عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 21-12-2021, 09:59 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 40,062
افتراضي اليوم العالمي للغة العربيّة بقلم/ فؤاد زاديكى

اليوم العالمي للغة العربيّة

بقلم/ فؤاد زاديكى

1 ي ·
بمناسبة
من عجائب اللغة العربية أنّه يمكنك قراءة هذه الأبيات أفقيًّا ورأسيًّا:
ألومُ صديقي وهذا مُحَالُ
صديقي أحبُّهُ، كلامٌ يُقالُ
و هذا كلامٌ بليغُ الجمالِ
مُحَالٌ يُقالُ الجمالُ خَيَالُ"
قرأت هذا المنشور في مجموعة (الأكاديميّة الدّوليّة للشّعراء والأدباء والمثقّفين العرب) نشرها كما يبدو أعلاه (المأمون عبده قاسم), ولدى مروري على المنشور والمدخل الذي أراد له أن يكون العنوان لليوم العالمي للغة العربيّة, وبالطّبع أنا شخص أحبّ اللغة العربيّة حبًّا جَمًّا, هذا إنْ لم أقُلْ إنّي أعشقها بعمق, و أُثني دائمًا عليها لأنّها لغة التخاطب و التواصل, وهي جميلة حقًّا بأدبيّاتها و فروعها, علمًا أنّها ابنة اللغة السّريانيّة, لفت انتباهي كلمة الوصف (عجائب), لهذا اردت توضيح بعض الأمور بهذا الخصوص, كما يعلم الجميع فإنّ هذه اللغة التي نتكلّم و نكتب بها هي بالأصل لغة قريش قبيلة رسول الإسلام, تمّ اعتمادها كلغة رسميّة أساسيّة لأنّ القرآن كُتِبَ بها, لهذا تمّ القضاء على جميع اللهجات العربيّة الأخرى – إذ كان لكلّ قبيلة لسانٌ تتحدّث به (أي لغة) – وكانت لغات بعض القبائل العربية الأخرى أكثر فصاحة من لغة قريش ( يقول فيهم أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عُليا هوازن وسُفلى تميم.أفصح القبائل الذين هم مادة اللغة فيما نص عليه الرواة: قيس، وتميم، وأسد، والعجز من هوازن الذين يقال لهم عليا هوازن وهم خمس قبائل أو أربع، منها: سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف. ولم تزل هوازن وتميم وأسد متميّزة بخلوص المنطق وفصاحة اللغة إلى آخر القرن الرابع للهجرة. قال أبو عبيدة: وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر) فعلى هذا النّحو بقيت لغة قريش السائدة بفعل القرآن و أُبيدت اللغات الأخرى, وكان بهذا ضررٌ بالغ لأنّه تراث كان عليه أن يستمرّ, وثقافة قبائل مختلفة برؤاها و ألسنتها و عاداتها و تقاليدها وجوانب حياتها الأخرى الخ...
لستُ اليوم هنا في مجال البحث عن أمر إنهاء العمل باللغات العربيّة الأخرى بسيطرة لغة قريش عليها و غلبتها لها بالقوّة في أكثر الأحيان, و إنّما هو ملاحظة أنّ العرب و على العموم, قومٌ يُحبّون المبالغة و التفخيم و التعظيم والتّضخيم بإطلاق صفات قد لا يكون فيها من الواقع و الواقعيّة ولا من منطق الأمور أيّ شيء, خاصّة عندما يريدون التّعبير عن محبّتهم واحترامهم للشيء أو الشّخص الخ... فمثلًا نرى في هذا المنشور وقد قرأته في أكثر من مكان ولأكثر من شخص قاموا بنشر أبيات الشّعر هذه و هم يثنون عليها غاية الثّناء وكثيرًا ما قالوا عنها إنّها من عجائب اللغة العربيّة, دعُونا نحلّل هذا و نقوم بالإضاءة المنطقية عليه بتجرّد و بكلّ موضوعيّة. علينا أوّلًا أن نفهم ما معنى كلمة أعجوبة كي نستطيع الإجابة على مزاعم كهذه, إنّ الأعجوبة بكلّ المفاهيم و الأبعاد هي: شيءٌ خارق غير معتاد يدعو إلى العَجَب. فهل في رصف أبيات الشّعر هذه أعجوبة؟ أم هل هي إحدى أعاجيب هذه اللغة؟ ثمّ ما هي بقيّة الأعاجيب الأخرى المنسوبة إليها؟ كان من الأولى و الأجدر و الأصحّ لو قيل من روائع اللغة و ليس من عجائب. لمن يقوم بتطبيق قراءة سليمة لكلمات هذا الشّعر يرى أنّه لا يستوي في كلماته من حيث الحركات فمثلًا (و هذا كلامٌ بليغُ الجمالِ) عندما يٌرأ أفقيّا يكون على هذا النحو و لكن عندما يُقرأ عموديًّا يأتي هكذا (و هذا كلامٌ بليغُ الجمالُ) أي بحركة ضمّ على كلمة الجمال بدل حركة الكسر, وفي البيت الرابع منه يكون في الأفقي (مُحَالٌ يُقالُ الجمالُ خَيَالُ) و في العمودي (مُحَالٌ يُقالُ الجمالِ خَيَالُ) هنا أيضًا الكسرة جاءت بدل الضمّة, وفي الشاهدين اللذين جئتُ بهما لا تصحّ قراءة هذا الشّعر عموديًّا كما أفقيّا. حتّى أنّه تمّ وضع كتاب باسم (معجم عجائب اللغة) لشوقي حمادة. وسنرى في الصور المرفقة عيّنات لبعض ممّا يُسمّى ب"عجائب" اللغة العربيّة من منظور العرب.
نأتي إلى ناحية أخرى من هذا الموضوع و هو مهمّ كذلك, إنّنا نرى أنّ جميع لغات العالم تتطوّر و تتفاعل مع كلّ ما يستجدّ في الحياة من مخترعات و تطوّرات, بينما بقيت اللغة العربيّة مقيّدة و مربوطة بالقرآن شكلًا ومضمونًا, ويصل بعض العرب إلى إضافة هالة القدسيّة عليها لكونها لغة القرآن, فلا قُدسيّة لأيّة لغة مهما علا شأنها و مقامها, فاللغة من اختراع البشر, ولأنّ اللغة العربية لم تستطع تحرير نفسها من تبعتها للقرآن و من تأثيره الشديد عليها, لذا فإنّنا نراها لغةً غير قابلة للحياة والاستمرار والتّفاعل. لقد تمّ اعتبار يوم 18 ديسمبر من كلّ عام هو اليوم العالمي للغة العربية بموجب القرار الصادر عن الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة برقم 3190 في كانون الأول/ ديسمبر عام 1973، بناءً على طلب تقدّمت به المغرب والسعوديّة.
فهل بنظمِ بضعة أبيات من الشّعر بهذه اللغة أو تلك تكون حصلت أعجوبة؟ وكأنّه اختراع مركبة فضائيّة أو صاروخ عابر للقارّات أو اختراع تكنولوجي غزا العالم وحقّق انتصارت مذهلة في جوانب الحياة. إلى أن تبقى مثل هذه الرؤية لدى بعض العرب فإنّ أمورَ وقضايا لغتهم لن تستقيم, و لن تتطوّر و تتجدّد و تعيش فاعلة.
لفت انتباهي مقال للسيد (عماد دانيال) جاء فيه ما يلي" منذ زمن وأنا أتساءل : في الماضي كان العلماء يقومون بتحديث وتطوير دائم للغة العربية لكي تكون أسهل وتواكب عصرهم، فلماذا لا يحدث نفس الشيء في القرن ال21 ؟
فعلًا هناك نواقص كثيرة في اللغة العربية (أنا هنا لا أقارنها بلغات أخرى) وهناك تعقيدات لا حاجة لها وهناك كلمات وقواعد وحتى حروف يجب أن تُضاف إلى اللغة العربية لتكون مواكبة للعصر وسهلة الاستعمال.
وهناك اقتراحات عديدة لتحديث وتطوير اللغة العربية مثل إضافة حروف V و G و P أو الاتّفاق على نوع أرقام معين، الأرقام المشرقية أم الأرقام المغربية (والأفضل هي المغربية لأنّها أسهل وصارت عالمية) وإزالة بعض القواعد التي ليس لها أيّ نفع وربّما تحديث الحروف وطريقة الكتابة، نعم، فالعربية في الأول كانت مجرّد لغة تشبه إلى حد ما اللغة الأمازيغية وتطوّرت حروفها وطريقة كتابتها والكثير، فلماذا توقّف التطوير؟"
إنّ اللغة العربية - أولّ ما بدأت و انتشرت كان ذلك عن طريق النّقل و التّرجمة من اللغات الأخرى بواسطة اللغة السّريانيّة وهي أمّ العربيّة - تحتاج إلى المصطلحات العصريّة اللغويّة, كما تحتاج إلى جميع وسائل التقدم الحضاري، و توفير هذه المصطلحات يرتبط أساسًا بالوجود وبالتطوّر الحضاري, فالقائمون على شأنها لا يريدون لها تدخل في المجال العلمي, كي تظلّ في قواعد جامدة لا تُغني ولا تفيد. يقول د. ناصر بوعلي في مقال له بعنوان (تطوير اللغة العربيّة): "إنّ الواجب يدعونا اليوم إلى التكاتف من أجل بثّ حركة لغويّة متطوّرة وذكيّة تجعل من العربيّة فعلاً لغة العلم والأدب والحضارة، قادرةً على استيعاب المصطلحات العلمية تؤهل أبناءها للإبداع والاختراع بها" إنّ ما قاله يُشير إلى حقيقة واقع أنّ اللغة العربية تعاني و هي لا تسعى إلى تطوير نفسها كما ينبغي, فهناك مئات الآلاف من المصطلحات الحديثة منها العلمية و التكنولوجية والسياسيّة والاجتماعية و الاقتصاديّة بعيدة عن مجال الاستخدام في اللغة العربيّة. نقول هذا من باب محبّتنا الشّديدة للغة العربيّة ومِن حرصنا على أن تبقى جميلةً معبّرة قادرةً على العطاء و التّفاعل و التجديد.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس