عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم يوم أمس, 06:32 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,259
افتراضي بين حرية الاعتقاد وحصرية الحقيقة وآيات القتال قراءة عقلانية نقدية في العلاقة بين آيا

بين حرية الاعتقاد وحصرية الحقيقة وآيات القتال

قراءة عقلانية نقدية في العلاقة بين آيات السلم والقتال ومفهوم الآخر في الإسلام — الحلقة الأولى

الباحث: فؤاد زاديكي

من أكثر الأسئلة حساسية وإثارة للجدل في دراسة الإسلام مسألة العلاقة بين النصوص التي تبدو داعية إلى حرية الاعتقاد والتعايش مع الآخر، وبين نصوص أخرى تتحدّث عن القتال والجزية وتصنيف غير المسلمين بوصفهم «كافرين» أو «مشركين»، بل وعن إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب.
السؤال هنا ليس سؤالًا عدائيًّا تجاه الإسلام، ولا محاولة لإدانة المسلمين، وإنّما هو سؤال معرفي ومنطقي مشروع: كيف يمكن أن تكون مجموعة من النصوص ذات المصدر الإلهي الواحد متماسكة إذا كانت تمنح الإنسان من جهة حرية الاعتقاد، ثم تجعل من جهة أخرى الإسلام وحده الدين المقبول عند الله، وتضع أحكامًا للقتال أو الإخضاع السياسي لبعض غير المسلمين؟
وهل يعني وجود هذه النّصوص المتباينة أن الله «غيّر رأيه» مع الزمن والمكان؟ أم أنّ المسألة يمكن تفسيرها ضمن مفهوم اختلاف السّياقات، وتدرّج التّشريع، والنّسخ، والتّمييز بين الحكم العقدي والحكم السياسي والعسكري؟
هذه الأسئلة تستحقّ أن تُناقَش بعيدًا عن التّبرير الدّيني المُسبَق، وبعيدًا أيضًا عن الحكم المُسبق بأنّ النصّ «متناقض» لمجرّد وجود اختلاف بين آياته. والمنهج الأكثر إنصافًا هو أن نعرض النصوص أولًا، ثم نبحث في إمكان التوفيق بينها، ثم نسأل سؤالًا فلسفيًّا أعمق: حتى إذا أمكن تفسير الاختلاف النصي، فهل يمكن تبرير المبدأ أخلاقيًّا وإنسانيًا عندما يُصبح الانتماء الديني مِعيارًا في الحكم على الإنسان؟
هناك بالفعل مجموعة واضحة من النصوص القرآنية التي تمنح الإنسان مساحة واسعة في الاختيار الديني. من أبرزها قوله تعالى:
«لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»
(البقرة 256)
ومن النصوص المهمّة أيضًا:
«وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ»
(الكهف 29)
وفي سورة الكافرون:
«لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ»
وكذلك يقول:
«لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ»
(الممتحنة 8)
وهناك أيضًا:
«وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»
(البقرة 190)
إذن، من الخطأ المنهجي القول إنّ القرآن لا يحتوي على نصوص تدعو إلى التسامح أو حرية الاعتقاد. هذه النصوص موجودة بوضوح ولا يمكن إنكارها.
لكنّ المشكلة تبدأ عندما ننتقل من حرية الاختيار إلى الحقيقة الدينية النهائية.
يقول القرآن:
«إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ»
(آل عمران 19)
ويقول:
«وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ»
(آل عمران 85)
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين: هذه الآيات لا تعني بالضرورة أنّ غير المسلم يجب أن يُقتل أو يُطرَد أو يُجبَر على الإسلام، لكنّها تعني بوضوح أنّ القرآن لا يقدّم الأديان جميعًا باعتبارها صحيحة على قدم المساواة أمام الله.
إذن هناك فرق بين:
التسامح مع الآخر،
والاعتراف بصحة عقيدته. وهذان شيئان مختلفان. فيمكن للإنسان أن يقول: «أنا أؤمن بأنّ ديني هو الحقّ، لكنّني لا أكرهك على اعتناقه». وهذا من حيث المنطق ليس تناقضًا.
لكنّ السؤال يُصبح أكثر صعوبة عندما ينتقل الأمر من الاعتقاد الشخصيّ إلى القانون والسياسة والحرب.
وهنا تظهر آيات القتال.
يقول القرآن:
«فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ»
(التوبة 5) (والأصحّ هنا لغويًّا القول: فإذا انسلختْ بدل انسلخَ لأنّ أشهر جمع وليس مفردًا)
ولا يصحّ تجاهل هذا النصّ أو استبداله بشعار عامّ مثل «الإسلام دين السلام». وفي الوقت نفسه لا يصحّ أن نقرأه باعتباره أمرًا مُطلقًا بقتل كلّ غير مسلم في كلّ زمان ومكان، فالآية تقع ضمن سياق محدّد يتعلّق بالمشركين والعهود والحرب.
لكن لدينا في المقابل آية أخرى تقول:
«وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا».
ومن هنا يظهر السؤال: هل نحن أمام قاعدة عامّة تقول إنّ القتال لا يكون إلّا ضدّ من يبدأ بالقتال، أم أنّ الآية مُرتبطة بسياق تاريخي محدّد؟
إذا قلنا إنّها قاعدة عامّة، فستنشأ مشكلة تاريخيّة كبيرة عند دراسة الفتوحات الإسلامية اللاحقة.
وإذا قلنا إنّها مُرتبطة بسياق معيّن، فهذا يفتح الباب أمام القول إنّ القرآن لا يقدّم قاعدة واحدة ثابتة للقتال في جميع الظروف.
وتزداد المسألة تعقيدًا مع قوله تعالى:
«قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»
(التوبة 29)
فالآية لا تقول ببساطة: «قاتلوهم لأنّهم هاجموكم»، وإنّما تتحدّث عن فئة دينية معيّنة (وهي اليهود والمسيحيّين) وتربط انتهاء القتال بالجزية.
وهذا يجعل من الصّعب اختزال كلّ التّشريع القرآني للقتال في مفهوم الدّفاع عن النفس بالمعنى الحديث.
ثمّ نصل إلى مفهوم النّسخ.
يقول القرآن:
«مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا» (وهنا نسأل عن معنى قوله ونُنْسِهَا فهل الله يَنسَى؟)
(البقرة 106)
والتراث الإسلامي عرف بالفعل مفهوم النسخ، أي أنّ حكمًا يمكن أن يُرفع أو يُستبدل بحكم آخر.
ومن المنظور الإسلاميّ، هذا لا يعني أنّ الله «غيّر رأيه» بمعنى بشري، فالله، وفق العقيدة الإسلامية، يعلم الماضي والحاضر والمستقبل. وإنّما يعني أنّ الحكم الذي شُرِّع في مرحلة معيّنة استُبدِل بحكم آخر كان داخل العلم والإرادة الإلهيين منذ البداية.
لكنّ الناقد يستطيع أن يُعيد صياغة السؤال:
إذا كان المحتوى المعياريّ للحكم قد تغيّر من مرحلة إلى أخرى، فهل نحن أمام تغيّر في التشريع، حتى لو لم يكن هناك تغيّر في علم الله؟
هنا نصل إلى نقطة مهمّة: يُمكن للتفسير اللاهوتي أن يُفسِّر لماذا لا يرى المؤمن تناقضًا، لكنّه لا يلغي حقيقة أنّ هناك تغيّرًا في الأحكام والخطاب عبر المراحل.
ولهذا يمكن فهم المسألة بثلاثة نماذج.
الأول: أنّ التناقض ظاهريّ، وأنّ آيات حرية الاعتقاد تتحدّث عن الإيمان الداخلي، بينما آيات القتال تتحدّث عن ظروف الحرب والسياسة.
الثاني: أنّ التشريع تطوّر وتدرّج، وأنّ بعض الأحكام نُسِخَت أو خَصّصت أحكامًا أخرى.
الثالث: أنّ الخطاب الديني نفسه ارتبط بتطوّر الجماعة الإسلامية من جماعة دينية صغيرة في مكة، إلى جماعة سياسية في المدينة، ثم إلى دولة وقوة عسكرية وإمبراطورية بعد وفاة محمد.
والنموذج الثالث مهمّ جدًّا لأنّه ينقلنا من سؤال: «هل غيّر الله رأيه؟» إلى سؤال آخر أكثر قابلية للدراسة التاريخية:
هل تغيّر الخطاب لأنّ الجماعة نفسَها تغيّرت وتغيّرت ظروفها السياسية والعسكرية؟
ومن هنا لا أرى أنّ العبارة الأكثر دقّة هي أنّ «هناك تناقضًا منطقيًّا قطعيًّا يُثبت استحالة أن يكون النص من مصدر واحد».
الأدقّ علميًّا هو القول:
هناك توتّرات وتَعارضات مِعيارية وتاريخية حقيقية بين مجموعات من النصوص، ويمكن للتفسير الإسلامي أن يقدم أدوات للتوفيق بينها، لكنّ هذا التوفيق لا يلغي أنّ الخطاب الديني يتغيّر بوضوح في بعض أحكامه بحسب المرحلة والسياق.
ويبقى السؤال الأهمّ الذي سننتقل إليه في الحلقة الثانية:

إذا كانت آيات القتال مرتبطة بالدّفاع عن النفس، فهل يستطيع هذا التفسير أن يُفسر الفتوحات الإسلامية التي خرجت من الجزيرة العربية إلى الشام والعراق ومصر وفارس وشمال أفريقيا والأندلس، وهي مناطق لم تهاجِم الدولة الإسلامية داخل الجزيرة العربية أولًا؟
وهنا تحديدًا يبدأ الاختبار التّاريخي الحقيقيّ للنّظرية.

الباحث: فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس