![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تَارِيخُ الإِنسَانِ مِنْ مَا قَبْلَ تَشَكُّلِ الهُوِيَّاتِ السريان والكرد مثالًا
بقلم: فُؤَاد زَادِيكي لَيْسَ القَوْلُ إِنَّ التَّارِيخَ يَبْدَأُ مَعَ التَّدْوِينِ حُكْمًا عَلَى مَا قَبْلَهُ بِأَنَّهُ مَيْتٌ أَوْ غَيْرُ مَوْجُودٍ، بَلْ هُوَ تَعْرِيفٌ مَنْهَجِيٌّ يَسْتَعْمِلُهُ المُؤَرِّخُونَ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ المَصَادِرِ: مَصَادِرَ مَكْتُوبَةٍ تَنْقُلُ صَوْتَ الإِنسَانِ مُبَاشَرَةً، وَأُخْرَى مَادِّيَّةٍ صَامِتَةٍ تَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ. فَمَا قَبْلَ التَّارِيخِ لَيْسَ فَرَاغًا، بَلْ هُوَ فَصْلٌ طَوِيلٌ وَعَمِيقٌ مِنْ قِصَّةِ الإِنسَانِ، نَقْرَؤُهُ بِلُغَةِ الأَدَوَاتِ وَالعِظَامِ وَالآثَارِ بَدَلًا مِنَ النُّصُوصِ. يَسْتَطِيعُ العُلَمَاءُ، مِنْ خِلَالِ بَقَايَا بَشَرِيَّةٍ أَوْ مَوَاقِعَ أَثَرِيَّةٍ، أَنْ يُعِيدُوا بِنَاءَ حَيَاةِ إِنسَانٍ عَاشَ قَبْلَ عَشَرَاتِ الآلَافِ مِنَ السِّنِينَ؛ فَمِنَ الهَيَاكِلِ العَظْمِيَّةِ يُعْرَفُ العُمْرُ وَالجِنْسُ وَالأَمْرَاضُ، وَمِنْ تَحْلِيلِ العَنَاصِرِ الكِيمْيَائِيَّةِ تُفْهَمُ أَنْوَاعُ الغِذَاءِ وَالبِيئَةُ، وَمِنَ الأَدَوَاتِ وَآثَارِ الاسْتِخْدَامِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الأَعْمَالِ اليَوْمِيَّةِ، وَمِنْ طُرُقِ الدَّفْنِ وَالرُّسُومِ تَظْهَرُ مَلَامِحُ الفِكْرِ وَالمُعْتَقَدِ. وَبِهَذَا، يُصْبِحُ “الصَّمْتُ” نَاطِقًا، وَلَكِنْ بِلُغَةٍ تَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ وَتَأْوِيلٍ. غَيْرَ أَنَّ الحَدِيثَ عَنِ “الشُّعُوبِ” وَ“القَوْمِيَّاتِ” فِي تِلْكَ العُصُورِ المُبَكِّرَةِ لَيْسَ دَقِيقًا بِمَعْنَاهُ الحَدِيثِ؛ فَلَمْ تَكُنْ هُنَاكَ دُوَلٌ أَوْ هُوِيَّاتٌ وَاسِعَةٌ ثَابِتَةٌ، بَلْ مَجْمُوعَاتٌ بَشَرِيَّةٌ صَغِيرَةٌ مُتَحَرِّكَةٌ تَرْتَبِطُ بِالقَرَابَةِ وَالبِيئَةِ وَاللُّغَةِ المَحَلِّيَّةِ. وَمِنْ خِلَالِ العُلُومِ الحَدِيثَةِ، خَاصَّةً عِلْمِ الوِرَاثَةِ السُّكَّانِيَّةِ، تَبَيَّنَ أَنَّ التَّارِيخَ البَشَرِيَّ لَيْسَ خَطًّا مُسْتَقِيمًا لِشُعُوبٍ ثَابِتَةٍ، بَلْ هُوَ عَمَلِيَّةُ اخْتِلَاطٍ وَهِجْرَاتٍ مُسْتَمِرَّةٍ، لَا وُجُودَ فِيهَا لِـ“نَقَاءٍ عِرْقِيٍّ” مُطْلَقٍ. مَعَ ظُهُورِ الكِتَابَةِ، تَبْدَأُ الهُوِيَّاتُ التَّارِيخِيَّةُ بِالظُّهُورِ، كَمَا فِي حَضَارَاتِ بلاد الرافدين وَبلاد الشام، حَيْثُ نَجِدُ شُعُوبًا مِثْلَ السُّومَرِيِّينَ وَالأَكَّدِيِّينَ وَالآشُورِيِّينَ وَالآرَامِيِّينَ. وَيُعَدُّ الآرَامِيُّونَ مِثَالًا وَاضِحًا عَلَى تَشَكُّلِ الهُوِيَّاتِ، فَقَدْ ظَهَرُوا فِي بَدَايَةِ الأَلْفِ الأَوَّلِ قَبْلَ المِيلَادِ، حَوَالَي القَرْنِ الحَادِي عَشَرَ قَبْلَ المِيلَادِ، كَقَبَائِلَ مُتَعَدِّدَةٍ تَجْمَعُهَا اللُّغَةُ الآرَامِيَّةُ. وَمَعَ مَرُورِ الزَّمَنِ، وَخَاصَّةً فِي القَرْنِ الثَّامِنِ قَبْلَ المِيلَادِ، أَصْبَحُوا قُوَّةً مُنْتَشِرَةً ذَاتَ مَمَالِكٍ وَاضِحَةٍ. وَمَعَ انْتِشَارِ المَسِيحِيَّةِ فِي القُرُونِ الأُولَى المِيلَادِيَّةِ، تَحَوَّلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاطِقِينَ بِالآرَامِيَّةِ إِلَى هُوِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تُعْرَفُ بِالسُّرْيَانِ، فَلَمْ يَكُنِ التَّغَيُّرُ بِيُولُوجِيًّا، بَلْ ثَقَافِيًّا وَدِينِيًّا، مَعَ اسْتِمْرَارِ اللُّغَةِ فِي شَكْلِهَا المُتَطَوِّرِ. وَبِهَذَا، نَرَى كَيْفَ يُمْكِنُ لِلهُوِيَّةِ أَنْ تَتَغَيَّرَ مَعَ بَقَاءِ السُّكَّانِ نَفْسِهِمْ نِسْبِيًّا. وَعَلَى نَحْوٍ مُشَابِهٍ، فَإِنَّ الهُوِيَّةَ الكُرْدِيَّةَ تَعُودُ جُذُورُهَا إِلَى تَطَوُّرٍ طَوِيلٍ لِشُعُوبٍ عَاشَتْ فِي مَنَاطِقِ جبال زاغروس، مِنْهَا شُعُوبٌ إِيرَانِيَّةٌ قَدِيمَةٌ كَالمِيدِيِّينَ، لَكِنَّهَا لَا تُمَثِّلُ امْتِدَادًا مُبَاشِرًا وَبَسِيطًا لَهُمْ. فَاسْمُ “الكُرْدِ” يَظْهَرُ بِوُضُوحٍ فِي العُصُورِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَيَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا مِنْ وَصْفٍ لِجَمَاعَاتٍ أَوْ نَمَطِ حَيَاةٍ إِلَى هُوِيَّةٍ لُغَوِيَّةٍ وَثَقَافِيَّةٍ مُتَمَايِزَةٍ. وَمِنْ هَذَيْنِ المِثَالَيْنِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الهُوِيَّاتِ لَيْسَتْ كِيَانَاتٍ ثَابِتَةً عَبْرَ الزَّمَنِ، بَلْ هِيَ نَتَاجُ تَرَاكُمَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الاسْتِمْرَارِ وَالتَّغَيُّرِ. فَالبَشَرُ قَدْ يَسْتَمِرُّونَ فِي نَفْسِ المَكَانِ، لَكِنَّ أَسْمَاءَهُمْ وَلُغَاتِهِمْ وَمُعْتَقَدَاتِهِمْ تَتَحَوَّلُ مَعَ تَحَوُّلِ الظُّرُوفِ. وَبِهَذَا، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ التَّارِيخَ لَا يَبْدَأُ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، بَلْ لِأَنَّ طَرِيقَةَ مَعْرِفَتِنَا بِهِ قَدْ تَغَيَّرَتْ؛ فَمَا قَبْلَ التَّارِيخِ هُوَ تَارِيخٌ بِلَا نُصُوصٍ، وَالتَّارِيخُ المَكْتُوبُ هُوَ تَارِيخٌ يَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ أَهْلِهِ، وَبَيْنَهُمَا تَبْقَى قِصَّةُ الإِنسَانِ مُتَّصِلَةً، لَا مَقْطُوعَةً. ارجو ان تصنع صورة من مضمون. النص تحوي رمو٨ |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|