Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الثقافي > المنبر الحر ومنبر الأقليات

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-08-2014, 03:17 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 37,570
افتراضي الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 10 ياسين المصري الحوار المتمدن-ال

الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 10


الصحـوة الثالثة:
أحـفاد الصعـاليك
ممـلكة الـجـهـل المـقـدس

فـظـيعٌ جـهـلُ ما يجـري وأفـظـعُ منهُ أن تدري ...
عبد الله الـبردُّوني
ـ السعوديون
ـ الوهابيون
ـ البترول
ـ الصـعاليك المتسعـودون والآخـرون
ـ الصـعاليك المتسعـودون والجـنس
ـ الصـعاليك المتسعـودون والـدين

أود أن أأكد في بداية هذا الفصل على نقطتين أساسيتين:

الأولى: أن أغلبية كبيرة من المواطنين المتسعودين ـ رغما عنهم ـ ليديهم من الأخلاق الإنسانية النبيلة ما يجعلهم منفصلين تماما عن تلك المنظومة الإسلاموية القذرة التي فرضتها عليهم عصابة الصعاليك المحمدية الإسلاموية الوهابية المتسعودة. وأن الكـثيرين منهم عـلى درجـة عـالـية من الـتنــوير، الذي يرشحـهـم في يوم ما ـ وقبل غيرهم ـ للتخلص من هذه المنظومة القذرة، فيريحون أنفسه ويريحون العالم منها.
ولا بد أن أتذكر دائما باعتزاز البعض من أولئك المتسعودين الذين تركوا أثرا عظيما في نفسي، جعلني أكن لهم كل الـود والاحترام.

والثانية: أن المقصود بـ" عـصابة الصـعاليك المحمدية الوهابية المتسعودة " أولئك الذين يتحكمون بقبضة دينية حديدية في حياة مواطنيهم ومصائرهم، فيحيلونها إلى جحيم يفيض بالجهل والتخلف ومرض الفصام السلوكي، ويعملون دائما وأبدا على تصديرها إلى البلدان الأخـرى في العالم، مستغلين في ذلك أموال النفط التي هي من حق المواطنين جميعا.
ولكن سوف يظل الأمل معقودا لدي العقلاء في مشارق الأرض ومغاربها في أن تجتاح هذه البلاد عاصفة التغيير من البهيمية نحو الإنسانية.

السـعـوديون

أسدل الستار مرة أخـرى على شبه جزيرة البدو العـربان وأطـبق الظـلام الـدامس عـليها بانتقال الثقل السياسي الإسلاموي من يثرب إلى دمشق وبغداد والقاهرة، ومن ثم انتقل الصراع الـدمـوي على السلطة والنفوذ بين الأسياد الجدد من العـربان إلى تلك البلدان، بينما توارى الآخـرون في كمائنهم الصحراوية قرابة 1400 عام، وقـد تحـولوا مـرة أخرى إلى عـبادة الأسلاف والأحجار والأشجار واتجهـوا بشكل سافـر صـوب أسلوب الصعلكة الذي يجـري في دمائهم، فبدأت من جديد عـمليات السلب والنهب وقـطع الطـرق ضد بعضهم البعض وضد الحجاج الذين يقتاتون من ورائهم، ويفـدون إليهم من البلدان الموطوءة والموبوءة بالتأسلم.

وعندما انطلق شاب بدوي لم يتجاوز عمـره الـرابعة والعشـريـن في عام 1901 من الكويت ومعه أربعون رجلا مدعمـون بأسلحة بريطانية وعـتاد ومـؤن كويتية، متجها نحو الرياض ـ مسقط رأسه ـ للإستيلاء عليها، لم ينتبه إليه أحد، واعتبرت حـروبه مجـرد استمـرار لعمليات السلب والنهب وقطع الطريق التي تدور رحاها يوميا في قلب شبه الجزيرة الصحراوية. ثم ساعده على تحقيق هدفه أن اتجهت بعد ذلك أنظار العالم جميعها باهتمام شديد إلى تركيا التي خرجت مهـزومة من جـراء مساندتها لألمانيا في الحرب العالمية الأولى (1919) مما أدى إلى انهيار الـدولة العثمانية واستيلاء كمال أتاتورك على الحكم في تركيا، فحل الخلافة الإسلامـوية نهائيا، ومن ثم انفصلت الدول الإسلاموية عـن تركيا. وقام أتاتورك بشن حـرب تحرير وطنية وتطـهير عـرقي، لم يشهد التاريخ مثله ـ حتى الآن ـ ضد العـربان القاطنين في بلاده وأعـلـن تركيا دولة أوروبية وبدَّل الأحـرف العـربية المستعملة في اللغة التركية إلى أحـرف لاتينية، وحـول كتابتها من اليسار إلى اليمين. وأمر بمطاردة رجال الدين المتأسلمين وإغلاق المساجد ومنع الصلاة بشكل علني، وتحدَّث لأول مرة في تاريخ تركيا عـن الديموقـراطية التي لا يعـرفها الإسلام ولا يعـترف بها، فخطف أنظار العالم وأهتمامه، ومن ثم خلت الساحة للبدوي عبد العـزير بن عبد الرحمن بن سعود كي ينفِّذ خططه في غفلة من العالم، حتى أن انجلـترى نفسها التي كانت تسيطـر آنذاك على المناطق الخليجية الساحلية المجاورة لشبه الجزيرة لم تأخذ ما يقوم به ابن سعود ـ كما يسمونه ـ مأخـذ الجـد.

كان عبدالعزيز يعيش مع والده منفيا في الكويت، حيث فـر إليها هاربا بعد أن أجـبر على ترك إمارة الرياض. وعندما عـقـد العزم على الاتجاه نحوها للاستيلاء عليها كان يحكمها ابن عجمان من قبل ابن الرشيد في حائل بدعم من السلطان العثماني في القسطنطينية، ولم يتلقيا منذ وقت طويل أسلحة أو مؤن من السلطان، لأن الأخـير كان يريد إرضاء الإنجليز ويظهـر لهم أنه كف يده عن مد أمراء شبه الجـزيرة الصحراوية بأي دعم يغريهم بمواصلة عمليات السلب والنهـب والقـتل وقـطع الطـريق التي لا تنتهي.

حل صيف عام 1901 وجاء الحـر الحارق فاضطـر عبدالعزيز ومن معه إلى التوقُّـف لعـدة أشهـر في منطقة الـربع الخالي، وحاول خلالها أن يستقطب البدو من حوله وأن يغـريهم بالانضمام إليه ولكنهم رفضوا، إذ أن القضية لا تعنيهم في شيء خاصة وأنهم لم يـروا فيها منفعة شخصية مباشرة لهم. أما أمير الكويت فكان يأمل من جـراء دعمه لهذه الحملة المتواضعة أن تحقق نصـرا سـريعا على ابن الرشيد من شأنه وضع السلطان العثماني أمام الأمر الواقع. ولكن نظـرا إلى أن هذا التوقُّف والتأخـير سوف يثـير غضب السلطان عـلـيه، فـقـد أمـر عـبدالعزيز بن سعود ومـن معه بقطع الحملة والـعـودة إلى الكويت، بيد أنهم لم يمتثلوا للأمـر، مما أجـبر الأمـير على قطع الدعم عنهم، فقام عبدالعزيز ومن معه بتخطيط وتنظيم عـمليات سطو على القـوافل والقبائل وسلب أمتعتها وممتلكاتها، وبذلك أمكنه إقناع البدو بالانضمام إليه لينالوا نصيبا من الغنائم وفي نفس الـوقـت يتقـون شـره، تماما كما فـعل محمد بعد لـجـوئه إلى يثـرب.

ولم يكد يأتي خـريف عام 1902 حتى كان تحت إمرته أكثر من 400 محاربا من البدو العربان . ولكن بمرور الوقت أصبحوا لا يقتنعون بما يغتنمونه من عمليات السلب والنهب وقطع الطـرق، وبدأ القـنوط والملل يتسـربان إلى نفوسهم، وراحوا يتخـلون عنه الواحد تلو الآخـر، مما حدى به أن يفكـر جـديا في التقدم إلى منطقة الـرياض والاستيلاء عليها مهما كلفه ذلك من ثمن. وكان الثمن بخثا جـدا، بل لم يكن هناك ثمن يذكر، فالرياض في ذلك الـوقت كان يسكنها 8000 نسمة في منازل مهدمة بنيت من الـطـين والـقـش، وكانت مظاهر الفـقـر واليأس تغمر المدينة بوجـه عام؛ بينما الأمراء من عائلة آل الـرشيد يعيشون في قصور واسعة، بنيت أيضا من الطين ولكنهم كانوا يشعـرون داخلها بالـراحة والــثراء وهم يحكمون ويتحكمون في قلب شبه الجـزيرة بأكـمله. تمكن عـبدالـعزيز مع ستة من أعوانه من اقتحام سور المدينة من مكان مهدَّم أثناء الليل دون أن يشعر بهم أحد، وتوجهوا إلى وسطها حيث يوجـد قصر الحاكم بين حراسة مشددة، وبجوار القصر كان يوجد مبنى آخر خاص بحـريم الأمـير، وأدرك عبدالعزيز بفطـرته البدوية الصحراوية أن استيلاءه على هذا المبنى سوف يكون استيلاءً على المدينة بأكملها، وبالفعل تمكن ورجاله الستة من الدخول إلى بيت الحريم حيث يخيِّم الهدوء والظلام وقبعوا فيه حـتى أتى إليه ابن عجمان كـعادته كل صباح عـقـب صلاة الـفـجـر، فانقضوا عليه وقـتلـوه، وسقـطـت بذلك المدينة بين أيديهم .

