Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > خواطر و مشاعر

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-02-2006, 08:00 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,246
افتراضي كم في السجون من مظاليم!

كم في السجون من مظاليم!

دخلَ جميلٌ إلى غرفةِ المكتب, فرأى رفاق العمل وقد سبقوه إلى مكاتبهم, فحيّاهم قائلاً: صباح الخير. فردّوا عليه كالعادة بمثل تحيّته, وما أن جلسَ على كرسيّه حتى لاحظ رفاقه على وجهه علامات عدم الرّضى, يشوبها حزنٌ عميقٌ لا يدركهُ سوى الذين يعرفونه في العمل. فهو زميل عمل غير موثوق به. يتّسمُ طابع حياته بألغاز كثيرة وهو كثيرُ الحذر, لا يُلقي بكلامه جزافاً على عواهنه, بل يتحسّبُ لكلّ لفظةٍ ويخشى من أن تفسّر في غير موضعها, فالكلّ بات يعرف قصّة الموظّف السابق ومعاقبته من قبل السلطة الأمنيّة. حيث لفّقتْ له تهمةً لم يكنْ لها أي مستندٍ أو أساس من الصّحة, وكلّ ما كان في الأمرِ أنّه اشتكى من عدم توفّر حليبٍ للأطفال في السوق, وتذمّرمن ذلك قائلا: عندما توجد لدينا المادة لا نرى في السوق ما نشتريه, وعندما لا نملكُ المادة يتوفّر في السوق كلّ شيء. وكانت زوج يوسف الموظف السابق قد رزقتْ بمولود قبل بضعة أسابيع, ولم يمنّ الله عليها بثدي غنيّ بحليب طبيعيّ ممّا اضطر زوجها إلى شراء الحليب المجفّف, وكان الحليبُ يتوفّرُ في الأسواق يوماً وينعدم أسابيعاً.

شاء رفاقُ جميل أن يستفسروا منه عمّا حصل معه. وهل يعاني من مشاكل بيتيّة أو من مشاكل صحيّة أو ماديّة. لكنّ أحداً منهم لم يتجرأ على طرح مثل هذا السؤالِ عليه, وكان الجميعُ قد تعلّموا من الدّرس الذي حصل مع يوسف, الرئيس السابق للدائرة.

كانت بوادر العصبيّة باديةً على تصرّفاته, وهو ينظرُ من وقت لآخر إلى هذا وذاك من زملائه, ممّا أثار حفيظةَ أحدهم فتجرأ متوجّها إليه بالسؤال التالي:
- يا سيّد جميل مذ قدمتَ إلى العمل وكلّنا لاحظنا عليك قلقاً, وكأنّ أمراً مزعجاً حصل لك! أو أنّ أحد أفراد أسرتك مريضٌ لا سمح الله! ما بك يا أخي؟ إنّنا جميعاً زملاء في هذه الدائرة, وعندما يعاني أيٌّ منّا من موقف صعب, أو من أيّ مشكل في حياته. فيجب أن يتمّ إعلام زملائه الآخرين ليقوموا بواجب مساعدتهم نحوه!
- رمقهم بنظرة كانت أكثر فصاحةً من اللسان والتعبير, لكنّه عاد وأشاح بوجهه عنهم وهو يحاول تجنّب نظراتهم إليه. فلم ينقطعوا عن السؤال والاستفسار, وكلّما زادوا من أسئلتهم وأكثروا من لهفتهم في معرفة ما به. كلّما زاد خوفُه منهم أكثر, فهو سمع بالذي جرى مع رئيس الدائرة السابق وعلم أن شخصاً أو أكثر في هذه الدائرة يسبّب له بعض الحرج ويحرمه من الحصول على الرشوة التي كانت همّه الأوّل والأخير وحيث كان أحدهم أو أكثر يتّصفون بالنزاهة والأمانة.

- مضتْ ساعتان على ما جرى, وكان جميل بين الفينة والأخرى ينظرُ إلى ساعته وهذا ما جعل زملاءه يتأكدون بأنّ أمراً ما سيحدث أو قد حدث فعلا.

- في حوالي الساعة العاشرة إلاّ خمس دقائق غادرَ جميلٌ الغرفة قائلا: إنْ سأل أحدٌ من المراجعين عنّي, قولوا له إنّي عند المدير العام وسأعود بعد قليل فلينتظرني.

- لم تكد كلمة "المدير العام" تخرج من فم جميل حتى بدأ كلّ منهم ينظرُ إلى الآخر, وبدأتْ علامات القلق والخوف ظاهرة على وجوه الجميع.

- إذاً. إنّ في الأمر خطورةً, وإلاّ فلماذا أرسل السيّد المدير العام وراءه؟ وما هي القصّة؟ بدأت مجدّداً الأسئلة تدور في الرؤوس دون أن يعلن ذلك علناً أيٌّ منهم. إنّ الموضوعَ حسّاسٌ للغاية. وبات الجميعُ يخشى من المجهول الذي ينتظرهم!
لم تمض سوى ساعة حتى عاد (جميل) وكانت أساريرُ وجهه على غير ما كانت عليه في الصباح الباكر عندما قدم إلى العمل! ماذا جرى؟ هل تمّت مكافأته؟ هل تمّت ترقيته؟ وغيرها وغيرها من الأسئلة المشروعة باتت تتراقص في أذهان زملائه في العمل.

- ها إن شاء الله خير يا أستاذ جميل؟ سأله فريد.

- خير.. خير أجاب جميل باقتضاب!

- هل هناك ما يفرحك يا أستاذ جميل؟ وبالطبع سيفرحنا كذلك! ألسنا زملاء عمل؟ إنّنا نفرح لفرح زملائنا!

- لا .. لا ليس الموضوع بهذه الأهميّة. إنّه مجرد استفسار من قبل السيّد المدير العام وقد تمّ توضيح الأمر. وانتهى كلّ شيء!

- أرادوا أن يصدّقوا ما قاله, لكنّ التغيّر الكبير الذي حصل معه في مدّة ساعتين أثار المزيد من الشكوك حول مصداقية قوله, فلم يستطيعوا تصديقه, لكنّهم انتظروا واكتفوا بأن رمقوه بنظرة اندهاش وعدم ثقة ممّا أجابهم به.

- لم تمضِ فترةُ أسبوعٍِ على هذه الحادثة حتى تمّ تسريحُ موظّفين اثنين من الدائرة لأسباب لم يعلن عنها, وحين راجع المتضرّران المدير العام الجديد وكان قد أصبح السيّد (جميل) أجابهما بأن توقيفهما من عملهما قد جرى لضرورات أمنيّة, وهما يشكّلان خطراً على أمن الدائرة والموظفين العاملين بها وكذلك على المواطنين الذين يراجعون من أجل قضاياهم ومعاملاتهم!

- عجيبٌ ما حصل! فقد أصبح لهذين الموظّفين أكثر من عشر سنوات في هذه الدائرة وهما مثال الموظف النزيه والشريف والذي لم يقبل بالرّشوة, وحاول فضح كل من يتقاضاها. وحين أصرّا على وجوب بيان الأسباب الأمنيّة الموجبة لتوقيفهما عن عملهما, حذّرهما المدير العام بقوله: إنّ لدينا أساليب أخرى نستطيع من خلالها أن نجبركما على قول الحقيقة والاعتراف بذنبكما!

- دهش الموظفان المفصولان لأنّ ثقتهما بنفسيهما كانت تفوق حدود المستحيل وهما طيلة هذه المدّة لم يختلسا قرشاً واحداً من الملك العامّ, بل كانا حارسين أمينين لهذا الملك, ضد كل من سوّلت له نفسه في يوم من الأيام بمحاولة النيل من هذا المال أو التصرّف به عن غير وجه حقّ.

- انطلاقاً من عمق هذه الثقة بالنفس وصدق هذه النزاهة لم يقبلا بالانهزام, ولم يسمحا بتلويث سمعتهما بدعوى سياسيّة فهما لم يدخلا في أي تنظيم لا موالٍ للسلطة ولا مع المعارضة في عمرهما, بل هما لا يفقهان شيئاً من أمور السياسة. لهذا أرادا أن يتمّ الإعلان عن اسم التنظيم الذي اتهما ظلماً وعدواناً بالانتماء إليه, وعندما وقع المدير العام في حرج شديد إذ ليست لديه أيّة أدلّة مادّية على التهمة الموجهة إليهما, قرّر أن يتصرّف بشكل آخر يخرجه من هذه الورطة. فتوجّه لهما بالقول: ادخلا إلى الغرقة المقابلة واستريحا لبعض الوقت إلى أن يحين موعد مقابلتكما مع المسؤول عن الأمر!!!

- كان في هذه الأثناء قد أوعز إلى اثنين من زبائنه الذين يرتشون معه, وتدبّروا الموضوع ملفّقين تهمة اختلاس المال العام وبقبول الرشوة بشهادة هذين الشخصين وشهادة شخصين - في بلد تنعدم فيه القوانين وتسود فوضى الاستبداد والاستغلال والإكراه السياسي - كفيلةٌ بأن تقود البريء إلى جحيم التهمة الظالمة, حيث لا قانون يمكن الاحتماء به ولا عدل يمكن اللجوء إليه.

- وتحوّلتْ تهمة الانتماء إلى تنظيم سياسيّ معارض (زوراً وبهتناناً) وفي أقل من ساعة إلى تهمة باختلاس المال العام والارتشاء وكل ذلك في محاولة للتغطية على المرتشي الحقيقي الذي يبقى حرّاً طليق اليد, دون محاسبة أو ملاحقة بل بمزيد من المكافأة ومنح الفرص لمزيد من السرقة من مال الشعب الذي لا حول له ولا قوّة.

- أرغم المتّهمان البريئآن على تمضية عشرات السنين وراء قضبان الظلم والجور والفساد, فيما ظلّ المفسدُ الحقيقيّ يسرحُ ويمرحُ لأن القانون في يده مسبحة يتلاعبُ بها كما يشاء. وصدق منْ قال: كم في السجون من مظاليم. لأنّ القوانين السائدة في مجتمعات هذه البلدان فاسدةٌ وأخلاقُ هؤلاء القادةِ السيّاسيّين تحتاجُ إلى مزيد من النقد والتقييم والمراجعة!

التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 08-02-2006 الساعة 12:26 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-02-2006, 10:58 AM
بهيجة كبرو اسحق بهيجة كبرو اسحق غير متواجد حالياً
Titanium Member
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
المشاركات: 0
افتراضي

يسلموا اخينا الغالي فؤاد على هذا الموضوع المشوق والمحزن بان واحد

وبالغعل هناك الملايين في السجون من مظاليم.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 08-02-2006, 12:34 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,246
افتراضي

شكرا لك يا أختنا بهيجة
فعلا المجتمعات المتخلفة مليئة بمثل هذه الواقعات وهي أمراض خطيرة تنخر في عظامها والشعب في كل مرة يدفع فواتيرالحساب من جهده وعرقه ودمه المستباح لهؤلاء الذين لا يعرفون رحمة وليس لديهم وازع من ضمير. إنها ليست مشكلة بلد معين بل هي حالة عامة يا أختي بهيجة وكل مواطن من مواطني هذه البلدان يحس بها ويراها الجميع لكن القوة الغاشمة والتي لا تعرف للرحمة معنى تكبح جماح أي اعتراض أو شكوى وتقمعه بقوة السلاح!
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 08-02-2006, 10:49 PM
دكتور سهيل دكتور سهيل غير متواجد حالياً
Super-User
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 7
افتراضي

شكرا لك اخ فؤاد على القصة الجميلة والتي تظهر دائما ان السجن فيه عدة مظاليم رماهم قدرهم الأعمى ليكون في السجن والذين هم الضحية دائما
كما قلت انه الداء المستعصي للمجتمعات المتخلفة
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 09-02-2006, 06:21 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,246
افتراضي

شكراً لمرورك الجميل يا دكتور وقد ذكرت معي بأن هذه المجتمعات تحتاج إلى الكثير يا أخي.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:58 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke