![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
|||
|
|||
|
أحيقار الحكيم تأليف مار غريغوريوس بولس بهنام في السنة العشرين للملك سنحاريب بن سرحدون ملك آثور و نينوى أنا إحقيار كنت كاتب الملك و قيل لي ما كنت صبيا أنك لن ترزق ولدا و الثروة التي كنت أملكها كانت أعظم من أن توصف.تزوجت ستين امرأة و بنيت لهن ستين قصرا و لم أرزق ولدا فبنيت أنا أحيقار مذبحا عظيما كله من الخشب و أوقدت فوقه النار و قدمت ضحية رجاء صالح و قلت: آه يا إلهي و ربي إذا مت و لم أنجب ولدا ماذا سيقول الناس عني؟(سيقولون)إن أحقيار البار الصالح تقي الله مات و لم ينجب ولدا أبنا لدفنه و لا ابنة و ثروته ليس من يرثها كرجل ملعون فاطلب إليك اللهم أن ترزقني ولدا ليرمي التراب على عيني يوم أموت وسمعت هاتفا يقول يا أحيقار الكاتب الحكيم لقد منحتك كل ما طلبت ألي و لكني تركتك بدون بنين يكفيك ذلك فلا تقلق .فان نادان ابن أختك سيصبح ابنا لك يمكنك مع تربيته و تنشأته أن تعلمه كل شيء و لما سمعت ذلك حزنت وقلت:آه اللهم ربي أتعطيني نادن ابن أختي ابنا ؟يرمي التراب على عيني بوم أموت ؟ فلم ألق جوابا فصدعت للأمر واتخذت نادن ابن أختي ابنا لي و كان طفلا فسلمته لثماني مرضعات و أطعمته العسل و أجلسته على الطنافس الفاخرة و ألبسته الخر و الأرجوان فنما ابني و تعالى كالأرز و لما ترعرع ابني علمته الكتابة و الحكمة. ولما عاد من رحلته دعاني و قال لي :يا أحيقار الكاتب الحكيم يا كاتم أسراري إذا شخت و مت من بعدك يخدمني مثلك؟ قلت:عش إلى الأبد يا سيدي الملك لدي ابن مثلي حكيم قد حذق الكتابة و الأدب. قال الملك :علي به فأراه إذا كان بإمكانه الوقوف أمامي اصرفك بأمان فتقضي شيخوختك بكرامة حتى نهاية حياتك. فأخذت نادن ابني و أوقفته بحضرة الملك فلما رآه سيدي الملك قال:ليكن هذا اليوم مباركا أمام الله فكما سار أحقيار أمام أبي سرحدون فكوفيء أقام و هو حي ابنه في بابي فليخلد هو إلى الراحة .فسجدت أنا أحيقار للملك وقلت : عش للأبد يا سيدي الملك كما سرت أمام أبيك و أمامك إلى الآن أرجو عطفك على حداثة سن ابني هذا كي يتضاعف فضلك علي ولما سمع الملك ذلك أعطاني يمين العهد فسجدت أنا أحيقارللملك و لم أكن انقطع عن تعليم ابني فأشبعته العلم كما أشبعته الخبز و الماء وكنت أقول له: 1-اسمع يا بني نادن و تفهم تعليمي و اذكر كلامي ذكرك كلام الله. 2-يا بني نادن إذا سمعت كلمة دعها تموت في قلبك و لا تبح بها لإنسان لئلا تصير جمرة في فمك قتكويك و تترك وصمة في نفسك فتكون مكروها في الأرض و تجدف على الله. 3-يا بني لا تبح ما تسمع و لا تشهر كل ما ترى 4-يا بني لا ترفع نظرك إلى امرأة متبرجة متبرحة متكحلة و لا تشتهها في قلبك لأنك إن أعطيتها كل ما ملكت يداك لن تجد فيها خيرا و ترتكب أثما أمام الله. 6-يا بني لا تفسق بامرأة صاحبك لئلا يفسق آخرون بامرأتك. 7-يا بني لا تكن عجولا كشجرة اللوز فإنها تزهر قبل جميع الأشجار و تطعم بعدها جميعا بل كن كشجرة التوت هادئا متأنيا فإنها تورق آخر الأشجار وتطعم قبلها جميعا. 8-يا بني طأطيء عينيك و اخفض صوتك و انظر باحتشام لأنه لو أمكن بناء البيت بالصوت العالي لبني الحمار بيتين في يوم واحد و لو أمكن جر المحراث بالقوة لما فارق النير منكب الجمل 9-نقل الحجارة مع رجل حكيم أفضل من شرب الخمرة مع رجل جاهل . 10-يا بني اسكب خمرتك على قبور الصالحين و لا تشربها مع الأثمة. 11-يا بني مع الحكيم لن تفسد ومع الفاسد لن تكون حكيما. 12-يا بني طالما أنت منتعل دس الأشواك و مهد الطريق لأبنائك و أحفادك. 14-يا بني يأكل ابن الغني حية فيقول الناس للشفاء أكلها ويأكلها ابن الفقير فيقولون لجوعه أكلها. 15-يا بني كل نصيبك و لا تقتحم نصيب أقرانك. 16-يا بني مع عديم الحياء حتى الخبز لا تأكل. 17-يا بني لا تغتنم لخير يناله مبغضك و لا تفرح لشر يصيبه 18-يا بني لا تقرب مهذارة و لا صخابة. 19-يا بني لا يغرينك جمال المرأة و لا تشتهها في قلبك لأن جمال المرأة ذوقها وبهاؤها نطقها. 20-يا بني إذا جابهك مبغضك بالشر فجابهه أنت بالحكمة. 21-يل بني إن الأثيم يسقط و لا ينهض و البار لا يتزعزع لن الله معه. 22-يا بني لا تحرم ابنك من الضرب(التأديب)لأن الضرب للصبي كالسماد للبستان وكاللجام للبهائم و كالقيد في رجل الحمار. 23-يا بني اخضع ابنك مادام صغيرا قبل أن يفوقك قوة و يتمرد عليك فتخجل في مساوئه. 24-يا بني اقتن ثورا يربض و حمارا ذا حوافر و لا تقتن عبدا آبقا و لا أمة لصة لئلا يفقداك ثروتك. 25-يا بني إن كلام الكذوب كالعصافير السمينة و عديم الحكمة يأكلها 26-يا بني لا تجلب عليك لعنة أبيك و أمك لئلا تحرم الفرح بنعم بنيك 27-لا تسر في طريق بدون سلاح لأنك لا تعلم متى يقابلك عدوك. 28-يا بني كما أن الشجرة مزدانة بأغصانها و ثمرها و الجبل باحتباك أشجاره هكذا يزدان الرجل بامرأته و بنيه و الرجل الذي ليس له أخوة و زوجة وبنون محتقر ومهان بين أعدائه يشبه شجرة على قارعة الطريق يستبيحها كل عابر و كل حيوان البر يقضم أوراقها. 29-يا بني لا تقل إن سيدي غبي و أنا حكيم بل أمسكه متلبسا بمساوئه فتتسامى. 30-يا بني لا تحسب نفسك حكيما و الناس لا يحسبونك كذلك. 31-يا بني لا تكذب أمام سيدك بكلامك لئلا تحتقر و يقول لك أغرب عن وجهي. 32-يا بني ليكن كلامك صادقا ليقول لك سيدك اقترب مني فتحيا. 33-يا بني لا تجدف على الله يوم محنتك لئلا يغضب عليك حين يسمعك. 34-يا بني لا تفضل عبدا من عبيدك على صاحبه لأنك لا تعلم إيهم ستحتاج إليه آخر الأمر. 35-يا بني الكلب الذي ترك صاحبه و تبعك أرمه بالحجارة. 36-يا بني القطيع المبدد في الفلوات يكون من نصيب الذئاب. 37-يا بني كن عادلا بأحكامك في شبابك تنل رامة في شيخوختك. 38-يا بني أجعل لسانك حلوا و كلامك عذبا فإن ذنب الكلب يطعمه خبزا و فمه يكسبه ضربا. 39-يا بني لا تدع صاحبك يدوس رجلك لئلا يدوس عنقك. 40-يا بني اضرب العاقل كلمة حكيمة فتكون في قلبه كالحمى في الصيف لأنك إذا ضربت الجاهل عصيا كثيرة فلن يشعر. 41-يا بني أرسل الحكيم و لا تكرر التوصية و إذا كان لابد من إرسال جاهل فالأفضل أن تذهب أنت من أن ترسله. 42-يا بني جرب ابنك بالخبز و الماء ومن ثم يمكنك ائتمانه على ثروتك و أموالك. 43-يا بني كن أول من يغادر الوليمة و لا تنتظر الدهائن اللذيذة لئلا تصاب بفدوغ برأسك. 44-يا بني من كان ملآن اليد يدعى حكيما و محترما ومن كان فارغها يدعى مسيئا ووضيعا. 45-يا بني إني حملت الملح و نقلت الرصاص فلم أجد أثقل من الدين فليف الإنسان و لا يقترض. 46-يا بني حملت الحديد و نقلت الحجارة فلم أجد أثقل من رجل يسكن بيت حميه. 47-يا بني علم ابنك الجوع و العطش ليدبر بيته بروية. 48-أعمى العينين أفضل من أعمى القلب لأن أعمى العينين يتعلم طريقه سريعا وأما أعمى القلب فإنه يحيد عن الطريق السوي و يتيه في الظلال. 49-يا بني صديق قريب خير من أخ بعيد و الاسم الجيد خير من الجمال الباهر لأن الاسم الجيد يدوم إلى الأبد و الجمال يذوي و يزول. 50-يا بني الموت خير لرجل لا راحة له و صوت النحيب في أذني الجاهل أفضل من الغناء و الفرح. 51-يا بني الزبد الذي في يدك خير من الدهن الذي في قدر الآخرين و نعجة قريبة خير من بقرة بعيدة و عصفور في يدك خير من ألف عصفور طائر و الفقر الذي يجمع خير من الغني الذي يبدد ورداء صوف ترتديه خير من خز و أرجوان يرتديه الآخرون. 52-يا بني أحصر الكلمة في قلبك تسعد لأنك إذا بدلت كلامك فقدت صديقك. 53-يا بني لا تطلق الكلمة من فمك حتى تزورها في قلبك لأنه خير للرجل أن يعثر في قلبه من أن يعثر في لسانه. 54-يا بني إذا سمعت كلمة سوء فادفنها في الأرض عمق سبع أذرع. 55-يا بني لا تقف حيث الخصومة لأن من الخصام ينتج القتل. 56-يا بني كل من لا يقضي قضاء عادلا يغضب الله. 57-يا بني لا تبتعد عن صديق أبيك فربما لا يصلك صديقك. 58-يا بني لا تقتحم بستان العظماء و لا تقرب بنات الكبراء. 59-يا بني حام صديقك أمام السلطان لكي يمكنك أن تحاميه أمام الأسد (ربما الملك). 60-يا بني لا تفرح إذا مات عدوك. 61-يا بني إذا رأيت رجلا أسن منك فقف له إجلالا. 62-يا بني إذا وقف الماء بدون أرض أو طار عصفور من دون جناح أو أبيض الغراب كالثلج أو حلي المر كالعسل فحينئذ يصير الجاهل حكيما. 63-يا بني إذا كنت كاهن الله فاتقه وأظهر بحضرته طاهرا و لا تبرح من أمامه. 64-يا بني من أنعم الله عليه فأحترمه أنت أيضا. 65-يا بني لا تقاوم من كان في أوج قوته (في يومه_حرفيا)ولا تناحر النهر في طغيانه. 66-يا بني إن عين الإنسان هي كينبوع ماء و لا تشبع من الأموال حتى تمتلئ بالتراب. 67-يا بني إذا أردت أن تكون حكيما فأمنع فمك عن الكذب و يدك عن السرقة تكن حكيما. 68-يا بني لا تتدخل في زواج امرأة لأنها إذا شقيت لعنتك و إذا سعدت فلن تذكرك. 69-يا بني بهي الثياب مقبول الكلام و حقيرها مرفوضة. 70-يا بني إذا لقيت لقية أمام صنم فقدم له منها حصته. 71-أعضد يدا كانت ميسورة فجاعت و أكففها ليد كانت جائعة فشبعت. 72-يا بني لا تنظر عيناك جمال امرأة و لا ترن إلى جمال ليس لك لأن كثيرين هلكوا بجمال امرأة وحبها كالنار اللاهبة. 73-يا بني خير لك أن يضربك الحكيم عصيا كثيرة من أن يدهنك الجاهل بطيب معطر. 74-يا بني لا تكثر من زيارة صديقك لئلا يملك فيشنأك. 75-يا بني لا تضع خاتم ذهب في إصبعك وأنت خالي الوفاض لئلا يزدريك الجهال. هذا هو التعليم الذي علمه أحيقار لابن أخته نادن. أما أنا أحيقار فقد ظننت أن كل ما علمت نادن سيعلق بقلبه فيحلفني في باب الملك و لم أكن أدري أن نادن ابني لن يطيع كلامي بل سيذريه أدراج الرياح و يعود فيقول :أن أحيقار أبي قد شاخ و هو على شفى قبره قد اختلت معرفته و ضئلت حكمته.و راح نادن ابني يسيء إلى عبيدي و إمائي النشيطين المحبوبين جدا و كان يقتل خيلي و يعقر بغالي القوية و لما رأيت أن نادن تمادى في عبثه هذا قلت له:يا بني نادن لا تقرب أموالي فقد قيل في الأمثال حيث لم تجن اليد لا ترحم العين و نقلت كل هذا الكلام لسيدي سنحاريب فأصدر سيدي أمرا يقول:مادام أحيقار حيا فلا سلطان لأحد على ثروته. حينئذ لما رأى نادن ابني أخاه نبوزردان في بيتي اغتاض جدا و قال أن أحيقار أبي شاخ فضحلت حكمته و تفهت كلماته الحكيمة و أخشى أن يعطي ثروته لأخي نبوزردان و يطردني من بيته. و لما سمعت أنا أحيقار هذا الكلام قلت في نفسي .ويحك يا حكمتي واعتبر كلماتي الحكيمة فارغة. و لما سمع نادن ذلك غضب.و ذهب إلى باب الملك.مضمرا الشر في قلبه فجلس وكتب رسالتين إلى ملكين من أعداء سيدي سنحاريب الأولى:إلى أخي (أغيش) ابن حمسليم ملك فارس و عيلام وقال: (من أحيقار الكاتب و حامل أختام سنحاريب ملك آثور و نينوى سلام.إذا وصلت إليك هذه الرسالة بادر و لاقني في آثور .و أنا أدخلك آثور فتستولي عليها بدون حرب.) وكتب رسالة ثانية: (إلى فرعون ملك مصر من أحيقار الكاتب و حامل أختام ملك آثور و نينوى سلام:إذا وصلت إليك هذه الرسالة بادر وازحف إلى بقعة النسور (ربما قنسرين على الفرات)في الجنوب في الخامس و العشرين من شهر أب و أنا أدخلك آثور فتستولي عليها بدون حرب.) و قلد بذلك خط يدي و ختمها بختم الملك و كتب رسالة أخرى كأنها موجهة إلي من سيدي سنحاريب و قال: (من سنحاريب الملك إلى أحيقار الكاتب و حامل أختامي سلام:إذا وصلت إليك هذه الرسالة عبئ الجيش كله إلى الجبل المسمى(صيص)و من هناك أهبط و هيأ للقائي في بقعة النسور في الجنوب في اليوم الخامس و العشرين من شهر أب .و إذا رأتني أتقدم إليك شن الحرب علي كأنك رجل يريد قتالي لأن سفراء وردوا إلي من فرعون ملك مصر ليتجسسوا قوتي) و أرسل نادن ابني هذه الرسالة إلي بيد جنديين من جنود الملك. و أخذ نادن الرسائل التي كتبها كأنه اكتشفها اكتشافا و قرأها أمام الملك. و لما سمع سيدي الملك ذلك ولول وقال :يا ألهي ماذا جنيت علي أحيقار ليكيل لي هذا الجزاء ؟فأجاب نادن و قال : لا تغتم و لا تغضب يا سيدي الملك .هيا بنا لنذهب إلى بقعة النسور في اليوم المعين في الرسالة و إذا صح الأمر فليكن ما تأمر به. و اصطحب نادن ابني الملك سيدي ووافياني إلى بقعة النسور فوجداني ومعي جيش عظيم محتشد هناك ولما رأيت الملك هيأت جنودي للحرب طبقا لما ورد في الرسالة .إذا رأى الملك ذلك ارتاع جدا فأجاب نادن ابني وقال له :لا ترتع يا سيدي الملك عد إلى بلاطك بسلام وسآتي بأحيقار أمامك. حينئذ عاد سيدي الملك إلى بيته فجاء إلي نادن ابني و قال :كل ما فعلت كان حسنا وقد مدحك الملك كثيرا وقد أمر أن تصرف الجنود كلا إلى بلده وبيته و تأتي وحدك .ثم مثلت أمام الملك و لما رآني الملك قادما قال:يا أحيقار كاتبي يا ربيب آثور و نينوى. يا من رفعت إلى مقام الكرامة فانقلبت و أصبحت من أعدائي ودفع إلي الرسائل المكتوبة باسمي و المختومة بختمي .ولما قرأتها تلعثم لساني وارتخت مفاصلي و حاولت أن أجد كلمة واحدة من كلمات الحكمة فلم أوفق.فقال لي نادن ابني أغرب من أمام الملك أيها الشيخ الأخرق وهات يديك للقيود و جليك لأصفاد الحديد .فأشاح الملك وجهه عني وخاطب نبوسمخ مسكين زميلي وقال:قم اذهب واقتل أحيقار وافصل رأسه عن جسمه مئة ذراع.وعندئذ ارتميت على وجهي إلى الأرض وسجدت للملك وقلت :عش إلى الأبد يا سيدي الملك وطالما شئت قتلي فليكن كأمرك كإرادتك وأنا متأكد أني لم أسيء إليك.فمر أن أقتل في باب بيتي وليعط جثماني ليدفن.فقال الملك لنبوسمخ مسكين زميلي:اذهب و أقتل أحيقار أمام باب داره وارفع جثته لتدفن.حينئذ أنا أحيقار أرسلت إلى أشغفني زوجتي وطلبت إليها أن تهيئ ألف فتاة من صبايا عشيرتي فيلبسن الحداد وينحن و يولولن و يبكين علي و يزحفن إلى بابي ويقمن مناحة قبل موتي .وطلبت إليها أن وليمة للطعام و الشراب لزميلي نبوسمخ مسكين و للجنود الذين معه و قلت اخرجي للقائهم واستقبليهم و أدخليهم إلى داري وأدخل أن كضيف .وكانت اشفغني زوجتي حكيمة جدا ففهمت كل رغبتي وأعدت كل ما طلبت إليها إعداده وخرجت تستقبلهم فأدخلتهم إلى داري فتناولوا الطعام و كانت تخدمهم بذاتها حتى استلقوا في أماكنهم نائمين من سكرهم ثم أنا أحيقار دخلت و قلت لنبوسمخ مسكين أنظر إلى الـله أيها الأخ و اذكر الصداقة التي بيننا و لا تسبب موتي و اذكر أن الملك اسرحدون أبا سنحاريب أسلمك يوما إلي لكي أقتلك فلم أقتلك لأني عرفتك بريئا واستحييتك حتى طلبك الملك و لما جئت بك أمامه أعطاني عطايا ثمينة ونلت منه هدايا سنية وأنت الآن أيقني حيا ورد إلي ذلك الجميل ولئلا ينتشر بأني لم أقتل فيعاقبك الملك. هوذا في السجن عندي عبد اسمه منزيفر محكوم عليه بالموت ألبس العبد ثيابي و أيقظ عليه الجنود فيقتلونه و أما أنا فلا أموت لأني لم أسئ . ولما قلت هذا و نبوسمخ مسكين زميلي أيضا حزن علي كثيرا و أخذ ثيابي و ألبسها العبد الذي في السجن و أيقظ الجنود فنهضوا و لم تزل الخمرة تلعب في رؤوسهم و قتلوه و فصلوا رأسه عن جثته مئة ذراع و رفعوا جثته فدفنت.فذاع في آثور و نينوى أن أحيقار الكاتب قتل. و نهض نبوسمخ مسكين و زوجتي اشفغني لي مخبأ في الأرض عرضه ثلاثة أذرع و ارتفاعه خمسة أذرع تحت عتبة باب بيتي و زوداني بالخبز و الماء و ذهبوا فأكدوا لسنحاريب الملك أن أحيقار الكاتب مات.و لما سمع الرجال ناحوا علي و النساء مزقن علي وجوههن وولولن قائلات : و أسفاه عليك يا أحيقار الكاتب الحكيم يا مقيل عثرات بلادنا لن يكون لنا مثلك إلى الأبد. حينئذ دعا سنحاريب الملك ابني نادن و قال له:اذهب و أقم مناحة لأحيقار أبيك وعد إلي و لما جاء نادن ابني لم يعمل مناحة و لم يذكرني بل جمع الرعاع و الخلفاء و أجلسهم على مائدتي على صوت الغناء و الفرح العظيم و عرى عبيدي و إمائي المحبوبين و جلدهم بدون رحمة.ولم يخجل أيضا من اشفغني زوجتي بل راودها عن نفسها.و أنا أحيقار كنت ملقى في الظلام في أعماق الجب اسمع أصوات خبازي و طهاتي و سقاتي يبكون و ينوحون في بيتي. و بعد بضعة أيام جاء نبوسمخ مسكين و فتح مكمني و شجعني وقدم لي خبزا وماء فقلت له إذا خرجت من عندي فأذكرني أمام الـله وقل :اللهم البار العادل يا صانع الخير في الأرض اسمع صوت أحيقار عبدك و اذكر أنه ضحى لك الثيران المسمنة كحملان الحليب و الآن هو ملقى في جب مظلم حيث لا يرى النور فلم تنقذه و قد صرخ إليك اسمع يا رب دعاء زميلي. و لما سمع فرعون ملك مصر أنا أحيقار قتلت فرح فرحا شديدا و كتب رسالة إلى سنحاريب قال فيها : من فرعون ملك مصر إلى سنحاريب ملك آثور و نينوى سلام لقد وددت أن ابني قصرا بين الأرض و السماء ففتش و أرسل لي من مملكتك معمارا حكيما يجيد عمل كل ما أسأله.و إذا أسلت إلي مثل هذا أقدم لك جزية مصر لمدة ثلاث سنوات و إن لم ترسل إلي رجلا يجيب عن كل ما أسأله قدم لي جزية آثور و نينوى لمدة ثلاث سنوات بأيدي أعضاء الوفد الذي أرسلته إليك. و عندما قرأت هذه الرسالة في حضرة الملك دعا جميع النبلاء مملكته و أشرافها وقال لهم : من منكم يذهب إلى مصر ليجيب الملك عما يسأله؟ و يبني له القصر الذي طلبه و يجلب جزية مصر لثلاث سنوات؟ ويعود؟ ولما سمع النبلاء قالوا :تعلم يا سيدنا الملك أن المشكلات مثل هذه ليس في عهدك بل في فحسب بل في عهد أبيك اسرحدون كان أحيقار الكاتب يحله و الآن أيضا هوذا ابنه وهو أيضا متعلم أدبه و حكمته.ولما سمع نادان ابني ذلك صرخ بحضرة الملك و قال:إن الآلهة ذاتها لا يمكنها عمل ذلك ناهيك عن البشر و لما سمع الملك ذلك اغتم كثيرا و نزل عن عرشه و جلس على الأرض و قال و أسفاه عليك يا أحيقار الحكيم إني فقدتك بسعاية صبي فمن يعيدك إلي الآن فأعطيه ثقلك ذهبا ؟ و لما سمع سمخ مسكين صديقي ذلك جثا أمام الملك وقال:يا سيدي إن الذي يهين أمر سيده يستحق الموت و إني يا سيدي قد أهنت جلالتك فمر أن أشنق لأن أحيقار الذي أمرت بقتله مازال حيا و لما سمع الملك ذلك قال: تكلم تكلم نبوسمخ مسكين تكلم أيها الرجل الهمام الصالح يا من لا تعرف الشر إذا كان الأمر كما تقول و تحضر لي أحيقار حيا أغدق عليك العطايا فضة زنة مئة وزنة و أرجوانا زنة خمسين قال له نبوسمخ مسكين.اقسم لي يا سيدي الملك أنه إذا لم تكن لي ذنوب آخرى اقترفها ضدك أنك تغفر لي هذه الجريرة واقسم له الملك على ذلك.وحالا استقل الملك مكبته ووصل سريعا و فتح مخبأي(فتح بوجهي)فخرجت و جثوت أمام الملك و شعر رأسي ملقى على كتفي و لحيتي انحدرت إلى صدري و جسمي كله معفر بالتراب و أظفاري طويلة مثل مخلب النسر . ولما رآني الملك بكى و خجل أن يكلمني و بغم عظيم قال لي :أنا أحيقار أنني لم أجن عليك أنا بل الذي جنى عليك هو ابنك الذي ربيت.حينئذ قال له :الآن يا سيدي وقد رأيت وجهك كأني لم أصب بسوء . وقال لي الملك :امض إلى بيتك يا أحيقار و احلق شعرك و اغسل جسمك و استعد قوتك مدة أربعين يوما .وبعد ذلك عد إلي. ثم دخلت بيتي و مكثت زهاء ثلاثين يوما . ولما عادت إلي قوتي مثلت أمام الملك:أرأيت يا أحيقار ماذا كتب إلي فرعون ملك مصر؟فأجبت له:لا تهتم بذلك يا سيدي الملك سأذهب إلى مصر و ابني للملك قصرا و أجيبه عن كل ما يسألني .وأجل معي جزية مصر لمدة ثلاث سنوات. ولما سمع الملك ذلك شمله فرح عظيم و أقام احتفالا عظيما و أقام (يوما عظيما) وقدم ضحايا عظيمة ونفحني بالعطايا السخية كما نفح و أجلس نبوسمخ مسكين زميلي في مقدمة القوم . فكتبت إلي زوجتي أشفغني أقول :إذا وصلت إليك هذه الرسالة أوصي صيادي أن يعدوا لي فرخي نسور و أوصي غزال الكتان أن يعملوا لي حبال كتان يكون طول كل منها ألف ذراع وغلطه غلط الخنصر و أوصي النجارين أن يصنعوا قفصين لفرخي النسر وسلمي إلى عوبائيل و طبيلم طفلين لا يتكلمان بعد و يعلماهما أن يقولا :أعطوا البنائين الطين و الملاط و القرميد فأنهم بطالون .فأعدت اشفغني امرأتي كل ما طلبن إليها. حينئذ قلت للملك :الآن اسمح لي بالسفر إلى مصر .ولما أمر اصطحبت معي جيشا و سافرت .ولما بلغنا نهاية الشوط الأول للمبيت أطلقت فرخي النسر و ربط الحبال بأرجلهما و أركبت عليهما الصبيين فحملاهما وحلقا في الأجواء العالية .فأخذ الصبيان يصرخان كما تعلما :أعطوا الطين و الملاط و القرميد للبنائين فأنهم بطالون ثم اجتذبتهما. و لما بلغنا مصر ذهبت إلى باب الملك فأخبر الملك و نبلاءه أن قد وصل الرجل الذي أرسله ملك آثور. و أمر الملك فأعطى لي بيت للمقام. وفي الغد مثلت أمامه و سجدت له وسلمت عليه فسألني الملك ما اسمك ؟قلت :اسمي (أبيقم) إحدى النملات الوضيعة في المملكة.فأجاب و قال:أإلى هذا الحد يحتقرني سيدك فيرسل إلي نملة وضيعة من مملكته؟ فعد يا أبقيم إلى مقامك (محل سكناك) لا و غدا صباحا هيا فقابلني . فأمر نبلاءه أن يرتدوا في الغد ثيابا حمراء و ارتدى الملك خزا و استوى على العرش و أمر فمثلت أمامه و قال لي :من أشبه يا أبيقام و عظمائي من يشبهون ؟ فأجبت و قلت له :أنك تشبه بيل يا سيدي الملك و نبلاؤك يشبهون أحباره و قال لي أيضا اذهب إلى مقرك و عد إلي غدا. و أمر الملك نبلاءه في الغد فارتدوا الكتان الأبيض و الملك ارتدى ثوبا أبيض و استوى على عرشه و أمر فمثلت أمامه.وقال لي :من أشبه يا أبيقام و عظمائي من يشبهون ؟فقلت :أنك يا سيدي الملك تشبه الشمس و عظماؤك يشبهون أشعتها .وقال لي اذهب أيضا إلى مقرك و عد ألي غدا. و أمر الملك عظماءه في الغد فارتدوا ثيابا سوداء .و الملك ارتدى ثوبا قرمزيا و أمر فمثلت أمامه فقال لي:من أشبه يا أبيقام و عظمائي من يشبهون ؟ فقلت له: إنك يا سيدي الملك تشبه القمر و عظماؤك يشبهون النجوم وقال لي أيضا اذهب إلى مقرك و عدا لي غدا. و أمر الملك عظماءه في الغد فارتدوا ثيابا مزركشة ملونة و أضفى على أبواب البلاط اللون الأحمر. و الملك ارتدى ثوبا بلون التفاح و أمر فمثلت أمامه قال لي :من أشبه يا أبيقام و عظمائي من يشبهون ؟ فقلت أنك يا سيدي الملك تشبه شهر نيسان و عظماؤك يشبهون أزهاره. فقال لي الملك إنك شبهتني تارة بالإله بيل و شبهت عظمائي بأحباره و شبهتني ثانية بالشمس و عظمائي بأشعتها و شبهتني ثالثة بالقمر و عظمائي بالنجوم و شبهتني المرة الرابعة بشهر نيسان و عظمائي بأزهاره فقل لي الآن يا أبيقام سيدك من يشبه؟ فأجبته وقلت له : حاشاك يا سيدي الملك أن تذكر سيدي سنحاريب و أنت جالس إن سيدي سنحاريب يشبه (ربما الإله أيلو) و عظماؤه يشبهون البرق التي تتألق في السحب و كلما شاء يبلور من المطر و الندى بردا و إذا أرعد يمنع الشمس عن الشروق و أشعتها عن الظهور . كما يمنع بيل من التجول في الشوارع و عظماءه من الظهور و يمنع القمر من الإضاءة و النجوم من أن ترى. و لما سمع الملك ذلك شق عليه و قال لي : استحلفك بحياة سيدك قل لي ما اسمك؟ فأجبت و قلت له : أنا أحيقار الكاتب حامل ختم سنحاريب ملك آثور و نينوى فقال الملك ألم اسمع أن سيدك قتلك؟ فقلت له : أني لم أزل حيا يا سيدي الملك. إن اللـه أنقذني مما لم تجنه يداي فقال لي رح يا أحيقار إلى منزلك و عد إلي غدا. و قل كلمة لم اسمع بها بعد و لا سمع بها عظمائي كما لم تسمع قط في عاصمتي . فجلت مفكرا و في قلبي رسالة ورد فيها: من فرعون ملك مصر إلى سنحاريب ملك آثور و نينوى سلام إن الملوك يحتاجون الملوك و الأخوة يحتاجون الأخوة و في هذا الزمان قل رفدي و شح المال في خزائني فمر و أرسل من خزائنك فضة مقدار تسعمئة وزنة فأعيدها إليك بعد زمن قصير فطويت الرسالة و قبضتها بيدي و أمر الملك فمثلت أمامه فقلت لعل في هذه الرسالة كلمة لم تسمعها. و لما قرأتها أمامه و أمام عظمائه صرخ عظماءه_ كما كان الملك قد أمرهم_ وقالوا :قد سمعنا بهذه الكلمة فقلت لهم إن مصر مدينة لآثور بمبلغ تسعمئة وزنة. ولما سمع الملك تعجب فقال لي أريد أن تبني لي قصر بين الأرض و السماء . و يكون ارتفاعه عن الأرض ألف باع (قدر من اليدين ) فأخرجت فرخي النسر و ربطت الحبال بأرجلهما و أركبت عليهما الصبيين و أطلقتهما و كان الصبيان يصرخان (أعطوا الطين و الملاط و القرميد للبنائين فإنهم بطالون )و لما رأى الملك دهش. حينئذ أخذت أنا أحيقار عصا و شرعت اضرب عظماء الملك حتى هرب جميعهم فانتهرني الملك و قال لقد جننت يا أحيقار من يستطيع أن يرفع شيئا إلى هذين الصبيين ؟ أما أنا فقلت له : دعك من ذكر سنحاريب سيدي لا تقولوا فيه سوءا. لو كان حاضرا لبنى قصرين اثنين في يوم واحد. فقال لي الملك : دعك من أمر القصر يا أحيقار و امض إلى منزلك وعد إلي صباح الغد. وفي الصباح مثلت أمام الملك فقال لي:ما هذا الأمر ؟ إن حصان سيدك يصهل في آثور فسمعته خيولنا هنا فأجهضت ؟ حينئذ خرجت من حضرة الملك و أمرت عبيدي أن يصطادوا لي هرة فكنت أضربها بالسوط في شوارع المدينة . وعندما رأى المصريون ذلك ذهبوا فقالوا للملك إن أحيقار يستعلي على شعبنا و يهزأ بنا فقد أمسك هرة و هو يضربها بالسوط في شوارع مدينتنا فأرسل الملك يدعوني فمثلت أمامه فقال لي لماذا تهزأ بنا ؟ فأجبت و قلت للملك عش إلى الأبد يا سيدي إن هذه الهرة أضرت بي كثيرا فقد كان سيدي قد أعطاني ديكا و كان صوته جميلا ز كلما صاح الديك كنت أعلم أن سيدي يطلبني و كنت أذهب إلى باب سيدي و في الليلة الماضية ذهبت هذه الهرة إلى آثور و قطعت رأس ذلك الديك و أتت. فأجاب الملك وقال لي: يبدو لي يا أحيقار أنك هرمت فجننت هناك ثلاثة مئة و ستون فرسخا من هنا إلى آثور فكيف تقول أن هذه الهرة ذهبت في ليلة واحدة و قطعت رأس الديك و عادت ؟ فقلت له : إذن كيف على بعد ثلاثة مئة فرسخ سمعت خيولكم من هنا صهيل حصان سيدي فأجهضت ؟ ولما سمع الملك ذلك اغتم كثيرا و قال: فسر لي يا أحيقار هذه الأحجية : هناك عمود على رأسه اثنتا عشرة أرزة و في كل أرزة ثلاثون عجلة و في كل عجلة حبلان أحدهما أبيض و الآخر أسود فأجبت و قلت له : يا سيدي الملك إن رعاة الثيران في بلادنا يعرفون هذه الأحجية فالعمود الذي ذكرته هو السنة و الأثنتا عشرة أرزة هي أشهر السنة الأثنا عشر و الحبلان الأبيض و الأسود هما النهار و الليل. ثم قال لي أيضا يا أحيقار افتل لي خمسة حبال من رمل النهر فقلت له : مر يا سيدي أن يخرجوا لي حبلا من الرمل من خزائنك لكي أعمل مثله حينئذ قال: إن لم تعمل هذا فلن أعطيك جزية مصر. فجلست عندئذ مفكرا (في قلبي) كيف أصنع ذلك ؟ و خرجت من بلاط الملك و ثقبت في جدار البلاط الشرقي خمسة ثقوب ولما دخلت أشعة الشمس في الثقوب أثرت الرمل فظهرت أشعة الشمس و كأنها حبال من الثقوب . و قلت للملك: مر يا سيدي أن يزيلوا هذه الحبال فافتل لكم عوضها و لما رأى الملك و عظماؤه ذلك دهشوا. ثم أمر الملك أن يؤتى بحجر رحى مكسور و قال لي : يا أحيقار خيط لنا هذه الرحى المكسورة فذهبت و أحضرت حجر رحى و طرحتها أمام الملك و قلت له : يا سيدي الملك أنا غريب هنا و ليست معي آلة هذه الحرفة . فمر الأسكافيين أن يقطعوا لي قدا من هذه الرحى وهي رفيقة الرحى الأولى و حالا أخيطها ولما سمع الملك ذلك ضحك و قال : ليكن اليوم الذي ولد فيه أحيقار يوما مباركا أمام آلهة مصر ولأني رأيتك حيا فإني أعتبر ذلك يوما عظيما و أقيم فيه مأدبة. ودفع ألي جزية مصر لثلاث سنوات . وعدت إلى سيدي الملك سنحاريب فوصلت فخرج للقائي و استقبلني و عمل يوما عظيما (احتفالا عظيما)و أجلسني في مقدمة أخصائه و قال لي :أطلب ما بدا لك يا أحيقار . فسجدت للملك و قلت : يا سيدي الملك كل ما أريد أن تنفحني به أعطه لزميلي نبوسمخ مسكين لأنه هو استبقاني حيا . و أما أنا فمر أن يدفع إلى يدي نادن ابني لكي أعلمه تعليما جديدا لأنه نسي التعليم الأول . فقال الملك اذهب يا أحيقار و كل ما تريد أن تفعل بنادن ابنك فافعله و لا من ينقذ جسده من يدك.
حينئذ أخذت نادن ابني و جئت به إلى بيتي و ربطته بسلسلة حديدية زنة عشرين وزنة و ربطتها بحلقات و طوقت عنقه بطوق و ضربته على كتفيه ألف عصا و على متنيه ألف ضربة و ضربة و ربطته في عتبة باب داري و أعطيته الخبز موزونا و أسلمته إلى غلامي نبوايل لكي يحرسه و قلت لغلامي اكتب على لوحة ما أقوله لابني نادن. يا بني من لا يسمع من أذنيه فأنهم يسمعونه من قذاله. أجاب نادن ابني و قال: لماذا حنقت على ابنك ؟ أجبت و قلت له: يا بني أجلستك على كرسي الوقار و أما أنت فقد طرحتني من كرسيي. فأنقذني بري فصرت لي يا ابني كالعقرب الذي لسع صخرة فقالت الصخرة. إنك لسعت قلبا جامدا ثم لسع إبرة فقيل له : إنك لسعت حمة شرا من حمتك. كنت لي يا ابني كالعنزة التي وقفت على شجرة السماق تأكل منها فقالت لها شجرة السماق لماذا تأكليني ؟ إن جلدك يدبغ بجذوري . قالت العنزة إني آكلك و أنا حية و بعد موتي يستأصلونك من جذورك. كنت لي يا بني كمن رشق حجرة إلى السماء فلم تبلغ السماء و اقترف إثما أمام الله. كنت لي يا بني مثل رجل رأى رفيقه يرتجف من البرد فأخذ قربة ماء بارد و صبها عليه ليتك يا ابني استطعت القيام مقامي بعد قتلي فاعلم يا ابني أن الخنزير لو طال ذنبه سبعة أذرع لا يقوم مقام الحصان . ولو لان شعره و أبرق لما أمكن أن يلبسه الكريم.. يا ابني أردتك أن تخلفني فترث بيتي و ثروتي و لكن لم يرق ذلك الله و لم يسمع صوتك. كنت لي يا ابني كالأسد الذي صادف حمارا في الصباح و قال له : السلام عليك يا سيدي قوريس (كيريوس) فقال له الحمار ليت سلامك هذا يعطي لمن ربطني مساء فلم يحكم ربطي فلم أكن أرى وجهك. يا بني كان الفخ منصوبا في دمنه فجاء عصفور فرآه و قال له: ماذا تعمل هنا ؟ قال له الفخ إني أصلي إلى الـله. قال له العصفور ما الذي في فمك ؟ قال الفخ: خبز للضيوف. فدنى العصفور منه و أخذه فأطبق (الفخ) على عنقه و قال العصفور و هو يئن ألما : إذا كان هذا خبزا للضيوف ليت الإله الذي تصلي إليه لا يستجيب لك. و كنت لي يا بني كأسد ربط إلى جانب الثور . فالتفت الأسد و افترسه. و كنت لي يا لبني كسوسة الحنطة التي أفسدت أهراء الملوك و هي حقيرة الشأن. كنت لي يا ابني كقدر ركب له قبضتان (أذنان) من ذهب و لكن أسفله لم ينظف من السواد. كنت لي يا ابني كفلاح بذر في حقله عشرين مدا فقال للحقل : لقد حصدت ما زرعت فيك. و أما أنت فيجب أن تخجل بصيتك السيء لأنك أعطيت المد مدا و أما أنا فكيف أستطيع العيش ؟ كنت لي يا بني كعصفور لم ينج نفسه من الموت و صوته غرر بأصحابه. كنت لي يا بني كتيس أدخل رفاقه إلى المسلخ و هو لا ينجي نفسه. كنت لي يا بني كالكلب الذي دخل إلى فرن الخرافي ليتدفأ و بعد أن دفيء نهض لينبح على الخزافين . كنت لي يا بني كالخنزير الذي كان ذاهبا إلى الحمام و لما رأى حمأة و حل نزل فتمرغ بها ودعا أصحابه أن يتمرغوا. إن إصبعي يا بني على فمك و إصبعك على عيني فهل ربيتك أيها الثعلب لتكون عيناك ناظرتين إلى التفاح؟ يا بني إن الكلب الذي يأكل من صيده يصبح من فصيلة الذئاب . و اليد التي لا تجتهد تقطع من أصلها . والعين التي لا تبصر تقتلعها فراخ الغربان . فأي عمل صالح عملت معي يا بني لكي أذكرك فترتاح فيك نفسي؟ يا بني إذا الآلهة سرقت فبماذا يستحلفونها ؟ و الأسد الذي يسرق قطعة أرض كيف يجلس فيأكلها ؟ أنا يا بني أريتك وجه الملك و رفعتك إلى كرامة باذجة . و أنت رغبت في الإساءة إلي. كنت لي يا بني كالشجرة التي قالت لقاطعيها لو لم يكن بأيديكم مني لما هاجمتموني. كنت لي يا ابني كفراخ السنونو التي سقطت من عشها فتلقفتهم هرة و قالت لو لم أكن لأصابكم شر عظيم. فقالت (الفراخ للهرة)و لهذا وضعتنا في فيك.. كنت يا بني لي كتلك الهرة التي قيل لها اتركي سرقاتك فتدخلين دار الملك و تخرجين كما تشائين فأجابت و قالت : لو خلقت لي عينا فضة و أذنا فضة لما تركت سرقاتي. كنت لي يا بني كالحية التي ركبت عوسجا و طرحت في النهر. فرآهما ذئب و قال لهما : شر ركب شرا و شر من كليكما يقودهما قالت له الحية : لو جئت إلى هنا لحسبت حساب المعزى وبنيها . إني يا بني رأيت عنزة قيدت إلى المسلخ و لما لم يأت أجلها عادت إلى حضيرتها ورأت بنيها و بني بنيها . يا بني رأيت إعفاء (جمع عفو )أضحت قاتلة لأمهاتها. يا بني لقد أطعمتك كل ما لذ و أنت أطعمتني خبزا معفرا و لم أشبع. أنا يا بني دهنتك بالطيوب المعطرة و أما أنت فعفرت بالتراب جسمي. أنا يا بني ربيت قامتك كالأرز و أنت أحنيت حياتي و أفقدتني رشدي بشرك. يا بني أنا رفعتك كالبرج و كنت أقول إذا هاجمني عدوي أصعد و أتحصن فيك و أنت إذ رايت عدوي انحنيت له . كنت لي يا بني كالخلد الخارج من الأرض لاستقبال الشمس لأنه لا عينان له فرآه النسر و هاجمه و أختطفه. (ويتابع في نسخة أخرى قوله) والآن أسمل عينيك و أقطع رأسك و لسانك. أجاب نادان ابني و قال لي : حاشاك من هذا كله يا أبت أحيقار فاعطف علي برحمتك فإن اللـه أيضا يغفر للناس إذا أخطأوا. و أنت اغفر لي هذه الجريرة و أكون خادما لخيلك و راعيا لخنازير بيتك و لا دعى شريرا . و أنت لا تحسب لي الشر. أجبت و قلت له :كنت لي يا ابني كتلك النخلة المغروسة على النهر كانت تطرح كل أثمارها في النهر و لما جاء صاحبها ليقطعها قالت له : أمهلني هذه السنة فأثمر خرنوبا . فقال لها إنك لم تنجحي بإعطاء ثمرك فكيف بإعطاء ما هو ليس لك ؟ يا بني قيل للذئب لم تسير وراء الغنم ؟ قال :إن غبارها مفيد و دواء لعيني وأخلوه (الذئب) المدرسة فقال له المعلم : ألف باء . قال الذئب : الجدي الحمل . يا ابني أنا علمتك أنه يوجد إله . و أنت هاجمت العبيد الصالحين فجلدتهم بدون ذنب . كما نجاني اللـه لأجل بري . فإنه يهلكك لأجل أعمالك. يا بني قد وضعوا رأس حمار في طبق على المائدة فتدحرج و سقط على التراب . فقالوا أنه غضب على نفسه لأنه لا يستحق الكرامة. إنك يا بني أيدت المثل القائل إن الذي ولدته أدعه ابنك. والذي اشتريته سمه عبدك. يا بني لقد صدق المثل القائل : تأبط ابن أختك فاضرب به الصخرة و لكن اللـه الذي أبقاني حيا سيقضي بيننا . وفي تلك الساعة انتفخ نادن كالزق و مات. فمن يصنع خيرا يلق خيرا . و من حفر حفرة لأخيه يملاؤها بقامته . وللـه الحمد و علينا رحمته آمين. انتهت أمثال أحيقار الحكيم كاتب سنحاريب ملك آثور و نينوى. عن كتاب( احيقار الحكيم ) للمطران غريغوريوس بولس بهنام
__________________
أبو يونـــــــان ________ الله محبـــــــة |
|
#2
|
|||
|
|||
|
الأخ أبو يونان:
حكم أحيقار حكم جميلة تسلم يداك على كتابتها لقد استمتعت بقراءتها ولك الشكر الجزيل نستمد من هذه الحكم السير في دروب نيرة تميز بين الخطأ والصواب وفقك الله!!!! أختك سميرة |
|
#3
|
||||
|
||||
|
الأخ أبو يونان
إن أمثال وحكم أحيقارالرائعة والصالحة بالكثير منها إلى زماننا هذا علماً أنها كانت بمئات السنين قبل المسيح وكم كان هذا الحكيم رائعاً وعظيماً وقد استمتعتُ كثيراً بقراءة هذا النص الذي نقلته إلى المنتدى مشكوراً على سعيك وجهدك الكبيرين ولزيادة في التوضيح عن نبذة من حياته فإني أنقل إليكم هذه المقالة من النت أرجو أن تفيد إلى جاني الرائع الذي قدمه الأخ أبو يونان دراسة كتاب احيقار دراسة كتاب احيقار 1- توطئة "أقوال أحيقار" نصّ معروف جدًا، وقد انتشر انتشارًا واسعًا في عالم بحر المتوسّط القديم. وهو أيضًا أقدم "منحول"، إذ تعود بعض أجزائه إلى ما قبل المنفى، سنة 587 ق. م. هذا ما يجعلنا قبل النصوص البيعهديّة. ثم إن هذا النص ليس في الأصل يهوديًا، وهذا ما يجعلنا في الواقع خارج منحولات العهد القديم، في المعنى الحصريّ للكلمة. أمران دفعانا إلى إدراج "أقوال احيقار" في سلسلة "على هامش الكتاب". الأول يرتبط بمضمون الكتاب، والثاني بتاريخه. على مستوى المضمون، هذا المؤلَّف يشبه في محتواه وفي فنّه الأدبي، التقاليد الحكميّة في العهد القديم والأسفار المنحولة. هذا ما يعطيه أهمّية خاصّة بالنسبة إلى الدراسات البيبليّة. وعلى مستوى التاريخ، نرى في نهاية حقبة العهد القديم، أن الخبر لم يكن معروفًا في بعض أجزاء الشتات اليهوديّ، بل أعيدت صياغته ليحدّثنا عن الحكيم في العالم الوثنيّ كما في العالم اليهوديّ. أول نسخة له وُجدت في خرائب مستوطنة يهوديّة تعود إلى القرن الخامس ق.م. وصاحب سفر طوبيا عرف نسخة كان فيها احيقار رجلاً يهوديًا يعيش في المنفى. وانتشرت النسخات المتأخّرة انتشارًا واسعًا في الأوساط اليهوديّة والمسيحيّة خلال القرون المسيحيّة الأول. وهكذا تبنّى كلُّ واحد أحيقار كأنه خبر خاص به، مع أنه لم يؤلّف على يد الذين دوّنوا وقرأوا للمرة الأولى الآثار المنحولة. يقع هذا المؤلّف في جزئين. الأول هو خبر أحيقار، الكاتب الحكيم ومستشار ملوك أشورية. تقدّم هذا الحكيم في السنّ، ولم يكن له ولد يخلفه، فعزم على تبنّي ابن اخته نادان، وعلّمه كلّ حكمته. تربّى الشاب تربية حسنة، وقُدّم إلى اسرحدون. وما مضى وقت حتّى أخذ مكان خاله في البلاط الملكيّ. ولكن نادان لم يتصرّف بالشكر مع خاله، بل اتّهمه لينزع عنه كل اعتبار، وعمل على إقناع أسرحدون ان هذا الشيخ يتآمر ليقلب العرش. فغضب الملك وأمر بأن يُقتَل أحيقار. ولكن تبيّن أن الضابط الذي أرسل لينفّذ حكم الاعدام، هو صديق قديم لأحيقار، بعد أن نجاّه هذا من الموت. ورسم الاثنان خطّة: يحلّ عبدٌ محلّ أحيقار، ويُقتل مكانه. نجحت الخطة. ولكن نهاية الخبر ضاعت. وقد تكون روت إعادة الاعتبار لأحيقار وعقاب نادان. ويتضمّن القسم الثاني حكمة أحيقار، وهي مجموعة تُقارب المئة قول، فيها المثل والخبر والتعليم، وقد رتّبت بطريقة الصدفة، في أكثر الأحيان. جاء القسم الكبير منها مفتّتًا، وفي أجزاء، بحيث صعُبت قراءتُه وفهمه. أما المواضيع فتتعلّق بالتربية العائليّة، واحترام الملك، والكلام الفطن، والتصرّف المستقيم. وهناك عدد من الأقوال الفرديّة تشبه ما في سفر الامثال (في الكتاب المقدّس) وحكمة الشرق الأدنى القديم. 2- العلاقة بين الخبر والأقوال في السريانيّة والأرمنية وسائر الترجمات المتأخّرة، أدرجت الأقوال الحكميّة داخل الخبر في مجموعتين واسعتين. جاءت المجموعة الأولى، بعد أن تبنّى أحيقار ابن أخته، فبدت متضمّنة لتعليم الحكيم. ووردت الثانية في نهاية الخبر تقريبًا كأقوال وبّخ بها احيقار الابن الذي أنكر جميله. بدا هذا الترتيب وكأنه غير أصيل. ففي نصّ جزيرة الفيلة، لم تُدرج الأقوالُ إطلاقًا داخل الخبر. فبدا وكأنها جُعلت في النهاية دون أي رباط بالخبر. والنسخة التي تكمن وراء حياة إيزوبوس تمثّل حلقة متوسّطة في ربط الاقوال بالخبر. بل إن في الترجمات المتأخّرة، بعض التصنّع في موقع الأقوال. وهناك عدد من التوبيخات في النهاية، لا تتوافق مع السياق الأدبيّ الذي وُضعت فيه. وبعض الأقوال التي وُجدت في المجموعة الأولى، في نسخة من النسخات، ظهرت في المجموعة الثانية، في نسخة أخرى. إذا أخذنا كلَّ هذا بعين الاعتبار نصل إلى واقع يقول إن الجزء الحكميّ في نصّ جزيرة الفيلة، قد دُوّن في لهجة تختلف بعض الشيء عن لهجة الخبر. وهكذا يبدو من الواضح أنه، في ما يتعلّق بالاسئلة حول الزمن والأصل والخلفيّة التاريخيّة، نستطيع أن ندرس على حدة كلاً من جزئي. 3- اللغة الاصليّة قبل اكتشاف النصّ الأراميّ، كانت النظرة السائدة تقول إن صاحب احيقار رجل يهودي، وقد دوَّن كتابه على الأرجح في العبريّة. والأسباب: عودة إلى أحيقار في سفر طوبيا. وجود عدد من التوازيات بين احيقار السرياني والتلمود. ومع اكتشاف مخطوط جزيرة الفيلة بدا هذا الرأيُ، للوهلة الأولى، وكأنه يجب أن يثبَّت. فنحن في الواقع أمام مستوطنة يهوديّة وُجدت في خرائبها بردياتٌ تكشف في لغتها التأثير العبريّ. ولكن ما عتّم العلماء أن فهموا أن النصّ لا يدلّ على أثر حقيقيّ لأصل يهودي، بل إن الخلفيّة الدينيّة هي تعدّدية الآلهة كما في الشرق الأوسط القديم. ولما تخلّى البحّاثة عن الفرضيّة اليهوديّة، كان شبهُ توافق بأن النص الآرامي ترجمة عن أصل أكادي (أي أشوري). فموقع الخبر هو البلاط الأشوري. وعدد من أسماء العلم هو أشوري حقًا. كما نجد في الخبر عددًا من الكلمات الأكاديّة. وهناك أربعة أمثال تُشير إلى شمش، إله بلاد الرافدين. وظلّت هذه النظرة مسيطرة لدى عدد من العلماء حتى الآن. غير أن هذه السنوات الأخيرة رأت بداية توافق جديد يقول بأن النصّ الآراميّ ليس ترجمة اطلاقًا، بل هو اللغة الأصليّة. فالأسماء الآشورية تنتمي بكل بساطة إلى الموقع الأشوريّ للخبر. والكلمات المأخوذة من الأكاديّة هي كلمات مستعملة في اللغة الأراميّة في الامبراطورية. والإشارة إلى إله بلاد الرافدين، يدلّ فقط على أن الكتيّب دُوّن في منطقة تأثّرت ببلاد الرافدين. فهذا لا يوجّهنا إلى اللغة الأصليّة. وهكذا لم يعد اليقين بأصل أكادي قويًا كما بدا للوهلة الأولى. والقول بأصل آراميّ قوي جدًا، ولا سيّما في الأقوال. فهي تختلف عن الخبر، ولا تتضمّن اصلاً كلمات مأخوذة من الأكاديّة. بعضها يتضمّن تلاعبًا على الكلمات. وهناك ألفاظ تدلّ على معرفة باصطلاحات أدبيّة في العالم السامّي الغربي. كل هذا يدلّ على أنه من الصعب أن نقول بأن النص هو ترجمة من الساميّة الشرقية (الاكادية). وحتى في الإخبار، فلا نستطيع أن نقول يقينًا إنها نُقلت عن الاكادية. فخلال حقبة المملكة النيوأشورية، أزيحت الاكادية شيئًا فشيئًا وحلّت محلّها الارامية كلغة مسيطرة عند الناس في بلاد الرافدين. وهكذا يبدو من المعقول جدًا أن يكون النص كله تقريبًا قد دوّن في الآرامية. والدراسة الدقيقة لجزئي النص (الخبر، الأقوال) تدلّ على أنهما كُتبا في لهجتين تختلفان بعض الاختلاف. كُتب الخبر في اللغة الرسمية أو لغة الامبراطورية، وهي لهجة أرامية تعود إلى الحقبة النيوأشورية والنيوبابلونية. أما الأقوال، فتعود إلى لهجة عتيقة تشبه بعض الشيء أسرة اللغات الكنعانيّة، مّما جعل العلماء يظنّون أن النصّ الأصليّ دوّن في العبرية. 4- تاريخ النصّ ومصدره بما أن النصّ مركّب من أكثر من عنصر، تبدو مسألة "التاريخ" متشعّبة. فمخطوط جزيرة الفيلة يعود إلى نهاية القرن الخامس ق.م.، إذا عدنا إلى الباليوغرافيا والسياق الاركيولوجي. ولكن من المعقول أن يكون النص في صيغته الحالية (الخبر والأقوال) قد وُجد مئة سنة قبل هذا التاريخ. ووجود شكلين للقول الواحد (39و41؛ 40 و42)، ووجود نسختين لنهاية القول 36، كل هذا يدلّ على حقبة انتقال طالت فأتاحت تكوين الاختلافات. وعدم التماسك في التهجئة قد يدلّ أيضًا على أن نسخ النصّ في وقت طويل تطوّر مع تطوّر الفونولوجيا. وهناك أيضًا أخطاء وقع فيها الكاتب حين نقل نصّه. أقدم تاريخ ممكن للخبر يرتبط بالاشارة إلى اسرحدون (681 - 669 ق.م). أما الجزء الذي يتضمّن الأقوال، فلا تلميح تاريخيًا فيه. ولكن اللغة العتيقة تدلّ على أن هذه الأقوال قديمة كالخبر إن لم تكن أقدم. بما أن أرامية الامبراطورية في الحقبة الفارسيّة وما بعد، دلّت على عدد كبير من الالفاظ الفارسيّة، فغيابُ مثل هذه الألفاظ الفارسيّة من أحيقار، يدلّ على أن التدوين تمّ قبل منتصف القرن السادس. فجزءا النص (والمقطع الذي ربط بينهما، على الأرجح) قد دُوِّنا في نهاية القرن السابع أو بداية القرن السادس. أما المصدر الدقيق للنصّ، فمعروف الآن. فمع أن المخطوط وُجد في مصر، فمن المعقول جدًا أن لا يكون ألِّف هناك. فلا نجد في النصّ ما يدلّ على خلفيّة مصريّة. فموقع الخبر في البلاط النيوأشوري "صحيح" بمعنى أن التفاصيل التاريخية القليلة التي نستطيع التحقّق منها هي صحيحة. فأسماء الأشخاص الآشورية تميّز تلك الحقبة النيوأشورية والنيوبابلونيّة. بما أن لا يقين يدلّ على عكس ذلك، فمن المعقول أن يعود الخبر إلى بلاد الرافدين. أما الأقوال فشأن آخر. على المستوى العمليّ، لا شيء يشير إلى خلفية رافدينيّة. والعودة الوحيدة إلى الجغرافيا، نجدها في القول 110. والكلام عن "الصيدوني" هو مثل عن الـمُبحرين في البحار، "والعربي" يعود بنا إلى المقيم في الصحراء. أما لهجة هذه الأقوال فهي قريبة جدًا من لغة النصوص الآرامية الامبراطورية والحقبة الأخيرة في الآرامية العتيقة، وهو انتقال تمّ حوالي بداية القرن السابع ق.م. وفي عدد من السمات، ولا سيّما على مستوى الألفاظ، جاءت لغة الأقوال قريبة من اللهجات الكنعانية في سورية ولبنان وفلسطين القديمة. فالتفسير المعقول لكل هذا، هو أن الأقوال (ربّما وُجدت مجموعة قديمة ضمّت عددًا كبيرًا منها) تتأصّل في سورية الشمالية حيث ازدهرت ممالك تتكلّم الأراميّة، في القسم الأول من الألف الأّوّل ق.م. وهناك برهان آخر يقودنا إلى سوريا الشمالية كمنشأ للأقوال الحكميّة في هذا النصّ هو ظهور مجمع الآلهة التي تُذكر في نصوص أخرى في المنطقة. متى جُمع جزئا النص الخبر والأقوال؟ هذا ما نعود إليه فيما بعد. 5- الأهميّة التاريخيّة ظلّ العلماء الكثيرون، حتّى زمن قريب، يعتبرون أن خبر أحيقار هو مجرّد فولكلور، وأن البطل هو خلق أدبيّ قام به كاتب نجهل اسمه. لا شك في أن سنحاريب واسرحدون وجهان معروفان في التاريخ. واسم احيقار يرد في النصوص السماوية في الحقبة النيوأشورية. وكذلك نقول عن اسم نادان واسم نبوسومسكون. في الواقع، وُجد شخص اسمه نادان (أو: نادين)، اتّهم بنشاط انقلابي خلال ملك اشوربانيبال. وعُرف أسرحدون أنه كان له ضابط كبير في جيشه اسمه نبوسومسكون. لا نستطيع أن نماهي هؤلاء الأشخاص مع ما نجد من طباع في خبر أحيقار. غير أن الأسماء معروفة، والنصوص المسمارية لا تمزج أبدًا هؤلاء الأفراد بعضهم ببعض. إن مسألة تاريخيّة احيقار قد جُعلت مؤخّرًا على بساط البحث مع اكتشاف في أوروك القديمة، للويحة مسماريّة يظهر فيها الاسم في سياق مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالخبر الأراميّ. فالنصّ الأكادي الذي يعود إلى الحقبة السلوقية، هو لائحة بأسماء علماء (ا م ا ن و) يقمون في بلاط ملوك بابليين وأشوريين. نقرأ في السطر الذي يهمّنا: في زمن الملك اسرحدون، أبا - إنليل - داري، الذي يسمّيه الآراميون احيقار، كان "ام ان و". فالاسم والموطن والدور والتاريخ في التقاليد المسمارية والآرامية، تقودنا إلى القول بوجود "احيقار" في البلاط الأشوريّ. ويمكننا أيضًا أن نروح أبعد من ذلك. ذُكر في اللائحة عددٌ من العلماء (ا م ا ن و) في أدب بلاد الرافدين، وبينهم كتّاب ملحمة "غلغامش" و"إرتفاع إنانة". هذا يعني أن بلاد الرافدين ذكرت أحيقار الذي لم يكن فقط موظفًا لدى اسرحدون، بل كاتبًا ومؤلّفاً أيضًا. هذا لا يعني أن تفاصيل الخبر هي بالضرورة تاريخيّة. فالفولكلور يملأ الخبر. كما لا يعني أننا أمام برهان يقول إن احيقار التاريخيّ كان كاتَب الخبر. ولكن هذا يدلّ على أن الخبر ليس مجرّد خدعة أدبيّة. يمكن أن نسمّيه رواية تاريخيّة، أو فولكلورًا أدبيًا حول وجه تاريخيّ. هل نستطيع أن نقدّم فرضيّة معقولة من أجل إعاد بناء النصّ في توسّعه الأول؟ القسم الأقدم، أو الأقوال الفرديّة، انتشر بشكل شفهيّ بين شعوب سورية المتكلمّين الآرامية في القسم الأول من الألف الأول. وفي وقت من الأوقات من تلك الحقبة، رُتِّبت مجموعة لهذه الأقوال بيد كتبة أقاموا في بلاط الملوك الآراميين. حُملت هذه المجموعة فيما بعد إلى أشورية بعد اجتياحها لأرض الآراميين خلال القرن الثامن. وعُرفت الأقوال في زمن سنحاريب (704 - 681) أو اسرحدون (681 - 669). وربّما أعيد نشرُها، في أشورية، في حلقات أدبيّة تتكلّم الآرامية بالاشتراك مع البلاط الأشوريّ. وصار احيقار نفسه "ناشر" الأقوال، بسبب شهرته الأدبيّة في التقليد الرافديني، وارتباط اسمه بأقوال في النصّ الآرامي. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نُسبت إليه هذه المجموعة بعد موته، كما نُسبت مجموعات الحكمة الآتية من حقب متعدّدة، إلي سليمان الحكيم. وقد يكون الخبر ألّف بشكل مستقلّ كل الاستقلال عن الأقوال، فجاء ناشرٌ ضمّ جزئي الكتاب، فصار النصَّ الذي بين أيدينا. كان هدفُ الخبر الأول أن يكون مقدّمة لمجموعة الأقوال التي عُرفت قبله. هذا يعني أن كاتب الخبر هو ناشر الكتاب ككلّ في شكله الأول. لا نستطيع أن نحدّد التاريخ ولا المكان بدقّة كبيرة. ولكن يبدو أن المؤلّف كان كاتبًا أراميًا عاش في الأيام الأخيرة من الإمبراطوريّة النيوأشورية، أو في بداية الحقبة الإمبراطورية النيوبلبلونيّة (الكلدانية). إلى هذا المؤلِّف (أو إلى الناشر) تُنسب إضافةٌ إلى الأقوال استلهمت الخبر (10- 52، 76، 80). وقد يكون هذا الناشر أضاف غيرها، مثل القول 34. فهذا الخبر الذي يرينا رجلاً حكيمًا وفاضلاً يرتفع في بلاط ملك غريب، يُقابل بخبر يوسف واستير ودانيال. 6- الأهميّة اللاهوتيّة إن الخلفيّة اللاهوتيّة لأحيقار الأراميّ هي خلفيّة الشرق الأوسط القديم. لا نجد فيه إله اسرائيل بل آلهة آرام، كنعان، بلاد الرافدين. تركّز اللاهوت على أقوال الحكمة. والخبر، بما فيه من هدف بنائيّ لا يقول شيئًا مباشرًا عن الآلهة. غير أن الأقوال تذكرهم مرارًا باسمهم. أو ترسمهم في الدور الذي يلعبونه في الأدب الدينيّ في الشرق القديم. ترجع أقوال عديدة إلى "الآلهة" (دون أي تسمية) كمعلّمين وقضاة ومحامين عن البشريّة. هؤلاء الآلهة يعطون البلاغة للذين لا خبرة لهم (32)، يجازون بالشرّ كلام الشرّ (37)، ويعاقبون الذين يضطهدون الأبرار (39،41). يخضع لاسمهم الكاذبُ وفاعلُ السوء (46)، كما يخضع الجاهل (38). فالآلهة وحدهم يستطيعون أن يدافعوا عن الانسان من شرّ داخلي (69)، وهم الينبوع الأخير للحكمة (13). إيل، أبو الآلهة في البنتيون (مجمع الآلهة) الكنعاني، هو إلاله الذي يُذكر مرارًا في الأقوال. يتكلّم عنه القول 25 مع صفة رحمن (ر ح م ن). هنا نلتقي بصفتين معروفتين في الأدب الأوغاريتي (الرحيم والحنون)، كما في الكتاب المقدس، في تسمية يهوه: ال. ر ح و م . و. ح ن و ن. أما القول 25 فهو مقابلة بين سلطان الملك وسلطان ايل: "الملك كالرحمان وإن ارتفع صوته. فمن يقف أمامه إن لم يكن نظيره"؟ إيل هو الذي ينتقم من الكلام الكاذب (66). قد نكون أمام الحنث بالقسم (رج القول 70). ويبدو قول مفتّت (64) وكأنه يتكلّم عن الاله الشافي، وهو دور نجده بعض المرات في الأدب الكنعاني. وهناك قول آخر مشوّه يبدو طلبًا إلى الاله من أجل الحصول على البرّ أو الانتقام: "أقمني، يا إيل، كرجل بار أمامك" (78). بعد إيل في مجمع الآلهة، في الأقوال، نجد شمش، الاله الشمس. في بلاد الرافدين القديمة كانت وظيفةُ هذا الاله الاهتمام بالعدالة. هو يحمي المحتاجين ويسمع صراخ المظلومين. هذا هو الدور الذي نقرأ عنه في القول 77: "إذا أمسك الشرير طرف ردائك، فاتركه في يده. والجأ (وادعُ) إلى شمش. فهو يأخذ ما له (أو ما لك) ويعطيك". ويدلّ القول 49 على طريقة بها ينفّذ شمش الحكم: لا يشرق شمسَه على الشّرير. بما أن الملك يشبَّه بإيل، فبهاؤه يقابَل ببهاء شمش (26): "نرى الملك في جماله مثل شمش. فما أمجد بهاءه لمن يجول الأرض في طمأنينة". عُرف تشبيه الملك أيضًا بالاله الشمس، في بلاد الرافدين. ففي صلاة تعود إلى القرن السابع، تلاها أشور بانيبال لشمشو، قيل أن بهاء الملاك يرتبط بتقواه تجاه شمش. ويهتمّ شمش أيضًا بحكمة البشر. هو يرضى بالانسان الذي يمتلك الحكمة ويتعلّم الفطنة في كلامه. وهو يمقت من يضيع الحكمة (12). إن القول 13 هو أهمّ مقطع لفهم نصّ لاهوتي حول الحكمة. وهو يتضمّن أيضًا بشكل عابر إشارة إلى إله ثالث: "السماء راضية عن البشر. والحكمة من عند الآلهة. فهي كريمة في عين الآلهة، ولها الملك على الدوام. أقامت في السماوات، لأن الربّ القدوس عظّمها". إن لفظ "ش م ي ن" وعبارة "الربّ القدوس" يعودان إلى إله عُرف أنه "إله السماوات" (في الآرامية: ب ع ل. ش م ي ن) الذي انتشرت عبادته لدى الشعوب الآراميّة والكنعانيّة في سورية (فوصلت حتّى شمال بلاد الرافدين) منذ عهد البرونز حتّى ظهور المسيحيّة. في البنتيون الكنعاني الذي وصفه سانخونياتون، هذا الإله هو رئيس الآلهة. ويبدو القول 13 على أنه مديح للحكمة وامتداح لأصلها الالهيّ ونفعها للبشر وعظمتها لدى الإله. فمع أن هذا القول لا يشخّص الحكمة بشكل واضح، إلاّ أنه قريب جدًَا من قصائد بيبليّة وبعد بيبلية تمتدح الحكمة، وأقدم منها. أما الهدف اللاهوتي للقول 13 داخل المجموعة كلها، فهو يشبه ما نقرأ في أم 8: 22- 31. في سفر الأمثال، الحكمة تصدر عن ملكوت الله. فالحياة والنجاح اللذان تعطيهما، هما في الأصل عطايا من عند الآلهة. الحكمة ملكة إلى الأبد، لأن إله العلاء في السماء جعلها على عرشه. وهناك عدّة مواضيع عامة في الأقوال (التربية العائليّة، حفظ اللسان، التصرّف تجاه الملك)، توازي الأدب الحكميّ في البيبليا. فكما في الحكمة البيبليّة، تجتمع هنا الحكمة مع الحياة والنجاح ورضى الله. أما الجهالة، فتحمل عدم رضى الآلهة والملك، وتقود إلى الموت. ولكننا لا نجد بعض التوسّعات اللاهوتيّة في الحكمة العبريّة، كما في هذه الوثيقة الأراميّة. فالكوسمولوجيا (علم الكونيات) لا تلعب دورًا في أقوال أحيقار، تجاه أهميّة لاهوت الخلق في حكمة التوراة. فمع أن نصّ أحيقار يتحدّث عن التصرّف الحكيم الذي يُرضي الآلهة، فلا شيء فيه يشبه تأكيدًا بيبليًا يقول: "رأس الحكمة مخافة الله" (أم 9: 10؛ رج 1: 7). نحن لا نجد عند احيقار علمًا يبحث عن وجود الله. فآلهة "الأقوال" لا علاقة لها بالبشر. إن ترجمات احيقار، جمعت في درجات متفاوتة، تعدُّدَ الآلهة كما في النص الأصليّ، مع النظرة التوحيديّة، وذلك بتأثير من الحلقات اليهوديّة والمسيحيّة التي انتشرت فيها. ف "الآلهة" في أقوال جزيرة الفيلة، صارت "الإله" الواحد في أغلب الأحيان. وظلّت آثارٌ قليلة للوضع الدينيّ القديم في الآراميّة، التي قالت إن أحيقار صلّى إلى آلهته "بلشيم وشيميل وشامين". أما السريانية فألغت في هذا المقطع أسماء الآلهة لتقول: "أيها السيّد، يا الهي" (53). أما العربيّة فأدخلت الجملة البيبلية "الله العلي، خالق السماء والأرض" (تك 14: 19). 7- علاقة أحيقار بالأسفار القانونيّة حين نتحدّث عن مقابلة أدبيّة، يجب أن نميّز بين توازي النصوص، وتأثير نصّ على آخر، ولا سيّما في عالم الحكمة والفولكلور. فالمواضيع الشعبيّة، والصور الكلاميّة، والأمثال الكاملة، انتقلت عبر حدود جغرافيّة وثقافيّة في طرق يصعب علينا مرارًا أن نرسمها أو نجد خريطتها. والتوازيات، وإن كانت قريبة، بين كتب مثل احيقار وبين أسفار قانونيّة أو منحولة، قد لا تدلّ على أكثر من معرفة مباشرة لوثيقة لدى كاتب وثيقة أخرى. وفي أي حال، قوّة البرهان هو للذي يريد أن يرى، علامة تدلّ على تأثير أدبيّ. وإذا تركنا جانبًا مواضيع الحكمة المشتركة بين البيبليا والشرق الاوسط القديم، فالتوازيات القريبة بين أحيقار والأسفار البيبليّة القانونيّة، قليلة جدًا. فالمنادى "يا ابني" (قول 4، 14أ، 40، 42، 60، يرد مرارًا في الأمثال البيبليّة)، ينتمي إلى الأقوال الحكميّة في نصوص الشرق الأوسط منذ الألف الثالث ق.م. وشكل المثل العددي (هناك شيئان وثالث، قول 12؛ أم 20: 15– 19، 21- 31) نجده في نصائح وردت في أدب الشرق القديم. هناك حالتان تبرّران الاشارة إلى ارتباط ممكن بين نصّ ونصّ. الأولى، نجدها في 3- 4 "لا تحرم ابنك من العصا، وإلاّ لن تحميه من الشرّ. إذا ضربتك، با ابني، لن تموت. وإذا تركتك لهوى قلبك، لن تعيش". نقابل هذين القولين مع أم 23: 13- 14: "لا تقصّر في التأديب للصبيّ، فإن ضربته بالعصا لا يموت: تضربه بالعصا فتنقذ نفسَه من الجحيم". فمع أن تربية الوالدين والرغبة في العقاب الجسدي، موضوعان معروفان في الأدب الحكميّ، فالتشابه الالفاظيّ يضاف إلى التشابه الموضوعيّ. هل نقول إن نصًا أخذ من آخر؟ بل بالاحرى نقول إننا في تقليد واحد غرف منه الاثنان. والحالة الثانية نجدها في القول 109: "لا يقل الغني: أنا مجيد بفضل غناي". يقابل هذا القول إر22:9: "لا يفتخر الحكيم بحكمته ولا الغنيّ بغناه". قول قصير، وموضوع شامل. نحن هنا في مستودع الحكمة الشعبيّة التي عرفها الشرقُ القديم كله. وهناك عدد من التشابهات الظاهرة بين ترجمات أحيقار والكتاب المقدس (ولا سيما دانيال ولوقا). "أيها الملك، حييت إلى الأبد" (احيقار 1: 11 في السريانيّة والارمنيّة): دا 2: 4؛ 3: 9؛ 5: 10؛ 6: 6. عندما يلبس أحد الأرجوان مع الذهب، فهذا ما يدلّ على حظوة خاصّة (أحيقار 1: 7 حسب الأرمنيّة). دا 5: 7، 16... هذا يعني أن الكتاب المقدّس أثّر في ترجمات أحيقار، أقلّه في بعض المرات. ونتوقّف بشكل خاص عند طوبيا وابن سيراخ ويهوديت. عرف سفر طوبيا خبر أحيقار وقريبَه الذي خيّب أملَه (ناداب). في(1: 21- 22)، صوّر الكاتب طوبيت على انه ابن أخي احيقار، وقدّم لائحة بألقابه الرسميّة "أحيقار ابن أخي عنائيل، عيّن على جميع حسابات المملكة. وكان له سلطان على جميع الشؤون الاداريّة. فتوسّط لي أحيقار، فعدتُ إلى نينوى. ذلك بأن احيقار كان رئيس السقاة وأمين السرّ ورئيس الشؤون الإدارية والحسابات على عهد سنحاريب ملك اشورية، وقد ثبّته اسرحدون في منصبه" (طو 1 :21-22). وفي نهاية الكتاب يستخلص طو تعليمات اخلاقيّة يستخرجها من خبر احيقار "أنظر، يا بُنيّ، كل ما صنعه ناداب إلى أحيقار أبيه الذي رّباه. ألم يكن مضطرًا للنزول حيًا إلى بطن الأرض؟ لكن الله ردّ التشنيع عل وجه فاعله. فخرج أحيقار إلى النور، ودخل ناداب في الظلام الأبديّ، لأنه حاول قتل أحيقار. أما أحيقار، فبسبب احساناته أفلت من الفخ القاتل الذي نصبه له ناداب، ووقع ناداب في الفخّ القاتل الذي أهلكه" (14: 10). وذُكر أيضًا اسم احيقار بإيجاز في 2: 10 (وأعالني أحيقار مدّة سنتين، قبل أن يذهب إلى أليمايس) و 11: 18 (وقدم أحيقار وناداب، ابنا عمّه، ليشاركا طوبيت في الفرح). من الواضح أن صاحب طو عرف أحيقار في شكل يختلف عمّا في نص جزيرة الفيلة وفي الترجمات. اختلف طو عن النسخات المتأخّرة، فجعل سنحاريب واسرحدون في الترتيب الصحيح (قد يكون الكاتب في هذه الجملة صحّح مرجعه على أساس معلومات دقيقة أخذها من العهد القديم). إن صياغة الخبر الأصليّ الذي يميّز النسخات الأخيرة، قد بدأ في نصّ عرفه طوبيا الذي يذكر الموضع الخفيّ الذي أقام فيه احيقار تحت الأرض (طو 14: 10)، وهو تفصيل لا نجده في مخطوط جزيرة الفيلة. وقد يكون سفر طوبيا ألغى ما يتعلّق بتعدّد الآلهة في النصّ الأصليّ. هذا يعني أن طوبيت، ذاك اليهوديّ الورع، كان قريب أحيقار (1: 21- 22) وعاش معه سنتين (2: 10). وهو يمتدح امتداحًا فضيلة أحيقار (14: 10). وهكذا يكون من الممكن أن نصّ طوبيا صوّرَ بوضوح أحيقار على أنه يهوديّ. وإن لم يكن كذلك، فقد صوّره، على الأقل، على أنه وثنيّ يعبد الآلهة. كما فعلت النسخات المتأخرة، ولا سيّما الأرمنيّة. ليس بواضح إن كان طو لمحّ إلى أحداث إضافيّة في مسيرة قريبه المعروف، لا نجدها في نسخات موسّعة عن أحيقار. فالاشارة إلى ذهاب أحيقار إلى أليمايس (2: 10)، يطرح سؤالاً، لأن مثل هذا الحدث لا يُعرف في مرجع آخر. قد نكون أمام حدث ضاع في الخبر. وقد يكون، وهذا أصحّ، خطأ في نص طوبيا اليوناني. وقد يكون ما في 2: 10 عودة إلى حدث مصري ارتبط بتبديل محليّ. هناك على الأقل، قول من أحيقار نقرأه في طو 4: 17: "أسكب خمرك (في اليونانية، ضع خبزك) على قبر الأبرار، ولا تعطه للخطأة". هذا يعود إلى أحيقار: "يا ابني، اسكب خمرك على قبور الأبرار، ولا تشربه مع الشرير" (سرياني 10:2؛ ارمني 2: 7؛ عربي 2: 13). تركت النسخة الأرمنيّة عبارة "على قبور الأبرار" بحيث يزول كل تلميح إلى سكب الخمر على القبور من أجل الموتى. فهذه عادة وثنية. رج يوب 22: 17. إن القول في طو 14: 10 بأن نادان سقط في فخّ نصبه، يعود إلى النسخة الارمنيّة (8: 27؛ رج السريانية 8: 41 والعربّية 8: 38): "من حفر حفرة للآخرين سقط فيها". هذا مع العلم أن الفكرة موجودة في مواضع أخرى عديدة (مز 141: 10). والقاعدة الذهبيّة التي نقرأها في شكل سلبيّ (لا تفعل) في طو 4: 15 قد تعود إلى أحيقار كما في الارمنيّة (8: 88): "يا ابني، ما يبدو رديئًا لك، لا تفعله لصاحبك". وابن سيراخ الذي يشبه سفر الأمثال، يتضمّن عددًا كبيرًا من الحكَم التي توازي أقوال أحيقار. ولكنها ليست من الوضوح، بحيث نتحدّث عن علاقة مباشرة. مثلاً، نقرأ في سي 4: 26: "لا تقاوم مجرى النهر". قد تعود إلى أحيقار السريانيّ (2: 65). "لا تقف في وجه النهر الهائج". هي استعارة مأخوذة من الطبيعة ومستعملة في أكثر من سياق. ونقرأ سي 22: 14- 15: "أي شيء أثقل من الرصاص؟ ما هو اسمه؟ الأحمق. الرمل والملح وكتلة الحديد أخفّ حملاً من الإنسان البليد". نستطيع أن نقابل هذا النص مع أحيقار الأرمني (2: 69). "رفعتُ الحديد ورفعتُ الحجارة على كتفيّ، فكان أفضل لي من الإقامة مع الجاهل والبليد". ولكن يبقى أن هذا القول في ابن سيراخ قد يعود إلى عبارة مقولبة معروفة، أو إلى أم 27: 3: "الحجر ثقيل والرمل باهـظ، وأثقل منهما غضب الغبيّ". وأشار بعض الشّراح إلى أن صورة أحيور العموني في سفر يهوديت (ف 5- 6؛ 11: 9- 10؛ 14: 5- 10) الذي نبّه أليفانا بأن لا يهاجم اسرائيل، والذي اهتدى فيما بعد إلى اليهوديّة، تجد نموذجها في أحيقار. ولكن إن وضعنا الاسم جانبًا، فلا نجد شبهًا بين الاثنين سوى أنهما وثنيان حكيمان أعطيا النُصح للملوك. 8- أهمية أحيقار الحضاريّة يمزج خبرُ أحيقار موضوعين أدبيين: عزل رجل حكيم وإعادة الاعتبار إليه. ثم كذب ونكران الجميل من قبل قريب له. فالموضوعان، ولا سيما الأول، معروفان في حضارة عدد من الشعوب. نقرأ عنهما في الأدب البابلوني الذي يعود إلى ما قبل تأليف أحيقار. فالتقاليد الحكميّة التي ورثها القسم الحكميّ في النصّ، هي قديمة جدًا في الشرق الأوسط. فقد نُسبت مجموعة تعاليم إلى وزراء حكماء عملوا لدى ملوك مشهورين، لبناء الشبّان وتربيتهم من أجل الخدمة في البلاط الملكي، وألّفت في مصر قبل بداية الألف الثاني، ولدى السومريين والبابلونيين. إن الخبر والأقوال في أحيقار، قد دوِّنت في عالم حضاريّ، فيه كان الفن الأدبي والمواضيع قديمة جدًا. لا شكّ في أن الأقوال تمثّل أمورًا معروفة لدى الشعوب المتكلّمة بالآراميّة، في سورية، في القرن السادس أو السابع (ربما قبل ذلك الوقت) ق. م. وهي مهمّة جدًا لدراسة الأدب الحكميّ في العهد القديم. هذا يعني أن هذا النصّ يتضمّن تقاليد حكميّة لدى جيران العبرانيّين، ساعة كان الأدبُ الحكمي في التوراة يُكوّن ويُجمع. وفي حقبة البيعهدين والقرون الأولى للمسيحيّة، عُرفت أقوال أحيقار معرفة واسعة عبر الشرق الأوسط وعالم البحر المتوسط. في اليونان، عُرف اسم أحيقار وحكمته منذ القرن الخامس ق. م. فاكلمنضوس الاسكندراني إتّهم ديموكريتس (القرن الخامس) بأنه سرق مضمون "مسلَّة أحيقار". ونسب الشهرستاني الفيلسوف العربي، إلى ديموكريتس عددًا من الأمثال عُرفت في نسخات أحيقار، بل في مخطوط جزيرة الفيلة (القول 59). ومع حياة ايزوفوس اليونانيّة عرفنا أن جزءًَا من الترجمة اليونانيّة هو نسخة عن أحيقار. وعُرف أحيقار في الحلقات اليهوديّة (هذا عدا عن جماعة جزيرة الفيلة)، أكثر ممّا يشير إليه سفر طوبيّا أو ابن سيراخ ويهوديت. فهناك عدد من الأقوال السريانيّة نجدها في التلمود والمدراش (القول 30). وفي القرآن (سورة 3) هناك أقوال ارتبطت بلقمان الحكيم، وبعضها ارتبط بأحيقار. ومن الواضح في التقاليد الإسلاميّة، أن صورة لقمان تجد نموذجها في ايزوفوس وأحيقار. كما وُجدت آثار خبر أحيقار في فولكلور فارس والهند. وما يدلّ على شعبيّة هذا المؤلّف في الشرق الأدنى، هو أنه ظلّ يُنسخ في العربيّة حتى القرن الثامن عشر، وفي السريانيّة، حتّى نهاية القرن التاسع عشر. وقد جُعل في ملحق الألف ليلة وليلة. ووصل إلى أرمينيا وسلافونيا ورومانيا . ولكن تأثيره كان خفيفًا في أوروبا الغربيّة. |
|
#4
|
|||
|
|||
|
تودي ساكي احونو فؤاد على نشرك هذا الموضوع الهام جدا جدا في تراثنا السرياني.
تودي ساكي احونو ابو يونان على كتابتك هذا الموضوع الشيق عن احيقار الحكيم الذي ابهر العالم في اقوالة وحكمته وذكاءه. انه نبغة فريدة من نوعها بذكاءه الخارق، وتحليله للمور السياسية والاجتماعية. هو المستشار الأول للملك العظيم سنحريب. يلزمنا في هذه الايام حكماء امثال احيقار وملوك ورؤساء امثال سنحريب. نشكر الأخ ابو يونان الذي قدم ما كتبه عمه المثلث الرحمة مار غريغوريوس بولس بهنام، الملفان العظيم، والعلامة الكبير احد فلاسفة القرن العشرين، له الرحمة امين. ان كتاب: احيقار الحكيم ، للمطران غريغوريوس بولس بهنام، يعتبر من الكتب القيمة جدا. د. جبرائيل شيعا |
|
#5
|
|||
|
|||
|
الف شكر للأستاذ فؤاد على هذه المشاركة التي فعلاً أغنت الموضوع من كافة جوانبه
وشكراً للدكتور جبرائيل والأخت سميرة على مروركم وتعقيبكم
__________________
أبو يونـــــــان ________ الله محبـــــــة |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|