الإرثُ الآراميّ والسريانيّ المسيحيّ في تاريخ حرّان: نحو قراءة تاريخية غير اختزالية ب
الإرثُ الآراميّ والسريانيّ المسيحيّ في تاريخ حرّان: نحو قراءة تاريخية غير اختزالية
بقلم الباحث فؤاد زاديكي
لدى نشرنا دراسة استقصائية عن مدينة حرّان تلقّينا ردًّا من أحد الاخوة المشاركين مشكورًا، لامنا فيها على عدم التركيز على علاقة مدينة حرّان بمدينة الرها لإظهار البعد الآرامي السرياني المسيحي لهذه المدينة، لذا قمنا بنشر هذا النصّ للتركيز على ما أغفلناه في الدراسة السابقة عن حرُان، فيما يخصّ علاقتها بمدينة الرها (اوديسا) مع الاعتذار عن تلك الإغفالة.
تُعدّ حرّان Harran واحدة من أقدم المدن المأهولة في شمال بلاد ما بين النهرين، وقد اكتسبت أهميتها من موقعها الاستراتيجي بين الجزيرة السورية وبلاد الرافدين والأناضول. ولهذا كانت عبر تاريخها ملتقى شعوب وثقافات متعدّدة، من الأكديين والآشوريين والآراميين إلى اليونانيين والرومان ثم العرب والمسلمين. ومن هنا فإنّ أي قراءة متوازنة لتاريخها يجب أن تأخذ بعين الاعتبار جميع هذه الطبقات الحضارية، لا أن تختزل المدينة في هوية واحدة فقط.
أما فيما يتعلق بالإرث الآرامي والمسيحي، فهو جزء أساسي وموثّق من تاريخ حرّان. فمنذ القرون الأولى قبل الميلاد أصبحت المنطقة المحيطة بحرّان ضمن المجال الآرامي-السرياني ثقافيًا ولغويًا، خصوصًا بعد انتشار اللغة الآرامية كلغة رئيسية في شمال الهلال الخصيب. وقد استمرّ هذا الحضور قرونًا طويلة، حتى بعد تعاقب الإمبراطوريات المختلفة على المنطقة.
كما أنّ قرب حرّان من الرها Edessa — التي عُرفت لاحقًا كمركز رئيسي للمسيحية السريانية — جعلها متأثّرة بقوة بالحياة الفكرية والدينية السريانية. فالرها كانت من أهم مراكز الثقافة المسيحية الشرقية، ومنها انتشرت اللغة السريانية وآدابها ومدارسها اللاهوتية إلى مدن الجزيرة العليا، ومنها حرّان. ولهذا شهدت المدينة وجودًا مسيحيًّا مبكرًا وممتدًا، وكانت جزءًا من البيئة الثقافية التي تطور فيها التراث السرياني المسيحي.
وتُشير المصادر التاريخية إلى أنّ حرّان بقيت لفترة طويلة مدينة متعددة الأديان، ففيها استمرّت تقاليد دينية قديمة إلى جانب المسيحية، واشتهرت خصوصًا بوجود الحرّانيين والصابئة الحرّانيين في العصور المتأخّرة. وهذا التنوّع الديني والفكري هو ما منح المدينة مكانتها الخاصّة في تاريخ المنطقة، لا سيَّما خلال العصرين الأموي والعباسي، حين أصبحت مركزًا للترجمة والعلوم والفلسفة.
كذلك لا يمكن تجاهل أنُ اللغة السريانية — وهي الامتداد الأدبي والثقافي للآرامية — كانت حاضرة بقوّة في محيط حرّان والرها، وأسهمت في نقل التراث اليوناني والفلسفي إلى العالم الإسلامي. وبالتالي فإنّ الحديث عن حرّان بمعزل عن الإرث الآرامي والسرياني والمسيحي يفقد جزءًا مهمًا من حقيقتها التاريخية.
لذلك فإنّ الدراسة المتوازنة لتاريخ حرّان تقتضي الاعتراف بأنّها مدينة ذات طبقات حضارية متراكمة: آرامية وسريانية ومسيحية ووثنية قديمة ثم إسلامية، وكلّ مرحلة منها تركت أثرًا موثقًا في هوية المدينة وتاريخها الثقافي.
__________________
fouad.hanna@online.de
|