هشاشة المشهد الأمني في سوريا بين اختراقات العاصمة وتوترات الجنوب والشرق والشمال
شهدت الساحات السورية تحرّكات أمنية مكثّفة وانفلاتًا مُتفرّقًا في عدّة محافظات، يعكس حالة التعافي الصعبة والتدريجيّة التي تمرّ بها البلاد وسط تحدّيات أمنيّة معقّدة. فقد تمثّلت أبرز هذه الحوادث في التفجيرات التي طالت العاصمة دمشق في السابع من يوليو/تموز 2026، حيث أقدمت خليّة إرهابيّة على زرع عُبُوّتين ناسفتين بدائيتي الصنع في أماكن حيويّة ومأهولة، الأولى قرب مبنى وزارة السياحة قبالة فندق إقامة الوفد الفرنسي، والثانية في أحد الشوارع الفرعيّة بساحة المحافظة، ممّا أسفر عن إصابة ثمانية عشر شخصًا، بينهم عناصر شرطة ومسؤولون محلّيّون. وعلى إثر المتابعة الاستخباراتية وتتبّع كاميرات المراقبة، نفّذت القوات الأمنية مُداهمات مُتزامنة في منطقة قُدسيّا وريف دمشق، ألقت خلالها القبض على أفراد الخليّة المكوّنة من ثلاثة مُتّهمين هم: أحمد جاسم العلي، وخالد محمود الحسين، ومحمد مصطفى الداوود، وتبيّن بالتحقيقات انتماؤهم لتنظيم داعش. واحتوت المضبوطات المُستولَى عليها داخل مَخبَئِهم السرّي على معدّات إلكترونيّة وموادّ شديدة الانفجار وأحزمة ناسفة ورشاشات كلاشينكوف كانت مُعَدّة لتنفيذ هجمات إضافيّة، حيث اعترف الموقوفون بتنفيذ التفجيرات واستهداف المقرّات الحكوميّة، بما في ذلك هجوم سابق طال مبنى إدارة التسليح التابع لوزارة الدفاع بدمشق خلال شهر مايو. وفي ريف إدلب الشمالي، شهدت منطقة برج النمرة قرب مدينة سرمدا يوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 انفجارًا ضخمًا داخل مخزن مؤقّت مُخصّص لِجَمع الأسلحة والذخائر ومُخلّفات الحرب تتبع لوزارة الدفاع، ممّا أدّى إلى مقتل 14 شخصًا وإصابة 11 آخرين. وتوازت هذه الاختراقات مع توتّرات مستمرّة واشتباكات عنيفة مع قوى الأمن الداخلي في المحافظات الجنوبيّة، ولا سيّما في مدينة الصنمين بريف درعا الشمالي فجر الخميس 17 سبتمبر/أيلول 2026، إذ اندلعت مواجهات عنيفة بالأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخيّة أثناء تنفيذ مُذكّرات إلقاء قبض بحقّ المطلوب المُسلّح محسن الهيمد (المهيمد) وأحمد العثمان ومجموعتهما، مما أسفر عن مقتل ثلاثة من عناصر الأمن الداخلي هم: الملازم أول علي حسن سلامة، والرقيب أول فادي أحمد الخالد، والرقيب سامر يوسف العلي، وإصابة آخرين وفرض حظر تجوال مؤقّت. وتمكُنت القوى الأمنيّة أثناء المداهمة من ضبط أسلحة آليّة وقنابل يدويّة وقذائف آر بي جي وتفكيك ألغام وعبوات ناسفة، إضافة إلى القبض على خمسة عناصر من أفراد المجموعة. ولم تتوقّف الحوادث عند هذا الحدّ، بل امتدّت إلى شرق البلاد، حيث وقع يوم الجمعة 18 سبتمبر/أيلول 2026 انفجار ضخم داخل مستودع للذخيرة تابعة للجيش السوري في منطقة عيّاش بريف دير الزور الغربي، ممّا أسفر عن مقتل 12 عسكريًّا وإصابة آخرين. لتتلاحق هذه الحوادث بوقوع انفجار ضخم صبيحة اليوم الاثنين 21 سبتمبر/أيلول 2026 استهدف مستودعًا للذخيرة تابعًا للجيش السوري في محيط بلدة العيس بريف حلب الجنوبي، متسبّبًا بسلسلة انفجارات متتالية أوقعت عدّة إصابات وأدّت إلى إغلاق طريق حلب–دمشق مؤقّتًا وإخلائها للمنازل القريبة وسط استنفار أمني واسع. وتعود جذور هذه الهشاشة الأمنيّة في مختلف المناطق إلى إرث اتفاقيات التسوية لعام 2018 التي أبقت كميات من السلاح الخفيف والمتوسط بأيدي المجموعات المحلّيّة، إضافة إلى انتشار شبكات التهريب والجريمة المُنظّمة، وظاهرة الاغتيالات والتصفية المتبادلة، واستغلال الخلايا النائمة لتنظيم داعش للثغرات الجغرافيّة والبدويّة لشنّ كمائن وهجمات بالعبوات الناسفة، فضلًا عن المَخاطر المُتزايدة الناجمة عن سوء تخزين الأسلحة ومخلّفات الحرب والسلاح العشوائي والتحدّيات الاقتصاديّة واللوجستيّة التي تواجه عمليّة إعادة بسط نفوذ القانون بشكل كامل.
الباحث: فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de
|