![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
خَيْبَةُ الأَمَلِ... حِينَ يَتَغَيَّرُ شَيْءٌ فِي دَاخِلِنَا
ضِمْنَ سِلْسِلَةِ «رِحْلَةِ الحَيَاةِ» بِقَلَمِ الشَّاعِرِ وَالبَاحِثِ فُؤَاد زَادِيكِي خَيْبَةُ الأَمَلِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حُزْنٍ يَمُرُّ بِنَا، بَلْ هِيَ تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي نَكْتَشِفُ فِيهَا أَنَّ مَا كُنَّا نَرَاهُ بِعَيْنِ القَلْبِ لَمْ يَكُنْ كَمَا ظَنَنَّاهُ. قَدْ نُخَيَّبُ فِي أَمَلٍ، أَوْ فِي حُلْمٍ، أَوْ فِي طَرِيقٍ سَلَكْنَاهُ بِكُلِّ مَا فِينَا مِنْ ثِقَةٍ، وَلَكِنَّ أَقْسَى الخَيْبَاتِ تِلْكَ الَّتِي تَأْتِي مِنْ إِنْسَانٍ مَنَحْنَاهُ مَكَانًا آمِنًا فِي أَعْمَاقِنَا، ثُمَّ اكْتَشَفْنَا أَنَّنَا كُنَّا نَضَعُ ثِقَتَنَا فِي المَكَانِ الخَاطِئِ. وَمَا يُؤْلِمُنَا فِي الخَيْبَةِ لَيْسَ الشَّخْصُ وَحْدَهُ، بَلْ تِلْكَ الصُّورَةُ الجَمِيلَةُ الَّتِي صَنَعْنَاهَا لَهُ، وَتِلْكَ الأَيَّامُ الَّتِي تَخَيَّلْنَاهَا مَعَهُ، وَذَلِكَ الأَمَانُ الَّذِي ظَنَنَّا أَنَّهُ لَنْ يَخُونَ. نَبْكِي أَحْيَانًا لَا عَلَى مَنْ رَحَلَ، بَلْ عَلَى نَفْسِنَا الَّتِي كَانَتْ تُصَدِّقُهُ، وَعَلَى قَلْبِنَا الَّذِي فَتَحَ بَابَهُ بِبَرَاءَةٍ، فَدَخَلَ مِنْهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِقُّ الدُّخُولَ. وَلَكِنَّنَا، بَعْدَ أَنْ يَهْدَأَ الوَجَعُ قَلِيلًا، نَكْتَشِفُ أَنَّ الخَيْبَةَ لَمْ تَكُنْ عِقَابًا لِطِيبَتِنَا، وَأَنَّ الثِّقَةَ لَيْسَتْ ضَعْفًا، وَأَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ لَا يَجْعَلُنَا سُذَّجًا. إِنَّمَا كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ أَنَّ القُلُوبَ لَا تُفْتَحُ كُلُّهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَأَنَّ الثِّقَةَ تُبْنَى بِالمَوَاقِفِ، وَأَنَّ الكَلِمَاتِ، مَهْمَا كَانَتْ جَمِيلَةً، لَا تَكْفِي وَحْدَهَا لِتَصْنَعَ إِنْسَانًا جَدِيرًا بِالثِّقَةِ. وَلِذَلِكَ، حِينَ نُخَيَّبُ، لَا يَجِبُ أَنْ نُغْلِقَ قُلُوبَنَا فِي وَجْهِ الحَيَاةِ. لَا نَقُلْ: «لَا أَحَدَ يُؤْتَمَنُ»، لِأَنَّ شَخْصًا وَاحِدًا خَانَ الأَمَانَةَ، وَلَا نَقُلْ: «لَا حُبَّ يَدُومُ»، لِأَنَّ عَلاقَةً وَاحِدَةً انْتَهَتْ. فَلَيْسَ مِنَ العَدْلِ أَنْ نُحَمِّلَ الحَيَاةَ كُلَّهَا خَطَأَ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَلَا أَنْ نَجْعَلَ مِنْ خَيْبَةٍ وَاحِدَةٍ قَانُونًا لِكُلِّ مَا سَيَأْتِي. إِنَّ التَّجَاوُزَ عَنِ الخَيْبَةِ لَا يَعْنِي أَنْ نَنْسَى، بَلْ أَنْ نَتَذَكَّرَ دُونَ أَنْ نَنْكَسِرَ. أَنْ نَحْمِلَ مِنَ التَّجْرِبَةِ حِكْمَتَهَا، وَنَتْرُكَ وَجَعَهَا يَرْحَلُ تَدْرِيجِيًّا. فَقَدْ تَكُونُ بَعْضُ الخَيْبَاتِ ضَرُورِيَّةً لِنَرَى مَا لَمْ نَكُنْ نَرَاهُ، وَلِنَفْهَمَ أَنَّ مَنْ يَخْذُلُنَا لَا يَمْلِكُ بِالضَّرُورَةِ القُدْرَةَ عَلَى تَحْدِيدِ قِيمَتِنَا. وَرُبَّمَا كَانَ أَجْمَلُ مَا فِي النُّضْجِ أَنَّنَا نَتَعَلَّمُ أَنْ نُسَامِحَ أَنْفُسَنَا عَلَى مَا لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهُ يَوْمَئِذٍ. فَلَا نَلُومُ أَنْفُسَنَا لِأَنَّنَا أَحْبَبْنَا، وَلَا لِأَنَّنَا وَثِقْنَا، وَلَا لِأَنَّنَا رَأَيْنَا الخَيْرَ فِي مَنْ لَمْ يَرَهُ فِي نَفْسِهِ. نَتَعَلَّمُ فَقَطْ، وَنَمْضِي. سَيَأْتِي يَوْمٌ نَنْظُرُ فِيهِ إِلَى تِلْكَ الخَيْبَةِ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، فَنَرَاهَا أَصْغَرَ مِمَّا كَانَتْ فِي أَعْيُنِنَا، وَنَفْهَمُ أَنَّنَا لَمْ نَخْسَرْ كُلَّ شَيْءٍ؛ فَقَدْ خَسِرْنَا شَخْصًا أَوْ حُلْمًا أَوْ طَرِيقًا، وَلَكِنَّنَا رَبِحْنَا بَصِيرَةً لَمْ تَكُنْ لَدَيْنَا. وَهَكَذَا تَمْضِي رِحْلَةُ الحَيَاةِ... نَنْكَسِرُ قَلِيلًا، ثُمَّ نَتَرَمَّمُ، نَخْيَبُ، ثُمَّ نَتَعَلَّمُ، نَفْقِدُ، ثُمَّ نَكْتَشِفُ أَنَّ فِي الحَيَاةِ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ نَمْنَحَهُ قَلْبَنَا مِنْ جَدِيدٍ. فَلَا تَجْعَلْ خَيْبَتَكَ سِجْنًا لِرُوحِكَ، وَلَا تَجْعَلْ مِنْ جُرْحِكَ مِرْآةً تَرَى فِيهَا كُلَّ النَّاسِ. دَعْهَا تَمْضِي، وَخُذْ مِنْهَا دَرْسَهَا، وَاحْتَفِظْ فِي قَلْبِكَ بِمَا يَجْعَلُكَ إِنْسَانًا أَلْطَفَ، وَأَوْعَى، وَأَقْوَى. فَلَيْسَتِ القُوَّةُ أَلَّا نُخَيَّبَ أَبَدًا، بَلْ أَنْ نَخْرُجَ مِنَ الخَيْبَةِ وَقُلُوبُنَا مَا زَالَتْ قَادِرَةً عَلَى الحُبِّ، وَلَكِنْ بِبَصِيرَةٍ أَعْمَقَ. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|