Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 08:22 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,907
افتراضي النّصرانيّة بدعة يهوديّة بقلم: فؤاد زاديكي في دهاليز التاريخ المنسية، وبين ثنايا ال

النّصرانيّة بدعة يهوديّة

بقلم: فؤاد زاديكي

في دهاليز التاريخ المنسية، وبين ثنايا المخطوطات التي غلّفها غبار القرون، تتبدّى قصة "النصرانية" ليس كمجرّد مرادف للمسيحية، بل كتيّار صاخب نشأ في رحم التجاذبات الدينية والسياسية بمدينة أورشليم القديمة. لم تكن النصرانية في جوهرها سوى انشقاق عقائدي مُتهوّد، حاول جاهدًا حبس الرسالة المسيحية العالمية داخل القوالب العتيقة للشريعة الموسوية، لتبزغ كبدعة يهودية رفضت الانصياع للتحوّل الكبير، الذي قاده الرسل الأوائل نحو الأمم والشعوب قاطبةً. وقد تجسّدت هذه البدعة بشكلٍ جليّ في حركة "الإبيونية" (Ebionites)، وهي تسمية مشتقة من العبرانية وتعني "المساكين" أو "الفقراء". نشأت هذه الجماعة من رحم المسيحيين ذوي الأصول اليهودية الذين آمنوا بأنّ يسوع هو "المسيح" بصفته إنسانًا بارًّا اختاره الله كنبيّ، لكنّهم رفضوا لاهوته رفضًا قاطعًا، وأصرّوا على أنّ الخلاص لا يتحقّق إلّا بالالتزام الحرفي بنواميس موسى من ختان وتقديس للسبت وتجنّب للأطعمة المُحرّمة يهوديًّا. ومن هنا، اعتبروا بولس الرسول "مرتدًّا" لأنّه فتح باب الإيمان للأمم دون قيود الشريعة اليهودية، فاتّخذوا لأنفسهم إنجيلًا خاصًّا عُرف بـ "إنجيل العبرانيين"، وانتشروا في مناطق شرق الأردن وسوريا، مُشكّلين جُيوبًا مُنعزلة عن جسد الكنيسة الجامع.
ومع حلول عام سبعين للميلاد، حين دكّت الجيوش الرومانية أسوار القدس وأحالتها رمادًا، فرّت هذه الجماعات النصرانية والإبيونية نحو البراري، حاملة معها أفكارها المُشبعة بالصّبغة العبرانية. وهنا يبرز خلط شائع يقع فيه الكثيرون جرّاء تَشابُه المُسمّيات؛ فبينما كانت تلك البدع تتلاشى في أصقاع الشّتات، كان "وادي النصارى" العريق في سورية، الممتدّ بين حمص وطرطوس، يرسخ هُوِيّته كقلعة صلبة للمسيحية القويمة. إنّ تسمية هذا الوادي بـ "وادي النصارى" لا تمتّ بصلة لتلك البدعة المتهوّدة، بل هي تسمية ديموغرافية تعكس كثافة الوجود المسيحي التاريخي فيه، حيث ظلّ أهله متمسّكين بإيمانهم الأرثوذكسي والكاثوليكي التقليدي تحت لواء الكنيسة الأنطاكية، بعيدًا كُلَّ البُعد عن انحرافات التيّارات الإبيونيّة التي انزوت في التاريخ.
ولم تكن شبه الجزيرة العربية بمعزل عن هذا الحراك، ففي نجران، نبتت حضارة مسيحية عربية شامخة شهدت واحدة من أعظم مآسي الصُمود الإيماني، وهي قصة "أصحاب الأخدود". هذه الواقعة ليست مجرّد سردية دينية في الإسلام الذي خلدها في "سورة البروج"، بل هي حقيقة تاريخية ثابتة في المصادر المسيحية والسريانية أيضًا، حيث تُعرَف بـ "شهداء نجران". تعود القصة إلى القرن السادس الميلادي (حوالي 523م)، حين قام الملك الحميري "ذو نواس" الذي اعتنق اليهودية باجتياح نجران، وخيّر أهلها المسيحيين بين إنكار إيمانهم بالمسيح أو الموت حرقًا. وأمام صمودهم الأسطوري، أمر بحفر أخاديد عظيمة أُضرِمت فيها النّيران، وأُلقِيَ فيها آلاف المؤمنين من رجال ونساء وأطفال. وتذكر المصادر الكنسية أنّ دماء هؤلاء الشهداء، وعلى رأسهم القديس "الحارث بن كعب"، كانت البذرة التي أزهرت حضورًا مسيحيًّا لم يمحُه الزمن، بل امتدّ شرقًا نحو ما كان يُعرف بـ "بيت قطراية" وهيَ قطر، على سواحل الخليج العربي، من الجبيل في السعودية إلى الإمارات والكويت. كانت تلك الكنائس والديارات، بصليبها الجصّي وعمارتها المهيبة، شواهد حيّة على أنّ المنطقة كانت ميدانًا لتبادل الأفكار والعلوم، حيث رتّل الرهبان باللغة السريانية بينما كانت العربية تجري على ألسنتهم لغة للحياة والشعر. وهكذا، يظلّ التاريخ يكشف لنا أنّ النصرانية البدعية قد ذابت في مجرى الزمن، بينما بقي الإيمان الحقّ ونقوش الشهداء غائرة في قلب الجزيرة العربية، تشهد على حقبة كان فيها الشرق مَهدًا للتحوّلات الكبرى ومسرحًا لصراع الهُوِيّات.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:41 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke