إشراقةُ الصباحِ وأصالةُ التواصلِ الإنسانيّ بقلم: فؤاد زاديكي يتجدّدُ الأملُ مع كلّ
إشراقةُ الصباحِ وأصالةُ التواصلِ الإنسانيّ
بقلم: فؤاد زاديكي
يتجدّدُ الأملُ مع كلّ إشراقةِ شمسٍ تُعلنُ بدايةَ يومٍ جديدٍ، حيث يتّجهُ الإنسانُ بفِطرتهِ نحو التّواصلِ مع أترابهِ، باحثًا عن لحظاتِ دِفءٍ تُجدّدُ النشاطَ وتُعزّزُ الروابطَ الاجتماعيةَ. ولعلّ أعذبَ ما يستهلُّ به المَرْءُ يومَهُ هو تلك التّحيّة الصّباحيّة المألوفة عندما يلقي على مسامع الآخرين عبارة "صباح الخير"، فيأتيه الرّدّ السّريع والمُفعَم بالودّ "صباح النّور". إنّ هذا التبادُل اللفظيّ اليوميُ ليس مُجرّد صِيغة كلاسيكيّة أو حركة لسان اعتاد عليها النّاس بدافع التّكرار، بل هو ممارسة اجتماعيّة عميقة الأبعاد تتوارثها الثقافات لتنسجَ من خلالها أواصر القًربى وتزرع طمأنينة مُتجدّدة في نفوس العابرين.
تتجلّى في هذه العبارة ودلالاتها فلسفة إنسانية مُتكاملة تُثري العلاقات بين الجيران والأصدقاء والمجتمع ككلّ، فالخير الذي يَتطلّع إليه البدء بالتّحيّة يَشمل العطاءَ والبركة وتَيسير أمور الحياة اليوميّة وسِعة العيش، وهو تَمنٍّ مادّيّ ومعنويّ بأن يحمل النُهار بين طيّاته كلّ ما هو نافع ومُثمر. وفي المقابل، يأتي استخدام كلمة "النّور" في الرّدّ ليرتقي بالمعنى إلى آفاق روحية وفكرية أوسع، فالنّور يرمز إلى انشراح الصّدر، وسُطوع الحقيقة، وصفاء الذّهن، وتبديد ظلمات القلق والكدر، التي قد تُثقِل كاهلَ المرء في مَطلع يومه. وهكذا يتكامل القَصد بين المُتحدّث والمُجِيب، ليُصبح الصّباح مساحة مشتركة تجتمع فيها تمنّيات العيش الكريم مع إشراقة الأمل والصّفاء الدّاخلي.
ولم تَقِفْ جماليّةُ هذه التّحيّة عندَ حُدودِ المعاني والدّلالات الاجتماعية فحسب، بل تَعدّتها إلى بناء صوتيّ ونَغَميّ أسير يأخُذ بالألباب. فإنّ أذُنًا تُدرِك أسرار البيان تَستشعِر فورًا ذلك التوازن الموسيقيّ البديع والانسجام الصّوتي السّلس بين كلمتي التّحيّة، إذ ينتقل السّمع برقّة ولِين من حرف الخاء في "الخير" — بما يحمله من دفءٍ ورزانةٍ — إلى حرف النّون في "النّور" —بما فيه من رنينٍ صافٍ وانسيابية جليّة. هذا التآلف الصّوتي يمنح الكلمتين جرسًا ناعمًا يُرِيح المسامع ويُنعِش الروح في السّاعات الأولى من النّهار. وبذلك تَتضافَر بلاغةُ المعنى مع عُذوبةِ النّغم، لتتأكّدَ قِيمةُ هذه العادة الاجتماعيّة البسيطة بوصفِها تَعبيرًا خالِصًا عن نَقاءِ القُلوب، وعُمقِ الذّوق الإنسانيّ الأصيل، ورَغبةٍ صادقةٍ في جَعلِ العالم من حولنا أكثرَ إشراقًا ومَحبّةً.
__________________
fouad.hanna@online.de
|