الكتابة والنشر وصناعة المحتوى في عصر منصات التواصل الاجتماعي: التحديات والتحولات وآفا
الكتابة والنشر وصناعة المحتوى في عصر منصات التواصل الاجتماعي: التحديات والتحولات وآفاق بناء بيئة رقمية أكثر توازنًا
الباحث: فؤاد زاديكي
القسم الثاني
ومن جانب آخر، أصبحت مسألة الاعتدال في المحتوى وإدارة المنصات واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا. فالمنصة مطالبة من جهة بحماية مستخدميها من الاحتيال والتحرش والتهديد والكراهية والمحتوى الضار والحسابات الوهمية وغيرها من أشكال الإساءة، لكنها مطالبة من جهة أخرى بعدم تقييد المحتوى المشروع بصورة غير عادلة. وتزداد صعوبة هذه المهمة عندما تعتمد المنصة بدرجة كبيرة على أنظمة آلية لا تستطيع دائمًا فهم السياق الثقافي أو اللغوي أو القانوني للمحتوى. وقد يؤدي ذلك إلى حذف مواد مشروعة أو تقييد حسابات دون أن يكون المستخدم قادرًا على فهم السبب أو الحصول على آلية واضحة وفعالة للاعتراض. وفي المقابل، فإن ضعف الرقابة قد يسمح بانتشار محتوى ضار أو مضلل. ولذلك فإن تحقيق التوازن بين حرية التعبير وحماية المستخدمين يمثل تحديًا مستمرًا لأي منصة رقمية.
ويواجه الكتّاب وأصحاب الحضور العام كذلك مشكلة المضايقة والتنمر والتشهير والهجمات الرقمية. فالانفتاح الذي تمنحه المنصات يسمح بالتفاعل المباشر بين الكاتب والجمهور، وهو أمر إيجابي في جوانب كثيرة، لكنه قد يتحول إلى مصدر ضغط عندما يتعرض الشخص لحملات منظمة من الإساءة أو انتحال الشخصية أو التشهير أو التهديد. وهذه المشكلة لا تؤثر في الشخص المستهدف فقط، وإنما قد تؤثر في البيئة الثقافية بأكملها عندما يؤدي الخوف من الهجوم إلى إحجام بعض الكتاب عن تناول موضوعات معينة أو المشاركة في النقاش العام.
أما الناشر، فإنه يجد نفسه أمام مجموعة إضافية من التحديات. فقد أصبح مطالبًا ليس فقط بإنتاج المحتوى وتحريره، وإنما أيضًا بفهم الخوارزميات، وإدارة الحسابات، وتحليل البيانات، وإنتاج أشكال متعددة من المحتوى، والتعامل مع حقوق النشر، ومتابعة الأداء، وبناء المجتمع الرقمي، والتكيف مع التغير المستمر في المنصات. ولم يعد كافيًا أن يكون الناشر جيدًا في عملية التحرير والنشر التقليدية، بل أصبح بحاجة إلى قدرات تقنية وتسويقية وتحليلية متزايدة. وهذا التحول قد يكون عبئًا كبيرًا على الناشرين الصغار والأفراد الذين لا يمتلكون الموارد التي تمكنهم من مواكبة جميع هذه المتطلبات.
كما أن تعدد المنصات أدى إلى تشتيت الجهد. فالكاتب أو الناشر قد يجد نفسه مطالبًا بإنتاج نسخة طويلة من المادة، ونسخة مختصرة، ومقطع مرئي، ومادة صوتية، ومنشورات قصيرة، وصور توضيحية، ورسائل إخبارية، وغيرها من الصيغ التي تتناسب مع طبيعة كل منصة. ومن ناحية يمكن اعتبار ذلك فرصة للوصول إلى جمهور متنوع، لكنه من ناحية أخرى يفرض على صاحب المحتوى استثمارًا متزايدًا في الوقت والجهد والإنتاج وإدارة الحسابات، وقد يدفعه إلى إعادة إنتاج المحتوى نفسه بصورة متكررة بدل التركيز على تطوير محتوى جديد.
وتبرز كذلك مسألة الخصوصية والبيانات. فالعلاقة الرقمية بين المستخدم والمنصة لا تقوم على المحتوى وحده، وإنما تشمل أيضًا بيانات حول السلوك والتفاعل والاهتمامات وأنماط الاستخدام. وهذا يثير أسئلة حول من يملك هذه البيانات، وكيف تستخدم، وما مقدار الشفافية المتاحة للمستخدم وصاحب المحتوى بشأن طريقة جمعها وتحليلها والاستفادة منها. كما يثير تساؤلات حول التوازن بين المصالح التجارية للمنصات وحقوق الأفراد في الخصوصية والتحكم في بياناتهم.
ومن خلال النظر إلى هذه الجوانب مجتمعة، يتضح أن المشكلة الأساسية لا تتمثل في وجود منصات التواصل الاجتماعي بحد ذاتها، ولا في التكنولوجيا الرقمية باعتبارها تطورًا سلبيًا؛ بل تكمن في النموذج الذي تشكل حول هذه التكنولوجيا وفي العلاقة غير المتوازنة أحيانًا بين الأطراف المختلفة. فالكاتب ينتج المحتوى، لكن المنصة تتحكم في توزيعه؛ والناشر يسعى إلى بناء جمهور، لكن المنصة قد تحدد مدى الوصول إليه؛ والجمهور يستهلك المحتوى، لكنه يواجه صعوبة متزايدة في معرفة مصدره وقيمته وأصالته؛ والمنصة تحتاج إلى تحقيق الاستدامة الاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه تتحمل مسؤولية تنظيم البيئة التي تعمل فيها.
ومن هنا تصبح الحاجة ملحة إلى التفكير في نموذج أكثر توازنًا لا ينظر إلى المحتوى باعتباره مجرد مادة لزيادة وقت الاستخدام أو عدد الإعلانات، وإنما باعتباره إنتاجًا فكريًا وإبداعيًا له صاحب وحقوق وقيمة. مثل هذا النموذج يمكن أن يقوم على مبادئ أكثر وضوحًا في إثبات ملكية المحتوى، وتوثيق مصدره، وحماية حقوق صاحبه، وإتاحة علاقة أكثر مباشرة واستقرارًا بين المنتج وجمهوره، وتوفير أدوات عادلة لتحقيق الدخل، وتحسين القدرة على اكتشاف المحتوى الأصلي والموثوق، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون إلغاء قيمة العمل البشري أو تجاهل حقوق أصحابه.
وقد يكون من المفيد في هذا السياق الانتقال من مفهوم "المتابع" إلى مفهوم "الجمهور الحقيقي"، ومن مفهوم "المشاهدة" إلى مفهوم "القيمة"، ومن مفهوم "النشر داخل منصة" إلى مفهوم "امتلاك العلاقة مع الجمهور". فالنجاح الحقيقي للكاتب لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين مروا على منشوره، وإنما بقدرته على بناء جمهور يثق في إنتاجه ويستطيع الوصول إليه بصورة مستدامة. كما أن نجاح الناشر لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم المحتوى الذي يوزعه، وإنما بقدرته على حماية حقوق المؤلفين وبناء بيئة تجعل إنتاج المعرفة والإبداع قابلًا للاستمرار.
إن التحدي الذي يواجه مستقبل الكتابة والنشر في العصر الرقمي هو إذن كيفية تحقيق التوازن بين الانفتاح والحقوق، وبين الانتشار والأصالة، وبين حرية التعبير والمسؤولية، وبين مصالح المنصة ومصالح صاحب المحتوى، وبين الكم والجودة، وبين التكنولوجيا والقيمة الإنسانية للإبداع. وإذا كانت المرحلة الأولى من الإنترنت قد جعلت النشر متاحًا للجميع تقريبًا، فإن المرحلة التالية قد تحتاج إلى أن تجعل هذا النشر أكثر تنظيمًا وشفافية وعدالة، بحيث لا يكون سهولة الوصول إلى الجمهور على حساب حقوق من ينتج المحتوى، ولا تكون حماية الحقوق عائقًا أمام انتشار المعرفة والإبداع.
إن بناء بيئة رقمية أكثر نضجًا لا يعني بالضرورة استبدال منصات التواصل الاجتماعي القائمة، وإنما يعني إعادة التفكير في بعض الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين الكاتب والناشر والمنصة والجمهور. فالمنصة المستقبلية الأكثر أهمية قد لا تكون تلك التي تجمع أكبر عدد من المستخدمين فحسب، وإنما التي تستطيع بناء ثقة أكبر بين الأطراف، وتوفير أدوات أكثر وضوحًا لإثبات الملكية والمصدر، وتقليل مساحة التلاعب والتفاعل الوهمي، وتحسين قدرة صاحب المحتوى على الوصول إلى جمهوره، وخلق نماذج اقتصادية تساعد على استمرار الإنتاج الإبداعي والمعرفي.
وبذلك تصبح القضية في جوهرها قضية تتعلق بمستقبل المعرفة والثقافة والإبداع في البيئة الرقمية. فإذا كان الإنترنت قد منح الإنسان قدرة غير مسبوقة على إنتاج المعلومات ونشرها، فإن المرحلة المقبلة تتطلب قدرة موازية على حماية هذه المعلومات من الضياع والتشويه، وحماية أصحابها من الاستغلال، ومساعدة الجمهور على التمييز بين الأصلي والمكرر، وبين الموثوق وغير الموثوق، وبين المحتوى الذي يستحق الانتباه والمحتوى الذي لا يستمد قيمته إلا من قدرته على جذب الانتباه.
إن السؤال الذي ينبغي أن يوجه التفكير في مستقبل هذا المجال ليس فقط: كيف نجعل الناس ينشرون أكثر؟ وإنما: كيف نبني بيئة تجعل الكتابة والإبداع والنشر أكثر استدامة، وتحفظ لصاحب المحتوى حقه، وتمنحه علاقة أكثر استقرارًا مع جمهوره، وتوفر للقارئ محتوى أكثر موثوقية وقيمة، وتسمح للمنصة في الوقت نفسه بأن تكون مستدامة وقادرة على أداء دورها التقني والاجتماعي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال يمكن أن تشكل الأساس لنموذج جديد في عالم النشر الرقمي، نموذج لا يقوم فقط على جمع المحتوى والمستخدمين، بل على بناء منظومة متكاملة تقوم على الملكية، والأصالة، والثقة، والوصول، والاستدامة الاقتصادية، والعلاقة المباشرة مع الجمهور. وعندها يمكن للتكنولوجيا أن تنتقل من كونها مجرد وسيلة لتسريع إنتاج المحتوى وتوزيعه إلى وسيلة لإعادة تنظيم العلاقة بين من ينتج المعرفة ومن ينشرها ومن يستهلكها، بما يحقق قيمة أكبر لجميع الأطراف ويحافظ في الوقت نفسه على الدور الإنساني للكاتب والمبدع والناشر في تشكيل الثقافة والمعرفة والمجال العام.
__________________
fouad.hanna@online.de
التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; يوم أمس الساعة 07:32 AM
|