صَلْبُ المسيحِ بين الروايةِ التّاريخيّة والرواية القرآنيّة
قِراءة نَقديّة في قوّة الأدلّة
الباحث: فؤاد زاديكي
تُثيرُ مَسألةُ صَلْبِ المسيحِ إشكاليةً تاريخيّةً ومَنهجيّةً بالغةَ الأهمّيّةِ عندما تُوضَعُ الرّوايةُ المسيحيّةُ المُبكّرةُ في مُواجهةِ الرُوايةِ القُرآنيّةِ، التي ظهرتْ بعدَ الحَدَثِ التّاريخيّ بنحوِ سِتّةِ قُرُونِ. ولا تَكمُنُ أهمّيّةُ هذهِ الإشكاليّةِ في الاختلافِ العَقائِديّ بين المسيحيّة والإسلام فحسبْ، وإنّما في السّؤالِ المنهجيّ المُتعلّق بكيفيّة تَرجيحِ روايةٍ تاريخيّةٍ على أخرَى عندما يَكونُ الفارِقُ الزّمنيُّ بينَ مصادرِها كبيرًا، وعندما تَختلِفُ طبيعةُ الأدلّةِ، التي يَستَنِدُ إليها كلُّ طَرَفٍ.
صُلِبَ يسوعُ في النّصفِ الأوّل من القرنِ الأوّلِ الميلاديّ، بينما تَعُودُ أقدمُ الكتاباتِ المسيحيّةِ الباقيةِ إلى عُقُودٍ قَليلةٍ بعدَ حياتِه، وفي مُقَدِّمتِها رسائلُ بولس، التي تَرْجِعُ إلى نحوِ مُنتصفِ القرنِ الأوّل. وتأتي بعدَها الأناجيلُ، التي دُوّنَتْ في النّصف الثّاني من القرنِ الأوّلِ. وتُجْمِعُ هذهِ التّقاليدُ المَسيحيّةُ المُبكّرةُ على أنّ يسوعَ أُعدِمَ صَلْبًا في عهدِ الوالي الرّومانيّ بيلاطسٍ البُنطيّ. ولا تَقتصرُ الإشارةُ إلى الصّلبِ على مصدرٍ واحدٍ، بل يَظهَرُ في عددٍ من التّقاليدِ المَسيحيّةِ المُبكّرةِ، الأمرُ الذي جعلَ الصّلبَ منَ الوقائِعِ، التي تَحْظَى بدرجةٍ عاليةٍ جدًّا من القُبُولِ في البحثِ التاريخيّ الحديثِ، بمَا في ذلك لدى عددٍ من الباحثينَ الذين لا يَتَبَنّونَ العقيدةَ المَسيحيّةَ.
وتزدادُ أهمّيّة ذلك عندَ النّظرِ إلى المَصادِرِ غيرِ المسيحيّةِ. فالمؤرّخُ الرّومانيّ تاسيتوس، في أوائل القرن الثاني، يُشيرُ إلى أنّ المسيحَ، الذي أخَذَ المَسيحيّونَ اسمَهُم مِنهُ، عُوقِب في عَهدِ تيبيريوس على يَدِ الوالي بيلاطس البنطيّ. وهذهِ الشهادةُ ليستْ مَصدرًا مَسيحيًّا، ولذلك تُمثّلُ قَرِينةً خارجيّةً مُهِمّة على الإطارِ العامِّ للرّوايةِ المُتعلّقةِ بإعدامِ يسوع. أمّا يوسيفوس، المؤرّخُ اليهوديّ، الذي كتبَ في أواخرِ القرنِ الأولِ، فَتُوجَدُ في مؤلّفاتِهِ إشارةٌ إلى يسوعَ، وإنْ كانتِ الصّياغةُ الحاليّةُ للنصِّ مَوضِعَ نِقاشٍ بين الباحثينَ بسببِ احتمالِ تَعَرُّضِهَا لتعديلاتٍ مَسيحيّةٍ لاحقةٍ. ومِنْ ثُمّ يَنبغِي التّعاملُ معها بِحَذَرٍ، دون أن يَعني ذلكَ إسقاطَ القيمةِ التّاريخيّة الكاملةِ للتّقليدِ، الذي يَنقلُ مَعلوماتٍ عن يسوعَ ومَوتِه.
ومِنَ المُهمِّ هُنا أن نكونَ دقيقينَ في استخدامِ مَفهومِ «الشّهادة». فليسَ لدينا، بالمعنَى الوثائقيّ الصّارم، مَحْضَرٌ رُومانيٌّ أصليٌّ لِمُحاكمَةِ يسوع، ولا وَثيقةٌ مُعاصرَةٌ كتبَها بيلاطس نفسُه، ولا شهادةٌ مَكتوبةٌ باقيَةٌ مِن أحدِ الأشخاصِ، الذين وَقَفُوا تحتَ الصّليبِ وقالُوا إنّهم رأوا عمليةَ الصَّلبِ بأعيُنِهم. كمَا أنّ الرّواياتِ المتعلّقةَ بزوجةِ بيلاطس، وموقفِها من يسوع، وإطلاقِ باراباس بَدَلًا مِنه، تَصِلُنا من خلالِ النّصوصِ الإنجيليّةِ نفسِها. ففي إنجيلِ متّى، على سبيلِ المِثالِ، تَرِدُ قصّةُ زوجةِ بيلاطس، التي أرسلتْ إليهِ أثناءَ المُحَاكَمةِ تُحذّرُهُ مِنَ التّدخّلِ في أمرِ «ذلك البَارّ»، كَمَا تَذكُرُ الأناجيلُ أنّ بيلاطسَ لم يَجِدْ في يسوعَ سَببًا يَستَوجِبُ الموتَ، ثمّ تَروِي حادثةَ إطلاقِ باراباس وصَلْبِ يسوع. وهذهِ الرّواياتُ يُمكِنُ أن تُمَثّلَ تَقالِيدَ ذاتَ قيمةٍ تاريخيّةٍ مُحتمَلةٍ، لكنّها لا تَسمحُ لنا منهجيًّا بأنْ نقولَ إنّ لدينا شهادةً مُستقلّة من زَوجِة بيلاطس أو مِن بِيلاطس نفسِه, فنحنُ نعرفُها من مصادرَ إنجيليّةٍ دُوّنَتْ بعدَ الحَدَثِ.
ويَنطَبِقُ الأمرُ نفسُهُ على ما يُتدَاوَلُ أحيانًا عن «رسالةِ بيلاطس» التي يُقالُ إنّها اكتُشِفَتْ وأنّها بِخطِّ يدِهِ، أو أنّها تُمَثّلُ تَقريرًا رَسميًّا إلى الإمبراطورِ بِشأنِ صَلْبِ يسوعَ بأمرّ من شُيوخِ اليَهودِ. تُوجَدُ بالفِعلِ في التّراثِ المَسيحيّ نُصوصٌ مَنسُوبةٌ إلى بيلاطسَ تَتناولُ يسوعَ وصَلْبَهُ، إلّا أنّ هذه النّصوصَ لا تُمَثّلُ وثيقةً أصليّةً مَكتوبةً بخطِّ بيلاطس، وإنّما تَنتمِي إلى الأدبياتِ المَسيحيّةِ الأبوكريفيّةِ المُتأخّرةِ، وقد صَنّفهَا الباحثون باعتبارِها نُصوصًا مَنسوبةً زُورًا إلى بيلاطس. ولذلك لا يَصحُّ استخدامُها بوصفِها شهادةً رومانيّةً مُستقلّةً على الصّلبِ. ومعَ ذلك، فإنّ وجودَ مثلِ هذهِ النّصوصِ يَفِيدُنا من ناحيةٍ منهجيّةٍ أخرى، لأنّه يُوضِحُ ضرورةَ عدمِ قُبُولِ أيّ وثيقةٍ لمجرّدِ أنّها تحملُ اسمَ شاهدٍ تاريخيّ معروف, فالنّسبة إلى شخصيّةٍ تاريخيّةٍ لا تُثبِت صحّةَ النصِّ ما لم تؤيدُها قرائنُ ماديّة ونصّيّة مستقلّة.
لكنّ المفارقةَ المُهمّة هي أنّ إثباتَ الصّلبِ تاريخيًّا لا يحتاجُ أصلًا إلى رسالةِ بيلاطس المَزعومة، ولا إلى قصّة زوجتِه، ولا حتّى إلى صحّةِ كلّ التفاصيلِ الواردةِ في رواياتِ المُحاكمةِ. فهذهِ العناصرُ يُمكنُ استبعادُها كلّها، ومع ذلك يبقى الأساسُ التاريخيّ لوقوعِ الصّلبِ قويًّا جدًّا، لأنّ تقليدَ موتِ يسوع بالصّلبِ أقدمُ بكثيرٍ من هذه التفاصيلِ، ويظهرُ في مصادرَ مسيحيّةٍ مبكّرةٍ ومتعدّدةِ، ثمّ يجدُ له صدًى في مصادرَ غير مسيحيّةٍ لاحقةٍ نسبيًّا. ولهذا يُعَدّ إعدامُ يسوع وصلبُه في عهد بيلاطس من أكثر العناصر ثُبُوتًا في إعادة بناء حياة يسوع التاريخية.
كما أنّ هناك نُبؤات من أنبياء في العهد القديم تُشير بشكل رمزي إلى عذابات المسيح وصلبه تكاد تتطابق مع ما حصل في عمليّة الصّلب تمامًا. تَضَمَّنَ العَهْدُ القَدِيمُ العَدِيدَ مِنَ النُّبُوءَاتِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي تَكَلَّمَتْ عَنْ صَلْبِ المَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ، وَبَرَزَ عَدَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالمَلُوكِ الَّذِينَ صَوَّرُوا هَذِهِ الأَحْدَاثَ قَبْلَ حُدُوثِهَا بِمِئَاتِ السِّنِينَ.
أَبْرَزُ الأَنْبِيَاءِ وَنُبُوءَاتُهُمْ:
* النَّبِيُّ إِشَعْيَاء (نَبِيُّ الآلاَمِ):
* الآلاَمُ وَالصَّلْبُ: يُعْتَبَرُ الإِصْحَاحُ الـ 53 مِنْ سِفْرِ إِشَعْيَاءَ مِنْ أَوْضَحِ النُّبُوءَاتِ عَنْ جَلْدِ المَسِيحِ وَصَلْبِهِ وَمَوْتِهِ الكَفَّارِيِّ: «وَهُوَ المَجْرُوحُ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، المَشْحُوقُ لأَجْلِ آثَامِنَا... وَكَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ» (إشعياء 53: 5-7).
* القِيَامَةُ: يُشِيرُ إِلَى حَيَاتِهِ بَعْدَ المَوْتِ وَنَجَاحِ عَمَلِهِ: «إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً، تُطَالُ أَيَّامُهُ» (إشعياء 53: 10).
* المَلِكُ وَالنَّبِيُّ دَاوُد (فِي المَزَامِيرِ):
* تفَاصِيلُ الصَّلْبِ: وصَفَ فِي المَزْمُورِ 22 تفَاصِيلَ الدَّقِيقَةِ لِلصَّلْبِ، كَثَقْبِ اليَدَيْنِ وَالقَدَمَيْنِ، وَاقْتِرَاعِ الحُرَّاسِ عَلَى ثِيَابِهِ: «ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ... وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ» (مزمور 22: 16-18)، إِضَافَةً إِلَى مَزْمُورِ 69: 21 «وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاً».
* القِيَامَةُ: أَعْلَنَ عَنْ عَدَمِ فَسَادِ جَسَدِهِ فِي القَبْرِ وَقِيَامَتِهِ فِي المَزْمُورِ 16: 10: «لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الهَاوِيَةِ، وَلاَ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَاداً».
* النَّبِيُّ زَكَرِيَّا:
* الذَّبْحُ وَالطَّعْنُ: نَبَّأَ عَنْ طَعْنِ المَسِيحِ وَالحُزْنِ عَلَيْهِ: «فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ» (زكريا 12: 10)، وَعَنْ خِيَانَتِهِ بِثَلاَثِينَ مِنَ الفِضَّةِ (زكريا 11: 12).
* النَّبِيُّ دَانِيَال:
* تَوْقِيتُ المَوْتِ: نَبَّأَ فِي إِصْحَاحِهِ التاسِعِ عَنْ مَوْتِ المَسِيحِ لِكَفَّارَةِ الإِثْمِ: «وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعاً يُقْطَعُ (يُمَاتُ) المَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ» (دانيال 9: 26).
* النَّبِيُّ يُونَان (يُونُس):
* رَمْزُ القِيَامَةِ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ: يُعْتَبَرُ بَقَاؤُهُ فِي بَطْنِ الحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ نُبُوءَةً رَمْزِيَّةً صَرِيحَةً لِبَقَاءِ المَسِيحِ فِي القَبْرِ ثُمَّ قِيَامَتِهِ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ (يونان 1: 17)، وَهُوَ مَا أَكَّدَهُ المَسِيحُ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ (آيَةُ يُونَانَ النَّبِيِّ).
* النَّبِيُّ هُوشَع:
* القِيَامَةُ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ: أِشَارَ إِلَى القِيَامَةِ بَعْدَ المَوْتِ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ: «يُحْيِينَا بَعْدَ يَوْمَيْنِ. فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ يُقِيمُنَا فَنَحْيَا أَمَامَهُ» (هوشع 6: 2).
تُشَكِّلُ هَذِهِ النُّبُوءَاتُ بِمَجْمُوعِهَا شَهَادَةً كِتَابِيَّةً مُتَكَامِلَةً عَنْ المَصِيرِ الكَفَّارِيِّ لِلْمَسِيحِ مِنْ صَلْبٍ وَمَوْتٍ وَقِيَامَةٍ فِي العَهْدِ القَدِيمِ.
وفي المقابل، نجد القرآن، الذي ظهر في القرن السابع الميلادي، يقدّم رواية مختلفة جذريًّا، إذ يقول في سورة النساء: «وما قتلُوه وما صلبُوه ولكن شُبّه لهم». ووفق الفهم الإسلاميّ التقليديّ، فإنّ يسوع لم يُقتَل ولم يُصلَب، وإنّما وقعَ تشبيهٌ جعلَ الذين حاوَلُوا قَتْلَه يَظنّون أنّهم صلبُوه، بينما رفعَه الله إليه. ومن النّاحية الزّمنية، فإنّ هذه الرّواية تأتي بعد الحدث بنحو ستة قرون، وبعد ظُهور التّقاليد المسيحيّة، التي جعلت الصّلبَ والقيامةَ في قلب رسالتها بوقتٍ طويلٍ.
وهنا تبرزُ المشكلةُ التاريخيّة الأساسيّة: إذا وضعنا جميعَ المصادرِ على قَدَم المُساواة، وأردنَا تَقييمَها بأدواتِ النّقدِ التّاريخيّ وحدِها، فمنَ الصّعب تبريرُ إعطاءِ الرّواية القرآنيّة المُتأخِّرة أولويّةً تاريخيّةً على الرواية التي تظهَرُ في مصادر أقدم بكثيرٍ. فالمصدرُ المتأخّرُ لا يُصبح أكثرَ مَوثوقيّة لمجرّد أنّه ينفي الرّواية السّابقة، بل يحتاجُ إلى أدلّة مُستقلّة وقَويّة تُبرّرُ إعادةَ النّظرِ في الاستنتاج التاريخيّ السّابق. وفي حالة نَفي الصّلب، لا نملك، وفق الأدلّة التاريخيّة المُتاحة، شاهدًا مُستقلًّا من القرنِ الأوّل أو الثّاني يقول إنّ يسوع لم يُصلَب وإنّ شخصًا آخرَ شُبّه بهِ.
وهذا لا يعني أنّ كلّ تفاصيل الرواية المسيحيّة يُمكن إثباتُها بالدّرجة نفسِها. فهناك فرق بين ثٌبوتِ الصّلبِ وبين ثُبوتِ تفاصيلِ المُحاكمة، وبين ثُبُوت الإيمانِ المُبكّر بالقيامةِ وبين إثباتِ القيامةِ نفسِها كَحَدَثٍ خارِقٍ للطّبيعة. يستطيعُ المؤرخ، بدرجةٍ عاليةٍ منَ الثّقةِ، أن يقولَ إنّ أتباع يسوع الأوائل آمنوا بأنّه مات وصُلِب وأنّهم اعتقُدوا بعد ذلك أنّه قام وأنّه ظهر لهُم. أمّا القول إنّ القيامةَ حدثتْ فعليًّا بمعجزة إلهية، فهو حكم يتجاوز ما يستطيع المنهج التاريخي التجريبي إثباته بالطريقة نفسها التي يثبت بها وقوع إعدام أو حرب أو معاهدة.
وينبغي أيضًا التعامل بحذر مع قصة القبر الفارغ وقصة يوسف الرامي. فهما واردتان في الأناجيل، لكن إثباتهما تاريخيًّا ليس بقوّة إثبات الصلب نفسه. وكذلك فإنّ القول إنّ «كثيرين شاهدوا الصّلب» ينبغي استخدامه بحذر, إذ لا نملكُ شهاداتٍ مكتوبةً مستقلّةً باقيةً من أولئكَ الشهودِ أنفُسِهم. الأدقّ أن نقول إنّ لدينا تقليدًا مُبكّرًا ومُتعدّد المَصادر عن الصّلب، وليس لدينا مجموعةُ وثائق شخصيّة كتبها شُهود العيان في موقعِ الحَدَثٍ.
ومع ذلك، فإنّ هذه التحفّظات لا تُغيّر النتيجةَ الأساسيّة المُتعلّقة بالصّلب. فحتّى بعد إسقاط العناصر الأكثر قابليّةً للنقاش، يبقى لدينا تقليد مُبكّر جدًّا ومُتعدّد المَصادر يجعلُ وُقوعَ الصّلب استنتاجًا تاريخيًّا قَويًّا للغاية. وفي المُقابل، فإنّ نفي الصّلب في القرآن يأتي بعد قرون ولا يُصاحبه، من مَنظور التّاريخ النّقدي، دليلٌ مُستقلٌّ مُعاصرٌ أو قريبٌ منَ الحَدَثِ يسمحُ بتَرجِيحِهِ على التّقليدِ الأقدمِ.
ومِنْ هُنا فإنّ المسألةَ تعتمدُ في النّهاية على المنهجِ، الذي نختارُه. إذا كان السؤال إيمانيًّا، فإنّ المُسلم الذي يؤمن بأنّ القرآن وحيٌ إلهيٌّ يستطيع أن يقول إنّ الوحي المتأخّرَ صحّحَ ما تعرَّضَ للتحريفِ في الرواية البشريّة السابقة. وبالنّسبة إليه، فإنّ تأخر القرآن زَمنيًّا لا يُمثّل مُشكلة, لأنّ مصدرَه، وفق الاعتقاد الإسلاميّ، ليس الذاكرة البشريّة ولا النّقل التاريخيّ، وإنّما الوحي الإلهي. غير أنّ هذه المُقدّمةَ نفسَها لا يُمكن إثباتُها بالمنهج التّاريخيّ, فهي مُقدّمة إيمانيّة ولاهوتيّة.
أمّا إذا كان السؤال تاريخيًّا بَحتًا، فإنّ الباحث لا يستطيعُ أن يمنح الرواية القرآنية أولويّة لمُجرّد أنّها واردة في القرآن، كما لا يستطيعُ أن يمنحَ الرواية المسيحيّة صحّةً مُطلقةً لمجرّد ورودِها في الأناجيل. بل يجبُ تطبيقُ معيارٍ واحدٍ على الجميع: قُربُ المَصدرِ من الحَدَث، وتَعدّدُ المَصادر، واستقلالُها، وإمكانُ تتبّع الرواية إلى طبقاتٍ أقدم، ووجودُ قرائن مستقلّة تؤيدُها، وغيابُ التناقضاتِ الجَوهريّة بينها.
