عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم يوم أمس, 11:28 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,348
افتراضي

Fexredin Mela Omar اشكرك اخي الفاضل فردك فيه موضوعية ومنطق لكن اختلف معك في نقطتين:
من المسائل التي كثيرًا ما تدخل في الجدل القومي مسألة اليزيديين والزرادشتية، فيقال أحيانًا إنّ اليزيديين أكراد، وإنّ الزرادشتية ديانة كردية. والحقيقة أنّ الموضوع أكثر تعقيدًا من هذه العبارات المختصرة، ولا يصحّ التعامل معه بمنطق «كل ما كان في هذه المنطقة فهو كردي».
أما اليزيديون، فالأدق علميًّا أنّهم جماعة دينية وثقافية متميزة، ترتبط تاريخيًّا ولغويًّا ارتباطًا وثيقًا بالمجال الكردي. فمعظم اليزيديين، ولا سيّما في العراق وسوريا وتركيا، يتحدّثون الكردية الكرمانجية، وكثير منهم عرّف نفسه تاريخيًّا وحديثًا بأنّه كردي. وفي المقابل، هناك يزيديون، خصوصًا في بعض مناطق القوقاز، يرفضون التعريف بأنّهم أكراد ويعتبرون أنفسهم جماعة إثنية مستقلة. ولذلك لا يصح أن نقول إنّ كل اليزيديين أكراد بلا خلاف، كما لا يصحّ أن نقول إنّ اليزيديين لا علاقة لهم بالكرد إطلاقًا.
والأهم أنّ اليزيدية ليست الزرادشتية. إنها ديانة مستقلة ذات تقاليد وعقائد وطقوس خاصة، تشكلت تاريخيًّا في بيئة دينية وثقافية غنية تداخلت فيها عناصر رافدية وإيرانية قديمة وتأثيرات من المسيحية والإسلام وغيرها. ولهذا فإن اختزال اليزيدية في كونها «زرادشتية باقية» تبسيط لا تؤيده الدراسات التاريخية الحديثة.
أما القول إنّ الزرادشتية ديانة كردية، فهو أيضًا غير دقيق. الزرادشتية ديانة إيرانية قديمة نشأت في البيئة الدينية الإيرانية السابقة للإسلام، وارتبطت بشخصية زرادشت وانتشرت بين شعوب ومناطق إيرانية مختلفة، وأصبحت ديانة رسمية في الإمبراطورية الساسانية. وكانت مناطق كثيرة من المجال الذي يسكنه الكرد اليوم جزءًا من العالم الإيراني القديم، وهذا أمر صحيح، لكن لا يعني أنّ الزرادشتية كانت «ديانة كردية» بالمعنى القومي الحديث.
وهنا يقع الخلط الأساسي: الكردية لغة من اللغات الإيرانية، والزرادشتية نشأت في العالم الإيراني القديم، وكانت مناطق كردية تاريخية ضمن المجال الإيراني القديم؛ لكن هذا لا يساوي أنّ كل ما هو إيراني قديم كان كرديًّا.
بل إنّ إسقاط القومية الكردية الحديثة على شعوب وديانات ظهرت قبل تَشكّل الهوية القومية الكردية الحديثة هو نفسه نوع من إسقاط الحاضر على الماضي. فالميديون، والفرس القدماء، والكاردوخيون وغيرهم لا يمكن ببساطة وضعهم جميعًا في خانة «الكرد» دون دليل تاريخي ولغوي واضح.
وهذا لا ينتقص أبدًا من تاريخ الكرد ولا من أصالتهم.
فالكرد شعب عريق له لغته وثقافته وتاريخه وإسهاماته، وتعرض في العصر الحديث لسياسات قمع وتهجير وتغيير ديموغرافي موثقة في أكثر من بلد. ولا يحتاج الكرد إلى أن تكون الزرادشتية «كردية»، أو أن يكون كلّ اليزيديين أكرادًا، أو أن يكون كل شعب قديم في جبال زاغروس من أسلافهم المباشرين، حتى يثبتوا وجودهم وحقوقهم.
وبالمقابل، من حقّ اليزيدي أن يعرّف نفسه كما يشاء، فإن قال إنه كردي فهذا حقه، وإن قال إنّه يزيدي أولاً ولا يريد تعريفًا قوميًّا كرديًّا فهذا حقّه أيضًا. الهوية لا تُفرض على أصحابها من الخارج.
والقاعدة نفسها ينبغي أن تنطبق على السريان والآشوريين والعرب والأرمن والتركمان وغيرهم.
المشكلة تبدأ عندما يتحوّل التاريخ إلى ملكية قومية: هذا لنا، وهذا لنا، وهذا كان كرديًّا، وهذا كان عربيًّا، وهذا كان آشوريًّا، ثم يعاد تفسير آلاف السنين من التاريخ وفق هويات قومية حديثة.
الحقيقة أن الشرق الأوسط أقدم من قومياته الحديثة، وشعوبه تداخلت وتعايشت وتصادمت وتزاوجت وتبادلت اللغات والثقافات والديانات عبر آلاف السنين.
لذلك لا نحتاج إلى اختراع «ملكية قومية» للزرادشتية أو اليزيدية، كما لا نحتاج إلى إنكار الصلات العميقة بين اليزيديين والكرد.
احترام الكرد لا يكون بجعل كل شيء كرديًّا، واحترام اليزيديين لا يكون بإنكار صلاتهم التاريخية بالكرد، واحترام التاريخ لا يكون بفرض هوياتنا الحديثة على أناس عاشوا قبل ظهور هذه الهويات.
اليزيديون ليسوا كتلة واحدة في تعريفها القومي؛ كثير منهم أكراد وكثير منهم يتبنى هوية يزيدية مستقلة.
اليزيدية ليست هي الزرادشتية.
والزرادشتية ليست ديانة كردية بالمعنى التاريخي الدقيق.
والكردية والزرادشتية تلتقيان في انتمائهما إلى فضاء إيراني لغوي وحضاري قديم، لكن هذا لا يعني التطابق بينهما. والأهم من كل ذلك: دعوا الناس يعرّفون أنفسهم بأنفسهم، ودعوا التاريخ بأدلته لا بالرغبات القومية هو الذي يحدد ما نستطيع قوله وما لا نستطيع.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس