![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
إيشوع ملكي إيشوع «أبو جانو» إعداد : ميلاد كوركيسسيرة حياة ووفاء من حفيد إلى جدّه مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic إلى ذكرى جدي الغالي إيشوع ملكي إيشوع «أبو جانو» هناك أشخاص لا يغادرون حياتنا حقًا، حتى وإن غابوا عن أعيننا ورحلوا عن عالمنا؛ إذ تبقى حكاياتهم راسخة في الذاكرة، وتظل ملامحهم حاضرة في تفاصيل أيامنا، وكأن الزمن لم يستطع أن ينتزعهم من قلوبنا. وجدي إيشوع ملكي إيشوع، المعروف باسم «أبو جانو»، واحد من أولئك الذين تركوا في حياتي أثرًا لا تمحوه السنوات، وارتبط اسمه في وجداني بالبيت والعائلة والطفولة، وبذكريات ما زالت تعيش في داخلي رغم مرور الزمن. لم أكن أعلم، وأنا أقف إلى جانبه في مطار حلب الدولي يوم الرابع عشر من آب عام 2003، أن العناق الذي جمعني به سيكون عناقي الأخير، وأن تلك اللحظات البسيطة ستتحول مع مرور السنوات إلى ذكرى أعود إليها كلما اشتقت إليه. كان جدي يستعد للسفر إلى ألمانيا برفقة جدتي مارتا صليبا، وكان والدي ووالدتي وأنا حاضرين في المطار لوداعهما. لم نكن نعلم يومها أن تلك الرحلة لن تنتهي بعودته إلى ديريك، وأن الوداع الذي بدا عابرًا سيصبح آخر لقاء مباشر بيني وبينه في هذه الحياة. من هنا تبدأ حكايتي معه؛ لا من تاريخ ميلاده وحده، ولا من محطات حياته التي يمكن تدوينها بالأرقام والتواريخ، بل من المحبة التي تركها فينا، ومن البيت الذي جمعنا، ومن تفاصيل صغيرة صنعت في ذاكرة حفيده صورة رجل لم يكن مجرد جد، بل كان جزءًا من معنى العائلة والأمان والانتماء. إنها حكاية إنسان بقي حاضرًا في ذاكرة من أحبوه، وحكاية حفيد اختار أن يحفظ سيرة جده وفاءً لما تركه من أثر طيب في حياته وفي حياة أسرته. من أسفس إلى عين بازوق… البدايات الأولى وُلد إيشوع ملكي إيشوع في كانون الثاني من عام 1935 في قرية أسفس، الواقعة في جنوب تركيا، ونشأ في كنف والديه ملكي وسيدة، ضمن عائلة ضمّت شقيقه داؤود وشقيقاته سفري ومريم ونيسي. كانت تلك البدايات جزءًا من حكاية عائلة عاشت تحولات كثيرة قبل أن تنتقل إلى سوريا وتبدأ مرحلة جديدة من حياتها، حاملةً معها ذكرياتها وجذورها وروابطها العائلية التي بقيت حاضرة في مسيرة أبنائها. استقرت العائلة في البداية في عين بازوق، في ريف ديريك المالكية، حيث ارتبطت الحياة بالأرض والعمل والكدّ اليومي. وفي تلك البيئة، عرف جدي معنى المسؤولية، وعاش حياة اعتمدت على الجهد والمثابرة؛ فعمل سائقًا للحافلة في منطقة رميلان، إلى جانب عمله في الزراعة وتربية الأغنام. وبين الطريق والأرض، أمضى سنوات من حياته ساعيًا إلى تأمين احتياجات أسرته، مؤمنًا بأن مسؤولية الإنسان تجاه عائلته لا تتوقف عند حدود الكلام، بل تظهر في العمل والصبر والقدرة على الاستمرار مهما كانت الظروف. وفي عام 1959، تزوج من جدتي مارتا صليبا، لتبدأ معًا رحلة تكوين الأسرة وبناء البيت. ورُزق الزوجان بسبعة أبناء: جان ومالك، وجاكلين وريما وحنان وسيود وسعاد. كانت العائلة محور حياته، وكان همه أن يوفر لأبنائه حياة كريمة، وأن يمنحهم ما استطاع من فرص الاستقرار والتقدم، رغم ما قد تفرضه الظروف من صعوبات. فقد أدرك أن بناء الأسرة لا يقتصر على توفير احتياجاتها اليومية، بل يتطلب أيضًا رعاية الأبناء ومساندتهم وتشجيعهم على شق طريقهم في الحياة. لم يتمكن جدي من إكمال تعليمه، لكن ذلك لم يجعله يقلل من قيمة العلم، بل على العكس، كان حريصًا على تشجيع أبنائه على الدراسة والتعلم، وكأنه أراد لهم أن يبلغوا ما لم تتح له الظروف أن يبلغه. وقد أثمر هذا الحرص؛ إذ نال معظم أبنائه شهادات ومؤهلات علمية، ولم يتوقف أثر هذه القناعة عند جيلهم، بل امتد إلى الأحفاد أيضًا، فأصبحت مواصلة التعليم قيمة عائلية مستمرة ما زالت حاضرة حتى اليوم. وهكذا تحولت رغبته في تعليم أبنائه إلى إرث معنوي يؤكد أن الإنسان، وإن لم تتح له كل الفرص في حياته، يستطيع أن يفتح لأبنائه أبوابًا أوسع للمستقبل، وأن يزرع فيهم الطموح والإصرار على التعلم والتقدم. بيت العائلة… مسؤولية ومحبة وسند للجميع لم تكن حياة جدي محصورة في العمل وتربية الأبناء، بل تجلت إنسانيته بوضوح في علاقته بأفراد أسرته، وفي الطريقة التي احتضن بها من عاشوا إلى جانبه. فقد عاشت معه والدته سيدة وشقيقته مريم حتى وفاتهما، وكان وجودهما في البيت جزءًا من مسؤوليته العائلية التي لم يتخلَّ عنها. لم يكن ينظر إلى رعايتهما بوصفها واجبًا ثقيلًا، بل كان يتعامل معهما بمحبة واهتمام، ويحرص على أن تبقيا جزءًا من حياته اليومية والعائلية، في صورة تعبّر عن الوفاء للأهل والحرص على روابط الأسرة. وتتذكر والدتي وأخوالها وخالاتها أن العائلة، بما فيها جدي وجدتي وأبناؤهما وبناتهما، عاشت فترة من الزمن في غرفة واحدة. قد تبدو هذه الصورة اليوم صعبة التصور، لكنها تحمل في داخلها حكاية جيل عرف ضيق المكان واتساع الروابط الإنسانية في الوقت نفسه. لم تكن مساحة البيت كبيرة، لكن العلاقات التي جمعت أهله كانت أوسع من جدرانه، وكانت المسؤولية المشتركة تجمعهم في تفاصيل الحياة اليومية، ليصبح البيت، على الرغم من بساطته وضيق مساحته، مكانًا تتقاطع فيه حكايات الأبناء والأم والأخت والزوجة والأحفاد. وفي وسط تلك الحياة البسيطة، كان جدي أبًا لأبنائه، وأخًا وسندًا لأسرته، وشخصًا يمكن الاعتماد عليه عند الحاجة. وقد انعكس هذا الجانب من شخصيته بصورة خاصة في علاقته بوالدته وشقيقته، اللتين بقيتا في رعايته حتى رحيلهما. كان وجودهما إلى جانبه جزءًا من حياته، وكانت رعايتهما تعبيرًا عن صلة عائلية لم تضعفها صعوبات الحياة. وهكذا بقيت صورة جدي مرتبطة بالمسؤولية والوفاء، وبالحرص على أن يجد أفراد أسرته من يقف إلى جانبهم عندما يحتاجون إلى الدعم والمساندة. كان طيب القلب مع من حوله، محبًا لأهله، قريبًا من أفراد عائلته، وتجمعه بهم مناسبات ولقاءات تحمل الكثير من الدفء. لم يكن البيت بالنسبة إليه مجرد مكان للسكن، بل مساحة تلتقي فيها الوجوه، وتتبادل فيها الأحاديث، ويجد فيها القريب والغريب من يستقبله بترحاب. ولذلك بقيت صورته في ذاكرة من عرفوه مرتبطة بالمحبة والكرم وحسن المعاملة، وهي صفات لا تحتاج إلى كلمات كثيرة لتثبت حضورها؛ إذ تكفي آثارها في نفوس الناس، وتكفي الذكريات التي بقيت عن صاحبها لتدل على مكانته بينهم. ديريك… البيت الذي اتسع للجميع في عام 1971، انتقل جدي وعائلته إلى مدينة ديريك، لتصبح المدينة محطة أساسية في حياته وذاكرة أسرته. واصل عمله سائقًا للحافلة في منطقة رميلان، إلى جانب اهتمامه بالزراعة، وظل قريبًا من تفاصيل الحياة اليومية ومن الناس الذين عاشوا حوله. لم تكن علاقاته محصورة في الأقارب، بل امتدت إلى الجيران والأصدقاء والمعارف، وكان بيته مفتوحًا لاستقبالهم على اختلاف خلفياتهم وانتماءاتهم الدينية والاجتماعية، في صورة تعكس بساطة العلاقات الإنسانية التي كان يعتز بها. لقد أحب جدي الناس ببساطة، وتعامل معهم بما عُرف عنه من طيبة وكرم، ولم يكن الضيف يحتاج إلى مناسبة خاصة كي يجد باب البيت مفتوحًا أمامه. كانت للضيافة مكانة في حياته، وكانت الزيارات واللقاءات العائلية والاجتماعية جزءًا من عالمه الذي يعتز به. ولم يكن الترحيب بالآخرين عنده مرتبطًا بما يستطيعون تقديمه، بل بما يجمع الناس من صلة إنسانية وجيرة ومودة؛ فالبيت بالنسبة إليه لم يكن مساحة تخص الأسرة وحدها، بل مكانًا تتجسد فيه المحبة من خلال استقبال الآخرين واحترامهم وتقدير وجودهم. وفي ذاكرة الحي الذي عاش فيه، بقيت أسماء جيرانه وأصدقائه جزءًا من صورة تلك المرحلة، ومن بينهم المعلم الراحل سهيل بطرس يوسف، وجميل المعروف باسم «جميل الخياط»، والمعلم الراحل أفرام لحدو، والمعلم الراحل بسنة كوركيس، وصبري يعقوب المعروف باسم «صبرو دلالي»، إلى جانب جيران وأصدقاء آخرين جمعته بهم سنوات من الحياة اليومية والعلاقات الطيبة. إن ذكر هذه الأسماء ليس مجرد استعادة لأشخاص عاشوا في المكان نفسه، بل هو محاولة لحفظ جانب من الذاكرة الاجتماعية لحيّ جمع بين بيوته وأهله وجيرانه روابط تجاوزت حدود الجوار العابر. ولذلك الحي مكانة خاصة في ذاكرتي أنا أيضًا؛ فهو الحي نفسه الذي عشت فيه جانبًا من طفولتي، وشهدت شوارعه وبيوته بعضًا من ذكرياتي الأولى. وحين أعود اليوم إلى توثيق حكايات شخصياته، أشعر أنني لا أكتب عن أسماء بعيدة عني، بل أقترب من عالم عشته وسمعت حكاياته ورأيت بعض وجوهه. وقد سبق لي أن وثّقت سير عدد من أبناء ذلك الحي، ومن بينهم الراحلون سهيل بطرس يوسف وأفرام لحدو وبسنة كوركيس، لتلتقي الذاكرة الشخصية مع رسالة التوثيق التي يقوم عليها مشروع Memora 360، ويصبح العمل على حفظ السير امتدادًا لعلاقة شخصية ومكانية لا تزال حاضرة في وجداني. وهكذا، فإن الحديث عن جدي لا ينفصل عن الحديث عن ديريك وأهلها وبيوتها وأحيائها؛ فالإنسان يترك أثره في المكان الذي عاش فيه، كما يترك المكان أثره في ذاكرته. وبالنسبة إليّ، بقي بيت جدي أحد تلك الأماكن التي لا تختصرها الجدران، بل تختزن فيها حكايات العائلة ووجوه الأحبة وأصوات الماضي. وحين أستعيد تلك المرحلة، لا أتذكر بيتًا فحسب، بل أتذكر عالمًا كاملًا كانت فيه العلاقات العائلية والجيرة والزيارات اليومية جزءًا من نسيج الحياة. ذكريات حفيد… «تنروح بيت جدو» حين أستعيد طفولتي، لا أبدأ بالتواريخ ولا بالأحداث الكبيرة، بل بعبارات بسيطة كانت تتكرر في أيامنا وتحمل في داخلها معنى السعادة والأمان. كانت والدتي تعمل معلمة، ولذلك كنت أنا وإخوتي وأبناء عمومتي نقضي جزءًا كبيرًا من نهارنا في بيت جدي وجدتي، إلى أن تعود والدتي من عملها. أصبح ذلك البيت جزءًا من يومنا المعتاد، ومكانًا نعرف تفاصيله ونشعر فيه بالألفة، حتى غدت بعض العبارات العائلية الصغيرة مرتبطة في ذاكرتي بمرحلة كاملة من حياتي، لا تزال تفاصيلها تعود إليّ كلما استحضرت صورة جدي وجدتي. ما زلت أستعيد عبارة «تنروح بيت جدو»، التي كانت تعني بالنسبة إلينا الذهاب إلى المكان الذي نجتمع فيه ونقضي الوقت معًا، كما أتذكر عبارة «جدو إجا عنا»، حين كان جدي يأتي لزيارتنا. لم تكن تلك الكلمات مجرد عبارات عابرة بين أفراد العائلة، بل كانت تعبيرًا عن علاقة يومية وثيقة، وعن حضور إنسان ارتبطت به تفاصيل طفولتنا بصورة طبيعية وعفوية. واليوم، بعدما أصبحت تلك الأيام جزءًا من الماضي، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن قيمة بعض اللحظات لا تظهر كاملة إلا بعد أن تتحول إلى ذكريات، وأن التفاصيل التي بدت عادية في حينها قد تصبح، بعد سنوات طويلة، من أثمن ما نحتفظ به في قلوبنا. كان جدي يحب الطبيعة، ويهتم بالنباتات والأشجار والزهور، ويجد في الجلوس بين الخضرة متعة وراحة. كثيرًا ما أتذكره جالسًا على كرسيه في الخارج، محاطًا بما يحب من نباتات وأشجار، في مشهد بسيط يعكس جانبًا هادئًا من شخصيته. وكان حريصًا كذلك على الحركة والنشاط؛ يبدأ يومه ببعض التمارين الرياضية بعد الاستيقاظ، ويشرب الحليب، ثم يمضي في أعماله اليومية، متنقلًا بين مسؤولياته والعمل والمشي. كانت الحركة جزءًا من روتينه، وكان يميل إلى البقاء نشيطًا، في صورة بقيت حاضرة في ذاكرتي إلى جانب حبه للطبيعة واهتمامه بالأشياء البسيطة التي تمنح الحياة جمالها. أما جمعات العائلة، فقد كانت من الأشياء التي أحبها وأعتز بها. كانت الوجوه تجتمع، والأحاديث تتبادل، ويجد أفراد الأسرة فرصة للبقاء قريبين من بعضهم بعضًا. ومع مرور الزمن، أدركت أن هذه اللقاءات لم تكن مجرد عادات اجتماعية، بل كانت وسيلة لحفظ روابط العائلة وتعزيز الشعور بالانتماء. فالبيت الذي يجتمع فيه الأبناء والأحفاد حول كبار العائلة يصبح ذاكرة مشتركة تحملها الأجيال حتى بعد رحيل أصحابها، وتبقى فيه آثار أولئك الذين جعلوا من اجتماع الأسرة قيمة تستحق المحافظة عليها. ولديّ الكثير من الذكريات الأخرى التي يمكن أن أرويها عن جدي، لكنني أختار هنا أن أحتفظ بما يرتبط مباشرة بسيرته وبالصورة التي بقيت في داخلي عنه. فليس الهدف أن أسرد كل تفصيل عشته، بل أن أقدّم صورة صادقة عن إنسان كان له حضور في حياة أسرته، وعن جدّ ارتبط اسمه في طفولتي بالبيت والمحبة واللقاء. وربما كانت أبسط الذكريات هي الأصدق تعبيرًا عن مكانته؛ لأن الإنسان لا يبقى في الذاكرة بما فعله في المناسبات الكبرى وحدها، بل بما منحه لمن حوله من شعور بالألفة والطمأنينة، وبالأوقات التي جعل فيها الحياة اليومية أكثر دفئًا وقربًا. السفر الذي أصبح وداعًا أخيرًا لم يكن السفر إلى ألمانيا أمرًا جديدًا على جدي وجدتي؛ فقد سافرا إلى ألمانيا والسويد عدة مرات، نظرًا إلى وجود أقارب لجدتي هناك. كانت تلك الرحلات جزءًا من صلات العائلة بأقاربها في الخارج، ومن محاولات الحفاظ على الروابط العائلية رغم المسافات. لكن الرحلة الأخيرة التي قام بها جدي إلى ألمانيا حملت في نهايتها معنى لم يكن أحد منا يتوقعه، إذ تحولت مع مرور الزمن إلى محطة فاصلة في ذاكرة العائلة، وإلى ذكرى مرتبطة بآخر لقاء جمعني به. في الرابع عشر من آب عام 2003، غادر جدي إيشوع ملكي إيشوع عبر مطار حلب الدولي متوجهًا إلى ألمانيا برفقة جدتي مارتا صليبا. وكان والدي ووالدتي وأنا موجودين في المطار لوداعهما. وفي تلك اللحظات، عانقت جدي للمرة الأخيرة، من دون أن أعرف أن هذا العناق سيبقى آخر ما يجمعني به وجهًا لوجه، وأنني سأعود إلى تلك اللحظة مرارًا كلما استعدت صورته أو اشتقت إلى وجوده بيننا. لم أكن أملك آنذاك القدرة على إدراك ما يمكن أن تعنيه تلك اللحظة في المستقبل. كان الأمر يبدو وداعًا عاديًا يرافق سفرًا سبق أن عرفته العائلة، لكن الأيام كشفت أن ذلك العناق سيصبح ذكرى ثابتة في قلبي، وأن جدي لن يعود بعد تلك الرحلة إلى المدينة التي عاش فيها سنوات طويلة، ولا إلى البيت الذي جمع أبناءه وأحفاده. وهكذا اكتسبت لحظة الوداع معنى لم يكن ظاهرًا في حينه، وأصبحت جزءًا لا ينفصل عن حكايتي الشخصية معه. في السابع والعشرين من كانون الثاني عام 2004، توفي جدي في مدينة فرانكفورت الألمانية، عن عمر ناهز تسعة وستين عامًا، ودُفن هناك. وهكذا انتهت حياته بعيدًا عن ديريك، وعن البيت والأحياء والوجوه التي ارتبطت بها سنوات عمره. وبقيت المسافة بيننا وبينه حقيقة مؤلمة، لكن ذكراه لم تبقَ بعيدة؛ فقد ظلت حاضرة في أحاديث العائلة، وفي الصور والذكريات، وفي التفاصيل التي يستعيدها الأبناء والأحفاد كلما ذُكر اسمه، لتؤكد أن الغياب الجسدي لا يعني بالضرورة غياب الإنسان عن وجدان من أحبوه. منذ ذلك اليوم، لم يعد مطار حلب في ذاكرتي مجرد مكان للسفر، بل أصبح شاهدًا على لحظة وداع لا يمكن استعادتها، وعلى عناق أخير اكتسب مع مرور السنوات قيمة لم أكن أعرفها حينها. وربما لهذا السبب أعود دائمًا إلى تاريخ الرابع عشر من آب عام 2003؛ لأنه اليوم الذي احتفظت فيه ذاكرتي بآخر لقاء مباشر مع جدي، قبل أن تتحول صورته إلى حضور يسكن القلب ويستمر مع الأيام. لقد بقي ذلك العناق جزءًا من قصتي معه، وذكرى أستحضرها اليوم وأنا أحاول أن أحفظ سيرته بالكلمات، وفاءً لرجل لم يغب أثره عن حياتي. إلى جدي… من حفيدك ميلاد جدي الغالي، إيشوع ملكي إيشوع «أبو جانو»، أكتب عنك اليوم بعد سنوات طويلة من الغياب، وأشعر أن الكلمات مهما بلغت من الصدق تبقى أقل من أن تحمل كل ما تختزنه الذاكرة من محبة وحنين. لا تزال بعض التفاصيل الصغيرة تعود إليّ بوضوح؛ البيت الذي كنا نذهب إليه، واللحظات التي جمعتنا، وعبارة «جدو إجا عنا»، ثم ذلك العناق الأخير في مطار حلب، الذي لم أكن أعرف أنه سيكون آخر عناق بيننا في هذه الحياة. إنها تفاصيل قد تبدو بسيطة لمن يقرأها، لكنها بالنسبة إليّ تحمل جزءًا من طفولتي، ومن حكاية لا تزال تسكن قلبي رغم مرور السنوات. لقد كبرت، وتغيرت أشياء كثيرة من حولي، ومضت سنوات حملت معها وجوهًا وأحداثًا وذكريات جديدة، لكن بعض الصور بقيت في مكانها داخل القلب. صورتك واحدة منها؛ لا لأنها صورة رجل من الماضي فحسب، بل لأنها جزء من حكايتي الشخصية، ومن طفولتي، ومن معنى العائلة الذي تعلمته من خلال وجودك بيننا. وكلما استعدت تلك الأيام، أدركت أن الإنسان قد يبتعد عن أعيننا، لكن ما يتركه في نفوسنا من محبة وذكريات يظل قادرًا على مرافقتنا مهما طال الزمن. وأنا اليوم، حين أكتب سيرتك، لا أريد أن أختصر حياتك في تاريخ الميلاد والوفاة، ولا أن أجعلها مجرد أسماء وأماكن ومحطات. أريد أن تبقى حكايتك حاضرة بما حملته من تعب وعمل ومسؤولية ومحبة، وبما تركته في أبنائك وأحفادك من قيم تستمر آثارها حتى اليوم. أريد أن يعرف من يأتي بعدنا أن وراء الاسم إنسانًا عاش وعمل وأحب وربّى أبناءه، وشجّعهم على العلم، وفتح بيته للناس، وترك في أسرته ذاكرة تستحق أن تُروى بصدق واحترام. وأريد لهذه السيرة أن تكون شهادة وفاء متواضعة لحياة تركت أثرًا طيبًا فيمن عرفوها وعاشوا تفاصيلها. رحمك الرب يا جدي، وأسكنك مساكن النور والراحة، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد، بل حياة أبدية في حضرة الرب. سيبقى لك مكان لا يملؤه أحد، وستظل ذكراك جزءًا من روحي، وستبقى محبتي لك حاضرة ما حييت. وأرجو أن يكون رجاء القيامة عزاءً لنا، وأن يجمعنا الرب يومًا في ملكوته، حيث لا يكون للوداع معنى، ولا تفصل الأحبة مسافات أو سنوات، وحيث نرجو أن نلتقي بمن سبقونا في الإيمان والمحبة. رسالة وفاء من أحفادك إلى جدنا الغالي إيشوع ملكي إيشوع «أبو جانو»، الذي ترك لنا من سيرته أكثر من ذكريات جميلة، وترك في عائلته قيمًا امتدت من الأبناء إلى الأحفاد، نقول إن الغياب لا يلغي مكانة الإنسان، وإن الرحيل لا يمحو ما زرعه من محبة في قلوب من عرفوه. فقد تبقى سيرة الإنسان حيّة بما قدمه لأسرته، وبما تركه من مواقف وذكريات، وبما زرعه في نفوس أبنائه وأحفاده من قيم تستمر بعد غيابه. قد لا تكون كل الأجيال قد عاشت معك السنوات نفسها، وقد تختلف ذكرياتنا وتفاصيلها، لكن اسمك بقي حاضرًا في تاريخ العائلة، وفي حكايات البيت، وفي الأحاديث التي تعيد إلينا شيئًا من زمن مضى. ومن خلال هذه السيرة، نحاول أن نحفظ جزءًا من تلك الحكاية، وأن ننقلها إلى من لم تتح لهم فرصة معرفتك، حتى يتعرفوا إلى الجد الذي كان محبًا لأهله، حريصًا على أبنائه، ومؤمنًا بقيمة العلم والعمل، وإلى الإنسان الذي جعل من بيته مكانًا يجتمع فيه الأقارب والأصدقاء والجيران، واستطاع أن يترك أثرًا طيبًا في محيطه. إن الوفاء للأجداد لا يكون بالبكاء على غيابهم وحده، بل بحفظ أسمائهم، وتوثيق سيرهم، ونقل القيم الطيبة التي تركوها لنا. فالعائلة التي تعرف تاريخها تعرف جذورها، والإنسان الذي يحفظ حكايات من سبقوه يمنح الأجيال القادمة فرصة لفهم الطريق الذي أوصلهم إلى حاضرهم. ومن هنا، تصبح كتابة سيرة الجد أكثر من مجرد استعادة لذكريات شخصية؛ إنها مساهمة في صون الذاكرة العائلية، وفي إبقاء حكايات الأجيال السابقة حاضرة في وجدان الأبناء والأحفاد. رحمك الرب يا جدنا الغالي، ولتكن ذكراك مباركة في قلوب أبنائك وأحفادك، وليبقَ ما تركته من محبة وعطاء ومسؤولية نورًا يرافق العائلة جيلًا بعد جيل. ستظل سيرتك جزءًا من حكايتنا، وسيبقى اسمك حاضرًا كلما اجتمعنا لاستعادة ذكريات الماضي، وكلما تحدثنا عن البيت الذي جمعنا وعن الإنسان الذي كان له مكانه الخاص في قلوبنا. تبقى الذكرى… ويبقى الرجاء إن سيرة إيشوع ملكي إيشوع «أبو جانو» ليست حكاية فردية منفصلة عن محيطها، بل هي جزء من ذاكرة عائلة عاشت مراحل مختلفة من الحياة، ومن ذاكرة مدينة احتضنت سنوات من عمره، ومن تاريخ اجتماعي وإنساني يستحق أن يُحفظ للأجيال القادمة. فمن أسفس إلى عين بازوق، ومن سنوات العمل والزراعة إلى الاستقرار في ديريك، ومن بناء الأسرة وتشجيع الأبناء على التعليم إلى الرحلة الأخيرة نحو ألمانيا، تمتد خيوط حياة حملت الكثير من المسؤولية والمحبة والذكريات، وشهدت انتقالات تركت أثرها في حياة الأسرة وفي ذاكرة حفيده. رحل جدي في السابع والعشرين من كانون الثاني عام 2004، لكن أثره لم ينتهِ في ذلك اليوم. بقي في أبنائه وأحفاده، وفي البيت الذي جمع العائلة، وفي علاقاته الطيبة مع جيرانه وأصدقائه، وفي الحكايات التي ما زالت تُروى عنه. وبقي أيضًا في ذاكرة حفيده الذي احتفظ بعناق أخير، وحوّله بعد سنوات إلى كلمات، لا لتغيّر حقيقة الغياب، بل لتحفظ ما يستحق أن يبقى من حياة إنسان عزيز. فبعض الذكريات لا نستطيع استعادتها كما كانت، لكننا نستطيع أن نحميها من النسيان، وأن ننقلها إلى من سيأتون بعدنا. ومن خلال مشروع Memora 360، تأتي هذه السيرة محاولةً لصون الذاكرة الشخصية والعائلية، وتوثيق حياة من تركوا أثرًا في محيطهم، كي لا تبقى حكاياتهم حبيسة الذاكرة الفردية، بل تصبح جزءًا من سجل إنساني يمكن للأبناء والأحفاد قراءته والعودة إليه. فالتوثيق ليس استعادة للماضي فحسب، بل هو وفاء لمن عاشوا قبلنا، واعتراف بأن لكل إنسان حكاية تستحق أن تُروى بصدق واحترام، وأن حفظ أسماء الراحلين وسيرهم هو إحدى الوسائل التي تمنح الذاكرة فرصة للاستمرار عبر الأجيال. إلى روح جدي الغالي إيشوع ملكي إيشوع «أبو جانو»، أسأل الرب أن يمنحه الراحة الأبدية، وأن يعزّي قلوب كل من أحبوه، وأن تبقى ذكراه الطيبة حاضرة في العائلة، وأن يكون رجاء القيامة والحياة الأبدية نورًا يرافقنا في انتظار اللقاء الذي نؤمن به في حضرة الرب. ستبقى سيرته جزءًا من تاريخ عائلتنا، وستظل الذكريات التي تركها لنا نافذة نطل منها على ماضٍ عزيز، نستعيد من خلاله معنى الوفاء والمحبة والانتماء. الذكرى الطيبة لا يطويها الزمن، والمحبة الصادقة لا تنتهي بالغياب. #إيشوع_ملكي_إيشوع #أبو_جانو #ذاكرة_العائلة #سيرة_حياة #وفاء_للأجداد #ديريك #المالكية #ذاكرة_الوطن #توثيق_التاريخ #شخصيات_صنعت_ذاكرة_الوطن #Memora360 #رحمك_الرب #رجاء_القيامة #الذكرى_الطيبة التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; اليوم الساعة 08:11 AM |
|
#2
|
||||
|
||||
|
بالحقيقة قلّة من أهل ديريك تعلم بأنّ ملكي إيشوع هو إبن عمنا وذكر لي داؤود ابن عمي ملكي ايشوع أكثر من مرة حين كنّا نلتقي معًا وكان ذلك في كلّ يوم تقريبًا لضرورة عملنا الحزبي. كان يقول لي دائمًا إنّ أبي يقول لا أهل لنا في ديريك سوى بيت عمي زاديكي.
بالمقابل كان أبي كبرو زاديكي يقول إنّ بيت ملكي ايشوع هم أبناء عمومتنا، وعلمت من خلال سؤالي عن تاريخ اسرتي بيت حنّوشكي، حيث كان لي دافع ورغبة لمعرفة الكثير عن تاريخ اسرتنا، وقد روى لي المرحوم عمي يعقوب زاديكي (والد زوجتي) في أكثر من لقاء جوانب من تاريخ الأسرة، ممّا كان يقوله: إنّ أصل أسرتنا بيت حنّوشكي (كان هذا لقب أسرتنا في آزخ الى أن غلب عليه لقب زاديكي ولجدي حنّا الملقب بحنّوشكي حوقة في بيرمة آزخ عرفت باسمه حَوقَتْ حنّوشكي كانت فيها كرومه ومزارعه). قدم جدي الياس مع أخويه بِشْرِي وهو جدّ عمي پنو اللال (بهنان القصّاب أبو حنا وبشير) وعِزّو وهو عمي عزّو والد عبد الأحد عزّو وعيسى عزّو (الذي قامت الجندرمة التركية في حرق بيته في آزخ وهو بداخل البيت في الحارة الفوقانية، اي حارة الحبيبكية) وعبد الأحد عزّو هو والد عمي أديب بَحّي (عبد الأحد) وعمتي چوچكي أم صامو چوچكي وسليمان عبد الأحد (سِلو) بياظ ومريم زوجة موسى مهران (الأورديناس). غادر جدي الياس مع أخويه من قرية كِنّكي وتُسمّى بالسريانية (قانيق) تقع في برية نصيبين. قدموا في البداية إلى جزيرة بن عمر وكان جدي الياس تاجرًا كبيرًا في جزيرِه بوطا، ولهذا فإنّ عشيرتنا هي الباژاريّة أي الجزرواية كما بيت آنطي (اسحق وكوركيس وعيسى) وملكي آنطون والد المعلمة جانيت و وآنطون الطويل والد المحامي ميخائيل والدكتور حنا آنطون واسطيفو الدلّال أبو ديبو وآخرون.. بعد ذلك بسنوات كثيرة لا أعلم كم دامت انتقل الإخوة الثلاثة مع أبنائهم إلى آزخ للإقامة الدائمة فيها وفي تلك الأثناء غادر أحد أبناء جدي الياس ويدعى القس مراد للسكن في إسفس وقيل صار له بعد ذلك عشرون قوچانًا ملكًا في رحّان گُرگو بإسفس ومن عمنا القس مراد يأتي نسب عمي ايشوع ملكي ايشوع. لا أذكر عمي إيشوع لكنّي أذكر جيّدًا ابن عمي إيشوع ملكي ايشوع ابو جانو وأخاه ابن عمي داؤود ملكي إيشوع كما أذكر كذلك ابن عمي حنّا گورگيس إيشوع (عزّكي) فهو ابن عم إيشوع ملكي. إنّ شهادتي في عمي إيشوع ملكي إيشوع مجروحة لكونه عمي، فلا أريد أن أسبغ عليه سيل الصفات الحميدة والأخرى الحسنة فهو لم يكن بحاجة لكلّ ذلك. عرفته شخصًا طيّبًا وبسيطًا. هادئًا ومتّزنًا وكذلك محبّا ونشيطًا يحبّ العمل ويتفانى من أجله. لن ازيد على ذلك لكنّي سأقول لقرايبي الغالي ملفونو ميلاد حفيد عمي ايشوع ملكي إيشوع لك كلّ الشكر على هذه الصفحة المشرقة من سجل عمي ايشوع التي عرضتها هنا وانا فخور بسجله الإنساني هذا الحاصل بالسمعة الطيّبة والصيت الحسن. بوركت ملفونو ميلاد والف رحمة لروح ابن عمي إيشوع ولعمي ملكي إيشوع وكل الصحة لك ولاسرتك فأمك هي ابنة عمي كما تعلم وابوك هو ابن عم أمّي. لقد استطعت بذكاء وحنكة أن تعطي صورة دقيقة عن حياة ابن عمي وادعو إلى ربّ المجد يسوع المسيح أن يشمله برعايته ويضمّه إلى قافلة الأبرار والقديسين في ملكوته وأتمنى لكلّ من ابني عمي داؤود ايشوع وحنّا کورگيس كلّ الصحة. علمت أنّ صحة الاثنين ليست على ما يرام. التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; اليوم الساعة 08:09 AM |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|