وبهذا المعيار، فإنّ قضيّة صلبِ المسيحِ تُمثّلُ حالةً واضحةً نِسبيًّا. فلدينا تقليدٌ مُبكّر جِدًّا يُثبِتُ موتَه وصَلبَه ومن ثمّ قيامتَهُ، ولدينا مصادرٌ مُتعدّدةٌ تنقلُهُ، ولدينا شاهدٌ غير مسيحيّ لاحقٌ يُؤيدُ وقوعَ الإعدامِ في عهدٍ بيلاطس، بينما يظهرُ نَفيُ الصّلب في مصدرٍ دينيٍّ جاء بعد ذلك بنحو ستّة قرون، من دون أن يُقدّم هذا المصدرُ، من وجهة النّظرِ التاريخيّة البحتة، شاهِدًا مُستقلًّا قَريبًا مِنَ الحَدَثِ يُبرّرُ قلبَ النتيجةِ السّابقةِ.
ومن ثُم فإنّ الاستنتاجَ الأكثرَ تحفّظًا ليس أنّ كلّ ما في التراث المسيحيّ صحيحٌ، ولا أنّ كل ما في التّراث الإسلاميّ كاذبٌ، وإنّما أنّ الروايات التاريخيّة يجب أن تُقيَّم بحسبِ قُوّة أدلّتِها لا بحسبِ هُوِيّتها الدينيّة. وفي قضيّة الصّلب تَحديدًا، تسمحُ الأدلّةُ التّاريخيّةُ المُتاحَةُ بدرجةٍ عاليةٍ جدًّا من الثّقة بالقولِ إنّ يسوعَ أُعدِم صَلْبًا في عهدِ بيلاطس. أمّا تفاصيل المُحاكمة والدّفن والقبر الفارغ والقيامة فتحتاجُ إلى درجاتٍ مختلفةٍ من التحفّظِ، وأمّا نفيُ الصّلبِ القرآنيّ فيبقَى، وفق المنهج التّاريخيّ وحده، ادّعاءً مُتأخّرًا لا يَملك سَنَدًا تاريخيًّا مُبكّرًا مُماثلًا للسّند الذي تمتلِكُهُ روايةُ الصّلبِ.
وبذلك لا يُصبحُ السؤالُ الحقيقيُّ: «أيّ دينٍ نُصَدّق؟»، وإنّما يُصبح سؤالًا أكثرَ دقّةً: ما الذي يستطيعُ المؤرخُ إثباتَه بالفعلِ عندما يَضعُ جميعَ المصادرِ أمامَه ويُطبّقُ عليها مِعيارًا واحدًا، بصرفِ النّظرِ عن إيمانِه الشّخصيّ؟ وفي حالةِ صَلبِ المسيحِ، يبدو أنّ الجوابَ التاريخيّ أقوى بكثيرٍ لصالِحِ وُقوع الصّلبٍ من صالِحِ نَفْيِهِ.
وتبقى بعد ذلك المسألةُ الأعمقُ: إذا كانَ القرآنُ يُقدّمُ نفسَه بوصفِهِ وَحيًا إلهيًّا، ويُصحّحُ روايةً تاريخيّةً كانت راسخةً قبل ظهورِه بقرونٍ، فمَا الأساسُ الذي يسمحُ لنا تاريخيًّا بالقول إنّ التّصحيحَ القرآنيّ هو الذي يُمثّلُ الحقيقةَ، وليس مُجرّد روايةٍ دينيّةٍ مُتأخّرةٍ؟ هنا تَنتقلُ المَسألةُ من نَقدِ المَصادرِ التّاريخيّة إلى اختبارِ مَفهومِ الوَحي نَفسِه، وعِلاقتِه بالتّاريخِ، وإمكانِ التّحقّقِ من الادّعاءِ بأنّ نَصًّا مُتأخّرًا يَمتَلِكُ مَعرفةً إلهيّةً تُصحّحُ شهاداتٍ أقدمَ مِنْهُ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|