![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
||||
|
||||
|
عُنْوَانُ النَّصِّ: "السِّجْنُ لِلرِّجَالِ؟ بَيْنَ وَهْمِ التَّمْجِيدِ وَحَقِيقَةِ الإِنْسَانِ"بِقَلَم: فُؤَاد زَادِيكِي
تَتَرَدَّدُ عَلَى الأَلْسِنَةِ مَقُولَةٌ شَعْبِيَّةٌ مُسْتَفِزَّةٌ فِي مَعْنَاهَا، بَسِيطَةٌ فِي لَفْظِهَا: "السِّجْنُ لِلرِّجَالِ". وَهِيَ عِبَارَةٌ قَدْ يَظُنُّهَا البَعْضُ تَعْبِيرًا عَنْ قُوَّةٍ أَوْ شَجَاعَةٍ، بَيْنَمَا تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا إِشْكَالِيَّاتٍ عَمِيقَةً تَمَسُّ الفِكْرَ وَالأَخْلَاقَ وَالإِنْسَانِيَّةَ. مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ المَعْنَوِيَّةُ، فَإِنَّ هَذِهِ المَقُولَةَ تَفْتَقِرُ إِلَى أَيِّ أَسَاسٍ عَقْلِيٍّ أَوْ أَخْلَاقِيٍّ سَلِيمٍ. فَالسِّجْنُ لَيْسَ وَسَامَ شَرَفٍ يُعَلَّقُ عَلَى صُدُورِ "الرِّجَالِ"، بَلْ هُوَ نَتِيجَةُ خَلَلٍ فِي السُّلُوكِ أَوْ خَرْقٍ لِلنِّظَامِ القَانُونِيِّ. وَالرُّجُولَةُ الحَقَّةُ لَا تُقَاسُ بِمَا يَتَحَمَّلُهُ الإِنْسَانُ مِنْ عُقُوبَاتٍ، بَلْ بِمَا يَتَحَمَّلُهُ مِنْ مَسْؤُولِيَّاتٍ، وَبِمَا يُظْهِرُهُ مِنْ نُبْلٍ وَانْضِبَاطٍ وَاحْتِرَامٍ لِلْقِيَمِ. وَمِنْ زَاوِيَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، يُمْكِنُ اعْتِبَارُ هَذِهِ العِبَارَةِ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ التَّبْرِيرِ الضِّمْنِيِّ لِلْجَرِيمَةِ أَوِ التَّخْفِيفِ مِنْ وَقْعِهَا. فَهِيَ، بِوَعْيٍ أَوْ بِدُونِ وَعْيٍ، تُسَاهِمُ فِي تَطْبِيعِ فِكْرَةِ أَنَّ دُخُولَ السِّجْنِ تَجْرِبَةٌ "رُجُولِيَّةٌ"، مِمَّا قَدْ يُضْعِفُ مِنْ وَعْيِ الأَفْرَادِ بِخُطُورَةِ السُّلُوكَاتِ المُنْحَرِفَةِ وَعَوَاقِبِهَا. أمَّا عَلَى المُسْتَوَى النَّفْسِيِّ، قَدْ تُسْتَخْدَمُ هَذِهِ المَقُولَةُ كَوَسِيلَةٍ لِلتَّخْفِيفِ عَنْ السَّجِينِ أَوْ مُحَاوَلَةِ دَعْمِهِ مَعْنَوِيًّا، وَهُوَ أَمْرٌ مَفْهُومٌ فِي سِيَاقِ التَّعَاطُفِ الإِنْسَانِيِّ. لَكِنَّ الخَطَرَ يَكْمُنُ فِي أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى أَدَاةِ تَبْرِيرٍ أَوْ تَمْجِيدٍ لِلتَّجْرِبَةِ ذَاتِهَا، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَكُونَ دَافِعًا لِلْمُرَاجَعَةِ وَالإِصْلَاحِ. مِنْ مَنْظُورٍ إِنْسَانِيٍّ، السِّجْنُ تَجْرِبَةٌ قَاسِيَةٌ، فِيهَا فَقْدَانُ الحُرِّيَّةِ وَانْقِطَاعُ الصِّلَاتِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَضَغْطٌ نَفْسِيٌّ عَالٍ. وَتَنْبَغِي مُقَارَبَتُهُ بِوَصْفِهِ وَسِيلَةً لِلإِصْلَاحِ وَإِعَادَةِ الإِدْمَاجِ، لَا مَجَالًا لِلتَّفَاخُرِ أَوِ التَّبَاهِي. فَكُلُّ إِنْسَانٍ، مَهْمَا أَخْطَأَ، يَسْتَحِقُّ فُرْصَةً لِلْبَدْءِ مِنْ جَدِيدٍ، لَا أَنْ يُحَاصَرَ بِصُوَرٍ نَمَطِيَّةٍ تُزَيِّنُ مَاضِيَهُ أَوْ تُقَيِّدُ مُسْتَقْبَلَهُ. وَخِلَاصَةُ القَوْلِ: إِنَّ مَقُولَةَ "السِّجْنُ لِلرِّجَالِ" لَيْسَتْ إِلَّا تَعْبِيرًا شَعْبِيًّا يَحْمِلُ قَدْرًا مِنَ التَّبْسِيطِ المُخِلِّ، وَيَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ نَظَرٍ نَقْدِيَّةٍ. فَالرِّجَالُ حَقًّا هُمُ الَّذِينَ يَبْنُونَ وَلَا يَهْدِمُونَ، يُصْلِحُونَ وَلَا يُفْسِدُونَ، يَحْمُونَ القَانُونَ وَلَا يَنْتَهِكُونَهُ. وَأَمَّا السِّجْنُ، فَلَيْسَ مِقْيَاسًا لِلرُّجُولَةِ، بَلْ مِحَطَّةً يَجِبُ أَنْ تُفْهَمَ فِي سِيَاقِهَا الحَقِيقِيِّ: خَطَأٌ وَعِبْرَةٌ، وَفُرْصَةٌ لِلتَّغْيِيرِ. فَلْنُصَحِّحِ المَفَاهِيمَ، وَلْنَرْفَعِ الوَعْيَ، وَلْنُعِدْ لِلْكَلِمَةِ وَزْنَهَا، حَتَّى لَا تَكُونَ سَبَبًا فِي تَزْيِيفِ الوَاقِعِ أَوْ تَجْمِيلِ الخَطَأِ. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|