Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-09-2026, 07:46 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,288
افتراضي فلسطين بين التاريخ والسياسة ومتاجرة الحكام بقضية شعبها بقلم الباحث فؤاد زاديكي إن ا

فلسطين بين التاريخ والسياسة ومتاجرة الحكام بقضية شعبها

بقلم الباحث فؤاد زاديكي

إن القضية الفلسطينية من أكثر القضايا التي تعرضت خلال القرن العشرين والحادي والعشرين للتوظيف السياسي والمتاجرة بالشعارات، ولم يكن الشعب الفلسطيني وحده ضحية الصراع مع الحركة الصهيونية وإسرائيل، بل كان في أحيان كثيرة ضحية للسياسات العربية الرسمية التي رفعت اسمه وقضيته في الخطب والمنابر، ثم جعلت من فلسطين أداة لتحقيق مصالحها السياسية، وتثبيت شرعيتها، وإشغال شعوبها عن أزماتها الداخلية، والإبقاء على حالة التعبئة المستمرة التي تبرر استمرار الأنظمة وسياساتها.

ولكي نفهم هذه القضية بعيداً عن الشعارات، لا بد من العودة إلى التاريخ نفسه، فهذه الأرض ليست أرضاً بلا تاريخ، ولا يمكن اختزال تاريخها في الرواية التي تريدها هذه الجهة أو تلك. فالوجود اليهودي في أرض إسرائيل التاريخية ليس اختراعاً حديثاً، بل تؤكده المصادر الدينية والتاريخية والأثرية. فقد قامت في المنطقة ممالك يهودية قديمة، أبرزها مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا، وكان لليهود وجود حضاري وديني وسياسي متواصل، وإن تخللته فترات من الانقطاع والهجرة والشتات. كما أن القرآن الكريم نفسه يتحدث عن الأرض المقدسة وبني إسرائيل، ومن ذلك قوله تعالى: «يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ» (المائدة: 21). وهذه حقيقة دينية لا يمكن تجاهلها في أي نقاش جاد حول علاقة اليهود بهذه الأرض.

وفي الوقت نفسه، فإن الاعتراف بالجذور التاريخية والدينية للشعب اليهودي في هذه الأرض لا يعني إنكار وجود السكان العرب الذين عاشوا فيها خلال قرون طويلة، ولا إنكار تشكل هوية فلسطينية عربية حديثة. فالتاريخ لا يمنحنا صورة لشعب واحد بقي وحده في الأرض منذ بداية التاريخ حتى اليوم، وإنما صورة معقدة لشعوب وإمبراطوريات وديانات وجماعات سكنت المنطقة وتعايشت وتصادمت وتبادلت التأثير.

ومن هنا ينبغي أيضاً التعامل بحذر مع مسألة اسم «فلسطين». فالاسم بصيغته اليونانية واللاتينية كان معروفاً قبل العصر الروماني المتأخر بقرون، وليس صحيحاً تاريخياً القول إن الإمبراطور هادريان اخترعه سنة 136 للميلاد. غير أن هادريان أعاد تنظيم التسمية الإدارية الرومانية بعد ثورة بار كوخبا، وأصبحت المنطقة تُعرف باسم «سوريا فلسطين» (Syria Palaestina). أما الربط بين هذه التسمية وبين رغبة هادريان في الانتقام من اليهود ومحو اسم يهودا، فهو تفسير تاريخي شائع، لكنه ليس أمراً يمكن إثباته باعتباره الدافع الوحيد أو المؤكد للتسمية.

كما أن الفلسطينيين القدماء، المعروفين في المصادر القديمة باسم الفلسطينيين أو Philistines، كانوا شعباً قديماً استقر خصوصاً في الساحل الجنوبي لبلاد الشام. وهناك صلات بحثية بينهم وبين ما يسمى شعوب البحر، لكن اختزال أصلهم في أنهم «يونانيون من بحر إيجة» يحتاج إلى قدر أكبر من التحفظ، لأن الأدلة الأثرية والتاريخية تشير إلى تركيب أكثر تعقيداً. والأهم أن الفلسطينيين القدماء ليسوا ببساطة مرادفاً للسكان العرب الفلسطينيين الذين تشكلت هويتهم في العصور اللاحقة.

إن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه الحقائق التاريخية إلى أدوات دعائية. فكما أن وجود ممالك يهودية قديمة لا يسمح بتجاهل السكان الذين عاشوا في المنطقة بعد ذلك، فإن وجود سكان عرب فلسطينيين لا يسمح بدوره بمحو التاريخ اليهودي القديم أو إنكار العلاقة العميقة لليهود بهذه الأرض. ومن الخطأ أن يحاول أي طرف بناء حقه المعاصر على حذف تاريخ الطرف الآخر.

وعندما وصل الصراع إلى القرن العشرين، دخلت القضية مرحلة جديدة تماماً. ففي عام 1947 طرحت الأمم المتحدة مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، مع نظام خاص للقدس. قبلت القيادة الصهيونية القرار من حيث المبدأ، بينما رفضته القيادة العربية والفلسطينية والدول العربية آنذاك. وبعد إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 اندلعت الحرب، وتدخلت جيوش عربية عدة، وانتهت الحرب بنتائج عسكرية وسياسية مختلفة جذرياً عما كانت تطمح إليه تلك الحكومات. ووقعت النكبة الفلسطينية، التي أدت إلى نزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين وتحولهم إلى لاجئين.

ومن هنا يمكن طرح السؤال الذي ينبغي أن يكون أكثر حضوراً في الوعي العربي: هل خدمت الحروب العربية المتكررة القضية الفلسطينية فعلاً؟ أم أنها، في بعض مراحلها، ألحقت بالشعب الفلسطيني خسائر إضافية؟ فالحرب لا تصبح ناجحة لمجرد أن شعارها كان تحرير فلسطين، ولا يصبح القرار السياسي صائباً لمجرد أنه اتخذ باسم فلسطين. المعيار الحقيقي هو النتيجة التي حققها للشعب الفلسطيني.

لقد أثبتت العقود اللاحقة أن كثيراً من الأنظمة العربية جعلت من فلسطين وسيلة لإدارة شعوبها أكثر مما جعلتها مشروعاً سياسياً قابلاً للتحقيق. فحين يفشل النظام في تحقيق التنمية والعدالة والحرية، يصبح من السهل توجيه اهتمام المواطن نحو العدو الخارجي، وتقديم السلطة نفسها باعتبارها الحصن الذي يحمي الأمة من الخطر. وهكذا تتحول فلسطين من قضية شعب له حقوق محددة إلى شعار دائم يمكن استخدامه لتبرير كل شيء.

وقد انعكس ذلك أيضاً على التعليم والثقافة السياسية. فقد امتلأت المناهج المدرسية العربية لعقود طويلة بالحديث عن فلسطين وإسرائيل، وفي كثير من الأحيان جرى تقديم الصراع بطريقة عاطفية وأيديولوجية أكثر منها تاريخية وسياسية. تعلمت أجيال كاملة أن تكره إسرائيل، لكنها لم تتعلم بالقدر نفسه كيف تفهم طبيعة الصراع، وكيف تُبنى الدول، وكيف تعمل الدبلوماسية، وكيف تستثمر موازين القوى، وكيف يتحول التعاطف الدولي إلى مكاسب سياسية.

وكانت بعض الشعارات السياسية التي رفعتها قيادات عربية وفلسطينية مثالاً على هذا الخلل. فقد ارتبط اسم أحمد الشقيري، أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، بخطاب شديد التصعيد تجاه إسرائيل، ومن بين أشهر الشعارات التي ارتبطت بتلك المرحلة فكرة إلقاء إسرائيل في البحر. ومهما كانت الظروف السياسية التي أنتجت ذلك الخطاب، فإن مثل هذه الشعارات لم تكن مفيدة للقضية الفلسطينية من الناحية السياسية، لأنها أتاحت للخصوم تقديم المطالب الفلسطينية أمام العالم باعتبارها دعوة إلى إزالة دولة وشعب، بدلاً من التركيز على حقوق الفلسطينيين ومأساتهم ومستقبلهم.

والأمر نفسه ينطبق على الأصوات التي ما زالت، بعد كل هذه العقود، تدعو إلى القضاء على إسرائيل من دون أن تقدم تصوراً واقعياً لما بعد ذلك. إن السياسة ليست مسابقة في رفع سقف الشعارات، والعداء السياسي لا يكفي لصناعة النصر. عندما يكون الهدف المعلن غير قابل للتحقيق وفق موازين القوى القائمة، فإن تكراره لعقود لا يجعله أكثر واقعية، بل قد يحول القضية إلى أسيرة لشعار لا نهاية له.

وهنا تكمن المأساة الكبرى: الفلسطيني الذي دفع حياته وأرضه ومستقبله ثمناً لهذا الصراع وجد نفسه في كثير من الأحيان مجرد رقم في خطاب سياسي عربي أو فلسطيني. استخدمته الأنظمة العربية لإثبات قوميتها، واستخدمته قوى إقليمية في صراعاتها، واستخدمته حركات سياسية مختلفة لإثبات شرعيتها، بينما بقي السؤال الأساسي: ماذا حقق كل ذلك للفلسطيني نفسه؟

لقد دفع الفلسطينيون ثمناً هائلاً من الحروب والهزائم والانقسامات واللجوء والتهجير، وكان من حقهم أن يحصلوا على قيادة سياسية تضع مصالحهم فوق مصالح الأنظمة العربية، وفوق الحسابات الشخصية للزعماء، وفوق المزايدات الأيديولوجية. وكان من حقهم أيضاً أن يعرفوا الحقيقة كاملة، لا أن يعيشوا على الوعود المتكررة بتحرير شامل لم يتحقق، بينما تتغير الأجيال ويبقى اللاجئ لاجئاً، ويبقى المواطن الفلسطيني ينتظر الدولة التي طال انتظارها.

إن النقد الحقيقي للحكام العرب لا يعني تبرئة إسرائيل من مسؤوليتها عن سياساتها وقراراتها وأفعالها، ولا يعني إنكار المآسي التي تعرض لها الفلسطينيون، وإنما يعني رفض تحويل هذه المآسي إلى ذريعة تمنع مراجعة الأخطاء العربية والفلسطينية. فالإنصاف التاريخي يقتضي أن تكون المسؤولية قابلة للنقد من جميع الأطراف، وأن نرفض فكرة أن طرفاً يصبح معصوماً من الخطأ لمجرد أنه يرفع شعار فلسطين.

لقد آن الأوان لأن يتحول التعامل مع القضية الفلسطينية من ثقافة الشعارات إلى ثقافة السياسة. فالحقوق لا تحميها الخطب وحدها، والدول لا تبنى بالأمنيات، والشعوب لا تتحرر بالوعود، والحروب لا تصبح حكيمة لمجرد أنها خاضت باسم قضية عادلة. إن أفضل ما يمكن تقديمه للشعب الفلسطيني هو استراتيجية سياسية واقعية تحافظ على حقوقه، وتضع مصلحته أولاً، وتستفيد من القانون الدولي والدبلوماسية والعلاقات الدولية وموازين القوى، بدلاً من إبقائه رهينة لأحلام سياسية لم تستطع العقود الماضية تحقيقها.

إن فلسطين ليست ملكاً للحكام العرب، وليست ورقة تفاوض في أيدي الأنظمة، وليست وسيلة لإشغال الشعوب عن مشكلاتها الداخلية. فلسطين قضية شعب دفع ثمناً باهظاً، ومن حق هذا الشعب أن يعرف لماذا خسر، ومن اتخذ القرارات التي أدت إلى خسارته، ولماذا تكررت الأخطاء جيلاً بعد جيل.

والدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من التاريخ هو أن أكبر خدمة يمكن تقديمها للفلسطينيين ليست المزيد من الشعارات، بل المزيد من الصراحة. فالشعب الذي يُحترم هو الشعب الذي تُقال له الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة مؤلمة. وإذا كان الحكام العرب قد أخطأوا في حساباتهم وحروبهم وسياساتهم، فإن الاعتراف بذلك ليس خيانة لفلسطين، وإنما قد يكون الخطوة الأولى نحو إنقاذ قضيتها من المتاجرة بها، وإعادة وضع الإنسان الفلسطيني في مركزها، بدلاً من أن يبقى وقوداً لصراعات الآخرين وكراسٍ سياسية لم تكن فلسطين، في كثير من الأحيان، سوى إحدى وسائل الحفاظ عليها.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:05 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke