العلّوكة والطبّكات ـ قصّة قصيرة
العلّوكة والطبّكات
قصّة قصيرة
كان للسليقة فوائد كثيرة، منهاالقدرة على كتابة القصص لمن أكل منها كثيراً أيام كان طفلاً، اسألوني، فالكثير منتحليقاتي الشِّعرية والقصصية مستمدّة من لذائذ دستِ السليقة، فلا أتذكّر دستاً منالسليقة فَلِتَ منّي، لا في حارتنا ولا في الحارات المجاورة من حارتنا..
كنّانهجم على دستِ السليقة وكأنّه من مخصَّصاتنا، نحمل طاساتنا وابتساماتنا مرسومة علىوجوهنا وقلوبنا وأرواحنا، كانت طاستي أكبر من بقية الطَّاسات، فكان صاحب السليقةيعلّق بدعابةٍ معهودة، لماذا طاستكَ أكبر من بقية الطاسات؟ كنت أجيبه ببداهةٍمدروسة، لأنَّني أريدُ حصَّتي وحصّة أختي الصَّغيرة، فكان يقبِّبها على التمام،يفوح منها البخار المعبّق بنكهة الحنطة، سليقة شهيّة ولذيذة، كنتُ أرشرش عليهاقليلاً من الملح بدون سمنة، ما كنتُ أحبّ السمنة نهائياً، ومع انني كنتُ أركّز علىتناول السليقة أكثر من بقية أقراني، لكنّي بقيتُ نحيلاً، وكأنّ السليقة ما كانتتأخذ مفعولها، طفولة جميلة، مطحونة بعفوية رائعة!
تعانقني الذّاكرة البعيدة،فيرنّ في أذني صوت بائع العلّوكة مرنّماً: علّوكة يا أولااااااد، علّوكة ياأولااااااد! ..كان سعرها آنذاك بفرنك سوري، أو بطبّكة: جلّة من القياس الكبير، اننينادراً ما كنتُ أحصل على الفرنك كي أشتري به علّوكة من تلكَ العلّوكات الشهيّة،لكنّي اِخترعتُ طريقةً للحصول على العلّوكة من خلال أكوامِ الطبّكات المتراكمة فيكوخنا الوسيع، وحالما كنتُ أسمعُ صوت بائع العلوكة من الحارة المتاخمة لحارتنا كنتُأهيئُ طبّكة أو طبّكتّين بحسب سيطرتي على السطوِ عليها بعيداً عن أنظار أمِّي،لأنها على الأغلب ما كانت توافق أن أشتري العلّوكة مقابل طبّكة بشكلٍ يومي، كانتتغضُّ النَّظر لو أشتريت علّوكة بطبّكة كلّ أسبوع مرة واحدة، حفاظاً على طبّكاتها،فكانت تقول لي يا ابني، إذا كل يوم تشتري علّوكة بطبّكة راح تخلّص طبّكاتي، كيفسأشعل التنّور وأخبز لكم الخبز في الشِّتاء الطَّويل؟
كنتُ أهزّ رأسي موافقاًومؤكّداً لها أنني سأشتري علّوكة بطبّكة، فقط مرّة في الاسبوع، وكلَّما كانت تمسكنيفي الجرم المشهود كنتُ أدّعي على أنها أوَّل مرة أشتري فيها العلّوكة منذ أسبوع،وأحياناً كنتُ أقول لها الاسبوع الماضي لم أشترِ نهائياً فأريد أن أشتري بطبّكتين! وهكذا كانت الطبّكات سنداً رائعاً في تحقيق المزيد من العلّوكات! كانت أمّي تلاحظأن عدد الطبّكات يتقّلص كثيراً في كوخناً الكبير، وكانت تسألني، طبكاتنا "كُقلُّوكتير"، كنتُ أقول لها: يا ماما كلّ واحد يأتي من الجيران ويطلب منك طبّكة، فتعطيه،وربما يأخذ طبّكتين ولا تحسّين به! لا ابني، لا تحطّها في رقبة الجيران، "يكونْ ومايكونْ"* ما في غيرك "عم"* يأخذ الطبّكات ويشتري فيها علّوكة؟
أنااااااااااااا؟ثمَّ تظاهرتُ بالبكاءِ والغضبِ وقلت لها إذا أقبل أشتري في الاسبوع علّوكة واحدةبدكِ تشوفين، من الآن وصاعداً سأشتري علّوكتين كل أسبوع، فوافقَتْ بعد أن أصرّيتُعلى موقفي على شرط أن أشتري فقط علّوكتين لا أكثر، مع انها كانت متاكِّدة أننييومياً أشتري علوكة مقابل طبّكة من طبّكاتها، وهكذا كنتُ أخطّط للقضاء على طبّكاتهالعدم قدرتي على مقاومة لذائذ العلوكة الشهيّة، وفي إحدى مساءات الصَّيف وفيما كنّامسترخين فوق عرزيلتنا* الكبيرة قلت لوالدي، بابا كوخُنا صغير ولا يتّسع للطبّكات،اننا نحتاج كوخاً أكبر كي يتسّع لأكبر عدد ممكن من الطبّكات ولكي لا ننقطع منها فيعزّ الشتاء، فأجابني يا ابني كوخنا أكبر كوخ في الحارة ويتّسع لشتائين متواصلينفكيف خطر على بالكَ أن تسألني هذا السؤال؟
ربما يكفي لشتاء أو أكثر لكن أمّيأحياناً كثيرة تعطي طبّكة لهذا الجيران وطبّكتين لآخر.
يا ابني طبّكة وطبّكتانلا تؤثِّر على هذا الكوخ الكبير المملوء بالطبّكات.
فقلت له، وأنا أحياناًأشتري مرّة في الاسبوع علّوكة مقابل طبّكة وفي الشَّهر حوالي أربع طبّكات ..
ضحكَ والدي وقال لي، قُلْ في الشهر تشتري "سيسينْ"* علّوكة مقابل "سيسينْ"طبّكة!
ارتبكتُ ثم قلت له كيف عرفتَ هذا، ومَن قال لكَ هذا الكلام؟
ضحكَ ثمهمس إليّ قائلاً، يا إبني أنا أراكَ يومياً تسير بحذر، وتمشي "هيدي هيدي"*، وتروحإلى الكوخ وتأخذ طبّكة ثم تخرج بعيداً عن الانظار، فأضحكُ في عبّي وأقول خلّي* يفرحالولد ويأكل علّوكة مقابل طبّكة، "أيْمَتْ"* ما يخلصوا طبّكاتنا خلّي يخلصوا، المهمما نكسر قلب الولد؟
أوح*، معناها عم تعرف! طيّب أمّي عم تعرف؟ أي أمَّكَ عمتعرف بَسْ مو* تريد تكسر خاطرك.
همستُ، إهمممممممممم، إذاً كانوا يرونني ولايتكلَّمون، وفي عصر اليوم التالي، فيما كان بائع العلّوكة يصيح بأعلى صوته، علّوكةيا أولااااااد، علّوكة يا أولااااااد! ظللتُ في ركنٍ قصيٍّ من أركان الحوشِ الوسيع،أسمع إلى رنين البائع، تقدَّمَتْ أمّي نحوي ثمَّ قالت: ليشْ مو* تروح تجيبلك طبّكةوتشتري فيها علّوكة؟ فقلت لها لكنّي لو أشتريتُ كلّ يوم علّوكة بطبّكة راح تخلصطبّكاتنا قبل حلول الشِّتاء!
ضحكت أمّي وقالت، لا لا مو تخلص، كيكون* طبّكاتبيت أختك في قرية قزارجب* اشقد* ما تريد، بَسْ ما يلزمنا طبّكات، راح تجيبلنا فيعربانتهم أشقد ما نريد.
ليش بيت أختي عندهم طبّكات كتير؟
كتير كتير!
هجمتُ على أمّي وبستها قائلاً أبوسك وأبوس أختي، ثم ركضت بإتجاه الطبّكات، كانبائع العلوكة قد توغّل في الزُّقاق المتاخم لبيتنا فركضت نحوه، عندما شاهدني،حاملاً طبّكة من الحجم الكبير، إبتسم وقال، تفضّل هذه علّوكة وهذه أخرى أقدِّمهاهدية لكَ شريطة أن تزوِّدني يومياً بطبّكة من طبّكاتكم الكبيرة، لأنها من أفضلأنواع الطبّكات وتنقذنا في الشِّتاء الطويل عندما نتلملم حول المدفأة ونشعل طبكاتكَفتمنحنا دفئاً ألذّ من علّوكتي بكثير!
كانت العلوكة تذوب في فمي، همستُ لنفسي،بائع العلّوكة سعيد في الحصول على طبّكاتي وأنا سعيد في الحصول على علّوكاته،وتمرُّ السّنون، ويبقى صوت رنين بائع العلّوكة مرفرفاً بأذني مثل الغمام، عجباًأرى، علّوكة من علّوكات أيام زمان كانت ترسم البهجة على وجه الطُّفولة، وطبّكةواحدة من روث البقر، كانت ترسم التفاؤل على وجه بائع العلّوكة. الآن، آلاف الليراتوالعملات تتناثر فوق أيدي الأطفال والكبار، لكنّي لا أرى بسمة عذبة على وجوههممثلما كانت مرسومة على وجوهنا أيّام زمان!
ستوكهولم: 1 . 10 . 2005
صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
sabriyousef1@hotmail.com
هوامش:
كلمات ومفردات عامّية،
طبّكة: جلّة، مصنوعة من روث البقر، تُستخدم كحطب للتنّور والموقد والمدفأة في الشِّتاء الطَّويل.
علّوكة: حلوى شهيّة ولذيذة، تُصنَع محلّيا من السكّر، يحبّها الأطفال!
راح تخلص: ستخلص.
كُقلُّو كتير: أصبح عددهم قليلاً.
يْكونْ وما يْكونْ: على الأغلب.
عَمْ يأخد: يأخذ.
بِدْكِ تشوفين: سترين.
عرزيلة: سرير كبير تنام عليه العائلة كلَّها خلال الصيف، مصنوع من الكرسبان، (أغصان الكرمة المجففة) والقرّام، والقصب والخ من الأعشاب والنباتات البرّية.
سيْسِيْنْ: تعني ثلاثين، ساسِهْ: ثلاثة، ساسه وسيسينْ بيظة، ثلاث وثلاثون بيضة!
هيدِيْ هيدِيْ: بهدوء تام.
أيْمَتْ: متى.
خلّي يفرح: ليفرح.
أوحْ: للدهشة والمفاجأة، آها!
بَسْ مو تريد: لكن لا تريد.
ليش لا: لِمَ لا.
كيكون: يوجد.
قزارجب: قرية قضاء رجب.
أشْقَدْ ما تريد: بقدر ما تريد.
التعديل الأخير تم بواسطة SabriYousef ; 26-12-2005 الساعة 03:20 PM
|