Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 03:39 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,370
افتراضي السقيلبية ليست ساحة مُباحة الصمت عن استهداف المدنيين تهديد مباشر للسلم الأهلي في سوري

السقيلبية ليست ساحة مُباحة
الصمت عن استهداف المدنيين تهديد مباشر للسلم الأهلي في سورية

بقلم: الباحث فؤاد زاديكي

ما تشهده مدينة السقيلبية المسيحية في ريف حماة لم يَعد من المُمكن التعامل معه باعتباره مجرّد حوادث أمنية عابرة أو خلافات محلية محدودة. إنّ تكرار الاعتداءات التي تطال المدنيين والمُمتلكات، وما يُرافقها من إطلاق نار وتكسير للمحالّ وترهيب للسكان، يطرح سؤالًا خطيرًا يتجاوز حدود المدينة نفسها: إلى أين تتّجه سورية، وإلى متى سيبقى أمن المواطنين وسلامتهم رهينة الفوضى والتوترات والانقسامات؟
إنّ الاعتداء على المدنيين، أيًّا كانت هُوِيّتهم الدينية أو القومية أو المَناطقية، جريمة مَرفوضة ومُدانة بلا تحفّظ. وما يجري في السقيلبية، في حال ثُبوت تفاصيل الاعتداءات المتكرّرة، يستوجب تحقيقًا جدّيًّا وشفّافًا ومُحاسبة واضحة لكلّ من شارك أو حرّض أو سهّل أو تستّر على هذه الأفعال.
فالسقيلبية ليست جزيرة مَعزولة عن سورية، وأهلُها ليسوا مواطنين من درجة ثانية. إنّها مدينة سورية، وأمن أهلها ومُمتلكاتهم مسؤولية الدولة قبل أيّ جهة أخرى. ولا يُمكن بناء دولة القانون فيما يشعر مواطنون بأنّهم مَتروكون لمصيرهم أمام التهديد والترهيب. الأخطر من الحادثة ذاتها هو تكرارها. فعندما تقع اعتداءات مُتشابهة مرّة بعد أخرى، وعندما تبقى التفاهمات المحلية عاجزة عن منع تكرارها، يُصبح من واجب مؤسسات الدولة أن تنتقل من ردّ الفعل إلى الفعل الوقائي. حماية المدنيين لا تبدأ بعد سقوط الضحايا أو إحراق الممتلكات أو إطلاق النار، وإنّما تبدأ بمَنع الجريمة قبل وُقوعها، ومُلاحقة المُحرّضين والمُعتدين، وفرض القانون على الجميع دون استثناء.
لقد طفح الكيل من تحويل كلّ مُطالبة بحماية المسيحيين وسائر المُكوّنات السورية إلى ذريعة لاتُهام أصحابها بالطائفية أو التُحريض. رفض الاعتداء على المسيحيين ليس طائفية، كما أنّ رفض الاعتداء على المسلمين أو الكرد أو السريان أو الآشوريين أو العلويّين أو الدّروز أو أيّ مكوّن آخر ليس طائفية. الطائفية هي أن يُنظر إلى المواطن باعتباره هدفًا مَشروعًا بسبب هُوِيّته، وأن يُسمَح للجريمة بأن تمرّ بلا عقاب.
ومن الخطأ والخطر أن يُطلَب من الضحايا الصّمت بحجّة الحفاظ على السلم الأهلي. إنّ السلم الأهلي لا يُحمَى بإسكات من يَتعرّضون للخطر، وإنّما بحماية الناس ومُحاسبة المُعتدين. ولا يُمكن أن يكون الصّمت شرطًا للعيش المشترك، ولا يمكن أن تتحوّل عبارة «عدم إثارة الفتنة» إلى غطاء للتغاضي عن الجرائم.
إنّ ما يحدث في السقيلبية يجب أن يكون موضع اهتمام جدّيّ من مؤسّسات الدولة، ومُنظّمات حقوق الإنسان، والمُجتمع المدني، ووسائل الإعلام السورية والدولية. كما يجب التحقيق في أيّ ادعاءات تتعلّق بوجود جهات منظمة أو شبكات تحريض أو دعم خارجي تقف خلف الاعتداءات، بدل الاكتفاء بالتكهّنات أو تحميل المسؤولية لجماعات بعينها دون أدلّة وتحقيقات مستقلّة. ولا يمكن كذلك تجاهل التدخلات الإقليمية في الشأن السوري وما خلّفته سنوات الحرب من انتشار جماعات مسلّحة وتداخل مصالح دولية وإقليمية. لكنّ مواجهة هذه الظواهر لا تكون باتهامات عامّة، بل بكشف الحقائق، وتحديد المسؤوليات، وإعلان نتائج التحقيقات أمام الرأي العام.
إنّ تركيا، وسائر الدول المُنخرطة في الملف السوري، مُطالبة باحترام سيادة سورية وعدم استخدام الأراضي السورية ساحة لمشاريع أمنية أو عسكرية أو سياسية على حساب السوريين. وأيّ دعم خارجي لجماعات مسلحة يجب أن يكون موضوع مُساءلة سياسية وقانونية، إذا أثبتت التحقيقات وجوده وصلته بانتهاكات ضد المدنيين. أمّا السلطة القائمة في دمشق، فإنّ مسؤوليتها الأولى هي حماية المواطنين جميعًا. لا يكفي أن تتدخّل الأجهزة الأمنية بعد وقوع الاعتداء، المطلوب استراتيجية أمنية وقانونية تمنع تكرار هذه الأحداث، وتفرض سلطة القانون على كلّ الجماعات والأفراد، وتضع حدًّا لأيّ قوّة تتصرّف خارج مؤسّسات الدولة والقانون. ومن هنا، فإنّ السماح للمواطنين من أبناء المناطق المهدّدة، ومنهم المسيحيون في المناطق التي يتعرّضون فيها للخطر، بالانضمام إلى مؤسّسات الأمن الداخلي وفق القانون والأنظمة الرسمية، يُمكن أن يكون أحد الخيارات التي تستحقّ النقاش الجدّيّ، شرط أن يكون ذلك ضمن مؤسسة الدولة وتحت سلطتها، لا بوصفه تشكيلًا مُسلّحًا خارجها. فالحماية الذاتية لا ينبغي أن تُصبح بديلًا عن الدولة، لأنّ تحولها إلى واقع دائم يعني عمليًّا انهيار مفهوم الدولة نفسها.
إنّ أخطر ما يُمكن أن يحدث في سورية اليوم هو أن يعتاد الناس على العنف، وأن تُصبح الاعتداءات على المكوّنات الدينية والقومية أحداثًا عاديّة، وأن يتعامل العالم معها كأخبار عابرة. فالمجتمعات لا تنهار دفعة واحدة، إنّها تبدأ بالانهيار عندما يشعر جزء من مواطنيها أنّ القانون لا يَحميهم، وأنّ حياتهم ومُمتلكاتهم أقلّ قيمة من حياة وممتلكات غيرهم.
إنّ استهداف السقيلبية أو أيّ مدينة أو قرية سورية على أساس هُوِيّة سكانها هو استهداف لسورية نفسها. ومن يعتقد أنّ إخافة السكان ودفعهم إلى الهجرة يُمكن أن تحلّ مشكلة سياسية أو أمنية إنّما يفتح الباب أمام واحدة من أخطر الكوارث التي يُمكن أن تُصيب البلاد: سورية بلا تنوّع، بلا ثقة، وبلا عيش مشترك. لذلك، فإنّ المطلوب اليوم ليس بيانات استنكار إضافية فحسب، بل أفعال واضحة:
- تَحقيق مستقلّ وشفّاف في جميع الاعتداءات وتحديد المسؤولين عنها.
- مُحاسبة كلّ من ارتكب أو حرّض أو موّل أو سهّل الاعتداءات، دون استثناء.
- حماية المدنيين وممتلكاتهم بصورة دائمة، لا مُؤقتة.
- مَنع خطاب الكراهية والتّحريض الدّينيّ والمناطقي ومُحاسبة مُروّجيه.
- احترام التفاهمات المحلّية وتثبيتها بضمانات مؤسسات الدولة.
- التحقيق في أيّ صلات أو أدوار خارجية مُحتملة، وإعلان النتائج للرأي العامّ.
- تَعزيز حُضور مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية في المناطق التي تشهد توتّرات متكررة.
- ضمان حقّ جميع المكوّنات السورية في المُشاركة في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والمدنية على أساس المواطنة والقانون.
- رَفض أيّ مشروع يهدف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تفريغ سورية من أحد مكوّناتها أو دفعه إلى الهجرة القسرية.
لقد آن الأوان لأن يفهم الجميع أنّ السلم الأهلي ليس شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل عدالة وأمن ومساواة ومحاسبة.
وإذا كان ثَمّة مَن يعتقد أنّ الصّمت سيمنع الفِتنة، فهو مُخطئ. الصّمت أمام الظلم لا يمنع الفتنة، بل يُراكِم أسبابها. أمّا العدالة والمُحاسبة وحِماية المواطنين فهي الطريق الحقيقيّ لمنع الانتقام والفوضى والانقسام.
السقيلبية ليست ساحة مُباحة، والمسيحيون السوريون ليسوا ضيوفًا في وطنهم، كما أنّ أيُ مكوّن سوري آخر ليس ضيفًا على هذه الأرض. سورية وطن جميع أبنائها، ومن يُريد الحفاظ عليها دولةً واحدةً فعليه أن يَحمي جميع مواطنيها بالتّساوي.
لقد بلغ السيل الزُّبى. ولا يجوز أن تستمرّ الاعتداءات ثم يُطلَب من الضّحايا أن يَصمتوا باسم السلم الأهلي.
ارفعوا أيديكم عن السّقيلبية وأهلها.
ارفعوا أيديكم عن المدنيين السوريين.
اتركوا للسوريين حقّهم في الحياة والأمان والكرامة. واجعلوا القانون فوق الجميع، قبل أن يُصبح انهيار الثّقة بين مكونات المجتمع السوري أخطر من كلّ ما سَبَق.

الباحث فؤاد زاديكي
4 تشرين الأول/أكتوبر 2026
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:58 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke