موقف حنون
فيما كنتُ ظهر هذا اليوم السبت المصادف 24/6/ 2006 في طريقي إلى دكان صديقنا التونسي الكائن في مدينة كارلسروي ويسمى دكانه (السندباد) يقع في شارع الصقر من المدينة, وفي طريق عودتي بعد شرائي لبعض الحاجيات العربية وغير المتوفرة في دكاكين الألمان وفيما كنت جالساً في الترامواي (الشتراسن بان) العائد إلى بلدتنا إجنشتاين- ليوبولدسهافن لفت انتباهي صعود فتاة تبلغ العشرين من عمرها وجلوسها إلى المقعد الذي لم يكن بعيدا عن موضع جلوسي. وحيث كانت وجهها باتجاه وجهي فكنت أرى كل ما تقوم به من تصرفات. كانت تحمل حقيبة (روك ساك) في يد وفي اليد الأخرى تحمل صحنا مغلفا بدا وكأنه طعام قامت بشرائه لتتناوله في البيت أو لتأخذه إلى شخص ما.
فتحت سحّاب حقيبتها الصغير وأخرجت منه كيسا صغيرا فارغا شمّت رائحته من الداخل وبدت علامات الامتعاض وعدم الرضا على وجهها فأعادته مرة أخرى إلى حقيبتها دون أن تستخدمه. وفيما كانت تقوم بغلق سحاب الباب الأمامي من الحقيبة لاحظتْ خروج حشرة صغيرة من داخل الحقيبة فأخذتها بيدها باهتمام بالغ وبرفق منقطع النظير. ثم قامت بنقل هذه الحشرة من يد إلى أخرى بوضعها بتؤدة وأناة فوق جلد أصابع يدها لتترك لها حرية الحركة والتنقل. ولاحظت بعد قليل أنها تركت حقيبتها فوق المقعد وقامت لتذهب إلى باب الحافلة وتضغط على زر الوقوف في المحطة القادمة وهي تتأمل هذه الحشرة الصغيرة بحنان ورأفة وتلمسها بلين وعطف تامّين. وما أن فتح باب الحافلة حتى أخرجت يدها بهدوء ورمت بالحشرة إلى الهواء معلنة عن نيلها حريتها وشعرت بعلامات الرضا التي ارتسمت على محيّاها وكاّنها قدمت من معركة منتصرة. جلست بهدوء وراحة وأعادت فتح باب الحقيبة ثم طوت الصحن المغلّف بالألومونيوم الرقيق ووضعته بداخل الحقيبة ثم أغلقت باب سحابها وهي تشعر بعلامات الارتياح وكنت أراقب عملها كله ولم تكن الابتسامة تغادر وجهها. ونزلت من الحافلة بعد عدة محطات. بعد نزولها من الحافلة عدتُ فسألتُ نفسي ترى لو كنت أنا مكانها هل كنت سأفعل ما فعلته؟ أم كنت سأرمي بالحشرة إلى الأرض وأدوس عليها لأسحقها تحت كعب قدمي؟ في الحقيقة ربما كنت سأفعل الاختيار الثاني وهو المغلوط والمرفوض لكن سلوكية هذه الفتاة علّمتني درساً وهو أنني لو مررت بنفس الموقف في مرة قادمة مماثلة لهذه الحالة فلن أفعل غير ما فعلته من سلوك مقبول, أدخل البهجة إلى قلبها وقلبي وقلب كل الذين شاهدوا ذلك بأم العين. شكرا لك أيتها الفتاة الطيبة وقد تعلّمت منك اليوم درسا في الحياة مفيداً. أتمنى أن يكون غيري قد استفاد منه كذلك وكان هذا الدرس مجانيا دوث ثمن لكنه غالياً وثمينا لي بكل تأكيد!