Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-04-2026, 04:06 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,028
افتراضي الْفِدَاءُ بَيْنَ الْفِكْرِ الْغَرْبِيِّ وَالْأُرْثُوذُكسِيِّ: دِرَاسَةٌ مُقَارَنَةٌ

الْفِدَاءُ بَيْنَ الْفِكْرِ الْغَرْبِيِّ وَالْأُرْثُوذُكسِيِّ: دِرَاسَةٌ مُقَارَنَةٌ

الْبَاحِثُ: فُؤَاد زَادِيكِي

الْفِدَاءُ فِي الْفِكْرِ الْمَسِيحِيِّ يُمَثِّلُ مِحْوَرًا أَسَاسِيًّا لِفَهْمِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ اللهِ وَالْإِنْسَانِ، وَيُعَدُّ نُقْطَةَ الْتِقَاءٍ بَيْنَ الْعَدَالَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَحَبَّةِ الْإِلَهِيَّةِ. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَتَجَاوَزُ كَوْنَهَا مُجَرَّدَ مَفْهُومٍ دِينِيٍّ أَوْ قَانُونِيٍّ، لِتُصْبِحَ قَضِيَّةً وُجُودِيَّةً وَرُوحِيَّةً تَعْكِسُ الصِّرَاعَ الْأَزَلِيَّ بَيْنَ طَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ الْخَاطِئَةِ وَاللهِ الْحَيِّ الْمُحِبِّ. دِرَاسَةُ الْفِدَاءِ تَكْشِفُ كَيْفَ تَعَامَلَتِ الْمَدَارِسُ اللَّاهُوتِيَّةُ الْمُخْتَلِفَةُ مَعَ الْخَطِيئَةِ وَالْخَلَاصِ، وَكَيْفَ حَاوَلَ كُلُّ لَاهُوتِيٍّ تَفْسِيرَ الْمَعْنَى الْعَمِيقِ لِمَوْتِ الْمَسِيحِ عَلَى الصَّلِيبِ.
فِي الْفِكْرِ الْكَاثُولِيكِيِّ الْغَرْبِيِّ، نَجِدُ أَنَّ أَنْسَلْم (1033–1109) رَكَّزَ عَلَى الْبُعْدِ الْعَقْلَانِيِّ وَالْأَخْلَاقِيِّ لِلْفِدَاءِ. وَفْقَ أَنْسَلْم، تُمَثِّلُ الْخَطِيئَةُ إِهَانَةً لِشَرَفِ اللهِ الَّذِي لَا نِهَائِيَّ، وَالْإِنْسَانُ مَحْدُودٌ لَا يَسْتَطِيعُ تَقْدِيمَ تَعْوِيضٍ كَافٍ، لِذَلِكَ جَاءَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ لِيُقَدِّمَ طَاعَةً كَامِلَةً كَتَعْوِيضٍ عَنْ هَذَا الضَّرَرِ الْأَخْلَاقِيِّ، مُؤَكِّدًا بِذَلِكَ أَنَّ الْفِدَاءَ يُعِيدُ التَّوَازُنَ الْأَخْلَاقِيَّ لِلْعَالَمِ وَيُحَقِّقُ الْعَدَالَةَ الْإِلَهِيَّةَ دُونَ الْإِخْلَالِ بِالْمَحَبَّةِ. يَرَى أَنْسَلْم أَنَّ الْفِدَاءَ لَيْسَ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، بَلْ عَمَلٌ عَقْلَانِيٌّ يُرْضِي كَرَامَةَ اللهِ وَيُؤَكِّدُ قِيمَةَ الْعَدَالَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ فِي الْكَوْنِ.
عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، أَعَادَ مَارْتِن لُوثَر (1483–1546) صِيَاغَةَ مَفْهُومِ الْفِدَاءِ مِنْ مَنْظُورٍ شَخْصِيٍّ وَتَجْرِيِبِيٍّ. بِالنِّسْبَةِ لِلُوثَر، الْإِنْسَانُ خَاطِئٌ بِطَبِيعَتِهِ وَعَاجِزٌ عَنْ تَبْرِيرِ نَفْسِهِ أَمَامَ اللهِ، لِذَلِكَ يَتَحَمَّلُ الْمَسِيحُ عُقُوبَةَ الْخَطَايَا نِيَابَةً عَنِ الْبَشَرِ. هَذَا التَّبَادُلُ يَجْعَلُ بِرَّ الْمَسِيحِ يُنْسَبُ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَخَطَايَا الْإِنْسَانِ تُنْسَبُ إِلَى الْمَسِيحِ، لِيُصْبِحَ الْفِدَاءُ أَدَاةً مُبَاشِرَةً لِلْخَلَاصِ الشَّخْصِيِّ بِالْإِيمَانِ. هُنَا يَبْرُزُ الْبُعْدُ الْقَضَائِيُّ وَالْوُجُودِيُّ، حَيْثُ الْفِدَاءُ لَيْسَ فَقَطْ لِإِرْضَاءِ الْعَدْلِ، بَلْ لِيَمْنَحَ الْإِنْسَانَ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّوَاصُلِ الْحُرِّ مَعَ اللهِ وَالْخَلَاصِ مِنْ عِبْءِ الذَّنْبِ، مَعَ التَّرْكِيزِ عَلَى الْعَلَاقَةِ الْفَرْدِيَّةِ وَالْخِبْرَةِ الرُّوحِيَّةِ.
فِي التَّقَالِيدِ الْأُرْثُوذُكسِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ، وَبِالْأَخَصِّ فِي الْكَنِيسَةِ السُّرْيَانِيَّةِ الْأُرْثُوذُكسِيَّةِ، يُفْهَمُ الْفِدَاءُ عَلَى أَنَّهُ عَمَلِيَّةُ شِفَاءٍ وَتَحْوِيلٍ لِلطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ. لَاهُوتِيُّونَ مِثْلُ مَارِ أَفْرَامَ السُّرْيَانِيِّ (306–373) وَيُوسُفَ السُّرْيَانِيِّ (375–521) يَرَوْنَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ طَبِيبٌ لِلرُّوحِ الْبَشَرِيَّةِ، يُحَرِّرُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْمَوْتِ وَالْخَطِيئَةِ وَيَمْنَحُهُ حَيَاةً جَدِيدَةً مَعَ اللهِ. الصَّلِيبُ فِي هَذَا السِّيَاقِ يُمَثِّلُ انْتِصَارًا لِلْخَيْرِ عَلَى الشَّرِّ وَأَدَاةَ مَحَبَّةٍ شَامِلَةٍ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ دَفْعِ ثَمَنٍ أَوْ تَحَمُّلِ عُقُوبَةٍ بَدِيلَةٍ كَمَا هُوَ شَائِعٌ فِي بَعْضِ التَّفْسِيرَاتِ الْغَرْبِيَّةِ.
فِي الْكَنِيسَةِ الْقِبْطِيَّةِ الْأُرْثُوذُكسِيَّةِ، الَّتِي تَتَّبِعُ نَفْسَ التَّقْلِيدِ الْمِيَافِيزِيِّ (Miaphysite)، يَرَى لَاهُوتِيُّونَ مِثْلُ الْقِدِّيسِ أَثَنَاسِيُوسَ الْكَبِيرِ (296–373) وَيُوحَنَّا كِيبرِيَانُوسَ الْقِبْطِيِّ أَنَّ الْفِدَاءَ هُوَ اتِّحَادُ الْمَسِيحِ بِالْإِنْسَانِيَّةِ، يُحَقِّقُ تَقْدِيسَ الْإِنْسَانِ وَحَيَاةً جَدِيدَةً مَعَهُ. الْفِدَاءُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ حِسَابٍ قَانُونِيٍّ، بَلْ عَمَلِيَّةٌ وُجُودِيَّةٌ عَمِيقَةٌ تُحَرِّرُ الْإِنْسَانَ وَتُعِيدُ لَهُ مَكَانَتَهُ فِي الْعَلَاقَةِ مَعَ اللهِ، وَتُؤَكِّدُ أَنَّ الصَّلِيبَ هُوَ رَمْزٌ لِلنَّصْرِ عَلَى الشَّرِّ وَالتَّجْدِيدِ الرُّوحِيِّ، لَا أَدَاةُ عُقُوبَةٍ بَدِيلَةٍ.
عِنْدَ مُقَارَنَةِ هَذِهِ الْمَدَارِسِ، نَجِدُ فُرُوقًا أَسَاسِيَّةً: فِي الْغَرْبِ، يَرْتَكِزُ الْفِدَاءُ عَلَى الْبُعْدِ الْعَدْلِيِّ وَالْأَخْلَاقِيِّ وَالْقَضَائِيِّ، مَعَ اخْتِلَافٍ بَيْنَ تَرْكِيزِ أَنْسَلْم عَلَى إِرْضَاءِ شَرَفِ اللهِ وَبَيْنَ تَرْكِيزِ لُوثَر عَلَى تَحَمُّلِ الْعُقُوبَةِ وَالْخَلَاصِ الشَّخْصِيِّ بِالْإِيمَانِ. أَمَّا فِي الشَّرْقِ، فَيَبْرُزُ الْبُعْدُ الرُّوحِيُّ وَالتَّحْوِيلِيُّ وَالْفِكْرِيُّ الْوُجُودِيُّ، حَيْثُ الْفِدَاءُ يُعَالِجُ طَبِيعَةَ الْإِنْسَانِ وَيُحَرِّرُهُ مِنَ الشَّرِّ وَالْخَطِيئَةِ وَيُعِيدُ لَهُ الْحَيَاةَ فِي الِاتِّحَادِ مَعَ اللهِ. وَرَغْمَ اخْتِلَافِ التَّفَاصِيلِ، تَتَّفِقُ جَمِيعُ الْمَدَارِسِ عَلَى أَنَّ الصَّلِيبَ يُمَثِّلُ الْحَدَثَ الْمَرْكَزِيَّ، لَكِنَّهُ يُفَسَّرُ وَفْقَ أَبْعَادٍ مُخْتَلِفَةٍ: كَوَسِيلَةٍ لِإِرْضَاءِ الْعَدْلِ أَوْ تَحَمُّلِ الْعُقُوبَةِ فِي الْغَرْبِ، وَكَأَدَاةٍ لِلشِّفَاءِ وَالِانْتِصَارِ عَلَى الشَّرِّ وَتَحْوِيلِ الْإِنْسَانِ فِي الشَّرْقِ.
يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْفِدَاءَ فِي الْمَسِيحِيَّةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَفْهُومٍ نَظَرِيٍّ، بَلْ تَجْرِبَةٌ رُوحِيَّةٌ وَوُجُودِيَّةٌ، وَهُوَ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي يُعِيدُ مِنْ خِلَالِهَا اللهُ الْإِنْسَانَ إِلَى الْمَحَبَّةِ وَيُحَقِّقُ الْعَدَالَةَ وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْمَحَبَّةِ فِي جَوْهَرِ الْمَسِيحِيَّةِ. هَذَا التَّنَوُّعُ فِي التَّفْسِيرِ يَعْكِسُ غِنَى الْفِكْرِ الْمَسِيحِيِّ وَعُمْقَ فَهْمِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ اللهِ وَالْإِنْسَانِ، وَيُوَضِّحُ كَيْفَ أَنَّ الْفِدَاءَ، رَغْمَ اخْتِلَافِ طُرُقِ تَفْسِيرِهِ، يَظَلُّ سِرًّا مَرْكَزِيًّا وَجَوْهَرِيًّا فِي كُلِّ الْمَدَارِسِ الْمَسِيحِيَّةِ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:12 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke