![]() |
Arabic keyboard |
#1
|
|||
|
|||
![]() إعادة صياغة رؤى الإنسان إنَّ التطور والتقدم الفكري والحضاري هو تطور نحو الأفضل! ولا يمكن أن يكون نافعاً من جهة وصافعاً من جهة أخرى، لكن ربما هناك من يمارس عكس الرؤية الفكرية التطورية والحضارية لهذا لا يجنح نحو كل ما هو تقدمي وحضاري لأنه متحجِّر فكرياً وحضارياً وغير تقدُّّمي أصلاً في رؤاه، لهذا أؤكد على أنَّ التطوُّر الفكري والحضاري ليس له نزوعاً غير النزوع نحو الأفضل وتقديم كل ما هو أجدى وأنفع للمجتمع البشري، وإن وجدنا توجهاً من هنا أو هناك ينحو عكس هذا التوجه فإن توجه هؤلاء غير حضاري وغير تقدمي وبالتالي يصب في خانة التقهقر وهذا هو حال أغلب مؤسساتنا المتقهقرة نحو الخلف وحال الكثير من مؤسسات الدول المتخلفة بل المتحجِّرة فكرياً وحضارياً وتنموياً، ولهذا لا بدَّ للمرء، للمجتمع، للدولة، للإنسان من أن يعيد النظر في رؤاه وتطلعاته كي يقدِّم أفضل ما لديه بعيداً عن رغباته ونزواته وشهواته المتخبطة في بؤرة الأنانية والجشاعة والانحراف عن منحى التحضر والتقدم الموضوعي والمنطقي والقانوني، لأن انحراف الإنسان عن قيم الخير والحق والعدالة ليس ناجماً عن التقدم الفكري والحضاري بل ناجم عن حالات فردية أنانية وأحياناً غرائزية عدوانية لا تصب بقيم الرؤية التقدمية والحضارية والإنسانية التي أهدف إليها ويهدف إليها المجتمع الحضاري التقدمي السويّ! ومن البديهي أن يتخلَّل داخل كل مجتمع مَنْ يحمل قيماً تختلف عن قيم المجتمع الراقي، وأصلاً أنا بصدد معالجة هذا الذي خرج عن منحى مواكبة حضارة العصر، وإلا كيف سيتوه عن هدفه الأسمى! كنتُ وما أزال أدعو إلى تطويق التأزمات والصراعات والخلافات ومعالجتها بالحكمة والحوار مع الآخر بحيث أن يتم معالجة الأمر ضمن القوانين الضامنة لحقوق كل الأطراف، مؤكدا لكل متابع لهذا الأمر أن أي توجّه لتأزيم الموقف أي موقف ليس لصالح أي طرف من الأطراف والتأزيم بحدِّ ذاته توهان عن الهدف (هدف كل الأطراف)، لأنه من الضروري والمنطقي لألف سبب وسبب أن يتم تطويق التازم ولملمة الأمر ومعالجته بحكمة لأن كل ما حصل ويحصل وسيحصل لا يعدو عن كونه اختلاف في وجهات النظر واختلاف في كيفية الوصول إلى الهدف ولا يجوز تصعيد أي خلاف إلى درجة الصراع والصدام والعودة إلى مربع المواجهة وربط الحاضر بالماضي المرير، وإذا كان هناك جهات معينة تستغل هكذا خلافات وتحوِّلها إلى أوراق سياسية لأهداف بعيدة فإن معالجة الأمر على أية حال لا يمكن أن يكون معالجة صحية عبر الصدام والصراع وكل من يدعو إلى التأزيم والتهجم الناري هو ذات رؤية قاصرة، لأن واقع الحال يقتضي التعايش المشترك والتآخي والحوار وانتهاج منهج الحكمة وليس العنف والقمع والقوة، أنا مع قوة الحق وقوّة القانون وليس مع قوة اللاقانون وقوة العضلات المفتقرة للعقل والحق والعدالة، صحيح أن رؤاي حلمية إنسانية رومانسية أفلاطونية في بعض الوجوه، لكني أولاً وأخيراً أدعو إلى تنقية الإنسان من الشوائب المريرة التي تغلي في داخله عبر تراكمات متنافرة ومتناقضة ترعرعت في كيانه منذ أن فتح عينيه على وجه الدنيا إلى أن يرحل من الحياة، ويبدو واضحاً أنَّ الخلافات المذهبية والطائفية والسياسية والقومية والعقائدية قد خلخلت كيان الإنسان في الشرق وقد سبق وخلخلته في دنيا الغرب أيضاً فترة طويلة لكن تصدَّى بعض مفكري وفلاسفة الغرب وهم قلة قليلة واستطاعوا عبر مرحلة قصيرة أن يتجاوزوا كل هذه الخلافات ووضعوا حدّاً لديكتاتورية الكنيسة وبيع صكوك الغفران وقادوا الإنسان إلى سواء السبيل، بعيداً عن الخلافات المذهبية والطائفية والدينية والعرقية، مركزين على الإنسان كهدف أسمى في الحياة، مع أن هناك من له رؤى مخالفة لكل هذا التوجه حتى في عالم الغرب، لكن بشكل عام استطاع الغرب أن يحقق معادلة التطور والتقدم وتجاوز كل ما كان يعيق تقدم المجتمع وما كان سينهض هذه المجتمع الغربي لولا تجميد سلطة الكنيسة ومعالجة الخلافات المذهبية ووضع حد لها بقوة القانون الذي سنّوه لصالح الإنسان! وأما نحن معشر البشر في عالم الشرق، ما نزال نرزح تحت سلطة الكنيسة والتسميات التي قادتنا إلى التوهان عن الهدف، ومازال المجتمع الشرقي قابع تحت رؤية مذهبية دينية قومية خانقة حيث تبين أنه لم يستفد من تحربة حضارة العصر حيث نرى العراق يطحن بعضه بعضاً، في الوقت الذي كان قد سنّ شرائع أول قانون على وجه الدنيا، فلم يتطور قيد انملة بل تراجع قرونا للوراء وتراجعت المنطقة برمتها بسبب تراجعه فتخلخلت شريعة وقوانين حمورابي وقادت الرؤى المتزمتة إلى تدمير الطين المنقوش عليه شريعة حمورابي، وهكذا ترعرع فكر جديد هو فكر اللافكر الذي يصب بعيداً عن الأديان وعن الهدف الأسمى الذي وُلِدَ الإنسان من أجله. إن ما يدمي القلب والروح روحنا، نحنُ أحفاد جلجامش وحمورابي، أصحاب أقدم حضارة على وجه الدنيا، أصبحنا أصحاب صراع مرير فيما بيننا، لأننا تشرّبنا على ما يبدو بحيثيات الكثير من الصراعات القائمة في المنطقة، ولا نختلف عن الصراعات الدموية السائدة في العراق وما يجاوره على كلِّ الجبهات، وإلا فما هذه الطروحات السقيمة والخلافات التي تقود إلى الضياع، وما هذه المشكلة الكبيرة لو كان لدينا تسميات مختلفة لشعب واحد، ولماذا لا يلتقي هذا الشعب تحت مظلة التعاضد والتعاون والعقل مستمداً من حضارته معايير حضارية جديدة تواكب حضارة العصر، لماذا نشدِّد على خلافاتنا المذهبية وعلى تسمياتنا، وماذا قدَّمت لنا هذه التسميات والرؤية الخلافية غير التفرقة والتقهقر والعزلة والهجرة والضياع والتوهان عن الذات التي أصبحت ذاتا منشطرة وتصبُّ في أعماقِ الضباب؟! نحن معشر (السريان الآشوريين الكلدان)، شعب له تاريخ وحضارة، وللأسف الشديد نعيش الآن على هامش الحضارة، شعب مشرذم، مشتت، ضعيف، متناقض ومتنافر في طروحاته ورؤاه وتطلعاته، شعب يفتقر إلى الحكمة والعقل والبرنامج السياسي والإيديولوجي، ويفتقر إلى قراءة الماضي والحاضر والمستقبل، شعب غريب في عقر داره، وشعب لا حلم له ولا تخطيط له، ولا أرى أية تباشير أمل لأن يقوم لهذا الشعب قائمة إلا إذا سخَّر طاقات مفكريه ومبدعيه وفنانيه وسياسيه واقتصاده لصالح التطوير والتحديث وخلق علاقات سوية وخلاقة مع الآخر المحيط به والمتعايش معه، كما أدعو الآخر الذي يجاوره أيضاً إلى أن يرفع شعار التواصل على أسس إنسانية قانونية حضارية تقدمية ديمقراطية، بعيداً عن القمع والاضطهاد وبعيداً عن موضوع الأقلية والأكثرية والتعصب القومي والمذهبي والديني والعقائدي، يجب أن يفكر الإنسان في دنيا الشرق أن هناك الكثير من معادلات الشرق التي يحملها بين أجنحته ومؤسساته وتطلعاته هي معادلات فاقعة ومتحجرة ومتخلفة وبائتة ولا تقود إلا إلى المزيد من التوهان عن الهدف الأسمى الذي جاء من أجله الإنسان، فهل سيفهم شعبنا السرياني الآشوري الكلداني الآرامي البابلي السومري الاكادي الجلجامشي، هل سيفهم أنه وأن الشعب الشرقي برمته يحتاج إلى إعادة صياغة برامجه ورؤاه وتفكيره واهدافه لأن كل الأهداف التي رسمها عبر المراحل الأخيرة أهداف عتيقة ولا بدَّ من تبديل وتطوير كل ما هو عتيق لمواكبة حضارة العصر، لا أن نبيح قتل فلان وعلان وتهجير الشعب الفلاني تحت أية ذريعة أو حجة غالباً ما تكون واهية، ولا يجوز تفريخ فتاوى بتكفير فلان لمجرد أنه يختلف معه في الرؤية المذهبية أو الدينية أو العقائدية أو القومية، ويبدو لي من بعض الوجوه أن المجتمع الكوني يقترب إلى عوالم الكفر طالما لا يعالج هذه القضايا الإنسانية الشائكة ويضع حدّاً لها بحيث أن يأخذ كلُّ ذي حقٍّ حقَّه! وهنا أودُّ أن أخرج من دائرة الشرق كي أتوقَّف عند الغرب الناهض، خاصةً لأن الغرب خطا خطوات كبيرة في سلِّم التحضُّر والتقدُّم وتحقيق الرفاهية لشعبه لكن مع هذا ما يزال بعض متفرعات سياساته تحمل بين أجنحتها غبار مدبّق بالجشاعة والاستغلال، لأن هناك تآمر واضح من قبل سياسات الغرب على الشرق من أجل الاقتصاد ـ المال، الذهب الأسود وهذا يقودني إلى القول بأن الغرب ديمقراطي في قوانينه لشعبه إلى حدٍّ كبير، لكنه غير ديمقراطي عندما يتعامل مع الشرق أو الدول الفقيرة والنامية حيث يفصِّل عندها ديمقراطيته بحسب رفع ميزانه التجاري على حساب جماجم فقراء هذا العالم، لهذا أرى أن الغرب نفسه ينهج منهج غير اخلاقي وغير ديمقراطي عندما يتعلق الأمر بمصلحته، فهو من جهة يطوِّر نفسه لكن تطويره يتم في مثل هذه الحالات على حساب مصالح الآخرين في دنيا الشرق، وهذا الشرق للأسف الشديد يفتح له الطريق لأنه أي الشرق غير قادر على قيادة نفسه لهذا يرى الغرب أنه جدير بقيادة الشرق حتى ولو نهب نصف ممتلكات الشرق، ومن هذا المنظور أرى أن هناك خلخلة في معايير الخير والحق والعدالة والمساواة والديمقراطية، ويبدو أن الإنسان يظل بوهيمياً في العمق، فمهما تحضَّر وتقدَّم ووصل إلى أقصى أقاصي السماء لكنه في العمق يخبيء بين أجنحته تكلُّسات لا تخطر على بال، ويبدو أنه لم يستوعب دروس التاريخ وحضارة الحياة ويبدو أنه أيضاً لم يستوعب أخلاقيات الأديان وسمو الإنسان نفسه، لهذا أراه ينزلق نحو هاويات عميقة، كأنه في عصر الظلمات، والسبب يعود إلى أن الإنسان كقائد سياسي أو قائد ديني غير قادر على قيادة ذاته، لأنه لم يتشرَّب من قيم الخير والمحبة والعدالة الدينية ويصبغها بتقدم علوم الحياة كي تصبح قيادته مشبّعة بالحكمة والخير والديمقراطية أينما وطأت أقدامه، ولهذا أراه بعيداً عن إنسانيته كإنسان لأن ذاته ما تزال عالقة بغبار هذه الحياة، لهذا أدعو إلى ضرورة تنقية الإنسان من الداخل، من أعماق الضمير، وزرع قيم الخير والعدالة في كينونته منذ أن يرى النور، كي يستطيع أن يضيء بشكل خيّر وعادل على المسارات التي يقودها في مستقبل الأيام! من هذا المنطلق أرى أن الإنسان كائنا مَن كان، في الشرق أو الغرب غير قادر على قيادة المجتمع البشري بما يليق به كإنسان، نظراً لافتقاره إلى قيم الخير والعدالة والحكمة والمساواة، لأنه يركز على جانب على حساب آخر، لهذا فمن الضروري أن يتواءم تطور المجتمع البشري مع الحفاظ على معايير الخير بالمفهوم الأخلاقي والقيمي، لأن تقدم الإنسان يتم غالباً على حساب التخلي عن الكثير من القيم والأخلاق، فلماذا لا يتقدم الإنسان على كافة مناحي الحياة بصورة متكاملة بحيث أن يحافظ على قيم الخير والمحبة والعدالة ويسعى إلى تحقيق الديمقراطية والمساواة والحرية من منظور أشمل بحيث يصبح قائداً ديمقراطياً خيّراً عندما يتواصل مع مجتمعات أخرى، لا أن يُعَلمِن كل مسارات حياته، ويهمل القيم الأخلاقية، ويصبح مجرد فكر وعلم وغزو أجواء الفضاء على حساب خلخلة أسمى المعايير الأخلاقية الخيّرة في الحياة، وهكذا كلَّما توازن وتشرَّب الإنسان بقيم الخير والحق والعدالة والمساواة، خطا خطوات كبيرة في رحاب الهدف الأسمى من وجوده على الأرض، لأن الإنسان أسمى المخلوقات على وجه الدنيا فلماذا لا يترجم هذا السموُّ وهذه الإنسانية التي ينتمي إليها جنباً إلى جنب مع أخيه الإنسان في هذا الكون البديع؟! صبري يوسف كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم sabriyousef1@hotmail.com التعديل الأخير تم بواسطة SabriYousef ; 04-03-2008 الساعة 11:40 PM |
مواقع النشر (المفضلة) |
|
|