Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19-03-2026, 01:00 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,945
افتراضي المَانَوِيَّةُ: صِرَاعُ الأَنْوَارِ وَفَلْسَفَةُ الخَلَاصِ القَدِيمِ فُؤَاد زَادِيكِي


المَانَوِيَّةُ: صِرَاعُ الأَنْوَارِ وَفَلْسَفَةُ الخَلَاصِ القَدِيمِ


فُؤَاد زَادِيكِي

فِي قَلْبِ بَابِلَ العَرِيقَةِ، وَفِي عَامِ مِئَتَيْنِ وَسِتَّةَ عَشَرَ لِلْمِيلَادِ، وُلِدَ "مَانِي"، ذَاكَ النَّبِيُّ الرَّسَّامُ الَّذِي زَلْزَلَ الأَرْكَانَ الرُّوحِيَّةَ لِلْعَالَمِ القَدِيمِ. ظَهَرَتِ المَانَوِيَّةُ كَدِيَانَةٍ عَالَمِيَّةٍ طَمُوحَةٍ، حَاوَلَتْ صَهْرَ عَنَاصِرَ مِنَ المَسِيحِيَّةِ، وَالزَّرَادِشْتِيَّةِ، وَالبُوذِيَّةِ فِي بَوْتَقَةٍ وَاحِدَةٍ، لِتُقَدِّمَ تَفْسِيرًا شَامِلًا لِلْوُجُودِ يَقُومُ عَلَى الثُّنَائِيَّةِ المُطْلَقَةِ بَيْنَ عَالَمَيِ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ.
تَرَى المَانَوِيَّةُ أَنَّ الكَوْنَ مَسْرَحٌ لِصِرَاعٍ أَبَدِيٍّ بَيْنَ جَوْهَرَيْنِ: النُّورِ الَّذِي يُمَثِّلُ الخَيْرَ وَالرُّوحَ، وَالظُّلْمَةِ الَّتِي تُمَثِّلُ الشَّرَّ وَالمَادَّةَ. وَفِي هَذَا المَنْظُورِ، يُعْتَبَرُ الإِنْسَانُ كَائِنًا مَأْسَاوِيًّا (يعني أنّ الإنسان في نظر الفلاسفة والأدباء كائنٌ يعيش صراعًا دائمًا بين طموحاته وأحلامه من جهة، وحدود الواقع والموت والمعاناة من جهة أخرى. باختصار، المأساوية هنا ليست مجرّد حزن، بل الوجود الإنسانيّ مشحونٌ بالتناقضات والصراعات العميقة)، حَيْثُ حُبِسَتْ جُزَيْئَاتٌ مِنَ النُّورِ الإِلَهِيِّ دَاخِلَ سِجْنِ الجَسَدِ المَادِيِّ. وَمِنْ هُنَا، كَانَتِ الغَايَةُ القُصْوَى لِلدِّينِ هِيَ تَحْرِيرُ هَذَا النُّورِ لِيَعُودَ إِلَى مَصْدَرِهِ السَّمَاوِيِّ عَبْرَ مَسَارٍ شَاقٍّ مِنَ التَّطْهِيرِ وَالزُّهْدِ.
انْقَسَمَ أَتْبَاعُ مَانِي إِلَى طَبَقَتَيْنِ مُتَمَايِزَتَيْنِ:
* المُصْطَفَوْنَ (Elect): وَهُمُ النُّخْبَةُ الَّتِي نَذَرَتْ نَفْسَهَا لِلتَّبَتُّلِ وَالزُّهْدِ المُطْلَقِ، فَمَنَعُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الزَّوَاجَ، وَأَكْلَ اللُّحُومِ، وَالعَمَلَ اليَدَوِيَّ.
* السَّامِعُونَ (Hearers): وَهُمْ عَامَّةُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِخِدْمَةِ المُصْطَفَيْنِ وَيَسْعَوْنَ لِتَطْهِيرِ أَنْفُسِهِمْ تَدْرِيجِيًّا.
وَقَدْ حَكَمَتْ حَيَاتَهُمْ ثَلَاثَةُ أَهْدَافٍ أَخْلَاقِيَّةٍ عُرِفَتْ بِـ "الأَخْتَامِ الثَّلَاثَةِ": "خَتْمُ اليَدِ" لِكَفِّ الأَذَى عَنِ الأَرْضِ وَالنَّبَاتِ، وَ"خَتْمُ الفَمِ" لِلِامْتِنَاعِ عَنِ الدَّنَسِ وَاللُّحُومِ وَالخَمْرِ، وَ"خَتْمُ الحِضْنِ" لِحِفْظِ العِفَّةِ وَمَنْعِ التَّنَاسُلِ الَّذِي يُطِيلُ أَمَدَ سَجْنِ النُّورِ فِي المَادَّةِ.
كَانَتِ الصَّلَاةُ تَتَّجِهُ نَحْوَ مَصَادِرِ الضَّوْءِ، كَالشَّمْسِ نَهَارًا وَالقَمَرِ لَيْلًا، بِاعْتِبَارِهِمَا "سُفُنَ النُّورِ". كَمَا كَانَ الغِذَاءُ طَقْسًا رُوحِيًّا، حَيْثُ قُدِّسَتِ النَّبَاتَاتُ النُّورَانِيَّةُ كَالفَاكِهَةِ وَالخُضْرَاوَاتِ، وَاعْتُبِرَ أَكْلُهَا وَسِيلَةً لِتَصْفِيَةِ النُّورِ المَحْبُوسِ فِيهَا. وَيُعَدُّ عِيدُ "البِيما" ذِكْرَى اسْتِشْهَادِ مَانِي، القِمَّةَ الرُّوحِيَّةَ لِلسَّنَةِ المَانَوِيَّةِ.
تَمَيَّزَ مَانِي بِتَدْوِينِ تَعَالِيمِهِ بِنَفْسِهِ لِضَمَانِ نَقَائِهَا، فَأَلَّفَ "الإِنْجِيلَ الحَيَّ"، وَ"شَابُورَقَان"، وَ"كِتَابَ الأَسْرَارِ". وَلَمْ يَكُنْ كَاتِبًا فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ فَنَّانًا بَارِعًا؛ حَيْثُ اسْتَخْدَمَ الرَّسْمَ فِي كِتَابِهِ "الأَرْدَانغ" لِشَرْحِ العَقَائِدِ المُعَقَّدَةِ بَصَرِيًّا، مِمَّا جَعَلَ المَانَوِيَّةَ دِينًا يَنْطِقُ بِالجَمَالِ وَالفَنِّ.
لَمْ تَكُنِ المَانَوِيَّةُ دِينًا مَعْزُولًا، بَلْ لَعِبَتْ أَدْوَارًا سِيَاسِيَّةً مُهِمَّةً. فَبَعْدَ أَنْ حَظِيَ مَانِي بِرِعَايَةِ المَلِكِ السَّاسَانِيِّ شَابُورَ الأَوَّلِ، تَعَرَّضَ لِاضْطِهَادٍ عَنِيفٍ فِي عَهْدِ بَهْرَامَ الأَوَّلِ بِتَحْرِيضٍ مِنَ الكَهَنَةِ الزَّرَادِشْتِيِّينَ، مِمَّا أَدَّى إِلَى مَقْتَلِهِ عَامَ مِئَتَيْنِ وَسِتَّةٍ وَسَبْعِينَ لِلْمِيلَادِ. رَغْمَ ذَلِكَ، انْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ عَبْرَ طَرِيقِ الحَرِيرِ، وَوَصَلَتْ إِلَى أَوْجِ قُوَّتِهَا السِّيَاسِيَّةِ عِنْدَمَا أَعْلَنَتْهَا دَوْلَةُ الإِيغُورِ دِيناً رَسْمِيّاً لَهَا فِي القَرْنِ الثَّامِنِ.
لَقَدْ كَانَتِ المَانَوِيَّةُ مُحَاوَلَةً جَرِيئَةً لِتَوْحِيدِ البَشَرِيَّةِ تَحْتَ رَايَةِ "النُّورِ"، لَكِنَّ تَشَدُّدَهَا فِي الزُّهْدِ وَعِدَاءَهَا لِلْمَادَّةِ جَعَلَهَا فِي صِدَامٍ دَائِمٍ مَعَ مُتَطَلَّبَاتِ الحَيَاةِ وَأَهْوَاءِ السِّيَاسَةِ، لِتَنْزَوِيَ تَدْرِيجِيًّا، تَارِكَةً وَرَاءَهَا إِرْثًا فَلْسَفِيًّا وَفَنِّيًّا يَنْبِضُ بِالحُزْنِ النَّبِيلِ وَالتَّوْقِ إِلَى السَّمَاءِ.
__________________
fouad.hanna@online.de


التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; يوم أمس الساعة 08:26 AM
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:39 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke