القدس وفلسطين بين التاريخ القديم والهوية العربية الحديثة بقلم الباحث فؤاد زاديكي إن
القدس وفلسطين بين التاريخ القديم والهوية العربية الحديثة
بقلم الباحث فؤاد زاديكي
إنّ النقاش حول القدس وفلسطين يحتاج إلى العودة إلى الأدلّة التاريخية لا إلى الروايات القومية الحديثة. فالقدس مدينة مُوغِلة في القِدَم، واسمها نفسه سابق للإسلام بأكثر من ألف عام. ففي وثائق تل العمارنة المصرية من القرن الرابع عشر قبل الميلاد تظهر صيغ قديمة للاسم، مثل أوروشاليم (Urusalim)، ثم استقرّت الصيغة العبرية يروشليم (Yerushalayim) في التراث اليهودي. وفي العصر اليوناني ظهرت صيغة Hierosolyma، وفي العصر الروماني، بعد إعادة تأسيس المدينة في عهد هادريان، حملت اسم Aelia Capitolina. أمّا في العصر الإسلامي فظهرت تسميات عربية مثل إيلياء وبيت المقدس والقدس. وتاريخ أسماء المدينة وحده يكفي لإثبات أنّ اسمها العربي ليس أصل وجودها، بل هو مرحلة لاحقة في تاريخ مدينة أقدم بكثير.
والصلة اليهودية بالقدس ليست مُجرّد رواية دينية مُتأخّرة، فقد كانت المدينة عاصمة لمملكة يهوذا ومركزًا دينيًّا وسياسيًّا يهوديًّا، وارتبطت بتاريخ الهيكلين وبالحياة اليهودية القديمة. وهذه الصّلة تؤيدها النصوص القديمة والآثار والنقوش، ولا تعتمد على الكتاب المقدس وحده. ولذلك فإنّ إنكار الجذور اليهودية القديمة للقدس لا ينسجم مع الأدلة التاريخية المُتاحة. أمّا فلسطين، فالأمر مُختلف عن الادّعاء بأنّها كانت منذ القدم «دولة عربية». فاسم Palaistinē معروف في المصادر اليونانية قبل الإسلام بقرون، ولا سيّما عند هيرودوت، كما أنّ مُصطلحات أقدم مُرتبطة بالفلسطينيين القدماء تظهر في المصادر المصرية والشرقية. وهذا يُثبت قدم الاسم الجغرافي، لكنّه لا يُثبت أنّ سكان فلسطين القديمة كانوا عربًا، ولا أنّ الفلسطينيين القدماء هم ببساطة الشعب الفلسطيني الحديث من دون تحوّلات تاريخية ولغوية وسكانية طويلة.
والأدقّ كذلك ألّا نقول إنّ العرب لم يُوجدوا إطلاقًا في بلاد الشام قبل الإسلام، فهناك أدلّة على وجود جماعات عربية في مناطق من جنوب بلاد الشام وشمال غرب الجزيرة العربية قبل القرن السابع الميلادي، ومن بينها الأدلّة المُرتبطة بالأنباط والنقوش العربية الشمالية. لكن هذا شيء مُختلف تمامًا عن إثبات وُجود مجتمع عربي مهيمن في القدس نفسها قبل الفتح الإسلامي. ولا تتوفّر، في حدود الأدلة المعروفة، شواهد مُماثلة تُثبت أنّ القدس كانت مدينة عربية قبل الفتح. ولذلك فإنّ القول بوجود عربي واسع فيها قبل الإسلام يحتاج إلى دليل مُباشر، لا إلى الاستناد إلى وجود جماعات عربية في مناطق أخرى. أمّا التحوّل الحاسم في تاريخ القدس السياسي، فجاء في القرن السابع الميلادي مع الفتح العربي الإسلامي، حين انتقلت المدينة من الحكم البيزنطي إلى الحكم الإسلامي. ومنذ ذلك الوقت أصبحت العربية والإسلام جزءًا أساسيًّا من تاريخ المدينة، واستمرّت هذه المرحلة قرونًا طويلة. وهذا واقع تاريخي لا حاجة إلى إنكاره، لكنّه لا يمحو الطبقات الأقدم من تاريخ القدس، كما أنّ الحكم اليهودي القديم لا يمحو المراحل الرومانية والبيزنطية والإسلامية اللاحقة. ومن الخطأ كذلك استخدام اسم فلسطين القديم لإثبات أنّ المنطقة كانت «عربيّة» منذ العصور القديمة. فالاسم أقدم من الإسلام، لكنّ قِدَم الاسم لا يساوي قِدَم الهُوِيّة العربية. وبالمثل، فإنّ عدم وُجود دولة فلسطينية مُستقلّة في العصور القديمة لا يعني أنّ الهُوِيّة الفلسطينية الحديثة لا وُجود لها، فالهُوِيّات القومية الحديثة تشكّلت في القرنين الأخيرين في سياق مُختلف تمامًا عن عالم الممالك القديمة والإمبراطوريات.
والخلاصة التي تسمح بها الأدلّة أكثر تحديدًا من الشعارات القومية: القدس ذات جذور تاريخية يهودية عميقة ومُوثّقة، واسمها المعروف في أقدم المصادر يسبق الإسلام بقرون طويلة، والوُجود الإسلامي في القدس بدأ مع الفتح العربي الإسلامي في القرن السابع، أمّا وجود العرب قبل الإسلام في أجزاء من المنطقة فهو ثابت، لكنْ لا توجد أدلّة كافية تجعل من ذلك دليلًا على وجود عربي مُهَيمِن في القدس نفسها، واسم فلسطين قديم، لكنّه لا يُثبت أنّ سكّان المنطقة القديمة كانوا عربًا أو أنّ الهُوِيّة الفلسطينية الحديثة تعود دون انقطاع إلى العصر القديم. لهذا ينبغي أن يقوم النقاش على الأدلّة لا على تحويل الماضي إلى امتداد مُباشر للقوميات الحديثة. فالقدس يمكن أن تكون ذات تاريخ يهودي قديم مُوثّق، وفي الوقت نفسه مدينة شهدت لاحقًا تاريخًا مسيحيًّا ورومانيًّا وبيزنطيًّا وإسلاميًّا وعربيًّا. الاعتراف بطبقة تاريخية لا يَستلزم اختراع طبقات أخرى أو إنكارها، والمشكلة تبدأ حين يُستخدَم اسم قديم أو حكم سياسي لاحق لإعادة كتابة تاريخ آلاف السنين بما يخدم مطالبة قومية معاصرة.
__________________
fouad.hanna@online.de
|