![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الحضارة الأرمنية نشوئها :
يعود الشعب الأرمني في تاريخ نشأته إلى الألف الرابع قبل الميلاد و تشير الدراسات إلى الأصول الهند أوربية كما أن دراسة الجماجم المكتشفة في بلاد الأرمن يشير إلى ان الأرمن ينتمون للجنس الأرمينوييت . إن الأرمن قبل 3000 سنة من الميلاد كانوا متجمعين في الغرب من بلاد الفرس و شرق الإغريق , و بذلك كانت لهم اتصال ثقافي مع السومريين و تربطهم صفة الجار مع الآشوريين و البابليين و كل ذلك أثبتته دراسة تاريخ القوميات و علم اللغات . إذا يمكن أن نقول أن الشعب الأرمني نشأ من تجمع القبائل الهندوأوروبية المستوطنة في آسيا الصغرى حول بحيرة وان و كان هذا قبل ستة آلاف سنة و قد كان لتضاريس المنطقة المحاطة بالسلاسل الجبلية الكبيرة أثر فعال في نشوء ثقافة موحدة متطورة و تكوين صفات الشعب الأرمني وتاريخه . و هذا ما أدى إلى تحول النظام القبلي إلى تجمع اجتماعي و سياسي و من ثم تحولت إلى نظام إمبراطوري و تشكيل الإمبراطورية الأوراردية التي بدأت تنافس الآشوريين آنذاك . مهد نشوئها إن للدولة الأرمنية موقع استراتيجي مهم و هو ملتقى الطرق الرئيسية , و له أثر كبير على تاريخ أرمينيا و الأمم المجاورة و الإمبراطوريات كافة كانت تسعى جاهدة للسيطرة على هذا الموقع من أجل بسط نفوذها على المنطقة برمتها , و جملة القول أن هذا الموقع كان له أكبر الأثر على شعوب المنطقة و التي كان من شأنها أن تكسبها الصفة القتالية و الميزة الإبداعية و من الملاحظ أن آثار إمبراطورية اوراردو مازالت تحت أيدي غريبة عابثة. لقد كان موقع أرمينيا المهم محط أطماع المغيرين والغزاة و هذا ما دفع كلا من الملك الفارسي و الاسكندر المقدوني إلى احتلال هذا الموقع و قد ان الاسكندر المقدوني قد احتل أرمينية قبل احتلال بلاد فارس و القضاء على الدولة الفارسية و من الجدير بالاهتمام أن احتلال الاسكندر المقدوني لأرمينيا , كان نقطة تحول هامة و منعطف جديد للشعب الأرمني , كما أن الثقافة الهلينسية , كانت قد تمازجت مع الثقافة الأرمنية , فأعطت خير ثمارها اليانعة و قطوفها الشهية في تلك الحقبة الذهبية , كما و تأسست مملكة أرمينية صرفة بعد وفاة الاسكندر المقدونية وذلك عام 189 ق.م و كان اهتمام ملوك هذه الفترة منصبا على تقويم المملكة , سواء من الناحية الإدارية , أو العسكرية , كما بتى هؤلاء الملوك القصور و القلاع و كذلك تم أول توزيع إداري أرمني صرف للولايات الأرمنية , حتى بلغت المملكة آنذاك مبلغ القوة و اليأس , البأس , مما جعلها دخلت الإمبراطورية الأرمنية في سجل تاريخ الأمم , عندما احتل الامبراطور ديكران الثاني سورية و لبنان و فلسطين و ذلك قبل الميلاد بزمن يسير . كل هذا أدى إلى ازدهار الثقافة الأرمنية , المطعمة بالتيارات الثقافية و بالمعطيات الفكرية آنذاك , مع الحفاظ على الطابع الأرمني , و ملامح صوره الحية , المزدانة بشتى الألوان الأدبية الرومانية منها و الفارسية , كما و تتصف هذه الفترة بالحروب العديدة المدمرة تلك التي قامت بين المملكة الأرمنية و بين الفرس و الرومان , و لعل بداية القرن الرابع عام 301 م كان من أهم القرون بالنسبة للتاريخ الأرمني حين كان الملك طرطاد الثالث أول ملك يعتنق الديانة المسيحية بعدما عاف الوثنية إلى غير رجعة . وبعد هذه الفترة اتخذت الحروب طابعا دينيا فالفرس كانوا يريدون إرغام الشعب الأرمني , على اعتناق الديانة الزرادشتية , و الرومان لم يألوا جهدا في إكراه الأرمن على على اعتناق الديانة الوثنية بعبادتها للأصنام و كان رد الأرمن واضحا من خلال حرب عام 451م و ما هي إلا برهان ساطع على تمسك الأرمن بالعقائد المسيحية السمحة و بالصفات القومية , و بالصفات القومية الواضحة المعالم , و كان استشهاد القديس وارطان القائد العام للجيوش الأرمنية , أول باكورة على مذبح الدين القيم القويم , كذلك تطورت الثقافة الأرمنية و بدأت تترقى في معارج الازدهار و الرقي حيث أبدع الراهب مسروب المفكر اللمع و الكبير الحروف الهجائية لالارمنية و من هنا طرأ تحول تاريخي جذري و منعطف جديد مشهود له بمعطياته الفكرية على ساحة الثقافة الارمنية . بداية العلاقات العربية الأرمنية : يتصف القرن السابع باحتلال العرب لأرمينيا و لكن بالرغم من هذا الاحتلال كان لا بد لنا من قول الحق على رؤوس الأشهاد بأن التفاهم العربي - الارمني كان وطيدا فيما بينهم و مع اختلاف المعتقدات الدينية العربية و الأرمنية فالعرب كانوا قد منحوا آنذاك إدارة ذاتية للمملكة الأرمنية و العلاقات السياسية بين الخلفاء و الملوك الأرمن كانت طيبة و تمتاز بالودية و كذلك كان الملوك الارمن يلحقون فرقا من جيوشهم بالجيوش العربية عندما يقوم العرب بالفتوحات , أما من الناحية الثقافية فإن تأثير الثقافة العربية ظاهرة للعيان في الثقافة الأرمنية كما و نهل الأرمن من معين العرب الكثير و بذلك تداخل الطراز العربي و الأرمني و لو تحرينا الآداب الأرمنية لوجدنا فيها كلمات عربية دخلت إلى اللغة الارمنية عدا عن الآثار الحضارية الباقية حتى يومنا هذا . أما القرن الرابع فيتصف بفتح العرب لأرمينيا، ولكن بالرغم من هذا الفتح لا بد لنا من قول الحق على رؤوس الأشهاد بأن التفاهم العربي – الأرمني كان وطيداً فيما بينهم، مع اختلاف المعتقدات الدينية وتباينها. فالعرب كانوا قد منحوا آنذاك إدارة ذاتية للملكة الأرمنية، والعلاقات السياسية بين الخلفاء والملوك كانت طيبة، تمتاز بصفات ودية. كذلك كان الملوك الأرمن يلحقون فرقاً من جيوشهم بالجيوش العربية عندما يقوم الخلفاء بالفتوحات (راجع كتاب أرمينيا في التاريخ العربي للأستاذ أديب السيد). أما من الناحية الثقافية فإن تأثير الثقافة العربية في الثقافة الأرمنية ظاهرة للعيان. كما ونهل الأرمن من معين العرب ما كان ينقصهم من الثقافة العربية، وبذلك دخل النمط والطراز العربي في التراث الأرمني. ولو تحرينا الآداب الأرمنية لوجدنا فيها كلمات عربية دخلت إلى اللغة الأرمنية، عدا عن الآثار الحضارية الباقية حتى يومنا هذا. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن أول باب لتصدع العلاقات بين المملكة الأرمنية وبين الخلافة العباسية كان نتيجة سيطرة السلاجقة على العرش العباسي. جشع الغزاة: ثم تلا ذلك هجمات القبائل التترية والمغولية التي فتتت حجر الزاوية للقلعة الأرمنية الصامدة أمام هؤلاء البرابرة. فالإمبراطورية اليونانية كانت في منأى عنها، واليد العربية واهنة لنصرة الحلفاء ونجدتهم. وبدأت الأقوام التترية رويداً رويداً تنزح من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب حتى قضوا على المملكة الأرمنية ومن ثم على بغداد منارة الثقافة العربية. وكان الدمار والخراب يسودان أنحاء الشرق، مما أدى إلى رحيل الإدارة الأرمنية من أرمينيا إلى كيليكيا. وتلك هي أول هجرة أرمنية من نوعها، وهكذا تأسست في كيليكيا إمارة أرمنية، سرعان ما تحولت إلى مملكة، غير أن الحروب الصليبية وحملاتها قضت على هذه المملكة الفتية عام 1375م عندما كانت أرمينيا تئن تحت وطأة السلاجقة والمغول والتتر. وتلك كانت بداية للقرون الستة التي رزحت تحت نير الحكم العثماني الطاغي. فالظلم التركي لم يتعرف على أوجه التشابه الديني وائتلافه. فهلا ذاقت البلاد العربية مرارة هذا الظلم؟ ألم تعلق أعواد مشانق الشهداء العرب في عاليه وبيروت ودمشق؟ لقد ضاقت صدور الأحرار ذرعاً من تلك الأعمال الوحشية، فهبت على قوى البغي والعدوان تطالب بإزاحة هذا النير الثقيل عن كاهلها، ولم تجد الإدارة العثمانية أمامها سوى زرع المخاوف والمجازر في أرمينيا وسوريا ولبنان وفلسطين مستخدمة كل أساليب القمع الوحشية لا لشيء بل لأن هؤلاء الأحرار الأشاوس كانوا ينادون بالحرية والاستقلال. عهد اليقظة الفكرية: ومع إطلالة فجر القرن التاسع عشر بدأت أنامل الوعي تداعب أحلام الشعبين العربي والأرمني، فكثرت الحركات التحررية القومية تنادي بالحرية وتندد بالظلم والاستبداد. وكانت نقطة الظلم المرير تكمن إبان حكم السلطان الجائر القتول الملقب بالأحمر، إنه السلطان عبد الحميد الثاني الذي نشر المجازر بالقدر الذي تصل إليه يداه ما وسعها الوصول إليه، حتى جاء إعلان الدستور التركي الأول، الذي قضى على الظلم والبؤس. حقاً إنها لأيام دامية مشهودة لكلا الشعبين. وكان اندلاع الحرب العالمية الأولى فرصة سانحة للقضاء على الشعب الأرمني والنتيجة المحتمة هي مجازر عام 1915، حيث سالت دماء مليون ونصف مليون أرمني. وإلى يومنا هذا أينما وجد تواجد الأرمن والعرب فإنهم يتذكرون شهداء الرابع والعشرين من نيسان والسادس من أيار، شهداء التحرير الوطني القومي من ربقة الحكم العثماني، الذين دفعه إخلاصهم لخدمة قضايا أمتهم ونذروا حياتهم لتحقيق أهدافها القومية وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل رفع راية الحرية والاستقلال. حقاً لقد لونت دماء الشهداء الأرمن الصحارى السورية. إنها تحكي للملأ قصة العذاب والألم، ألم اليتامى والأيامى والأطفال والعجز. فوحدة الآلام وطدت صداقة الشعبين العربي والأرمني آنذاك، حتى بلغت أوجها. فإن ننسى لا ننسى الأيادي الرحيمة التي مدت للشعب الأرمني، إذ كان بدو العرب في دير الزور والرقة ومسكنة والحسكة وحلب يساعدون مشردي الأرمن ويقدمون لهذا الشعب المنكوب كل ما يلزمه من دفء وحب وعون مادي ومعنوي ليقوى على تحمل آلام التنكيل التي ألمت به على أيد لئيمة آثمة. وهكذا وبعد مجازر عام 1915 استوطن الأرمن في سوريا والعراق. وها نحن نذكر دوماً بفخر واعتزاز قول أحد شعرائنا المفلقين: "إن الشعب الأرمني لم يعرف في تاريخه أعز صداقة من الصداقة العربية، وأسمى تضحية وكرماً من التضحية العرب وكرمهم، ولن ننسى ذلك أبداً ما دام فينا عرق ينبض وقلب يخفق". توطيد العلاقة الودية العربية الأرمنية: حقاً، إنها كانت أكبر رمز لصداقة الشعبين. وما زال قسم كبير من الأرمن مما يقارب 400 ألف نسمة يقطنون في البلاد العربية، التي لم تبخل بمنحهم حق الجنسية. وفي عام 1918 حدث تحول تاريخي مهم لكلا الشعبين. فكان إعلان أول جمهورية أرمنية حرة وأول كيان حر للعرب بعد زوال سيطرة العثمانيين. غير أن الاستعمار الأجنبي سرعان ما قضى على حرية العرب باحتلال جيوشه للبلاد العربية. دروب الازدهار: أما اليوم فإن قسماً جد ضئيل من أرمينيا (المنصوص عنه في معاهدة سيفر الدولية عام 1920) يشكل أصغر جمهورية في اتحاد الجمهوريات السوفييتية السابقة. وهو يخطو الآن خطوات متقدمة على دروب العطاء والازدهار. للتاريخ العهود المظلمة: في الرابع والعشرين من نيسان عام 1915 اعتقلت السلطات العثمانية مائتين وخمسين مفكراً من خيرة مفكري الأرمن وشردتهم وقتلتهم بأساليب جهنمية لم يقوَ العقل البشري على تصورها. تلك هي بداية المؤامرة اللاإنسانية التي تمت بتخطيط دقيق ضد شعب لم يذق طعم الراحة والهناء منذ قرون، بعدما عاش تحت وطأة محتلين مستغلين نهبوا خيرات الوطن وسلبوا أعز ما لدى الإنسان من قيم إنسانية نبيلة ألا وهي حق الوجود وتقرير المصير. الغدر الوحشي: لم تكن مجازر الرابع والعشرين من نيسان عام 1915 سوى سلسلة من الأعمال الوحشية التي راح ضحيتها الشعب الأرمني خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، مما أدى إلى تدهور أوضاع سكان المناطق الأرمنية اقتصادياً واجتماعياً، وآل أمره إلى ضرورة إدخال بعض الإصلاحات المنصوص عنها في المادة 61 من معاهدة برلين عام 1878، والتي تعهدت فيها الدول العظمى بتطبيق نصوصها وبالالتزام والإشراف على تنفيذها. وهكذا غدت القضية الأرمنية محصورة في نطاق معاهدة برلين ووعودها حتى الحرب العالمية الأولى. ومن ناحية ثانية بقيت هذه الوعود حبراً على ورق بالنسبة للدولة العثمانية، ولم تنفذ هذه المسؤوليات المطالب بها، بل ازداد الاضطهاد ضد الشعب الأرمني وغدت مسألة التهرب من القضية الأرمنية تأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام الحكومة العثمانية، ووجدت أن خير وسيلة مجدية للتنصل والتخلص من القضية الأرمنية يكمن في القضاء على الشعب الأرمني، وشرعت الحكومة العثمانية تسعى جاهدة بتخطيطها لإنجاح هذه الفكرة الدنيئة. وقد تجسدت هذه النية المخزية ما بين عامي 1894-1896، إذ أُجهز على 300 ألف أرمني وقضى عليهم قتلاً وتشريداً، وذلك كما دلت إحصاءات البطريركية الأرمنية في القسطنطينية في حينها. على أن مجموع عدد السكان الأرمن إذ ذاك كان 2,660,000 نسمة، منهم 1,630,000 نسمة يعيشون في الولايات الأرمنية الست وهي: سيواس، معمورة العزيز(خربوط)، أرضروم، ديار بكر، بتليس وفان. وهناك إحصائية أخرى جرت بعد عام 1896 تبين فيها أن التعداد الكلي للأرمن قد تضاءل إلى 2,100,000 نسمة، وهذا منتهى الغدر والإساءة ضد الإنسانية ومبادئها. وإذا تساءل المرء عن السبب في هذا النقصان الكبير من الشعب الأرمني تبين له أنها المجازر الرهيبة التي تعرض لها هذا الشعب بغير حق في خلال النصف الثاني من القرن 19 وحالة الإرهاب والظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية واشتداد وطأتها على هؤلاء الذين ذاقوا الأمرين، مما دفع قسماً منهم للهرب إلى بلاد القوقاز بحثاً عن الحياة الهادئة الهنيئة. تلكم هي بداية المأساة الأليمة، بل هي الخطوة الأولى لخاتمة المجازر التي لم تشهد الإنسانية مثيلاً لها في تاريخ البشرية. تنكيل الإنسان بأخيه الإنسان: واستمرت حالة الإرهاب والاضطهاد هذه حتى عام 1908، ثم تلاها إعلان "الدستور" كنتيجة حتمية للظروف القاسية التي فرضتها السلطات المسؤولة، حيث استشرى الفساد وعمت البطالة في أرجاء الإمبراطورية ولاحت في الأفق صورة الرجل المريض، تكشف عن زيف حقيقتها. لم تدم العلاقات الطيبة بين النظام الجديد (جمعية الاتحاد والترقي) والشعب الأرمني ردحاً من الزمن طويلاً. فبعد عام واحد من إعلان "الدستور" انجلت للعيان حقيقة النظام المقنّعة تحت شعار "الأخوة، العدالة، المساواة". وعاد التنكيل إلى سيرته الأولى المعهودة من القتل والتشهير والاضطهاد. ففي عام 1909 ذهب ضحية هذه السياسة الهوجاء 30,000 أرمني في ولاية أضنه، في الوقت الذي راح فيه الشعب الأرمني يعقد الآمال الجسام على هذا النظام الجديد، الذي لم يكن أفضل من سابقه، فقد ضرب بالإصلاحات الموعود بها عرض الحائط واستغل ثقة الشعب ليصعّد اعتداءاته على حقوقه المشروعة. فلا عجب، ألم يكن هذا النظام استمراراً للقديم بعقليته رغم كل محاولاته الخداعة وذلك للتنكيل بهؤلاء الأرمن؟ أم أنه وجه جديد تَلون تحت ستار راية "الديمقراطية"؟ إذاً كان لا بد لهذا الشعب من أن يقطع الأمل من هذا النظام، مما حمل الشعب الأرمني في عام 1912 مرة أخرى على اللجوء إلى الدول الأوروبية الكبرى، مطالباً بتطبيق ما جاء في المادة 61 من معاهدة برلين. فوقفت هذه الدول إلى جانب مطالب الأرمن. وفي الحقيقة كانوا يدافعون عن الحق السليب ليس إلا. فتقرر إذ ذاك إرسال مفتش عام هولندي يدعى فسته ننغ إلى المنطقة التي تتشمل ولايات أرضروم، طرابزون وسيواس ومفتش ثان نرويجي يدعى هوف إلى المنطقة التي تشمل ولايات فان، بتليس، ديار بكر ومعمورة العزيز، وذلك للإشراف على أعمال لجان الموظفين في تطبيق الشؤون الإدارية وصون مبادئ العدالة الإنسانية. فوصل المفتش النرويجي إلى مقر عمله في فان في الوقت الذي اندلعت فيه الحرب العالمية الأولى. فانتهزت الحكومة العثمانية الفرصة وأمرت المفتشَين بمغادرة البلاد على جناح السرعة.وهكذا بقيت مسألة إنقاذ الموقف الأرمني الاجتماعي المتردي في المناطق الأرمنية دون حل، وظل الشعب الأرمني تحت رحمة أناس نكلوا بوعودهم وتعهداتهم ومسؤولياتهم تجاه الحقوق الإنسانية لا لشيء إلا لأن الشعب الأرمني دؤوب، يعمل ليأكل بعرق جبينه وينافس الذين لا يعتمدون على أنفسهم من المواطنين المتواكلين، فسلبوهم أملاكهم الخاصة من إنشاءات تدر عليهم الخير والرفاهية وأحالوا حياتهم إلى جحيم لا يطاق وسعير لاهب. الحرب العالمية الأولى و"الحل النهائي" للقضية الأرمنية: سعرت نار الحرب العالمية الأولى وحث شباب الأرمن خطاهم للالتحاق بالجيش العثماني، وتبعهم حوالي 250,000 متطوع أرمني بمن فيهم الذين أعفوا من الخدمة الإلزامية استجابة لدعوة الحكومة بتجنيد كل من تتجاوز أعمارهم ما بين 18-50 سنة. فلا يكفي هذا الدليل القاطع أن يظهر مدى ولاء الشعب الأرمني للسلطات الحاكمة؟ وبعد أشهر قليلة اكتست الأحداث وجهاً مأسوياً. إذ أمرت الحكومة بتجريد هؤلاء من جميع أسلحتهم وجمعهم في أتون من الحياة خاص سمي بـ"طابور العمالة" وأجبرتهم السلطات العثمانية على الأعمال الشاقة كنقل الأعتدة والأغذية والمؤن ومنهم من استخدمتهم في إنشاء الطرق ومد الخطوط الحديدية، وهي لم تتخذ هذه التدابير إلا لإبعادهم إلى مناطق غير مأهولة بالسكان، بعيدين عن المدن والقرى، وبخاصة عن أعين المراقبين الغربيين من الدول الأجنبية ليصار إلى قتلهم قتلاً جماعياً إما بالرصاص وإما بدفنهم وهم أحياء أو بتعريضهم للجوع والعطش، وفي غالب الأحيان كان هؤلاء الأبرياء يُكرهون على حفر قبورهم بأنفسهم كرهاً، وكذا يدفنون إخوانهم وأقرباءهم بأيديهم وهم يترقبون قدرهم المحتوم. وحشية الطاغي: وفي الرابع والعشرين من نيسان عام 1915 كما ذكرنا تم اعتقال 250 مفكراً من خيرة مفكري الأرمن وأدبائهم ومن أمهر أطبائهم ومحاميهم وألمع كتابهم في استنبول وتشريدهم وقتلهم بهدف التخلص من نخبة المفكرين اللإذاذ من ناحية ومن الشباب الذين جُنّدوا من ناحية ثانية، فلم يبقَ في المجتمع الأرمني سوى النساء والأطفال والكهول، وكأني بالسلطات الحاكمة لم تروَ غليلها، فقد حولت جل اهتمامها إلى هذه الفئة المغلوبة على أمرها بغية التخلص من القضية الأرمنية نهائياً، خصوصاً وأن الدول العظمى كانت منهمكة بمهام الحرب، والوقت آنذاك لا يسمح لها بإبداء رأيها في كل ما يجري داخل الإمبراطورية، فانتهزت الحكومة العثمانية الفرصة فأوعزت إلى سكان المدن والقرى الأرمنية بإخلاء منازلهم فوراً متذرعة بحجة نقلهم إلى مناطق آمنة بسبب وطأة الحرب. وبدأت القوافل الأرمنية تستعد للتحرك نحو الجنوب إلى شمال سوريا. وكانت كل قافلة ترافقها مجموعة من القوى المسلحة. وجاء تبرير الحكومة هذا تبريراً للدفاع عن الأرمن من هجمات قطاع الطرق، ولكن سرعان ما ظهرت مهمة تلك القوى الحقيقية. كانت لديهم أوامر صريحة من الحكومة التركية تقضي بالفتك والقتل فيهم كيفما يشاؤون، كما أن غزوات شذاذ الآفاق من المناوئين للأرمن والمؤيدة من قبل الحكومة نفسها كانت لا تلقى مقاومة من القوى المرافقة، والأنكى من هذا كله كان رجال الدرك، كما سموا في ذلك الحين، يقفون مكتوفي الأيدي، وهم يتفرجون على أعمال سعاة الشر الأرعن وتصرفاتهم الخسيسة وأمعنوا في تسهيل مهامهم تأييداً، ولهذا قال شاهد عيان أجنبي: "إن قوافل الترحيل ليست إلا طريقة مهذبة ملفقة للقتل، ولكنها في الحقيقة كانت أكثر من ذلك بكثير، فالذين رافقوا القوافل جعلوا ضحاياهم يتعرضون لعذاب لا إنساني، أليم ومهين، بدلاً من إماتتهم إماتة يسيرة تتم في لحظات". وهذا مثال جلي لماهية هذه القوافل ولسياسة الترحيل. ونذكر فيما نذكر أن حوالي 350 شخصاً وصلوا إلى مدينة حلب الشهباء من أصل 18,000 نسمة تم ترحيلهم من خربوط وسيواس. وكذا بقي 11 شخصاً على قيد الحياة من أصل 19,000 ألف نسمة كان قد تم ترحيلهم من أرضروم. وعدد قليل جداً من أفراد هذه القوافل هيأ له القدر البقاء على رمق الحياة. فالرحلة كانت تدوم أشهراً تحت وطأة حمأة شمس الصيف اللاهبة، علاوة على أنهم بلا غذاء ولا مأوى ولا استقرار. ولم يعد يتمكن من هو أصلب الناس عوداً وأقواهم على تحمل مضضها، إلا من رحمه ربه. فكان أن امتلأت طرق الأناضول كلها بجثث الأبرياء وجماجم الذين وقعوا ضحايا لجريمة نكراء تعتبر الأولى من نوعها في عصرنا هذا، لا لشيء إلا لأنهم رغبوا في الحياة الكريمة والعيش الشريف، هؤلاء الذين طالبوا بشرعية حق الوجود ليس إلا، وأما الذين غالبوا مشقة الطريق وبقوا أحياء يرزقون، فقد سيق بهم تترى إلى صحارى دير الزور، بلا طعام ولا شراب، حيث لاقوا حتفهم على أيدي حراس قتلة ساديين، ولاذ عدد قليل جداً منهم بالفرار، فاستطاع الوصول إلى دير الزور بمساعدة سكان هذه المناطق من العرب السوريين الرحماء. إن هذه الجريمة النكراء التي راح ضحيتها مليون ونصف مليون أرمني ونيف كانت نتيجة لقرارات اتخذت من أعلى المواقع المسؤولية العثمانية، لأن وزير الداخلية آنذاك صرح للسفير الألماني بقوله: "إن القضية الأرمنية ستطوى مدة خمسين عاماً آخر". رغم الضربة القوية والمفاجئة استطاعت عدة مناطق أن تقاوم الجيش التركي وتخوض معارك استبسال ومقاومة عنيفة، وذلك في كل مكان في فان وجبل موسى وأورفه وصاصون وشابين قره هيسار. استطاعت هذه المقاومة أن تنقذ 100 ألف أرمني من مدينة فان و4,500 أرمني في جبل موسى. لم تكن المجازر نتيجة أحداث متفرقة بل كانت مدبرة بحذر شديد وبتخطيط محكم منذ سنوات عديدة. ورب سائل يقول: من قام بالفتك إذ ذاك؟ فنجيب: كان الجنود العاديون في بعض الحالات هم الذين كانوا يقومون بهذه المهمة لمصلحة حكومتهم، وفي حالات أخرى كانت المهمة مسندة إلى فرق خاصة نظمتها الحكومة سميت بـ"التشكيلات الخاصة" والمؤلفة من مجرمين قتل سفلة أطلق سراحهم شريطة مشاركتهم في أعمال قتل الشعب الأرمني ونهبه. دور سوريا في حماية الأرمن المهاجرين من المذابح التركية: كانت القوافل تتجه من كل أنحاء تركيا وبصورة خاصة من كيليكيا إلى البادية السورية، فكانت مواقف العرب السوريين مشرّفة. فحاكم دير الزور العربي علي سوار بك وضع تحت حمايته آلاف اللاجئين في منطقته وأوجد لهم فرصة العمل وكسب رزقهم. وعندما صدرت إليه الأوامر بترحيلهم إلى داخل الصحراء أبرق هذا الرجل العظيم إلى حكام القسطنطينية ما يلي:"إن وسائل النقل غير كافية لترحيل الجماعات، أما إذا كان هدفكم قتلها وإبادتها فإنني لا أستطيع القيام أو الأمر به ". فعُزل علي سوار بك على إثر رفضه هذا من قبل وزير الداخلية طلعت، وأُبدل بذكي بك التركي المشهور بتعطشه للدماء، والذي نفّذ مجزرة دير الزور. وكان العرب السوريون بكل طبقاتهم يصدرون الشهامة والعطف للاجئين الأرمن، فقد آووا في بيوتهم الكثيرين من اليتامى والمشردين إلى أن انقشعت الغيمة. وقد أقدم العرب على هذا العمل الإنساني بدافع من وجدانهم وضمائرهم رغم فداحة المسؤولية التي عرضوا أنفسهم لها فيما لو شعرت بهم السلطات التركية. ولكن أصالة العنصر العربي وطيب أخلاقه جعل إخواننا السوريين يضربون عرض الحائط بكل الاعتبارات، فمدوا أيديهم وفتحوا قلوبهم وبيوتهم لكل أرمني لاذ بهم واستجار بحماهم. وما زال الشعب الأرمني حتى يومنا هذا يردد على ألسنة كتّابه وأدبائه وجميع طبقاته مواقف السوريين إبان محنتهم الكبرى. منقول |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|