![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تَلُّ أَرْمَن… حِكَايَةُ قَرْيَةٍ وُلِدَتْ مِنْ رَمَادِ الْفَاجِعَةِ بقلم: فؤاد زاديكي فِي أَقْصَى شِمَالِ شَرْقِ سُورِيَا، حَيْثُ تَتَلَاقَى الرِّيَاحُ الْقَادِمَةُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِذِكْرَيَاتِ الْمَنْفَى، نَشَأَتْ قَرْيَةٌ صَغِيرَةٌ تُدْعَى تَلَّ أَرْمَن، أَوْ “هَايْكُوغ” كَمَا يُسَمِّيهَا أَبْنَاؤُهَا، وَ“هِيكُو” فِي لُغَةِ الْقَلْبِ وَالذِّكْرَى. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْقَرْيَةُ مُجَرَّدَ مَكَانٍ، بَلْ كَانَتْ جَوَابًا مُرًّا عَلَى سُؤَالِ الْبَقَاءِ، وَشَاهِدًا حَيًّا عَلَى قُدْرَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى النُّهُوضِ مِنْ أَعْمَقِ الْجِرَاحِ. تَعُودُ جُذُورُ أَبْنَاءِ تَلِّ أَرْمَن إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى حَمَلَتِ الِاسْمَ نَفْسَهُ فِي أَرْمِينِيَا الْغَرْبِيَّةِ، كَانَتْ تَتْبَعُ دِيَارَ بَكْر، حَيْثُ عَاشُوا يَوْمًا حَيَاةً يَغْمُرُهَا الِاسْتِقْرَارُ وَالرَّخَاءُ. كَانُوا مُزَارِعِينَ مُجِدِّينَ وَتُجَّارًا مَيْسُورِينَ، تَمْتَلِئُ مَخَازِنُهُمْ بِالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ، وَتَفِدُ إِلَيْهِمُ الْقَوَافِلُ فِي طَرِيقِهَا إِلَى حَلَبَ، تَسْتَرِيحُ فِي ظِلِّ خَيْرَاتِهِمْ وَتَمْضِي مُثْقَلَةً بِالزَّادِ. كَانَتْ بَلْدَةً نَابِضَةً بِالْحَيَاةِ، تَحْتَضِنُ نَحْوَ ثَلَاثَةِ آلَافِ نَسَمَةٍ وَسَبْعِمِائَةِ عَائِلَةٍ، وَلَهُمْ كَنِيسَتُهُمُ الْمُقَدَّسَةُ “سُورْبْ كِيفُورْك” الَّتِي كَانَتْ قَلْبَهُمْ النَّابِضَ بِالْإِيمَانِ. لَكِنَّ السَّمَاءَ لَمْ تَبْقَ صَافِيَةً طَوِيلًا. فِي عَامِ 1895، بَدَأَتِ الْغُيُومُ تَتَكَاثَفُ، حِينَ تَعَرَّضَتِ الْبَلْدَةُ لِلنَّهْبِ وَالسَّلْبِ فِي حَمْلَاتٍ عَنِيفَةٍ، فَكَانَ ذَلِكَ نَذِيرًا بِمَا سَيَأْتِي. وَفِي عَامِ 1915، حَلَّتِ الْفَاجِعَةُ الْكُبْرَى، حِينَ انْقَلَبَتِ الْأَرْضُ الَّتِي عَرَفُوهَا إِلَى جَحِيمٍ، وَتَحَوَّلَتْ تَلُّ أَرْمَن خِلَالَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ إِلَى مَشْهَدٍ مِنَ الدَّمِ وَالرُّعْبِ. بَدَأَ الْمَشْهَدُ بِاتِّهَامَاتٍ بَاطِلَةٍ، تَبِعَهَا إِعْدَامُ كَهَنَةِ الْقَرْيَةِ، ثُمَّ الْمِطْرَانِ إِغْنَاطِيُوس مَالُويَان، الَّذِي سِيقَ فِي طُرُقَاتِ الْمَوْتِ وَهُوَ يَتَلَقَّى الْإِهَانَاتِ وَالضَّرْبَ، فِي مَشْهَدٍ شَبَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِدَرْبِ الْجَلْجَثَةِ. ثُمَّ جُمِعَ النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ وَالشُّيُوخُ فِي كَنِيسَتِهِمْ، لِتَتَحَوَّلَ دَارُ الصَّلَاةِ إِلَى مَذْبَحٍ، حَيْثُ سَالَتِ الدِّمَاءُ كَأَنْهَارٍ، وَتَبَدَّدَتِ الْأَرْوَاحُ بِلَا رَحْمَةٍ. أَمَّا الرِّجَالُ، فَقَدْ سِيقُوا فِي قَوَافِلِ الْمَوْتِ، وَذُبِحُوا جَمَاعِيًّا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَفِي ظِلِّ هَذَا الرُّعْبِ، اخْتَفَتْ عَائِلَاتٌ بِأَكْمَلِهَا، كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قَطُّ. وَفِي خِضَمِّ هَذَا الْمَشْهَدِ الدَّامِي، لَمْ تَخْبُ أَصْوَاتُ مَنْ نَجَوْا، بَلْ بَقِيَتْ شَهَادَاتُهُمْ تُرَدِّدُ صَدَى الْحَقِيقَةِ. يَرْوِي مِيكَائِيل رُومِي قَائِلًا: «تَذَكَّرْتُ الْقِصَصَ الَّتِي كَانَتْ تَرْوِيهَا لِي سِتِّي وَحَيْثُو، وَعَيْنَايَ تَذْرِفَانِ الدُّمُوعَ لِهَوْلِ مَا كُنْتُ أَسْمَعُ». وَيُضِيفُ أَنَّهُ الْتَقَى الْمُطْرَانَ زَهْرَبِيَان فِي الْقَامِشْلِي، حَيْثُ ظَلَّتِ الذِّكْرَى حَيَّةً، وَالصَّلَوَاتُ مَرْفُوعَةً مِنْ أَجْلِ الرَّحْمَةِ لِكُلِّ الشُّهَدَاءِ. وَمِنْ بَيْنِ هَذَا الْخَرَابِ، لَمْ يَنْجُ إِلَّا قِلَّةٌ ضَئِيلَةٌ، أَيْتَامٌ وَنَاجُونَ حَمَلُوا مَعَهُمْ جِرَاحًا لَا تَلْتَئِمُ. يَقُولُ أَحَدُهُمْ، نِهَادُ أُوسُو، مُسْتَعِيدًا الذِّكْرَى: «هِيكُو كَمَا نَعْرِفُهَا، هِيَ قَرْيَةٌ أَرْمَنِيَّةٌ بِجِوَارِ قَرْيَتِي... وَهُنَاكَ، عِنْدَ زَاوِيَةِ بَيْتٍ قَدِيمٍ، كُنَّا نَجْلِسُ وَنَلْعَبُ الدَّامَا قُرْبَ مَوْقِدِ النَّارِ». وَيَقُولُ إِدْمُونْدُ جَرْجُور: «كَانَ رَئِيسُ بَلَدِيَّتِهَا خَالَ أَبِي، رُوفَائِيلُ قَبْلُو، فَذُبِحَ مَعَ شَبَابِ الْبَلْدَةِ، وَسُبِيَتْ زَوْجَتُهُ، ثُمَّ أُعِيدَتْ وَهَاجَرَتْ، وَوَلَدَتِ ابْنَهَا الَّذِي حَمَلَ اسْمَهُ». أَمَّا سُهَيْلُ حَجَّالِي فَيَقُولُ: «لَا نَحْقِدُ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِ الْحَقِيقَةِ». وَعِنْدَمَا خَلَتِ الْبَلْدَةُ مِنْ أَهْلِهَا، جَاءَ آخَرُونَ لِيَسْتَوْلُوا عَلَى مَا تَرَكَهُ الضَّحَايَا وَرَاءَهُمْ، فَصَارَتِ الذِّكْرَيَاتُ غَنِيمَةً، وَالْبُيُوتُ أَثَرًا بِلَا أَصْحَابٍ. كمَا صارتِ الكنيسةُ حَظِيرةً للدّوابِ, دُونَ حِسَابٍ لِمَا جَمَعَتْ جُدرَانَهَا مِنْ ذِكرياتِ مُؤمنينَ كَانُوا يجلِسونَ هنا ويركعونَ رافعينَ الصلواتِ بِخُشُوعٍ, يَا لَهَا مِنْ قسوَةٍ لا تَعرِفُ حُدُودًا, ومِنْ استِهانَةٍ بحياةِ آخرينَ كانُوا مَعَهُم في هذِهِ القريةِ الآمِنَة المُسالِمَة. يَا لَهُ مِنْ غَدرٍ آثِمٍ, وخِيانَةٍ عُظمَى لِقِيَمِ الحَيَاةِ وللإنسَانِيّةِ جَمعَاء. وَمِنْ بَيْنِ ثَلَاثَةِ آلَافِ إِنْسَانٍ، لَمْ يَنْجُ إِلَّا قِلَّةٌ تُعَدُّ عَلَى أَصَابِعِ الْيَدِ، أَيْتَامٌ وَنَاجُونَ حَمَلُوا مَعَهُمْ أَوْجَاعًا لَا تُحْتَمَلُ. سَارُوا جَنُوبًا نَحْوَ سُورِيَا، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَحْمِلُ ذِكْرَى فَقِيدٍ، وَكُلُّ نَفَسٍ يَثْقُلُ بِالْحُزْنِ. هُنَاكَ، فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ، بَدَأَتْ حِكَايَةٌ جَدِيدَةٌ. تَكَفَّلَ أَحَدُ النَّاجِينَ بِجَمْعِ الْفَتَيَاتِ الْيَتِيمَاتِ، يُخْفِيهِنَّ وَيَرْعَاهُنَّ، خَوْفًا عَلَيْهِنَّ مِنَ الضَّيَاعِ فِي زَمَنٍ كَانَ فِيهِ الضَّعِيفُ فَرِيسَةً سَهْلَةً. وَبَعْدَ سِنِينَ مِنَ التَّشَرُّدِ، اجْتَمَعَ الشَّتَاتُ مِنْ جَدِيدٍ فِي ثَلَاثِينَاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي، قُرْبَ تَلٍّ فِي شَمَالِ شَرْقِ سُورِيَا، وَقَرَّرُوا أَنْ يُعِيدُوا اسْمَهُمْ إِلَى الْحَيَاةِ: تَلُّ أَرْمَن. لَمْ تَكُنِ الْبِدَايَةُ سَهْلَةً، فَقَدْ وَاجَهُوا مَضَايَقَاتٍ وَاعْتِدَاءَاتٍ، لَكِنَّ الزَّمَنَ وَبَعْضَ الْمَوَاقِفِ النَّبِيلَةِ مِنْ أَهْلِ الْمِنْطِقَةِ، إِلَى جَانِبِ جُهُودِ الْمُبَشِّرَةِ الدَّنْمَارْكِيَّةِ كَارِين يِبِّه، سَاهَمَتْ فِي تَخْفِيفِ الْجِرَاحِ، وَفِي بِنَاءِ جُسُورٍ جَدِيدَةٍ بَيْنَ النَّاجِينَ وَجِيرَانِهِمْ. وَفِي عَامِ 1942، بُنِيَتْ كَنِيسَةٌ جَدِيدَةٌ بِاسْمِ “سُورْبْ كِيفُورْك”، كَأَنَّهَا إِعْلَانٌ بِأَنَّ الْإِيمَانَ لَمْ يَمُتْ. وَإِلَى جَانِبِهَا، أُسِّسَتْ مَدْرَسَةٌ لِتُعِيدَ لِلْأَطْفَالِ لُغَتَهُمْ وَهُوِيَّتَهُمْ، وَلَوْ أَنَّ الزَّمَنَ كَانَ قَدْ غَيَّرَ كَثِيرًا مِنْ مَلَامِحِهِمْ، فَبَقِيَتِ الْأَرْمَنِيَّةُ فِي الصَّلَوَاتِ وَالْأَنَاشِيدِ، بَيْنَمَا حَمَلُوا فِي حَيَاتِهِمُ الْيَوْمِيَّةِ لُغَاتٍ أُخْرَى فَرَضَهَا الْوَاقِعُ. مَعَ مُرُورِ السِّنِينَ، نَمَتِ الْقَرْيَةُ، وَأَصْبَحَ مِنْ أَبْنَائِهَا مُهَنْدِسُونَ وَأَطِبَّاءُ وَمُعَلِّمُونَ، يَحْمِلُونَ فِي قُلُوبِهِمْ قِصَّةً لَا تُنْسَى. وَكَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ نِيسَانَ مِنْ كُلِّ عَامٍ مَوْعِدًا لِلذِّكْرَى، حَيْثُ تَجْتَمِعُ الْقُلُوبُ حَوْلَ ذِكْرَى الشُّهَدَاءِ، وَتُضِيءُ الشُّمُوعُ فِي لَيْلٍ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ الْوَجَعَ وَالْوَفَاءَ مَعًا. لَكِنَّ الرِّيَاحَ عَادَتْ مِنْ جَدِيدٍ فِي الْحَرْبِ السُّورِيَّةِ، فَهَاجَرَ مُعْظَمُ أَبْنَاءِ تَلِّ أَرْمَن إِلَى أُورُوبَّا وَأَمْرِيكَا، وَحَتَّى إِلَى أَرْمِينِيَا، وَتُرِكَتِ الْقَرْيَةُ تَقْرِيبًا خَالِيَةً، كَأَنَّهَا تُعِيدُ تَارِيخَهَا فِي صُورَةٍ أُخْرَى مِنَ الْفِرَاغِ. أَمَّا تَلُّ أَرْمَن الْأُولَى فِي دِيَارِ بَكْر، فَقَدْ تَغَيَّرَ اسْمُهَا إِلَى “قِزِلْ تِيبِه”، وَتَغَيَّرَ سُكَّانُهَا، لَكِنَّ آثَارَ الْمَاضِي مَا زَالَتْ تُنَادِي مِنْ بَيْنِ الْحِجَارَةِ. وَقَدْ تَرَكَ الْمُؤَرِّخُونَ أَوْصَافًا حَيَّةً لِهَذِهِ الْبَلْدَةِ، وَمِنْهُمْ الرَّحَّالَةُ ابْنُ جُبَيْر، الَّذِي قَالَ فِيهَا: «هِيَ فِي بَسِيطٍ مِنَ الْأَرْضِ فَسِيحٍ، وَحَوْلَهَا بَسَاتِينُ الرَّيَاحِينِ وَالْخُضَرِ، تُسْقَى بِالسَّوَاقِي، وَهِيَ مَائِلَةُ الطَّبْعِ الْبَادِيَةِ، وَلَا سُورَ لَهَا، وَهِيَ مَشْحُونَةٌ بَشَرًا، وَلَهَا الْأَسْوَاقُ الْحَفِيلَةُ، وَالْأَرْزَاقُ الْوَاسِعَةُ...». وَيَمْضِي فِي وَصْفِهَا كَمَدِينَةٍ نَابِضَةٍ بِالْحَيَاةِ، تَتَّصِلُ بِطُرُقِ التِّجَارَةِ، وَتَحْمِلُ فِي أَرْجَائِهَا مَعَالِمَ الْعُمْرَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ.، فَبَدَتْ فِي وَصْفِهِ مَدِينَةً نَابِضَةً بِالْحَيَاةِ، وَمَفْتُوحَةً عَلَى طُرُقِ التِّجَارَةِ وَالْحَرَكَةِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَبْرُزُ دُنَيصَر — أَوْ دَنِيسَر — بِاعْتِبَارِهَا جُزْءًا مِنَ الْحَيِّزِ التَّارِيخِيِّ وَالْجُغْرَافِيِّ لِتِلْكَ الْمِنْطِقَةِ، وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِالْكُرْدِيَّةِ «قُوصَر»، وَبِالتُّرْكِيَّةِ «قِزِلْ تِيبِه»، وَفِي الْمَصَادِرِ الْعُثْمَانِيَّةِ بِاسْمِ «تَلِّ أَرْمَن»، كَمَا عُرِفَتْ أَيْضًا بِـ«قُوجْ حِصَار». تَقَعُ فِي جَنُوبِ شَرْقِ تُرْكِيَا، وَتَتْبَعُ لِوِلَايَةِ مَارْدِين، وَيَسْكُنُهَا الْكُرْدُ بِشَكْلٍ رَئِيسِيٍّ، إِلَى جَانِبِ مَكَوِّنَاتٍ أُخْرَى. شَهِدَتْ دُنَيصَر أَحْدَاثًا مُتَوَتِّرَةً فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، وَسُجِّلَتْ فِيهَا أَعْلَى دَرَجَةِ حَرَارَةٍ فِي تُرْكِيَا، كَمَا كَانَتْ جُزْءًا مِنَ الْأَرَاضِي الَّتِي تَغَيَّرَتْ حُدُودُهَا بَعْدَ مُعَاهَدَةِ لُوزَان عَامَ 1923. هَكَذَا تَبْقَى تَلُّ أَرْمَن، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قَرْيَةٍ، بَلْ ذِكْرَى مُمْتَدَّةٌ بَيْنَ أَرْضَيْنِ، وَحِكَايَةُ شَعْبٍ لَمْ يَنْسَ، وَلَمْ يَحْقِدْ، بَلِ اخْتَارَ أَنْ يَحْمِلَ الْحَقِيقَةَ فِي قَلْبِهِ، وَيَمْضِي. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|