![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
||||
|
||||
|
أكذب ما قرأت! بقلم: فؤاد زاديكي أكذب ما قرأت من شعارات مُعلّقة على جدران المؤسسات الرسمية، كأنّها حقائق مُنزّلة لا يجوز الشكّ فيها، أو كأنّ مجرّد كتابتها على الجدران كافٍ لجعلها واقعًا مُعاشًا: - الشّرطة في خدمة الشّعب. - العدل سيّد الأحكام. - وجعلنا أمرهم شورى بينهم. - رئيس الجمهورية يمثّل الشعب. - الشعب صاحب القرار. - الشعب مصدر السلطات. - لا أحد فوق القانون. - الكلّ متساوون أمام القانون. - بترول العرب للعرب. - قضية فلسطين قضية كلّ العرب. - الاستعمار سبب تخلّف الشعوب. - إن ينصركم الله فلا غالب لكم. - وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. - حبّ الوطن من الإيمان. - الرجل المناسب في المكان المناسب. أكذّبها، لا لأنّ ما تحمله من معانٍ باطل، بل لأنّها من أسمى ما يمكن أن تؤمن به الشعوب، ولأنّ الواقع الذي يُفترَض أن يُجسّدها كثيرًا ما يناقضها. فأيّ قيمة لشعار «الشرطة في خدمة الشعب» حين يشعر المواطن أنّه في خدمة السلطة؟ وأيّ معنى للحديث عن سيادة القانون حين يصبح القانون صارمًا مع الضعفاء، مَرِنًا أمام أصحاب النفوذ؟ وأيّ شُورى تلك التي لا يُسمع فيها صوت الناس؟ وأيّ سيادة للشعب حين يُستدعَى للتصفيق ولا يُستشار في القرار؟ وأيّ مُساواة أمام القانون إذا كانت العدالة تتفاوت بتفاوت الجاه والمال والموقع؟ وما معنى أن يكون رئيس الجمهورية ممثّلًا للشعب إذا لم يكن الشعب هو من يختاره بحرية، ويملك حقّ محاسبته وتغيير من يمثّله؟ وما جدوى القول إنّ الشعب مصدر السلطات إذا كانت هذه السلطات لا تستمدّ شرعيتها منه إلّا في المناسبات والخطابات؟ أمّا شعار «الرجل المناسب في المكان المناسب»، الذي يُفترض أن يكون قاعدة أساسية في إدارة المؤسسات، ومعيارًا لاختيار المسؤولين استنادًا إلى الخبرة والكفاءة والمؤهّلات العلمية والمعرفة العملية، فلا يكاد يجد له أثرًا إيجابيًّا يُذكر في واقع كثير من المؤسسات. فقد قَلَبت المحسوبيات والحزبيُات والمصالح الشخصية المعايير رأسًا على عقب، وأصبح الرجل غير المناسب يُوضَع في موقع لا يستحقّه، بينما يُقصَى من هو أجدر منه وأكثر كفاءة وخبرة. ولعلّ هذا أحد الأسباب الرئيسية لما نشهده من مظاهر الفشل والتراجع وسوء التخطيط في العديد من المؤسسات الحكومية. فبدلًا من أن تكون الكفاءة هي المعيار، أصبحت الولاءات الحزبية والشخصية، والانتماء إلى حزب السلطة، في كثير من الأحيان، طريقًا مختصرًا للوصول إلى المناصب. وقد رأينا ذلك بوضوح في ظلّ حكم الأنظمة الشمولية، حيث أُسنِدت إدارة المدارس والمؤسسات الحكومية والإدارات العامّة إلى أشخاص لا تتناسب مؤهّلاتهم العلمية أو الثقافية أو خبراتهم الإدارية والعملية مع حجم المسؤوليات المُلقاة على عاتقهم، في حين حُرِم أصحاب الكفاءة من فرصهم بسبب عدم انتمائهم إلى الحزب الحاكم أو عدم ولائهم لأصحاب القرار. وهنا يحقّ لنا أن نتساءل: أين هو الرجل المناسب في المكان المناسب؟ وأيّ قيمة لهذا الشعار إذا كانت الممارسة الفعلية تقوم على تقديم الولاء على الكفاءة، والانتماء على الاستحقاق، والمصلحة الشخصية على المصلحة العامّة؟ إنّه شعار جميل في صياغته، لكنّه، حين يُفرَغ من مضمونه، لا يعدو أن يكون عبارة أخرى تُعلّق على الجدران، لتُضاف إلى قائمة الشعارات التي نقرؤها ولا نرى لها انعكاسًا حقيقيًا في واقعنا. أمّا شعار «بترول العرب للعرب»، فهو من الشعارات التي تبدو جميلة في صياغتها، بعيدة عن واقعها في تطبيقها. فالثروة النفطية العربية، على الرغم من ضخامتها، لم تتحوّل بالضرورة إلى ثروة عامة تعود منافعها على الشعوب بالقدر الذي يُفتَرَض أن تعود به. فجزء مهمّ من قطاع النفط العربي ارتبط، ولا يزال في بعض جوانبه، بنفوذ الشركات والمصالح الأجنبية، سواءً من خلال الاستثمار أو الشراكات أو الترتيبات الاقتصادية والسياسية. وفي المقابل، ظلّت إدارة العائدات وتوزيع منافعها في أيدي السلطات الحاكمة، من دون أن يشعر المواطن في بلدان كثيرة بأنّه شريك حقيقي في هذه الثروة، أو بأنّها انعكست بما يكفي على مستوى معيشته وخدماته ومستقبله. فهل يكفي أن تكون الثروة موجودة في أرضنا حتى نقول إنّها لنا، إذا لم يكن أصحاب الأرض شركاء فعليين في إدارتها والانتفاع بها؟ أمّا شعار «قضية فلسطين قضية كلّ العرب»، فقد تحوّل، في كثير من الأحيان، إلى قضية تتجاوز حدود التضامن الشعبي لتصبح ورقة سياسية في أيدي بعض أصحاب السلطة. تُستَخدم لاستدرار عواطف الجماهير، وتوحيدها خلف الخطاب الرسمي، وتبرير الإخفاقات الداخلية، بينما تستمرّ المُزايدات السياسية والمُتاجرة بمشاعر الناس وآلام الفلسطينيين. لقد أصبحت القضية، في بعض الممارسات، وسيلة لتعزيز شرعية الأنظمة بدل أن تكون مُناسبة لمراجعة السياسات والمواقف. وليس في ذلك انتقاص من عدالة القضية الفلسطينية أو من مكانتها، بل على العكس، إنّما هو رفض لاستغلالها والمُتاجرة بدماء أصحابها. فقضيّة بهذا الحجم لا تحتاج إلى مزيد من الخُطَب والشعارات، بقدر ما تحتاج إلى مواقف مسؤولة وأفعال تتناسب مع حجم المأساة. ثم يأتي شعار «الاستعمار سبب تخلّف الشعوب»، وهو شعار استطاع بعض الحكّام استغلاله أحسن استغلال، حتى أقنعوا شعوبهم بأنّ الاستعمار هو السبب الوحيد لكلّ ما تُعانيه بلدانهم من تخلّف وفشل، وأنّ كلّ إخفاق داخلي يُمكن تفسيره بإرث الماضي، وكأنّ عقودًا طويلة من الاستقلال لا تكفي لتحميل أصحاب القرار مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. لا شكّ أنّ الاستعمار خلّف وراءه آثارًا عميقة، وأنّه استنزف ثروات الشعوب، وأعاق تطوّر مجتمعات كثيرة، وفرض أنماطًا من التبعية لا تزال بعض آثارها قائمة. لكنّ الإنصاف يقتضي ألّا نجعل منه تفسيرًا وحيدًا لكلّ إخفاق، وألّا نغفل مسؤولية الحكومات الوطنية عن خياراتها وسياساتها ونتائج إدارتها لشؤون البلاد. كما أنّ التاريخ الاستعماري لم يكن خاليًا من تحوّلات ومؤسّسات وبُنى تحتيّة ومظاهر تحديث، وإن كان كثير منها قد أُنشِئ لخدمة مصالح المُستعمِر قبل مصالح السكان المحلّيين. ولا يصحّ أن نخلط بين الاعتراف ببعض هذه النتائج وبين تبرير الاستعمار أو إنكار جرائمه. ولعلّ المقارنة بألمانيا واليابان تطرح سؤالًا يستحقّ التأمّل: فألمانيا التي خضعت لاحتلال الحلفاء وتقسيمها بعد الحرب العالمية الثانية، واليابان التي خضعت للاحتلال الأمريكي بقيادة الحلفاء، استطاعتا خلال عقود أن تتحوّلا إلى قوتين اقتصاديتين وصناعيتين كبيرتين. ولم يكن ذلك لأنّ آثار الحرب والاحتلال اختفت من تلقاء نفسها، بل نتيجة عوامل متعدّدة، من بينها بناء المؤسسات، والاستثمار في التعليم، والانضباط الإداري، والتخطيط الاقتصادي، والاستفادة من التحوّلات الدولية. فلماذا استطاعت دول أن تتجاوز مآسي الحرب والاحتلال، بينما لا تزال دول أخرى تلوذ بمظلومية الماضي لتبرير إخفاقات الحاضر؟ أليس من حقّ الشعوب أن تسأل حكّامها عمّا فعلوه بكلّ السنوات التي تلت الاستقلال؟ أمّا العبارة: «وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله»، فلها حكاية أخرى تستحقّ أن نتوقّف عندها بعقلانية وموضوعية. لقد اعتاد الخطاب العربي الاستشهاد بهذه الآية في سياقات الحديث عن الانتصار على العدو، وكأنّ مجرّد قلّة العدد وكثرة الدعاء كفيلتان بتحقيق النصر. لكنّ التاريخ يضع أمامنا أسئلة محرجة: فقد خاضت الدول العربية وإسرائيل حروبًا عديدة، من بينها حروب 1948 و1956 و1967 و1973، وكانت نتائجها متفاوتة، وإن شهدت هزائم عربية كبرى وانتصارات ومكاسب عسكرية وسياسية في محطّات أخرى. فكيف نفسّر هذه النتائج إذا اختزلنا النّصر في مجرّد الإيمان وكثرة العدد؟ وهل يجوز أن نحمّل النصوص الدينية مسؤولية إخفاقاتنا، أو أن نتعامل مع الآيات وكأنّها ضمانة آلية للانتصار، بصرف النظر عن الإعداد والتخطيط والعلم والتنظيم والأخذ بالأسباب؟ وإذا كانت الفئة القليلة قد تنتصر على الفئة الكثيرة "بإذن الله"، فهذا لا يعني أنّ الكثرة وحدها، أو قلّتها، هي معيار النصر، ولا أنّ الإيمان يُعفي أصحابه من مسؤولية الاستعداد والعمل. فالمشكلة ليست في الآية، بل في توظيفها خارج سياقها، وتحويلها إلى تعويض لفظي عن غياب الفعل والأسباب. وحتى حبّ الوطن، الذي يُقال إنّه من الإيمان، لا ينبغي أن يُختزَل في ترديد العبارات وتعليق الصّور والأعلام، ولا أن يتحوّل إلى امتحان للولاء يُحاسَب الناس على نتائجه. فالوطن يُحَبّ حين يصون كرامة أبنائه، ويحفظ حقوقهم، ويمنحهم الأمان والعدل والحرية. وحبّ الوطن لا يعني الصمت عن أخطائه، ولا التغاضي عن فساد مؤسساته، بل قد يكون النقد الصادق والمطالبة بالإصلاح أصدق تعبير عن هذا الحبّ. ليست المشكلة في الشعارات، ولا في القيم التي تتضمّنها، المشكلة في أولئك الذين يرفعونها بأيديهم، ثم ينقضونها بأفعالهم. المشكلة حين تتحوّل الجدران إلى فضاء للمثالية، وتتحوّل الحياة خارجها إلى نقيض لكلّ ما كُتب عليها. إنّ الشعوب لا تحتاج إلى مزيد من اللوحات المُعلّقة على الجدران، بل إلى أن ترى ما كُتِب عليها مُتجسّدًا في سلوك من يحكمونها، وفي مؤسّساتها، وفي تفاصيل حياتها اليومية. فما أسهل أن نكتب: «الشعب مصدر السلطات»، وما أصعب أن نعترف فعلًا بأنّ الشعب هو صاحب الحقّ في السلطة والمحاسبة والاختيار. وما أكثر الشعارات التي نقرؤها كلّ يوم، وما أقلّ ما نلمسه منها في واقعنا! لعلّ أكثر ما يستحقّ أن نعلّقه على جدران مؤسساتنا هو هذه العبارة: «لا تكتبوا ما لا تنوون فعله، ولا ترفعوا من القيم ما لا تقبلون الخضوع له». __________________ التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; يوم أمس الساعة 05:30 AM |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|