Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 07:17 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,094
افتراضي مُلْحَقُ طُفولَتِنا (٨) مِنْ كِتابي «هَوامِش» — سيرةٌ ذاتيّة مُنْذُ أَنْ بَدَأَ وَعْ

مُلْحَقُ طُفولَتِنا (٨)
مِنْ كِتابي «هَوامِش» — سيرةٌ ذاتيّة

مُنْذُ أَنْ بَدَأَ وَعْيُنا يَتَفَتَّحُ عَلَى الحَياةِ، نَحْنُ أَبْناءُ أُسْرَةِ گَبْرو إِلْياس زاديكي وَحانَةِ قُرْياقِس لَچّي، كانَتْ صورَةُ والِدَيَّ تَرْتَسِمُ أَمامَ أَعْيُنِنا مِثالًا حَيًّا لِلْكِفاحِ الشَّريفِ وَالتَّعاوُنِ الصّامِتِ الَّذي تُبْنى بِهِ البُيوتُ الطَّيِّبَة. لَمْ يَكُنْ أَبي وَحْدَهُ يَحْمِلُ هَمَّ المَعيشَةِ، بَلْ كانَتْ أُمّي، رَحِمَها الرَّبّ، تَقِفُ إِلى جانِبِهِ كَتِفًا بِكَتِف، تُشارِكُهُ التَّعَبَ اليَوْمِيَّ بِصَبْرِ النِّساءِ العَظيماتِ اللَّواتي يَنْسُجْنَ مِنَ الشَّقاءِ دِفْئًا لِلْعائِلَةِ وَكَرَامَةً لِلْعَيْش.

كانَتْ أُمّي تَعْمَلُ بِيَدَيْها المُتْعَبَتَيْنِ في صِناعَةِ التَّنانيرِ مِنَ الطّينِ الأَحْمَر، تِلْكَ المِهْنَةِ الَّتي كانَتْ تَحْتاجُ إِلى صَبْرٍ طَويلٍ وَخِبْرَةٍ مُتَوارَثَة. وَكُنّا، أَنا وَإِخْوَتي، نُشارِكُها تَفاصيلَ العَمَلِ الصَّغيرَةَ الَّتي بَدَتْ لَنا يَوْمَها أَشْبَهَ بِلُعْبَةٍ شاقَّة، لَكِنَّها في الحَقيقَةِ كانَتْ أَوَّلَ دُروسِنا في المَسْؤُولِيَّة. كُنّا نَذْهَبُ مَعَها إِلى الچول لِجَلْبِ التُّرابِ الأَحْمَر، نَحْمِلُهُ في الأَكْياسِ وَالسِّلال، ثُمَّ نَخْلِطُهُ بِالمِلْحِ وَالتِّبْنِ النّاعِمِ بَعْدَ تَرْطيبِهِ بِالماءِ. وَبَعْدَ ذلِكَ تَبْدَأُ مَرْحَلَةُ «جَبْلِ» الطّين، حَيْثُ كُنّا نَدوسُ العَجينَةَ بِأَقْدامِنا الصَّغيرَةِ مِرارًا وَتِكْرارًا حَتّى تُصْبِحَ مُتَماسِكَةً وَطَرِيَّةً كَما تُريدُها أُمّي تَمامًا.

وَحينَ تَكْتَمِلُ العَجينَةُ، تَبْدَأُ أُمّي بِبِناءِ التَّنّور. كانَتْ تَبْدَأُ بِقاعدَتِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ تَرْفَعُ الجِدارَ طَبَقَةً بَعْدَ أُخْرى بِحِرَفِيَّةٍ مُدْهِشَة، حَتّى تَصِلَ إِلى الرَّقَبَةِ أَوْ فُتْحَةِ التَّنّور، وَهِيَ المَرْحَلَةُ الأَصْعَبُ وَالأَدَقّ، إِذْ تَحْتاجُ إِلى يَدٍ خَبيرةٍ تَعْرِفُ كَيْفَ تُعْقَدُ الطّينَةُ وَتُشَكَّلُ بِانْحِنائَةٍ جَميلَةٍ تَجْعَلُ الفُتْحَةَ واسِعَةً وَمُتَناسِقَة، لِيَسْهُلَ الخَبْزُ فيها لاحِقًا. وَكُنّا نَقِفُ مَأْخوذينَ بِتِلْكَ المَهارَة، نُراقِبُ أَصابِعَها وَهِيَ تَمْنَحُ الطّينَ روحًا وَشَكْلًا، كَأَنَّها تَصْنَعُ كائِنًا حَيًّا لا مُجَرَّدَ تَنّور.

وَبَعْدَ أَنْ يَجِفَّ التَّنّورُ تَمامًا، كانَتْ تَمْلَؤُهُ بِالحَطَبِ وَالقَشّ، ثُمَّ تُشْعِلُ النّارَ داخِلَهُ لِيَحْتَرِقَ وَيَتَقَمَّرَ، حَتّى يُصْبِحَ صالِحًا لِلْخَبْز. وَما إِنْ يَبْرُدَ حَتّى تَفوحَ مِنْهُ رائِحَةُ الطّينِ المَشْوِيّ، رائِحَةٌ ما زالَتْ تَسْكُنُ ذاكِرَتي حَتّى اليَوْم، وَتُعيدُني إِلى تِلْكَ الأَيّامِ البَعيدَةِ كُلَّما مَرَّتْ بِخاطِري.

وَلَمْ يَكُنْ هٰذا العَمَلُ وَحْدَهُ ما تَقومُ بِهِ أُمّي. فَقَدْ كانَتِ امْرَأَةً لا تَعْرِفُ الكَسَل، كَثيرَةَ الحيلَة، واسِعَةَ الخِبْرَة. كانَتْ تَغْزِلُ الخُيوطَ بِالمِغْزَلِ لِتَصْنَعَ «الخَرج»، فَتُشَكِّلُ مِنْهُ طُيورًا وَوُرودًا وَزَخارِفَ جَميلَةً تُهْدى لِلْعُرْسانِ الجُدُدِ وَتُزَيَّنُ بِها البُيوتُ وَالطّاوِلات. وَكانَتْ كُلُّ قِطْعَةٍ تَصْنَعُها تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ ذَوْقِها وَروحِها وَهُدوئِها الدّاخِليّ.

كَما كانَتْ تَسْلُقُ البَيْض، وَتَخْبِزُ خُبْزَ البَيْتِ الطّازَج، وَتَسْلُقُ بَزْرَ الجَبَسِ (الجَبْش)، وَتُحَمِّصُ الحُمُّصَ بِالرَّمْلِ بَعْدَ أَنْ تَنْخُلَهُ بِعِنايَةٍ فائِقَة. وَأَذْكُرُ جَيِّدًا كَمْ كانَ طَعْمُ ذلِكَ الحُمُّصِ لَذيذًا وَشَهِيًّا، حَتّى إِنَّ رائِحَتَهُ وَحْدَها كانَتْ كافِيَةً لِتَجْذِبَ المارَّةَ إِلى مَكانِنا.

كُنْتُ أَنا وَأَخي جوزيف نَحْمِلُ ما أَعَدَّتْهُ أُمّي مِنْ خُبْزٍ وَبَيْضٍ مَسْلوقٍ وَبَزْرٍ وَحُمُّصٍ مُحَمَّصٍ إِلى سوقِ ديريك. وَهُناكَ كُنّا نَجْلِسُ عَلَى الرَّصيفِ المُقابِلِ لِدُكّانِ الإِخْوَةِ سُلَيْمان وَكَريم وَاسْكَنْدَر شَمّاس، قُبالَةَ دُكّانِ رِزْقو نَرْمو، نَعْرِضُ بِضاعَتَنا الصَّغيرَةَ عَلَى النّاس. كانَتْ تِلْكَ السّوقُ عالَمًا واسِعًا في أَعْيُنِنا الطُّفولِيَّة؛ أَصْواتُ الباعَة، وَقْعُ الأَقْدام، رائِحَةُ القَهْوَةِ وَالتَّبْغ، وَالوُجوهُ الَّتي تَمُرُّ أَمامَنا كُلَّ صَباح، صَنَعَتْ في داخِلِنا أَلْفَ حِكايَةٍ وَحِكايَة.

وَأَذْكُرُ حادثَةً ما زالَتْ تُثيرُ في نَفْسي ابْتِسامَةً كُلَّما اسْتَعَدْتُها. فَفي إِحْدى المَرّات، وَبَيْنَما كانَتْ أُمّي تَسْلُقُ البَيْضَ، انْكَسَرَتْ إِحْدى البَيْضاتِ فَجْأَة، وَخَرَجَ مِنْها صوصٌ صَغير. يَوْمَها قَفَزْتُ مِنَ الفَرَحِ وَأَنا أَصْرُخُ بِبَراءَتي الطُّفولِيَّة:
«كَسَرْنا بَيْضَة طَلَعْ فِيَا ذاغ!»
وَلِأَنَّني كُنْتُ أَعْجِزُ عَنْ لَفْظِ حَرْفِ الزّايِ بِشَكْلٍ صَحيح، قُلْتُ «ذاغ» بَدَلَ «زاغ»، وَالزّاغُ في لَهْجَتِنا الآزَخِيَّةِ يَعْني الصّوصَ الصَّغير. ضَحِكَتْ أُمّي كَثيرًا يَوْمَها، وَبَقِيَتْ تِلْكَ العِبارَةُ تَتَرَدَّدُ في البَيْتِ سَنَواتٍ طَويلَةً كُلَّما أَرادوا مُمازَحَتي.

كُنّا نَبيعُ البَيْضَ بِالعَدَد؛ كُلُّ عَشْرِ بَيْضاتٍ بِوَرَقَةٍ سوريَّةٍ واحِدَة، وَكانَ البَزْرُ وَالحُمُّصُ يُكالانِ بِقَدَحٍ صَغيرٍ سِعْرُهُ فِرَنْكٌ سوريّ، أَمّا رَغيفُ الخُبْزِ فَكانَ بِخَمْسِ فِرَنْكاتٍ سوريَّة. كانَتِ المَبالِغُ بَسيطَة، لَكِنَّها بِالنِّسْبَةِ لَنا كانَتْ تَعْني الكَثير، لِأَنَّنا كُنّا نَشْعُرُ أَنَّنا نُشارِكُ فِعْلًا في إِعانَةِ الأُسْرَةِ وَتَأْمينِ لُقْمَةِ العَيْش.

وَرَغْمَ قَسْوَةِ الحَياةِ وَبَساطَتِها آنَذاكَ، فَإِنَّ تِلْكَ الأَيّامَ تَرَكَتْ في أَرْواحِنا شُعورًا عَميقًا بِالثِّقَةِ وَالرِّضا. فَقَدْ تَعَلَّمْنا مُنْذُ الصِّغَرِ أَنَّ العَمَلَ لَيْسَ عِبْئًا، بَلْ قِيمَةٌ تَمْنَحُ الإِنْسانَ كَرامَتَهُ وَإِحْساسَهُ بِذاتِهِ. لِذلِكَ أَحْبَبْنا العَمَلَ مُبَكِّرًا، وَأَقْبَلْنا عَلَيْهِ بِرَغْبَةٍ صادِقَة، وَكَأَنَّ التَّعَبَ نَفْسَهُ كانَ يَحْمِلُ لَنا مَعْنى الفَرَحِ وَالانْتِماء.

وَاليَوْم، كُلَّما عُدْتُ بِذاكِرَتي إِلى تِلْكَ السِّنِينَ، أَرى أُمّي واقِفَةً قُرْبَ التَّنّور، يَداها مُغَطّاتانِ بِالطّين، وَوَجْهُها المُتْعَبُ يَلْمَعُ بِنورِ الرِّضا. فَأُدْرِكُ أَنَّ أَعْظَمَ ما وَرِثْناهُ مِنْها لَمْ يَكُنِ الخُبْزَ وَلا الحُمُّصَ وَلا التَّنانير، بَلْ تِلْكَ الرّوحَ الصُّلْبَةَ الَّتي عَلَّمَتْنا كَيْفَ نَصْنَعُ مِنَ البَساطَةِ حَياةً تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْوى.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:17 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke