![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تتمّة مرحلة الطفولة من كتاب (هوامش - سيرة ذاتية)
بقلم: فؤاد زاديكي٢ كانت الطفولة، وما تزال، عالمًا قائمًا بذاته، عالمًا يفيض جمالًا وعذوبةً وبراءةً، كأنّه جزيرةٌ نائية في بحر العمر، لا يبلغها صخب الحياة ولا تعصف بها رياح التعقيد. فيها تتفتّح الروح على أولى دهشاتها، وتتعلّم العين كيف ترى العالم بصفاءٍ لم تكد تعكّره التجارب بعد. ولعلّ الطفولة، على الرّغم ممّا قد يُحيط بها من مآخذ أو نقائص، تبقى المرحلة الأكثر حساسيةً في حياة الإنسان، إذ تتشكّل فيها البذور الأولى لشخصيته وهُويّته، وتنغرس في أعماقها جذور القيم والميول والتطلعات. في تلك السنوات الأولى، يكون الطفل كالغصن الطريّ، يستجيب لكلّ نسمةٍ تمرّ به، فإن لامسته يد العناية نما مستقيمًا مُورقًا، وإن تُرِك للريح تاه في اتجاهاتٍ شتّى. ولهذا فإنّ الطفولة لا تحتاج إلى الرعاية فحسب، بل إلى توجيهٍ حكيمٍ وإرشادٍ رصينٍ واهتمامٍ نفسيٍّ وتربويٍّ واجتماعيٍّ عميق. ففي تلك المرحلة ينمو جسد الطفل نموًّا متسارعًا، ويتشكّل تكوينه العضوي والفسيولوجي في أجمل صوره، بينما تتبدّل ملامحه ووظائفه الحيوية تبدّلًا متواصلًا، كأنّ الزمن قد اختار تلك السنوات مسرحًا لعروضه المتلاحقة. غير أنّ نُموّ الطفل لا يقتصر على الجسد وحده، فثمّة عوالم أخرى تتفتّح في داخله. فالعقل يتّسع للمعرفة، والذاكرة تتقوّى بما تختزنه من صور وتجارب، والعاطفة تتعلُم أولى نبضاتها، والروح الاجتماعية تبدأ في اكتشاف معنى الآخر. وهكذا يتكوّن الكيان الإنساني في أبعاده المختلفة: البدنية، والمعرفية، والعاطفية، والاجتماعية. وكلّ معرفةٍ يكتسبها الطفل، وكلّ تجربةٍ يعيشها، تُضيف لبنةً جديدة في بناء ذاكرته، حتى تتحوّل تلك الذاكرة مع الزمن إلى شعلةٍ مُضيئة تُنمّي قدراته العقلية والإدراكية. ومن هنا تتجلّى أهمية حضور الكبار في حياة الطفل حضورًا واعيًا. فليس المطلوب أن يكونوا موجّهين فحسب، بل أن يكونوا أيضًا شهودًا على تحوّلات عالمه الداخلي. فالطفل يعيش صراعاتٍ صغيرة تبدو لنا عابرة، لكنّها بالنسبة إليه عوالم كاملة: يتأرجح بين الحب والغضب، بين الخوف والفرح، بين الفضول والتردّد. وإذا غاب الراشدون عن تلك اللحظات الحساسة، فقدوا القُدرة على إرشاده نحو الصواب، وحمايته من عثرات الطريق الأولى. وقد عبّر بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس عن هذا التحول العميق بين الطفولة والنضج بقوله: «لما كنت طفلاً كطفلٍ كنت أتكلّم، وكطفلٍ كنت أفطن، وكطفلٍ كنت أفتكر، ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل». إنّها كلمات تختصر رحلة الإنسان من براءة البدايات إلى حكمة التجربة، رحلةٌ يتخلّى فيها الإنسان تدريجيًا عن بساطة الطفولة ليبلغ نضج الإدراك واتساع الرؤية. وإذا ما عدتُ بذاكرتي إلى تلك الأيّام البعيدة، إلى سنوات المرحلة الابتدائية، فإنُني أجد نفسي أمام عالمٍ آخر، عالمٍ من الأصدقاء والضحكات والطرقات الترابية التي كانت تحمل خطواتنا الصغيرة نحو مغامراتٍ لا تنتهي. كانت المدرسة آنذاك أكثر من مجرّد مكانٍ للتعلّم، كانت فضاءً تتولّد فيه الصداقات الأولى، تلك الصداقات التي لا تعرف حسابات المصالح ولا تعقيدات الكبار. هناك التقيت بزملاء الصف وأبناء الحارة الذين أصبحوا جزءًا من حكاية طفولتي: سامي داوود القسّ، وجوزيف إسحاق آنطي، وألياس صليبا سلطو، وأفرام مراد لوزي، وشكري برخو، ونظير مراد حكيم وبهيج بوسف القس وغيرهم من الرفاق الذين شكّلوا معاً لوحةً زاهية الألوان في ذاكرة الأيام. غير أنّ أقربهم إلى نفسي كان الصديق بطرس إبراهيم، كنّا، أنا وهو، كأنّنا شقيقان ضلّ كلٌّ منّا طريقه إلى بيت الآخر. كنا نذهب معًا إلى بساتين يعقوب لوزي وأخيه مراد لوزي، حيث كانت الأشجار تمتد كأنّها مظلات خضراء تحمي أسرار الطفولة. وبين تلك الأشجار كانت عين ماءٍ صافية تنبض بالحياة، نشرب منها ونحن نلهث من كثرة الركض واللعب. هناك، في ظلال الأشجار، كنا نتقمّص أدوار أبطال القصص. كنا نصبح طرزان، نتأرجح بين الأغصان ونُطلق صيحات المغامرة، وكأنّ الغابة الصغيرة التي تُحيط بنا قد تحوّلت إلى أدغالٍ بعيدة. وأمام سينما "هتّى" – التي كان يديرها يوسف إيليا – كنّا نمثّل أدوار الفرسان والأبطال، فنستحضر عنترة وعمارة الزيادي وغيرهما من شخصيات الحكايات الشعبية التي كانت تملأ خيالنا، بسيوفنا الخشبية، وكأن التدريب الدائم قد خلق لدينا حركات ديناميكيّة أثناء المنازلة بتلك السيوف وكأنّنا على خشبة مسرحٍ حقيقيّ أمام جمهور غفير من المشاهدين. كانت تلك اللحظات بسيطة في ظاهرها، لكنّها في حقيقتها كانت كنوزًا من البراءة. لم نكن نملك الكثير، لكنّنا كنّا نملك العالم بأسره في مخيلتنا. وفي تلك المرحلة أيضًا نشأت صداقةٌ خاصّة بيني وبين نعيم حنا رشكّو وأفرام گورگيس شيعا. شيئًا فشيئًا أصبحنا ثلاثيًا لا يكاد يفترق، حيثما وُجد أحدنا، كان الآخران قريبين منه. كنّا نتشارك الطريق إلى المدرسة، ونتقاسم اللعب والضحك والأحلام الصغيرة. وذات يوم خطرت لنا فكرة طفولية طريفة. قلنا: لماذا لا نصنع اسمًا واحدًا يجمعنا نحن الثلاثة؟ جلسنا نفكّر في أسماء عائلاتنا وألقابنا: شيعا، رشكّو، زاديكي. وبعد محاولاتٍ وضحكاتٍ طويلة استقرّ رأينا على اسمٍ غريب بعض الشيء لكنّه بدا لنا رائعاً: "شي كو كي". كان الاسم مجرّد حروفٍ مختصرة، لكنّه بالنسبة إلينا كان رمزًا لصداقتنا التي تخيلنا أنّها ستدوم إلى الأبد. ومرّت السنوات سريعًا، كما تمرّ الفصول على الحقول. وفي يومٍ ما غادر صديقنا نعيم رشكّو إلى ألمانيا للدراسة. يومها شعرنا أنّ قطعةً من طفولتنا قد رحلت معه. ومع ذلك بقي خيط الودّ ممتدًا بيننا، لا تقطعه المسافات ولا يبهته الزمن. فقد تواصلت معه بعد ذلك مرات عديدة، رغم أنّ فراقنا تجاوز نصف قرنٍ من الزمن. أمّا صديقنا أفرام شيعا، فلم تجمعنا الحياة بعد ذلك وجهًا لوجه، لكن أصواتنا ما زالت تلتقي عبر الهاتف، وكأنّ السنوات الطويلة لم تستطع أن تمحو تلك الأيام التي كنّا فيها ثلاثة أطفال نحلم بالعالم. ولم تقتصر صداقات تلك المرحلة علينا نحن الثلاثة؛ فقد كان لنا رفاق آخرون شاركونا صفحات الطفولة: المرحوم خالي گبرو قرياقس يونو (لچّي)، وكريم موسى شمو، ونعيم حنا اسطيفو، وكريم چاچو، ويعقوب سليم ججّو، وفؤاد رزقو محبوبى، وغيرهم ممّن ما زالت أسماؤهم تتردّد في ذاكرة الأيام كأنّها أنغامٌ قديمة لا تزال عذبة. وهكذا تمضي السنوات، ويبتعد الناس عن بعضهم بفعل الحياة وأسفارها، لكن شيئًا واحدًا يبقى عصيًا على الزوال: الذكريات. فهي كالغرف المخفيّة في أعماق القلب، نفتح أبوابها بين حينٍ وآخر فنجد فيها ضحكاتٍ قديمة، ووجوهًا مألوفة، وأيامًا لم تكن تعرف التعقيد. إنّ الطفولة ليست مرحلةً تنتهي فحسب، إنها كنزٌ يبقى حيًّا في أعماق الإنسان. وكلّما تقدّمت بنا الأعوام، أدركنا أنّ تلك السنوات الأولى كانت أجمل فصول الحياة، لأنّها كانت مكتوبة بحبر البراءة وصفاء الروح. ولعل أجمل ما تمنحنا إيّاه الطفولة هو تلك القدرة العجيبة على الاحتفاظ بالودّ، حتى بعد أن تفصل بين الناس مسافات الأرض وسنوات الزمن. فالصداقة التي تولد في براءة البدايات كثيرًا ما تبقى أقوى من كلّ ما يأتي بعدها. وهكذا، كلّما استعدّت تلك الأيام، شعرت أنّ قلبي يعود طفلًا للحظات، يمشي في طرقات الحارة القديمة، ويركض بين الأشجار، وينادي رفاقه بأسمائهم الأولى… وكأن الزمن، على امتداده، لم يكن سوى حلمٍ طويل بين صباحين من طفولةٍ لا تغيب. يتبع... |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|