Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الثقافي > موضوعات متنوعة

الملاحظات

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-03-2007, 09:00 AM
عيسى حنا عيسى حنا غير متواجد حالياً
Bronze Member
 
تاريخ التسجيل: Jul 2006
الدولة: kamishli
المشاركات: 394
افتراضي في بيت تولستوي

وترك (ليف) الجامعة إلى مزرعته (ياسنا باليانا) عام 1847، وهو أشد ما يكون عزوفاً عن جو الجامعة، وعوّل على الاتصال بالشعب الفلاح، ففتح مدرسةً، لأبناء الفلاحين، تلك هي البذرة الأولى من بذور التمرد على النظام الاجتماعي الجائر السائد، ولكن (تولستوي) مني بالخيبة من فلاحيه الذين لم يفهموه، فهجر مزرعته ومضى إلى (موسكو)، ليستأنف حياة صاخبة ويشعر مرة أخرى، باحتقار لنفسه، ويبلو صراعاً داخلياً يمزّق روحه، ويغادر (موسكو) إلى (القوقاز) ليجد في الجندية ملاذاً لروحه القلقة الهيمى، واستبدّت به، ثمة، عاطفةٌ دينيةٌ، فكان دائم الابتهال والصلاة، وفي عام 1852 نوّرت عبقرية (تولستوي) فكتب مؤلفه الأول (طفولة) ويشوب هذا الكتاب مسحة من الحزن الدفين الذي كان يضطرم في أعماق روحه، لقد كان يقول عن نفسه بحق: إنه (ليوفا) النواحة: ( ليوفا ريوفا).

وأهلّ بعد كتابه هذا، كتاب ( الصبا ) ، وفيه تحليل ووصف بارع للطبيعة، وكتب قصصاً عن (القوقاز) وفيها لوحات مؤشاة بالألوان، تترقرق فيها دعوة مخلصة إلى السلم، دعوة تمهّد الدرب لصيحته المقبلة المدويّة ضد العنف والحرب، يقول:

" ألا يستطيع البشر أن يعيشوا في طمأنينة، في هذا العالم البديع، تحت قبة السماء الرحيبة المطرّزة بالنجوم، إن كل ما يمور في قلب الإنسان من شر ينبغي أن يمّحي ويزول حين يفرغ إلى الطبيعة، هذا المجلى المباشر الصحيح للجمال والخير".

وفي عام 1853 أعلنت ( روسيا ) الحرب على (تركيا ) وطلب (تولستوي) أن ينقل إلى جبهة (القرم) ، ليقوم بواجبه الوطني، وقدم إلى (سيباستوبول) وتعرّض أكثر من مرةٍ للخطر، وكتب، ثمة، ثلاث قصص عن (سيباستوبول) تتّسق فيها روح البطولة وتهيمن في طورها زفراتٌ، حتى قيل إن القيصرة أسبلت الدموع من مآقيها حين اطلّعت عليها، فأمر القيصر بأن تترجم القصص إلى الفرنسية تقديراً لها، وأن يكون كاتبها بمنحىً من أيّ خطر.

ولما انتهت الحرب عاد (تولستوي) إلى (بطرسبورغ) وقد سبقته شهرته على أنه كاتب ناجح، وفي هذه المدينة الكبيرة، توطّدت معرفته بعدد وافٍ من الأدباء، ولكنه لم يسغ صحبتهم إذ لم يكن يرى في حياتهم المتكلّفة سوى النفاق والدجل، وآثر الابتعاد عن هذا الوسط، لينصرف إلى المطالعة ويكتب في دفتر مذكراته " أشعر بحاجة مُلحّة إلى أن أعرف ثم أعرف ثم أعرف".

واستقال من منصبه العسكري، فقد كان يلوب على أفق يرضي نفسه التواقة إلى المعرفة، وسافر إلى فرنسا، وانفسح أمام عينيه، أفق جديد مثير.

وشاهد في (باريس) بعض المسرحيات، وتردد على (السوربون) وعبّ من المعرفة، في ظمأ متقد متصل، والتقى في (باريس) بصديقه (تورغينيف)، وكتب هذا إلى صديق:

"إن (تولستوي) يرامق كل شيء ، صامتاً، لقد أضحى أكثر ذكاء، إنه الأمل الوحيد لأدبنا".

وجال (ليف) في مرابع (باريس) ومتاحفها ومغانيها، وكتب إلى صديقه (كولباسين):

" أرى هنا أشياء مستحبة طريفة، ولكن السحر المهم هنا، السحر الذي يشدّك هو الشعور بالحرية".

ولكن الألم كان يترصد له في (باريس) فقد أثر في أعصابه منظر إعدام مجرم بالمقصلة، فغادرها سريعاً إلى (سويسرا) وفي (لوتسرن) أحسّ بغصة تهصر روحه، وهو يرى إلى مغنٍ إيطالي فقير، يستجدي، عبثاً، بعض الانكليز الأغنياء، فيزوون أبصارهم عنه ازدراءً. رباه! إن الشقاء ليرنّق فوق كل أرض.
ومضى (ليف) إلى (إيطاليا)، ثم عاد إلى (سويسرا) ولجّ له الحنين لى وطنه، فرجع إلى بلده الحبيب وقد قامت في ذهنه مشروعاتٌ جمةٌ لإصلاح أوضاع فلاحيه، واشترك مع بعض الأدباء بالمطالبة بإلغاء القنانة، ثم سافر إلى أوربا، ليزور أخاه (نيقولا) المريض، في (سودف) ويتخذا سمتهما إلى (هيير) في فرنسا، وهناك يموت أخوه بالسلال، فيهز هذا الحادث نفسه ويزعزع إيمانه بربه وبالخير وبالبشر. ثم يؤوب إلى روسيا ليستأنف نشاطه الأدبي والاجتماعي، ويعيد فتح مدرسته لتعليم أولاد الفلاحين.
وكتب (تولستوي) قصة (سعادة الأسرة) وهي من أكثر قصصه رقة وعذوبة، ولعل معجزة الحب هي التي قادت ريشته المبدعة إلى كتابتها، فقد أحب (صوفيا أندرييفنا بيرس)، وكانت في السابعة عشرة من عمرها، تجمع إلى نضرتها حلاوة الحديث وكلفاً بالأدب، وفي عام 1862 ، بنى بها وابتدأت حياتهما المشتركة التي رزقت ثلاثة عشر ولداً.

وأمدته (صوفيا) بمعان جديدة من الحب، سلسلها في رواياته، كأبرع روائي روسي حلل نفسية المرأة، وكانت زوجته تعينه في عمله، إذ كان خطه رديئا، فنقلت له مخطوطات رواياته، بخطها الجميل المتقن، ليبعث بها إلى ناشريه، وكثيرا ما كان يملي عليها فتكتب له، وقد صورها في شخصية (ناتاشا) في روايته المقبلة (الحرب والسلام)، كما جلا بعض ملامح طبعها في شخصية (كيتي) في روايته (آنا كارينيا) وعرف معها (تولستوي) هناءة الحياة الزوجية.

وألفت الحكومة الروسية أن في مدرسته التي أنشأها خطرا على الأمن فأمرت بإغلاقها، فانصرف (تولستوي) إلى تأليف روايته العظيمة (الحرب والسلم)، التي رفعته إلى قمة المجد، وقد كتبها في نشوة متصلة واندفاع مُضرم، خلال خمس سنوات. كتبت (صوفيا) في مذكراتها:

"إن (ليف) يكتب ، في نشوةٍ عارمةٍ، تتخللها الدموع".

ولعل روايته هذه توضع في قرن واحد مع أروع التراث الأدبي الإنساني، إنها (الياذة) العصر الحديث – كما يصفها (رومان رولان) – وتمتاز ، على ما فيها من وفرة الشخصيات وتعدد الحوادث، بوحدة فنية وتماسك وانسجام، وقد أخذ على (تولستوي) أنه حشد في الفصل الأخير منها آراءه الأخلاقية وكررها إلى حد الاملال، بيد أنه قد تسنى له أن يجلو الروح الروسية في عفوية صادقة مخلصة وأن يبرع في تصوير مآسي الحرب على نحو يكاد يكون معجزاً. يقول (رومان رولان):

"لقد أجاد في تصوير غزوة جيوش نابوليون لورسيا، حتى يخيل إليك أن أبطال روايته هم الشعوب المقاتلة، تتوارى خلفها بعض الشخصيات، كما تتوارى الآلهة خلف أبطال (هومير)".

وانه ليستوقفك تصويره ووصفه الدقيق للشعب الطيب، فتحب شخصية (كاراتايف) يسرد لك آراءه، مستسلماً، مؤمناً، صابراً، حتى إذا أدركه الموت، تلقاه بابتسامة راضية. إنه إنسان الشعب يعكس صورة مخلصة أمينة عن المسيح الإنسان.

في هذه الرواية صرخات مؤمنة، هتف بها (تولستوي) ضد الحرب، ولعلها ظلت كامنة في أعماق نفسه، منذ أن بلا ويلات الحرب في جبهة (القرم) حتى وجدت متنفساً لها في روايته هذه فانبجست ، وتفجرت، جياشة مدويةً هدارةً.

وما كادت تنتهي روايته هذه ، حتى بدأت نُذُرٌ جديدة في حياته، تقلب راحته إلى قلق، إن قلبه ليتفطر أسىً على شعبه، وإنه ليريد أن يقدم إليه المعرفة، ويبدأ بكتابة (ألف باء الشعب) منصرفاً إليه بهمه لا تتقاصر عن همته في كتابة روايته (الحرب والسلم)، ولم يكد ينتهي منه حتى شرع في كتابة رواية (آنا كارينينا)، هذه الرواية التي تيسر له فيها أن يصور عاطفة المرأة أدق تصوير، وأن ينقد مجتمعه نقدا عنيفا، وقد استوحى موضوع روايته من حادث جرى غير بعيد عن (ياسنا باليانا) فقد قذفت فتاة تدعى (آنا ستيبانفنا) نفسها تحت عجلات قطار، يائسة من حبيب غادر، وكذلك انتهت الرواية بجملة مؤثرة:
" وحنا ذلك الفلاح على عجلات القطار، ليرى أشلاء شيء. إنها جثة كانت تمتلئ حياة وعذاباً وخيانة".
وعاودت (تولستوي) همومه ووساوسه، وحكّ في صدره شك قلق متصل، فقد تناهت إلى سمعه ذات مرة، جملة صغيرة عابرة، قالها فلاح بسيط من (ياسنا باليانا)، وتألقت شرارة صغيرة ، لتؤرّث ناراً مضرمة في مضطرب روحه، جملة بسيطة معبرة، ترفقت من شفتي (فيودور) الفلاح الساذج، كما يلي:

"ثمة أناس يعيشون من أجل البطن وآخرون من أجل الروح".

وعصفت هذه الجملة في كيان (تولستوي) ومضى يضرب في الغابة مستعبراً، مردداً:
- بلى، لقد عرفت ، لقد عرفت.
كان (تولستوي) في قمة مجده، حين ألمت به هذه الأزمة الروحية العنيفة، فقد استقبل الناس مؤلفاته بإعجاب لم يظفر به أي كاتب روسي قبله، ولقد دعاه (دستويفسكي) حين قرأ روايته (آنا كارينينا) : رب الفن. ولكن هذا المجد لم يكن ليثمل (تولستوي) أو يهزه فقد أضحى الثناء يؤذيه ويؤلمه، كتب إلى صديق له:

"لقد كان (باسكال) يشدّ إلى خصره زناراً من مسامير، كلما أنس بأن الإطراء قد أشاع السرور في عطفيه، وأحسبني محتاجاً إلى زنار مماثل".

بلى، لقد كان (تولستوي) مشغولا بأشياء أخرى غير المجد والثناء.
لقد أضناه سؤال ملحاح: لماذا أعيش؟ وما معنى حياتي؟ وكان الجواب يوافيه أحياناً قاسيا: إن كل شيء عبث وباطل وقبض الريح.
كتب ذات مرة:

"إن المرء لا يتأتى له أن ينفذ إلى أغوار الإنسان، ولا أن يظفر بصورته المنشودة في منفسح المعارف التي تخلص إليه وتتسق لديه، ولكنه يجد صورةً وافية عن ذاته في الأسئلة التي يطرحها".


وكذلك ترادفت أسئلته، دائبةً متصلة...


يتبع ......
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg tol-at-study.jpg‏ (21.4 كيلوبايت, المشاهدات 9)

التعديل الأخير تم بواسطة عيسى حنا ; 08-03-2007 الساعة 10:49 AM
رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:45 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke