عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم يوم أمس, 03:12 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,229
افتراضي

الجذور التاريخية للشعب اليهودي في أرض إسرائيل: قراءة تاريخية في الذاكرة والهوية والسيادة

بقلم: الباحث فؤاد زاديكي

تُعدّ أرض إسرائيل من أكثر المناطق التي شهدت تحوّلات تاريخية وسياسية عميقة عبر آلاف السنين، فقد تعاقبت عليها إمبراطوريات وشعوب وحضارات عديدة، من الكنعانيين والمصريين والآشوريين والبابليين والفرس واليونان والرومان، وصولًا إلى البيزنطيين والعرب المسلمين والصليبيين والمماليك والعثمانيين والقوى الحديثة. ولهذا فإنّ أي نقاش جادّ حول تاريخ هذه الأرض ينبغي أن يستند إلى الأدلة التاريخية والأثرية، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الانتقائية التي تتجاهل بعض الحقائق وتضخم بعضها الآخر.
إنّ أُولى الحقائق، التي ينبغي الاعتراف بها هي أنّ للشعب اليهودي ارتباطًا تاريخيًّا موثّقًا بأرض إسرائيل يعود إلى العصور القديمة، وليس ارتباطًا نشأ في العصر الحديث فقط. فقد ظهرت جماعات بني إسرائيل في أرض كنعان خلال أواخر العصر البرونزي وبدايات العصر الحديدي، ثم تطوّرت لاحقًا ممالك سياسية معروفة تاريخيًّا هي مملكة إسرائيل الشمالية ومملكة يهوذا الجنوبية، التي كانت أورشليم مركزها الديني والسياسي. وقد وجدت إشارات إلى إسرائيل القديمة في مصادر غير يهودية، من بينها النقوش المصرية والآشورية، الأمر الذي يؤكد أنّ وجود إسرائيل القديمة ليس مجرّد رواية دينية، بل موضوع تناولته مصادر تاريخية متعدّدة.
وقد تعرّضت هذه الممالك إلى سلسلة من الغزوات الكبرى، كان من أبرزها سقوط مملكة إسرائيل الشمالية على يد الآشوريين، ثم سقوط مملكة يهوذا سنة 586 قبل الميلاد على يد الإمبراطورية البابلية بقيادة نبوخذ نصر الثاني، حيث دُمِّر الهيكل الأول ونُقِل قسم من سكان يهوذا إلى بابل فيما عُرف بالسبي البابلي. إلّا أنّ هذا السبي لم ينهِ العلاقة بين اليهود وأرضهم، فبعد سقوط بابل أمام الإمبراطورية الفارسية، أصدر الملك كورش الكبير مرسومًا سمح بموجبه لليهود بالعودة إلى يهودا وإعادة بناء الهيكل، وهو حَدَثٌ يُمثِّل محطةً مركزيّةً في الذاكرة اليهودية والتاريخ القديم للمنطقة.
وخلال الفترات اللاحقة، تعاقبت قوى سياسية مختلفة على المنطقة، إلّا أنّ الوجود اليهودي لم ينقطع بصورة كاملة. فقد بقيت جماعات يهودية في القدس والجليل وطبريا وصفد والخليل وغيرها من المدن، رغم تغيّر أنظمة الحكم والظروف السياسية. وكان الارتباط بأورشليم وأرض إسرائيل حاضرًا باستمرار في الثقافة الدينية والأدبية اليهودية عبر قرون طويلة من الشتات.
وكان العصر الروماني مرحلة حاسمة في تاريخ اليهود في هذه الأرض. فقد أدّت التوترات بين اليهود والإمبراطورية الرومانية إلى اندلاع الثورة اليهودية الكبرى في القرن الأول الميلادي، ثم ثورة بار كوخبا بين عامي 132 و136 ميلادية، التي كانت آخر انتفاضة يهودية كبرى ضد روما. وبعد قمع الثورة اتخذ الإمبراطور هادريان إجراءات غيّرت مسار التاريخ اليهودي في المنطقة، فقد تعرّضت مناطق واسعة للدمار، وقُتل وأُسِر عدد كبير من السكان، وأعيد بناء القدس كمستعمرة رومانية باسم "إيليا كابيتولينا"، كما فُرِضت قيود على دخول اليهود إليها وفق ما تذكره المصادر التاريخية.
وفي أعقاب هذه الأحداث أعاد هادريان تنظيم المقاطعة الرومانية، التي كانت تُعرَف باسم يهودا، وأطلق عليها اسم "سوريا فلسطين" (Syria Palaestina). ويُعدّ هذا أول استخدام رسميّ إداري واسع لهذا الاسم كمُسمّى لمقاطعة رومانية، ويرى عدد من المؤرخين أنّ تغيير الاسم كان يحمل دلالة سياسية تهدف إلى تقليل الارتباط الرسمي بين المنطقة وهُوِيّتها اليهودية السابقة بعد سلسلة الثورات ضد الحكم الروماني.
ومن الضروريّ هنا التمييز بين الاستخدامات القديمة لكلمة فلسطين وبين استخدامها الإداري الروماني. فقد ورد اسم فلسطين أو "بالاستين" في بعض المصادر اليونانية القديمة، ومنها كتابات هيرودوتس في القرن الخامس قبل الميلاد، بوصفه اسمًا جغرافيًّا لمنطقة معيّنة، وليس بوصفه دولة عربية أو هُوِيّة قوميّة حديثة. كما أنّ الفلسطينيين القدماء، الذين ارتبط بهم الاسم كانوا شعبًا قديمًا من شعوب البحر استقرّوا على الساحل الجنوبي لكنعان خلال القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وتُشير الدراسات الأثرية إلى وجود تأثيرات ثقافية مرتبطة بشرق البحر المتوسط ومنطقة بحر إيجه لديهم. ولم يكونوا عربًا أو مسلمين، إذ إنّ ظهور الهُوِيّة العربيّة السياسية والإسلام بعد ذلك جاء بعد قرون طويلة.
غير أنّ التاريخ لا يمكن اختزاله في شعب واحد أو حقبة واحدة، فالمجتمعات البشرية تتغيّر وتتداخل عبر الزمن. ولذلك فإنّ التمييز بين الفلسطينيين القدماء وبين العرب الفلسطينيين المعاصرين أمر ضروري عند دراسة التاريخ، كما أنّ الاعتراف بالوجود التاريخي اليهودي لا يعني تجاهل تاريخ المجتمعات الأخرى، التي عاشت في المنطقة عبر العصور.
في القرن السابع الميلادي انتقلت السيطرة السياسية على بلاد الشام من الإمبراطورية البيزنطية إلى الخلافة الإسلامية بعد الفتوحات العربية. وكما حدث في مناطق كثيرة من العالم القديم، كان ذلك انتقالًا للسلطة السياسية من إمبراطورية إلى أخرى. وقد عاش اليهود والمسيحيون في ظلّ الحكم الإسلامي خلال فترات مختلفة وبأوضاع متباينة تبعًا للزمن والدولة الحاكمة. أمّا الوثائق المنسوبة إلى تلك الفترات، ومنها ما يُعرَف بالعهدة العمريّة، فقد وصلت عبر روايات متعدّدة، وبعض تفاصيلها موضع نقاش بين الباحثين، ولذلك ينبغي التعامل معها ضمن سياقها التاريخي لا باعتبارها مادّة دعائية معاصرة.
لقد بقيت فكرة العودة إلى أرض إسرائيل عنصرًا أساسيًّا في الوعي اليهودي عبر قرون الشتات. وعندما ظهرت الحركة الصهيونية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر، استندت إلى فكرة أنّ اليهود شعب ذو جذور تاريخية وثقافية في هذه الأرض، وأنّ إقامة وطن قومي لهم تمثّل عودة إلى موطن تاريخيّ بعد قرون من الاضطهاد والتشرّد، خصوصًا في أوروبا.
وفي عام 1947 أصدرت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، عربيّة ويهوديّة. أدّى رفض القرار من جانب القيادات العربية واندلاع الحرب عام 1948 إلى قيام دولة إسرائيل ونشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع السياسي والقانوني. ومنذ ذلك الوقت أصبح النقاش لا يتعلّق فقط بالتاريخ القديم، بل أيضًا بقضايا السيادة والحدود وحقوق السكان والقانون الدولي.
إنّ وصف تاريخ عودة اليهود إلى أرض إسرائيل بأنّه مجرّد حركة استعمارية وافدة يتجاهل جانبًا أساسيًّا من التاريخ، وهو أنُ الشعب اليهودي نشأ في هذه الأرض، وأقام فيها كيانات سياسية ومراكز دينية وثقافية، ثم تعرّض لعمليات غزو وتهجير أدّت إلى انتشار واسع في الشّتات، مع استمرار ارتباطه الروحي والثقافي بها عبر العصور. وفي الوقت نفسه، فإنّ التاريخ الحديث شهد تطوّر مجتمع عربي فلسطيني له ارتباطه بهذه الأرض، وهو واقع تاريخي لا يمكن تجاهله.
إنّ القراءة الموضوعية للتاريخ لا تقوم على إنكار حقائق طرف لصالح طرف آخر، بل على الاعتراف بتعدّد الطبقات التاريخية، التي شكّلت هذه المنطقة. فالجذور التاريخية اليهوديّة في أرض إسرائيل حقيقة موثّقة بالمصادر الأثرية والتاريخية، كما أنّ التاريخ اللاحق للمنطقة أنتج واقعًا إنسانيًّا وسياسيًّا مُعقّدًا. ومن هنا فإنّ أيُ نقاش جادّ حول هذه القضية يجب أن يبدأ بالاعتراف بالتاريخ كما هو، لا كما ترغب الأيديولوجيات المختلفة في تصويره.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس