Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 01:53 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,991
افتراضي الحَظُّ بَيْنَ وَهْمِ الرُّؤْيَا وَحَقِيقَةِ الاِحْتِمَالِ بقلم: فؤاد زاديكي لَيْسَ

الحَظُّ بَيْنَ وَهْمِ الرُّؤْيَا وَحَقِيقَةِ الاِحْتِمَالِ

بقلم: فؤاد زاديكي

لَيْسَ الحَظُّ شَيْئًا يُرَى، وَلَا هُوَ كَائِنٌ يُمْسَكُ أَوْ يُقَاسُ، بَلْ هُوَ تَعْبِيرٌ إِنْسَانِيٌّ رَقِيقٌ نُسْقِطُهُ عَلَى مَا يَفُوقُ تَوَقُّعَاتِنَا، وَيَخْرُجُ عَنْ حُدُودِ حِسَابَاتِنَا. نَقُولُ عَنْ إِنْسَانٍ إِنَّهُ مَحْظُوظٌ، لَا لِأَنَّنَا أَبْصَرْنَا الحَظَّ فِيهِ، بَلْ لِأَنَّنَا شَهِدْنَا نَتِيجَةً لَمْ نَسْتَطِعْ تَفْسِيرَهَا بِسُهُولَةٍ.
وَفِي جَوْهَرِ الأَمْرِ، لَيْسَ الحَظُّ قُوَّةً خَفِيَّةً تُدَبِّرُ الأَحْدَاثَ، وَلَا قَدَرًا غَامِضًا يَتَحَكَّمُ فِي مَصَائِرِ النَّاسِ، بَلْ هُوَ اسْمٌ نُطْلِقُهُ عَلَى تَقَاطُعٍ مُفَاجِئٍ بَيْنَ الاِحْتِمَالِ وَالصُّدْفَةِ وَالاِسْتِعْدَادِ. فَالعَالَمُ مَمْلُوءٌ بِأَحْدَاثٍ عَشْوَائِيَّةٍ، تَجْرِي دُونَ تَخْطِيطٍ مُسْبَقٍ، وَتَتَشَابَكُ فِيهَا الظُّرُوفُ عَلَى نَحْوٍ يَجْعَلُ بَعْضَ النَّتَائِجِ نَادِرَةً، وَبَعْضَهَا مُتَوَقَّعًا.
حِينَ يَرْبَحُ شَخْصٌ جَائِزَةً دُونَ تَوَقُّعٍ، أَوْ يَلْتَقِي بِفُرْصَةٍ تُغَيِّرُ مَسَارَ حَيَاتِهِ، نُسَارِعُ إِلَى تَفْسِيرِ ذَلِكَ بِالحَظِّ. غَيْرَ أَنَّ مَا نُغْفِلُهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ هُوَ أَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ لَمْ تَنْشَأْ مِنْ فَرَاغٍ، بَلْ كَانَتْ نَتِيجَةَ تَرَاكُمَاتٍ خَفِيَّةٍ: مِهَارَاتٍ اكْتُسِبَتْ، وَخِبْرَاتٍ تَشَكَّلَتْ، وَجُرْأَةٍ فِي التَّجْرِبَةِ، جَعَلَتِ الفُرْصَةَ - عِنْدَ ظُهُورِهَا - قَابِلَةً لِلِاقْتِنَاصِ.
وَمِنْ هُنَا يَتَبَدَّى أَنَّ مَا نُسَمِّيهِ «حَظًّا» لَيْسَ سِوَى وَجْهِ النَّتِيجَةِ، أَمَّا وَجْهُهُ الآخَرُ فَهُوَ الاِسْتِعْدَادُ. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ مَرَّتْ بِهِ الفُرَصُ قَدْ أَدْرَكَهَا، وَلَا كُلُّ مَنْ شَهِدَ الصُّدَفَ أَحْسَنَ الاِنْتِفَاعَ بِهَا. إِنَّ الفَرْقَ الدَّقِيقَ بَيْنَ مَنْ نَصِفُهُ بِالمَحْظُوظِ وَغَيْرِهِ، يَكْمُنُ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ جَاهِزًا حِينَ تَحِينُ اللَّحْظَةُ.
وَلَعَلَّ أَكْثَرَ مَا يُوَلِّدُ وَهْمَ الحَظِّ هُوَ نَظَرَتُنَا المُجْتَزَأَةُ لِلأُمُورِ، فَنَحْنُ نَرَى النِّهَايَةَ وَلَا نَرَى البِدَايَاتِ، نُبْصِرُ النَّجَاحَ وَلَا نُدْرِكُ عَدَدَ المُحَاوَلَاتِ الَّتِي سَبَقَتْهُ. وَهَكَذَا يَغْدُو الحَظُّ قِصَّةً نَخْتَصِرُ بِهَا تَعْقِيدَ الوَاقِعِ، وَنُخَفِّفُ بِهَا عَنْ أَنْفُسِنَا عِبْءَ الفَهْمِ وَالتَّحْلِيلِ.
وَإِذَا كَانَ الحَظُّ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ، فَإِنَّ آثَارَهُ تَبْدُو جَلِيَّةً فِي حَيَاتِنَا، لَكِنَّهَا - فِي الحَقِيقَةِ - آثَارُ اخْتِيَارَاتِنَا وَسَعْيِنَا. وَمِنْ ثَمَّ، لَا يَكُونُ السُّؤَالُ: «كَيْفَ نَكُونُ مَحْظُوظِينَ؟» بَلْ: «كَيْفَ نُهَيِّئُ أَنْفُسَنَا لِمَا قَدْ يَأْتِي؟».
إِنَّ زِيَادَةَ مَا نُسَمِّيهِ حَظًّا لَا تَتَأَتَّى بِاِنْتِظَارِهِ، بَلْ بِتَوْسِيعِ دَوَائِرِ التَّجْرِبَةِ، وَتَنْمِيَةِ المَهَارَاتِ، وَالاِنْفِتَاحِ عَلَى العَالَمِ. فَكُلَّمَا كَثُرَتِ المُحَاوَلَاتُ، اِتَّسَعَتْ مَسَاحَةُ الاِحْتِمَالِ، وَازْدَادَتْ فُرَصُ اللِّقَاءِ بِتِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي نُسَمِّيهَا - بِبَسَاطَةٍ - حَظًّا.
وَهَكَذَا يَبْقَى الحَظُّ لُغْزًا جَمِيلًا: لَا نَرَاهُ، وَلَكِنَّنَا نُؤْمِنُ بِهِ، لَا نُمْسِكُهُ، وَلَكِنَّنَا نَسْعَى إِلَيْهِ. وَبَيْنَ الوَهْمِ وَالحَقِيقَةِ، يَتَشَكَّلُ مَعْنَاهُ الأَعْمَقُ: أَنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا نَنْتَظِرُهُ، بَلْ شَيْئًا نُسَاهِمُ - دُونَ أَنْ نَدْرِي - فِي صُنْعِهِ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:23 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke