَفَّفَ مَأْسَاةً أَوْ رَفَعَ ظُلْمًا أَوْ أَضَافَ إِلَى حَيَاةِ الإِنْسَانِ قِيمَةً، عُدَّ فِي مِيزَانِهِمْ فِعْلًا أَقْرَبَ إِلَى الإِنْسَانِيَّةِ. ثُمَّ يَعْرِجُونَ إِلَى النِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ صَادِرًا عَنْ رَحْمَةٍ وَإِيثَارٍ وَتَعَاطُفٍ، ازْدَادَتْ قِيمَتُهُ فِي وُجْدَانِهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَشُوبًا بِمَنْفَعَةٍ أَوْ تَلَاعُبٍ، نَقَصَ مَعْنَاهُ وَإِنْ حَسُنَتْ نَتَائِجُهُ ظَاهِرًا.

وَلَا يَقِفُ الْحُكْمُ عِنْدَ فِعْلٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى نَسَقِ السُّلُوكِ وَاسْتِمْرَارِهِ؛ فَالإِنْسَانُ الَّذِي يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الْخَيْرُ فِي عَادَتِهِ وَيَثْبُتُ فِيهِ الْإِحْسَانُ فِي مَوَاقِفِهِ، أَعْلَى رُتْبَةً فِي الْمِيزَانِ مِنْ فِعْلٍ عَابِرٍ وَإِنْ بَدَا جَلِيلًا. وَيَتَدَخَّلُ مِقْدَارُ التَّضْحِيَةِ كَذَلِكَ، فَكُلَّمَا تَنَازَلَ الإِنْسَانُ عَنْ نَفْعِهِ لِصَالِحِ غَيْرِهِ، كَانَ أَقْرَبَ إِلَى مَعْنَى الإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي تَعْنِي أَنْ تَكُونَ مَوْجُودًا لِغَيْرِكَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ لِنَفْسِكَ.

وَتَبْقَى الْكَرَامَةُ مِحْوَرًا لَا يَتَزَحْزَحُ؛ فَكُلُّ فِعْلٍ يَحْتَرِمُ الإِنْسَانَ فِي ذَاتِهِ وَيَرْفُضُ اِسْتِغْلَالَهُ أَوْ إِهَانَتَهُ يَرْتَفِعُ فِي سُلَّمِ الْقِيمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، كَمَا أَنَّ كُلَّ عَدْوَانٍ عَلَى هَذِهِ الْكَرَامَةِ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ إِلَى مَكَانٍ أَدْنَى فِي حُكْمِ النَّاسِ وَوُجْدَانِهِمْ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْعَنَاصِرَ جَمِيعَهَا لَا تَتَجَمَّعُ فِي مِيزَانٍ وَاحِدٍ ثَابِتٍ، بَلْ تَتَغَيَّرُ أَوْزَانُهَا بِحَسَبِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَثَقَافَةِ الْمُجْتَمَعِ وَحَاجَاتِهِ.

وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ “مِقْدَارَ الإِنْسَانِيَّةِ” لَيْسَ إِلَّا حُكْمًا جَمْعِيًّا مُرَكَّبًا، يَتَشَكَّلُ مِنْ تَضَافُرِ النَّتِيجَةِ وَالنِّيَّةِ وَالِاسْتِمْرَارِ وَالتَّضْحِيَةِ وَاحْتِرَامِ الْكَرَامَةِ، دُونَ أَنْ يَسْتَقِرَّ عَلَى حَدٍّ مَحْسُوبٍ أَوْ رَقْمٍ مَعْلُومٍ. فَالإِنْسَانِيَّةُ فِي نِهَايَتِهَا لَيْسَتْ مَا نَقِيسُهُ بِأَيْدِينَا، بَلْ مَا نَشْعُرُ بِثِقَلِهِ فِي ضَمَائِرِنَا، وَمَا يَتْرُكُهُ فِي الْوُجُودِ مِنْ أَثَرٍ إِذَا مَرَّ الإِنْسَانُ فِيهِ كَأَنَّهُ رِيحٌ كَرِيمَةٌ تُحْيِي مَا تَمُرُّ بِهِ وَلَا تُؤْذِيهِ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس