Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-04-2026, 03:06 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,028
افتراضي أهلاً بك يا أستاذ فؤاد. بصفتي مساعدك الذكي، يسعدني جداً القيام بهذه المهمة وتشكيل هذا

أهلاً بك يا أستاذ فؤاد. بصفتي مساعدك الذكي، يسعدني جداً القيام بهذه المهمة وتشكيل هذا النص الفكري العميق الذي طرحته، مع مراعاة القواعد النحوية والصرفية بدقة ليعكس رصانة الطرح:
بَيْنَ الرِّسَالَةِ وَالتَّارِيخِ: هَلْ أَسَّسَ يَسُوعُ دِينًا جَدِيدًا أَمْ أَنَّ الْمَسِيحِيَّةَ نِتَاجُ تَطَوُّرٍ لَاحِقٍ؟
الْبَاحِثُ: فُؤَاد زَادِيكِي
يُعَدُّ السُّؤَالُ الْمُتَعَلِّقُ بِطَبِيعَةِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ رِسَالَةِ يَسُوعَ التَّارِيخِيَّةِ وَنَشْأَةِ الْمَسِيحِيَّةِ مِنْ أَكْثَرِ الْأَسْئِلَةِ تَعْقِيدًا فِي فَلْسَفَةِ الدِّينِ وَتَارِيخِ الْأَدْيَانِ. فَهَلْ جَاءَ يَسُوعُ بِدِينٍ جَدِيدٍ مُكْتَمِلِ الْمَعَالِمِ، أَمْ أَنَّ مَا نَعْرِفُهُ الْيَوْمَ بِالْمَسِيحِيَّةِ هُوَ ثَمَرَةُ تَطَوُّرٍ تَارِيخِيٍّ وَتَأْوِيلِيٍّ قَامَتْ بِهِ جَمَاعَتُهُ الْأُولَى؟ وَهَلْ يُمْكِنُ أَصْلًا الْحِفَاظُ عَلَى “رِسَالَةٍ دِينِيَّةٍ نَقِيَّةٍ” عَبْرَ الزَّمَنِ، أَمْ أَنَّ التَّغَيُّرَ شَرْطٌ لَا مَفَرَّ مِنْهُ لِبَقَاءِ أَيِّ مَنْظُومَةٍ دِينِيَّةٍ؟
لِلْإِجَابَةِ عَنْ هَذِهِ الْإِشْكَالِيَّاتِ، لَا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ مُسْتَوَيَاتٍ مُتَرَابِطَةٍ: مُسْتَوَى الرِّسَالَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَمُسْتَوَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِيِّ، وَمُسْتَوَى التَّقْنِينِ الْمُؤَسَّسِيِّ اللَّاحِقِ.
فِي الْمُسْتَوَى الْأَوَّلِ، يَظْهَرُ يَسُوعُ كَشَخْصِيَّةٍ تَارِيخِيَّةٍ تَنْتَمِي إِلَى السِّيَاقِ الْيَهُودِيِّ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ الْمِيلَادِيِّ. لَمْ يُقَدِّمْ نَفْسَهُ، وَفْقَ مَا تَنْقُلُهُ الْمَصَادِرُ الْمُبَكِّرَةُ، بِوَصْفِهِ مُؤَسِّسَ دِينٍ جَدِيدٍ مُنْفَصِلٍ، بَلْ كَمُصْلِحٍ دِينِيٍّ يَدْعُو إِلَى تَجْدِيدِ الْفَهْمِ الدِّينِيِّ السَّائِدِ، وَإِعَادَةِ تَوْجِيهِ الْإِنْسَانِ نَحْوَ عَلَاقَةٍ أَكْثَرَ عُمْقًا مَعَ اللهِ، تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ التَّوْبَةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَانْتِظَارِ مَلَكُوتِ اللهِ. لَمْ يَتْرُكْ يَسُوعُ نَصًّا مَكْتُوبًا، وَلَمْ يَضَعْ نِظَامًا عَقَائِدِيًّا مُتَكَامِلًا، بَلْ كَانَتْ رِسَالَتُهُ أَقْرَبَ إِلَى نِدَاءٍ أَخْلَاقِيٍّ-رُوحِيٍّ مَفْتُوحٍ.
غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ لَمْ تَبْقَ فِي صُورَتِهَا الْأَوَّلِيَّةِ، إِذْ دَخَلَتْ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى بَعْدَ غِيَابِ صَاحِبِهَا فِي طَوْرِ التَّفْسِيرِ. وَهُنَا يَبْرُزُ الدَّوْرُ الْمِحْوَرِيُّ لِبُولُسَ، الَّذِي لَمْ يَكْتَفِ بِنَقْلِ التَّعَالِيمِ، بَلْ أَعَادَ صِيَاغَتَهَا ضِمْنَ أُفُقٍ جَدِيدٍ يَتَجَاوَزُ الْإِطَارَ الْيَهُودِيَّ. لَقَدْ تَحَوَّلَتِ الرِّسَالَةُ مَعَهُ مِنْ دَعْوَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ دَاخِلَ جَمَاعَةٍ مُحَدَّدَةٍ إِلَى عَقِيدَةِ خَلَاصٍ كَوْنِيَّةٍ مُوَجَّهَةٍ إِلَى جَمِيعِ الشُّعُوبِ، حَيْثُ أَصْبَحَ الْإِيمَانُ بِالْمَسِيحِ، لَا الِالْتِزَامُ بِالشَّرِيعَةِ، هُوَ مِحْوَرُ الْخَلَاصِ. هَذَا التَّحَوُّلُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ امْتِدَادٍ بَسِيطٍ، بَلْ إِعَادَةُ تَوْجِيهٍ لِمَرْكَزِ الثِّقَلِ فِي الرِّسَالَةِ.
ثُمَّ جَاءَتِ الْمَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ، حَيْثُ دَخَلَتِ الْكَنِيسَةُ النَّاشِئَةُ فِي عَمَلِيَّةِ تَنْظِيمٍ وَتَقْنِينٍ، بَلَغَتْ ذِرْوَتَهَا فِي الْمَجَامِعِ الْكُبْرَى، حَيْثُ صِيغَتِ الْعَقَائِدُ، وَحُدِّدَتِ الْحُدُودُ الْفَاصِلَةُ بَيْنَ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالِانْحِرَافِ. فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ، تَحَوَّلَتِ التَّجْرِبَةُ الدِّينِيَّةُ إِلَى مَنْظُومَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ وَفِكْرِيَّةٍ مُتَمَاسِكَةٍ، ذَاتِ بِنْيَةٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ وَاضِحَةٍ.
مِنْ هُنَا، يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْمَسِيحِيَّةَ، بِصِيغَتِهَا التَّارِيخِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ، هِيَ نِتَاجُ تَفَاعُلٍ ثُلَاثِيٍّ: رِسَالَةُ يَسُوعَ، وَتَأْوِيلُ أَتْبَاعِهِ، وَسَيْرُورَةُ التَّارِيخِ. وَهَذَا يُفْضِي بِنَا إِلَى الْإِشْكَالِ الْفَلْسَفِيِّ الْأَعْمَقِ: هَلْ مَا نَمْلِكُهُ الْيَوْمَ هُوَ “الرِّسَالَةُ الْأَصْلِيَّةُ”، أَمْ “إِعَادَةُ بِنَائِهَا” عَبْرَ الزَّمَنِ؟
إِنَّ فِكْرَةَ “النَّقَاءِ الْمُطْلَقِ” لِلرِّسَالَةِ الدِّينِيَّةِ تَصْطَدِمُ بِعِدَّةِ مُعَوِّقَاتٍ بُنْيَوِيَّةٍ. فَاللُّغَةُ نَفْسُهَا لَيْسَتْ وِعَاءً شَفَّافًا، بَلْ وَسِيطًا يُعِيدُ تَشْكِيلَ الْمَعْنَى؛ وَالتَّرْجَمَةُ لَيْسَتْ نَقْلًا مُحَايِدًا، بَلْ تَأْوِيلًا. وَالذَّاكِرَةُ الْبَشَرِيَّةُ لَا تَحْفَظُ الْوَقَائِعَ كَمَا هِيَ، بَلْ تُعِيدُ تَرْكِيبَهَا. كَمَا أَنَّ غِيَابَ الْمُؤَسِّسِ يَفْتَحُ الْبَابَ لِتَعَدُّدِ الْفَهْمِ، فِي ظِلِّ غِيَابِ مَرْجِعِيَّةٍ نِهَائِيَّةٍ حَاسِمَةٍ. وَمَعَ تَوَسُّعِ الْجَمَاعَةِ الْمُؤْمِنَةِ، تَفْرِضُ الْحَيَاةُ نَفْسَهَا بِأَسْئِلَتِهَا الْجَدِيدَةِ، مِمَّا يَسْتَدْعِي إِعَادَةَ قِرَاءَةِ النُّصُوصِ فِي ضَوْءِ سِيَاقَاتٍ مُتَغَيِّرَةٍ.
بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، يَصْبَحُ مِنَ الصَّعْبِ الْحَدِيثُ عَنْ “نَقْلٍ حَرْفِيٍّ نَقِيٍّ” لِأَيِّ رِسَالَةٍ دِينِيَّةٍ عَبْرَ التَّارِيخِ. مَا يُمْكِنُ الْحَدِيثُ عَنْهُ، بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، هُوَ “اسْتِمْرَارٌ لِلْجَوْهَرِ” عَبْرَ تَحَوُّلَاتِ الشَّكْلِ. وَهُنَا يَبْرُزُ التَّمْيِيزُ الْفَلْسَفِيُّ بَيْنَ الثَّابِتِ وَالْمُتَغَيِّرِ: بَيْنَ جَوْهَرِ الدِّينِ، الَّذِي يَتَمَثَّلُ فِي الْقِيَمِ وَالْمَعْنَى وَالِاتِّجَاهِ الْعَامِّ، وَبَيْنَ أَشْكَالِهِ التَّعْبِيرِيَّةِ الَّتِي تَخْضَعُ لِلتَّبَدُّلِ.
غَيْرَ أَنَّ هَذَا لَا يَحُلُّ الْإِشْكَالَ، بَلْ يُعَمِّقُهُ. إِذْ يَطْرَحُ سُؤَالًا حَاسِمًا: هَلِ التَّغَيُّرُ فِي الدِّينِ يُمَثِّلُ انْحِرَافًا عَنِ الْأَصْلِ، أَمْ شَرْطًا لِبَقَائِهِ؟
يُمْكِنُ تَصَوُّرُ ثَلَاثَةِ مَوَاقِفَ رَئِيسِيَّةٍ. الْأَوَّلُ يَرَى أَنَّ أَيَّ تَغْيِيرٍ هُوَ تَحْرِيفٌ، انْطِلَاقًا مِنْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْإِلَهِيَّةَ كَامِلَةٌ وَثَابِتَةٌ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْمَوْقِفَ يَصْطَدِمُ بِصُعُوبَةِ تَحْدِيدِ “الْأَصْلِ” ذَاتِهِ. أَمَّا الثَّانِي فَيَرَى أَنَّ التَّغَيُّرَ ضَرُورَةٌ، لِأَنَّ الدِّينَ إِنْ لَمْ يَتَكَيَّفْ مَعَ الْوَاقِعِ يَفْقِدُ قُدْرَتَهُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ. لَكِنَّهُ يُوَاجِهُ خَطَرَ الذَّوَبَانِ وَفُقْدَانِ الْهُوِيَّةِ. أَمَّا الْمَوْقِفُ الثَّالِثُ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ عُمْقًا، فَيَرَى أَنَّ الدِّينَ يَعِيشُ فِي تَوَتُّرٍ دَائِمٍ بَيْنَ الثَّبَاتِ وَالتَّغَيُّرِ؛ فَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى الثَّبَاتِ لِيُحَافِظَ عَلَى هُوِيَّتِهِ، وَإِلَى التَّغَيُّرِ لِيَبْقَى حَيًّا.
فِي ضَوْءِ هَذَا التَّوَتُّرِ، يُمْكِنُ فَهْمُ تَارِيخِ الْمَسِيحِيَّةِ لَا كَخِيَانَةٍ لِلرِّسَالَةِ الْأُولَى، وَلَا كَتَجْسِيدٍ حَرْفِيٍّ لَهَا، بَلْ كَسَيْرُورَةٍ تَأْوِيلِيَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ تُحَاوِلُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْوَاقِعِ. فَالتَّغَيُّرُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ انْحِرَافٍ وَلَا مُجَرَّدَ ضَرُورَةٍ، بَلْ هُوَ مُخَاطَرَةٌ دَائِمَةٌ: بِدُونِهِ يَمُوتُ الدِّينُ، وَمَعَهُ يُخَاطِرُ بِأَنْ يُصْبَحَ شَيْئًا آخَرَ.
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ السُّؤَالَ عَنْ يَسُوعَ وَالْمَسِيحِيَّةِ لَا يُمْكِنُ حَسْمُهُ بِصِيغَةٍ ثُنَائِيَّةٍ بَسِيطَةٍ. فَلَيْسَ صَحِيحًا تَمَامًا أَنَّهُ أَسَّسَ دِينًا جَدِيدًا بِصِيغَتِهِ الْحَالِيَّةِ، وَلَا أَنَّ أَتْبَاعَهُ اخْتَرَعُوا دِينًا مِنْ فَرَاغٍ. الْحَقِيقَةُ تَقَعُ فِي الْمِنْطَقَةِ الْوُسْطَى: حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الرِّسَالَةُ إِلَى تَارِيخٍ، وَالتَّارِيخُ إِلَى عَقِيدَةٍ، وَالْعَقِيدَةُ إِلَى تَقْلِيدٍ حَيٍّ يُعَادُ تَشْكِيلُهُ بِاسْتِمْرَارٍ.
إِنَّ الدِّينَ، فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ نَصٍّ مَحْفُوظٍ، بَلْ تَجْرِبَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ تَتَجَدَّدُ عَبْرَ الزَّمَنِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَبْقَى وَفِيَّةً لِأَصْلِهَا دُونَ أَنْ تَنْفَصِلَ عَنْ وَاقِعِهَا. وَفِي هَذَا التَّوَتُّرِ تَحْدِيدًا يَكْمُنُ سِرُّ بَقَائِهِ، وَمَصْدَرُ إِشْكَالِيَّتِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-04-2026, 03:08 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,028
افتراضي بَيْنَ الرِّسَالَةِ وَالتَّارِيخِ: هَلْ أَسَّسَ يَسُوعُ دِينًا جَدِيدًا أَمْ أَنَّ ا

بَيْنَ الرِّسَالَةِ وَالتَّارِيخِ: هَلْ أَسَّسَ يَسُوعُ دِينًا جَدِيدًا أَمْ أَنَّ الْمَسِيحِيَّةَ نِتَاجُ تَطَوُّرٍ لَاحِقٍ؟

الْبَاحِثُ: فُؤَاد زَادِيكِي

يُعَدُّ السُّؤَالُ الْمُتَعَلِّقُ بِطَبِيعَةِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ رِسَالَةِ يَسُوعَ التَّارِيخِيَّةِ وَنَشْأَةِ الْمَسِيحِيَّةِ مِنْ أَكْثَرِ الْأَسْئِلَةِ تَعْقِيدًا فِي فَلْسَفَةِ الدِّينِ وَتَارِيخِ الْأَدْيَانِ. فَهَلْ جَاءَ يَسُوعُ بِدِينٍ جَدِيدٍ مُكْتَمِلِ الْمَعَالِمِ، أَمْ أَنَّ مَا نَعْرِفُهُ الْيَوْمَ بِالْمَسِيحِيَّةِ هُوَ ثَمَرَةُ تَطَوُّرٍ تَارِيخِيٍّ وَتَأْوِيلِيٍّ قَامَتْ بِهِ جَمَاعَتُهُ الْأُولَى؟ وَهَلْ يُمْكِنُ أَصْلًا الْحِفَاظُ عَلَى “رِسَالَةٍ دِينِيَّةٍ نَقِيَّةٍ” عَبْرَ الزَّمَنِ، أَمْ أَنَّ التَّغَيُّرَ شَرْطٌ لَا مَفَرَّ مِنْهُ لِبَقَاءِ أَيِّ مَنْظُومَةٍ دِينِيَّةٍ؟
لِلْإِجَابَةِ عَنْ هَذِهِ الْإِشْكَالِيَّاتِ، لَا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ مُسْتَوَيَاتٍ مُتَرَابِطَةٍ: مُسْتَوَى الرِّسَالَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَمُسْتَوَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِيِّ، وَمُسْتَوَى التَّقْنِينِ الْمُؤَسَّسِيِّ اللَّاحِقِ.
فِي الْمُسْتَوَى الْأَوَّلِ، يَظْهَرُ يَسُوعُ كَشَخْصِيَّةٍ تَارِيخِيَّةٍ تَنْتَمِي إِلَى السِّيَاقِ الْيَهُودِيِّ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ الْمِيلَادِيِّ. لَمْ يُقَدِّمْ نَفْسَهُ، وَفْقَ مَا تَنْقُلُهُ الْمَصَادِرُ الْمُبَكِّرَةُ، بِوَصْفِهِ مُؤَسِّسَ دِينٍ جَدِيدٍ مُنْفَصِلٍ، بَلْ كَمُصْلِحٍ دِينِيٍّ يَدْعُو إِلَى تَجْدِيدِ الْفَهْمِ الدِّينِيِّ السَّائِدِ، وَإِعَادَةِ تَوْجِيهِ الْإِنْسَانِ نَحْوَ عَلَاقَةٍ أَكْثَرَ عُمْقًا مَعَ اللهِ، تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ التَّوْبَةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَانْتِظَارِ مَلَكُوتِ اللهِ. لَمْ يَتْرُكْ يَسُوعُ نَصًّا مَكْتُوبًا، وَلَمْ يَضَعْ نِظَامًا عَقَائِدِيًّا مُتَكَامِلًا، بَلْ كَانَتْ رِسَالَتُهُ أَقْرَبَ إِلَى نِدَاءٍ أَخْلَاقِيٍّ-رُوحِيٍّ مَفْتُوحٍ.
غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ لَمْ تَبْقَ فِي صُورَتِهَا الْأَوَّلِيَّةِ، إِذْ دَخَلَتْ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى بَعْدَ غِيَابِ صَاحِبِهَا فِي طَوْرِ التَّفْسِيرِ. وَهُنَا يَبْرُزُ الدَّوْرُ الْمِحْوَرِيُّ لِبُولُسَ، الَّذِي لَمْ يَكْتَفِ بِنَقْلِ التَّعَالِيمِ، بَلْ أَعَادَ صِيَاغَتَهَا ضِمْنَ أُفُقٍ جَدِيدٍ يَتَجَاوَزُ الْإِطَارَ الْيَهُودِيَّ. لَقَدْ تَحَوَّلَتِ الرِّسَالَةُ مَعَهُ مِنْ دَعْوَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ دَاخِلَ جَمَاعَةٍ مُحَدَّدَةٍ إِلَى عَقِيدَةِ خَلَاصٍ كَوْنِيَّةٍ مُوَجَّهَةٍ إِلَى جَمِيعِ الشُّعُوبِ، حَيْثُ أَصْبَحَ الْإِيمَانُ بِالْمَسِيحِ، لَا الِالْتِزَامُ بِالشَّرِيعَةِ، هُوَ مِحْوَرُ الْخَلَاصِ. هَذَا التَّحَوُّلُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ امْتِدَادٍ بَسِيطٍ، بَلْ إِعَادَةُ تَوْجِيهٍ لِمَرْكَزِ الثِّقَلِ فِي الرِّسَالَةِ.
ثُمَّ جَاءَتِ الْمَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ، حَيْثُ دَخَلَتِ الْكَنِيسَةُ النَّاشِئَةُ فِي عَمَلِيَّةِ تَنْظِيمٍ وَتَقْنِينٍ، بَلَغَتْ ذِرْوَتَهَا فِي الْمَجَامِعِ الْكُبْرَى، حَيْثُ صِيغَتِ الْعَقَائِدُ، وَحُدِّدَتِ الْحُدُودُ الْفَاصِلَةُ بَيْنَ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالِانْحِرَافِ. فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ، تَحَوَّلَتِ التَّجْرِبَةُ الدِّينِيَّةُ إِلَى مَنْظُومَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ وَفِكْرِيَّةٍ مُتَمَاسِكَةٍ، ذَاتِ بِنْيَةٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ وَاضِحَةٍ.
مِنْ هُنَا، يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْمَسِيحِيَّةَ، بِصِيغَتِهَا التَّارِيخِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ، هِيَ نِتَاجُ تَفَاعُلٍ ثُلَاثِيٍّ: رِسَالَةُ يَسُوعَ، وَتَأْوِيلُ أَتْبَاعِهِ، وَسَيْرُورَةُ التَّارِيخِ. وَهَذَا يُفْضِي بِنَا إِلَى الْإِشْكَالِ الْفَلْسَفِيِّ الْأَعْمَقِ: هَلْ مَا نَمْلِكُهُ الْيَوْمَ هُوَ “الرِّسَالَةُ الْأَصْلِيَّةُ”، أَمْ “إِعَادَةُ بِنَائِهَا” عَبْرَ الزَّمَنِ؟
إِنَّ فِكْرَةَ “النَّقَاءِ الْمُطْلَقِ” لِلرِّسَالَةِ الدِّينِيَّةِ تَصْطَدِمُ بِعِدَّةِ مُعَوِّقَاتٍ بُنْيَوِيَّةٍ. فَاللُّغَةُ نَفْسُهَا لَيْسَتْ وِعَاءً شَفَّافًا، بَلْ وَسِيطًا يُعِيدُ تَشْكِيلَ الْمَعْنَى؛ وَالتَّرْجَمَةُ لَيْسَتْ نَقْلًا مُحَايِدًا، بَلْ تَأْوِيلًا. وَالذَّاكِرَةُ الْبَشَرِيَّةُ لَا تَحْفَظُ الْوَقَائِعَ كَمَا هِيَ، بَلْ تُعِيدُ تَرْكِيبَهَا. كَمَا أَنَّ غِيَابَ الْمُؤَسِّسِ يَفْتَحُ الْبَابَ لِتَعَدُّدِ الْفَهْمِ، فِي ظِلِّ غِيَابِ مَرْجِعِيَّةٍ نِهَائِيَّةٍ حَاسِمَةٍ. وَمَعَ تَوَسُّعِ الْجَمَاعَةِ الْمُؤْمِنَةِ، تَفْرِضُ الْحَيَاةُ نَفْسَهَا بِأَسْئِلَتِهَا الْجَدِيدَةِ، مِمَّا يَسْتَدْعِي إِعَادَةَ قِرَاءَةِ النُّصُوصِ فِي ضَوْءِ سِيَاقَاتٍ مُتَغَيِّرَةٍ.
بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، يَصْبَحُ مِنَ الصَّعْبِ الْحَدِيثُ عَنْ “نَقْلٍ حَرْفِيٍّ نَقِيٍّ” لِأَيِّ رِسَالَةٍ دِينِيَّةٍ عَبْرَ التَّارِيخِ. مَا يُمْكِنُ الْحَدِيثُ عَنْهُ، بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، هُوَ “اسْتِمْرَارٌ لِلْجَوْهَرِ” عَبْرَ تَحَوُّلَاتِ الشَّكْلِ. وَهُنَا يَبْرُزُ التَّمْيِيزُ الْفَلْسَفِيُّ بَيْنَ الثَّابِتِ وَالْمُتَغَيِّرِ: بَيْنَ جَوْهَرِ الدِّينِ، الَّذِي يَتَمَثَّلُ فِي الْقِيَمِ وَالْمَعْنَى وَالِاتِّجَاهِ الْعَامِّ، وَبَيْنَ أَشْكَالِهِ التَّعْبِيرِيَّةِ الَّتِي تَخْضَعُ لِلتَّبَدُّلِ.
غَيْرَ أَنَّ هَذَا لَا يَحُلُّ الْإِشْكَالَ، بَلْ يُعَمِّقُهُ. إِذْ يَطْرَحُ سُؤَالًا حَاسِمًا: هَلِ التَّغَيُّرُ فِي الدِّينِ يُمَثِّلُ انْحِرَافًا عَنِ الْأَصْلِ، أَمْ شَرْطًا لِبَقَائِهِ؟
يُمْكِنُ تَصَوُّرُ ثَلَاثَةِ مَوَاقِفَ رَئِيسِيَّةٍ. الْأَوَّلُ يَرَى أَنَّ أَيَّ تَغْيِيرٍ هُوَ تَحْرِيفٌ، انْطِلَاقًا مِنْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْإِلَهِيَّةَ كَامِلَةٌ وَثَابِتَةٌ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْمَوْقِفَ يَصْطَدِمُ بِصُعُوبَةِ تَحْدِيدِ “الْأَصْلِ” ذَاتِهِ. أَمَّا الثَّانِي فَيَرَى أَنَّ التَّغَيُّرَ ضَرُورَةٌ، لِأَنَّ الدِّينَ إِنْ لَمْ يَتَكَيَّفْ مَعَ الْوَاقِعِ يَفْقِدُ قُدْرَتَهُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ. لَكِنَّهُ يُوَاجِهُ خَطَرَ الذَّوَبَانِ وَفُقْدَانِ الْهُوِيَّةِ. أَمَّا الْمَوْقِفُ الثَّالِثُ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ عُمْقًا، فَيَرَى أَنَّ الدِّينَ يَعِيشُ فِي تَوَتُّرٍ دَائِمٍ بَيْنَ الثَّبَاتِ وَالتَّغَيُّرِ؛ فَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى الثَّبَاتِ لِيُحَافِظَ عَلَى هُوِيَّتِهِ، وَإِلَى التَّغَيُّرِ لِيَبْقَى حَيًّا.
فِي ضَوْءِ هَذَا التَّوَتُّرِ، يُمْكِنُ فَهْمُ تَارِيخِ الْمَسِيحِيَّةِ لَا كَخِيَانَةٍ لِلرِّسَالَةِ الْأُولَى، وَلَا كَتَجْسِيدٍ حَرْفِيٍّ لَهَا، بَلْ كَسَيْرُورَةٍ تَأْوِيلِيَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ تُحَاوِلُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْوَاقِعِ. فَالتَّغَيُّرُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ انْحِرَافٍ وَلَا مُجَرَّدَ ضَرُورَةٍ، بَلْ هُوَ مُخَاطَرَةٌ دَائِمَةٌ: بِدُونِهِ يَمُوتُ الدِّينُ، وَمَعَهُ يُخَاطِرُ بِأَنْ يُصْبَحَ شَيْئًا آخَرَ.
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ السُّؤَالَ عَنْ يَسُوعَ وَالْمَسِيحِيَّةِ لَا يُمْكِنُ حَسْمُهُ بِصِيغَةٍ ثُنَائِيَّةٍ بَسِيطَةٍ. فَلَيْسَ صَحِيحًا تَمَامًا أَنَّهُ أَسَّسَ دِينًا جَدِيدًا بِصِيغَتِهِ الْحَالِيَّةِ، وَلَا أَنَّ أَتْبَاعَهُ اخْتَرَعُوا دِينًا مِنْ فَرَاغٍ. الْحَقِيقَةُ تَقَعُ فِي الْمِنْطَقَةِ الْوُسْطَى: حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الرِّسَالَةُ إِلَى تَارِيخٍ، وَالتَّارِيخُ إِلَى عَقِيدَةٍ، وَالْعَقِيدَةُ إِلَى تَقْلِيدٍ حَيٍّ يُعَادُ تَشْكِيلُهُ بِاسْتِمْرَارٍ.
إِنَّ الدِّينَ، فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ نَصٍّ مَحْفُوظٍ، بَلْ تَجْرِبَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ تَتَجَدَّدُ عَبْرَ الزَّمَنِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَبْقَى وَفِيَّةً لِأَصْلِهَا دُونَ أَنْ تَنْفَصِلَ عَنْ وَاقِعِهَا. وَفِي هَذَا التَّوَتُّرِ تَحْدِيدًا يَكْمُنُ سِرُّ بَقَائِهِ، وَمَصْدَرُ إِشْكَالِيَّتِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:58 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke