عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 10-10-2026, 01:18 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,386
افتراضي بَيْنَ سِحْرِ الطُّفُولَةِ وَفِيزْيَاءِ الـمُعْجِزَةِ بِقَلَمِ: فُؤَاد زَادِيكِي فِ

بَيْنَ سِحْرِ الطُّفُولَةِ وَفِيزْيَاءِ الـمُعْجِزَةِ

بِقَلَمِ: فُؤَاد زَادِيكِي

فِي سِتِّينِيَّاتِ القَرْنِ المَاضِي، وَفِي رِحَابِ مَرْحَلَةِ الدِّرَاسَةِ الاِبْتِدَائِيَّةِ العَاطِرَةِ بِالأُنْسِ وَالبَرَاءَةِ، كُنْتُ أَطَأُ دَرْبَ الحَيَاةِ يَدًا بِيَدٍ مَعَ خَالِي وَرَفِيقِ طُفُولَتِي – الشَّهِيدِ المَرْحُومِ گبْرُو يُونُو – نَسْتَكْشِفُ الدُّنْيَا بِعُيُونٍ مِلْؤُهَا الشَّغَفُ وَالدَّهْشَةُ. وَفِي يَوْمٍ مِنْ تِلْكَ الأَيَّامِ الغَابِرَةِ الَّتِي ماَ يَزَالُ عَبَقُهَا يَسْكُنُ الوِجْدَانَ، جَاءَنِي خَالِي الرَّاحِلُ بِسِرٍّ غَرِيبٍ وَتَعَاوِيذَ لَفْظِيَّةٍ غَامِضَةٍ لاَ أَعْلَمُ مِنْ أَيِّ أُفُقٍ اسْتَقَاهَا، حِينَ قَالَ لِي بِحَمَاسَةٍ طَفُولِيَّةٍ وَاثِقَةٍ: "إِذَا نَطَقْنَا هَذِهِ الكَلِمَاتِ مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَوَضَعْنَا إِبْهَامَيْنِ مِنْ كُلِّ يَدٍ تَحْتَ جَسَدِ شَخْصٍ مُسْتَلْقٍ عَلَى الأَرْضِ، فَسَوْفَ يَغْدُو جِسْمُهُ خَفِيفًا كَالرِّيشَةِ، وَنَتَمَكَّنُ مِنْ رَفْعِهِ بِأَيْسَرِ جَهْدٍ!"
لَمْ تَكُنْ عِبَارَاتُهُ تِلْكَ سِوَى جُمَلٍ غَرِيبَةِ الرَّنِينِ، تَتَأَلَّفُ مِنْ كَلِمَاتٍ مُتَدَاخِلَةِ الأُصُولِ: (أَكْمَكْ بَاپِيرِينُونْ فَاجِيرْتُورَكْ). أَمَامَ هَذَا التَّحَدِّي المُثِيرِ، لَمْ يَتَرَدَّدْ فُضُولُنَا الصَّغِيرُ فِي إِخْضَاعِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ لِلتَّجْرِبَةِ المَيْمُونَةِ. اسْتَلْقَى المَفْعُولُ بِهِ عَلَى الأَرْضِ، وَاصْطَفَفْتُ أَنَا فِي جِهَةٍ وَخَالِي فِي الجِهَةِ المُقَابِلَةِ، وَوَضَعْنَا المَفَاصِلَ الأَرْبَعَةَ لِلإِبْهَامَيْنِ تَحْتَ كَتِفَيْهِ وَفَخِذَيْهِ. وَمَا إِنْ انْطَلَقَتْ أَفْوَاهُنَا بِنَبْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَوْقِيتٍ دَقِيقٍ نُرَدِّدُ هَذِهِ العِبَارَةَ السِّحْرِيَّةَ، حَتَّى حَدَثَتِ المُفَاجَأَةُ الَّتِي أَذْهَلَتْ عُقُولَنَا، إِذِ ارْتَفَعَ الجَسَدُ المُمَدَّدُ إِلَى الأَعْلَى كَأَنَّمَا انْتَزَعَتِ الجَاذِبِيَّةُ ثِقْلَهُ، وَكَأَنَّ القُوَّةَ الكَامِنَةَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ قَدْ أُعِيدَ صِيَاغَتُهَا بِفِعْلِ طَلْسَمٍ عَجِيبٍ!
تَكَرَّرَتِ التَّجْرِبَةُ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ مَعَ أَشْخَاصٍ مُخْتَلِفِينَ، وَفِي كُلِّ كَرَّةٍ كَانَتِ النَّتِيجَةُ ذَاتُهَا تَتَجَسَّدُ أَمَامَ أَعْيُنِنَا بِيَقِينٍ لاَ يَقْبَلُ الشَّكَّ، جَاعِلَةً إِيَّانَا نَقِفُ عَاجِزَينَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا السِّحْرِ المَاثِلِ.
وَلِكَيْ تَتَكَامَلَ الصُّورَةُ وتَتَضَحَ الرُّؤْيَةُ العِلْمِيَّةُ لِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ الطَّرِيفَةِ التَّي طَالَمَا حَيَّرَتِ العُقُولَ، فَإِنَّ المَنْطِقَ الفِيزْيَائِيَّ وَالنَّفْسِيَّ يُقَدِّمُ لَنَا تَفْسِيرًا دَقِيقًا يَبْعُدُ عَنِ الخَوَارِقِ وَيَقْتَرِبُ مِنْ عَبْقَرِيَّةِ الحَرَكَةِ البَشَرِيَّةِ، وَذَلِكَ عَبْرَ ثَلَاثِ رَكَائِزَ أَسَاسِيَّةٍ:
تَوْزِيعُ الأَحْمَالِ الفِيزْيَائِيَّةِ (Weight Distribution): عِنْدَمَا يُحَاوِلُ شَخْصٌ وَاحِدٌ رَفْعَ جِسْمِ إِنْسَانِ آخَرَ بِيَدَيْهِ، يَتَرَّكُزُ الوَزْنُ كَامِلًا فِي نُقْطَةِ ضَغْطٍ وَاحِدَةٍ تَبْدُو ثَقِيلَةً بَاهِظَةَ الجُهْدِ. أَمَّا عِنْدَمَا يَتَوَزَّعُ الوَزْنُ (الْبَالِغُ مَثَلًا خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ كِيلُوغْرَامًا) عَلَى أَرْبَعِ نِقَاطِ ارْتِكَازٍ دَقِيقَةٍ تَحْتَ الكَتِفَيْنِ وَالفَخِذَيْنِ، فَإِنَّ العِبْءَ الفِعْلِيَّ لِكُلِّ إِبْهَامٍ يَنْخَفِضُ لِيُصْبِحَ ضِئِيلًا جِدًّا، مِمَّا يُسَهِّلُ الرَّفْعَ دُونَ عَنَاءٍ بَالِغٍ.
التَّزَامُنُ الحَرَكِيُّ وَالصَّوْتِيُّ (Synchronization): يَلْعَبُ التَّرْدِيدُ المُشْتَرَكُ لِلْكَلِمَاتِ دَوْرًا مِحْوَرِيًّا فِي ضَبْطِ التَّوْقِيتِ (Timing) بِدِقَّةٍ مَتَنَاهِيَةٍ. عِنْدَمَا تَنْطِقُ الشَّفَتَانِ الكَلِمَاتِ مَعًا فِي ذَاتِ اللَّحْظَةِ، تَتَحَرَّكُ العَضَلَاتُ وَتَنْدَفِعُ الطَّاقَةُ الجَسَدِيَّةُ لِلطَّرَفَيْنِ فِي جُزْءٍ مِنْ مِئَةِ جُزْءٍ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا التَّوَافُقُ الحَرْفِيُّ يَمْنَحُ العَضَلَاتِ قُوَّةَ دَفْعٍ جَمَاعِيَّةً فَوْرِيَّةً تُزِيلُ الشُّعُورَ بِالثِّقْلِ.
الإِيحَاءُ النَّفْسِيُّ وَتَوْجِيهُ التَّرْكِيزِ (Psychological Suggestion): تِلْكَ الكَلِمَاتُ الغَرِيبَةُ (أَكْمَكْ بَاپِيرِينُونْ فَاجِيرْتُورَكْ) وَإِيقَاعُهَا السِّحْرِيُّ، مَحْدُودَةُ المَعْنَى عِنْدَ الأَطْفَالِ، تُضْفِي جَوًّا مِنَ التَّرْكِيزِ الوِجْدَانِيِّ العَالِي وَالتَّوَقُّعِ الوَهْمِيِّ، مِمَّا يَجْعَلُ العَقْلَ يَنْدَمِجُ مَعَ التَّجْرِبَةِ بِشَغَفٍ، مُحَوِّلًا الفِعْلَ الفِيزْيَائِيَّ البَحْتَ إِلَى لَحْظَةٍ أَشْبَهَ بِالسِّحْرِ البَرِيءِ.
وَتَبْقَى تِلْكَ التَّجْرِبَةُ، بِكُلِّ مَا حَمَلَتْهُ مِنْ غُمُوضٍ ظَاهِرِيٍّ وَتَفْسِيرٍ عِلْمِيٍّ، شَاهِدًا حَيًّا عَلَى لَذَّةِ الاِكْتِشَافِ فِي أَيَّامِ الطُّفُولَةِ البَاهِيَةِ، وَذِكْرَى خَالِدَةً تُعِيدُ إِلَى الرُّوحِ صُورَةَ الخَالِ الشَّهِيدِ گبْرُو يُونُو، يَبْتَسِمُ لِلْمُعْجِزَةِ الَّتِي صَنَعْنَاهَا مَعًا بِأَصَابِعِنَا الصَّغِيرَةِ وَبِكَلِمَاتٍ لاَ تَزَالُ تَرَنَّ فِي أَعْمَاقِ الذَّاكِرَةِ وَوِجْدَانِ الأَيَّامِ الخَالِيَةِ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس