المُصَالَحَةُ مَعَ الذَّاتِ: طَرِيقُ السَّلَامِ الدَّاخِلِيِّ وَمِفْتَاحُ التَّوَازُن
المُصَالَحَةُ مَعَ الذَّاتِ: طَرِيقُ السَّلَامِ الدَّاخِلِيِّ وَمِفْتَاحُ التَّوَازُنِ الْإِنْسَانِيِّ
بقلم: فُؤَاد زَادِيكِي
تُعَدُّ الْمُصَالَحَةُ مَعَ الذَّاتِ مِنْ أَرْقَى الْحَالَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي يَبْلُغُهَا الْمَرْءُ فِي مَسِيرَةِ نُضْجِهِ الْوُجُودِيِّ. فَهِيَ لَيْسَتِ اسْتِسْلَامًا لِلْوَاقِعِ، وَلَا رِضًى عَنِ الْأَخْطَاءِ وَالْعُيُوبِ، بَلْ هِيَ وَعْيٌ عَمِيقٌ بِالنَّفْسِ، وَقَبُولٌ صَادِقٌ لِحَقِيقَتِهَا كَمَا هِيَ، بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ نِقَاطِ قُوَّةٍ وَمَوَاطِنِ ضَعْفٍ، وَبِمَا شَهِدَتْهُ مِنْ نَجَاحَاتٍ وَإِخْفَاقَاتٍ، دُونَ إِنْكَارٍ أَوْ جَلْدٍ لِلذَّاتِ، وَدُونَ تَعَالٍ أَوْ وَهْمٍ.
إِنَّ الْإِنْسَانَ الْمُتَصَالِحَ مَعَ ذَاتِهِ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ نَفْسَهُ بِصِدْقٍ، وَيُدْرِكُ قُدُرَاتِهِ وَحُدُودَهُ، وَيَنْظُرُ إِلَى أَخْطَائِهِ عَلَى أَنَّهَا دُرُوسٌ تُثْرِي تَجْرِبَتَهُ، لَا أَحْكَامٌ تُدِينُ وُجُودَهُ. وَهُوَ لَا يَسْتَنْزِفُ طَاقَتَهُ فِي مُقَارَنَةِ نَفْسِهِ بِالْآخَرِينَ، بَلْ يَجْعَلُ مِعْيَارَهُ الْحَقِيقِيَّ هُوَ تَقَدُّمَهُ الذَّاتِيُّ وَنُمُوَّهُ الْمُسْتَمِرُّ. كَمَا يَسْعَى إِلَى الِانْسِجَامِ بَيْنَ قِيَمِهِ وَسُلُوكِهِ، وَيَتَعَلَّمُ أَنْ يُسَامِحَ نَفْسَهُ عَلَى هَفَوَاتِ الْمَاضِي دُونَ أَنْ يَجْعَلَ مِنْهَا قُيُودًا تُعِيقُ مُسْتَقْبَلَهُ.
وَمَتَى تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْمُصَالَحَةُ، أَثْمَرَتْ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ طُمَأْنِينَةً وَثِقَةً وَاتِّزَانًا. فَيُصْبِحُ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى مُوَاجَهَةِ الْمِحَنِ، وَأَقَلَّ عُرْضَةً لِلْقَلَقِ وَالتَّوَتُّرِ، وَأَوْفَرَ حُظًّا مِنَ الرِّضَا النَّفْسِيِّ وَالسَّكِينَةِ الدَّاخِلِيَّةِ. وَتَنْعَكِسُ هَذِهِ الْحَالَةُ عَلَى عِلَاقَاتِهِ بِالْآخَرِينَ، فَيَكُونُ أَكْثَرَ تَفَهُّمًا وَتَسَامُحًا، وَأَبْعَدَ عَنِ الْحَسَاسِيَّةِ الْمُفْرِطَةِ وَرَدَّاتِ الْفِعْلِ الْمُنْفَعِلَةِ.
وَلَا يَقِفُ أَثَرُ الْمُصَالَحَةِ مَعَ الذَّاتِ عِنْدَ حُدُودِ الْفَرْدِ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى الْمُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ؛ ذَلِكَ أَنَّ الْمُجْتَمَعَ السَّلِيمَ لَيْسَ سِوَى مَجْمُوعِ أَفْرَادٍ يَمْلِكُونَ قَدْرًا مِنَ الِاتِّزَانِ النَّفْسِيِّ وَالْوَعْيِ الذَّاتِيِّ. فَحَيْثُ تَنْتَشِرُ الْمُصَالَحَةُ مَعَ الذَّاتِ، تَتَعَزَّزُ قِيَمُ الْحِوَارِ وَالِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ، وَتَقِلُّ النِّزَاعَاتُ النَّاشِئَةُ عَنِ الشُّعُورِ بِالنَّقْصِ أَوِ الْإِحْبَاطِ، وَيَزْدَادُ التَّعَاوُنُ وَالْإِنْتَاجُ وَالْإِبْدَاعُ، وَتَقْوَى أُسُسُ الِاسْتِقْرَارِ الْأُسَرِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ.
أَمَّا نَظْرَةُ النَّاسِ إِلَى الشَّخْصِ الْمُتَصَالِحِ مَعَ ذَاتِهِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ – فِي الْغَالِبِ – نَظْرَةَ احْتِرَامٍ وَتَقْدِيرٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَلْمَسُونَ فِيهِ هُدُوءًا وَوَقَارًا وَثِقَةً مُتَّزِنَةً بَعِيدَةً عَنِ الْغُرُورِ. فَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ نَفْسِهِ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ، وَلَا يَنْهَارُ أَمَامَ النَّقْدِ، وَلَا يَتَكَبَّرُ عِنْدَ النَّجَاحِ، بَلْ يَظَلُّ مُتَوَازِنًا فِي أَحْوَالِهِ كُلِّهَا. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يُسِيئُونَ فَهْمَ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَيَظُنُّونَ الثِّقَةَ غُرُورًا، وَالْهُدُوءَ بُرُودًا، وَالِاسْتِقْلَالِيَّةَ تَعَالِيًا. وَهُنَا تَتَجَلَّى حَقِيقَةٌ مُهِمَّةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْمُصَالَحَةَ مَعَ الذَّاتِ لَا تَعْنِي كَسْبَ إِعْجَابِ الْجَمِيعِ، بَلْ تَعْنِي أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ مُنْسَجِمًا مَعَ قِيَمِهِ وَمَبَادِئِهِ، دُونَ أَنْ يَكُونَ أَسِيرًا لِتَقَلُّبِ الْآرَاءِ وَالْأَحْكَامِ.
وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا يَبْلُغُهُ الْمَرْءُ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ هَاجِسِ السُّؤَالِ: «كَيْفَ أُرْضِي الْجَمِيعَ؟» إِلَى وَعْيٍ أَرْقَى يَقُولُ: «هَلْ أَعِيشُ وَفْقَ مَا أُؤْمِنُ بِهِ، وَهَلْ أَحْتَرِمُ نَفْسِي وَأَحْتَرِمُ الْآخَرِينَ؟». فَإِذَا بَلَغَ الْإِنْسَانُ هَذَا الْمَقَامَ، أَصْبَحَ أَكْثَرَ سَلَامًا مَعَ نَفْسِهِ، وَأَشَدَّ قُدْرَةً عَلَى الْعَطَاءِ وَالْبِنَاءِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَيْلِ احْتِرَامِ النَّاسِ وَتَقْدِيرِهِمْ، لَا بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، بَلْ بِمَا يَشِعُّ مِنْهُ مِنْ صِدْقٍ وَاتِّزَانٍ وَنُبْلٍ إِنْسَانِيٍّ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|