عـرف ابن الرشيد في حائل بالخبر ففـرَّ مع نفـر من رجاله إلى قـرب حدود الكويت في 1902/1/2، وأصبح ابن سعود أمـيرا على الرياض. ولكن القتال بينه وبين ابن الرشيد لم يتوقف واستمر عدة سنوات، ولم يتمكن أي منهما أن يحقق نصرا حاسما على الآخر، فاصبح الوضع حـرجا للمتسعوديين (أنصار ابن سعود) خاصة وأن السلطان العثماني قد أرسل مجموعة من الجيش التركي مجهزة بالمدافع للعمل إلى جانب ابن الرشيد، وكان من المرجح أن يكون صوت المدافع وحده كفيلا بإرهاب محاربي الصحراء من المتسعوديين وإرغامهم على الفـرار إلى عمق الصحراء، إلا أن الجنود الأتراك لم يتحملوا جـو الصحراء القاتل، فلم يحرزوا أي تقدم في الـقتال ولم يستفـيدوا من المـيزة التي وفـرها لهم سلاحهم العجيب بالـرغم من تحقيقهم نصرا مبدئيا. علاوة على ذلك تفشى مرض الكوليرا في معسكرهم، ففـقـدوا الـرغـبة تماما في البقاء وسط هذا الجحيم المطبق عليهم، وهام الكثيرون منهم على وجوههم في الصحراء القاحلة ليتلقفهم البدو العربان ويقطعون رقابهم. وشاع الفزع والهلع بين الأتراك من محاربي الصحراء الـبرابرة المتوحشين، فاستفاد ابن سعود من هذه الفـرصة وانقض على قوات ابن الرشيد وعـلى البقية الباقية من الجنود الأتراك الهاربين بأرواحهم وقضى عـليهم تماما.

بعد هذا النصر مباشرة أعاد ابن سعود الأوضاع بينه وبين السلطان العثماني إلى نصابها، فكتب إليه يقول: « إنني في طاعة أية رغـبة أو أوامر من ظـل الله في أرضه، فأنا لست إلا خـادما لسيدنا الخليفة العظيم، حفظ الله عرشه إلى يوم الدين ». لم يكن أمام السلطان سوى أن يقـر بخـضوع ابن سعود له بالـرغم من معـرفته أنه يكـذب عـليه وينافقة، ولكن هذه هي طبيعة المواقف في تلك الأحوال.

بدأ عبدالعـزيز بن سعود في محاولة تغـيير الشكل الاجتماعي للبدو العـربان، فأراد أن يجعل منهم فلاحين مستقرين في أماكن ثابتة ومحددة ليسهل السيطرة عليهم واخضاعهم له. فبنى القـرى من الطين حول آبار المياه وأغرى البدو الرحل بالسكن فيها وممارسة الـزراعة البسيطة بجانب الـرعي، وأطلق على عملية توطين البدو هذه " الهجـرة " لإكسابها صبغة دينية محمدية. ومازالت القـرى السعودية تسمى حتى الآن بالهُجـُر. وجعل من المسجد أهم مكان في القرية ومن إمامه أهم شخصية تخضع لسلطة دينية مسؤولة عن الانضباط الاجتماعي وتطبيق القوانين تبعا لتعليم محمد بن عبدالوهاب المتشددة، بل والشاذة في كثير منها. وكلف تلك السلطة بأن تُوَضِّح للـعـربان في قـراهم أن أفضل الناس أولئك الذين يطيعون الله ويطيعون الرسول وألي الأمر منهم، وأن يكونوا دائما على أتم الاستعداد للقتال في سبيل الله وخوض حـروب مقـدسة ضد الكفـرة المرتدين عن الإسلام في كل من دمشق وبغـداد والقاهـرة.

ولكن الأوروبيين أسرعوا إلى إيقاف سياسة التوسُّع التي ينتهجها البدو المتسعودون، فشددت انجلترا وفرنسا من قبضتهما على مصر وفلسطين والعراق وسوريا ولبنان والإمارات الصغيرة الواقعة على ساحل الخليج. فلقد حلت تلك الدولتان محل العثمانيين الأتراك المهـزومين في الحـرب العالمية الأولى، وأصبح المندوب السامي لكل منهما يتصرف في تلك البلاد بمثل قسوة البشوات الأتراك. وبذلك ضاعـت عـلى السعوديين فرصة التوسع خارج بلادهم في قلب شبه الجزيرة، إذ وقف لهم الإنجليز والفرنسيون على تخومها بالمرصاد، ولم يبقى أمامهم سوى التوسع فقط نحو الغرب، حيث الأماكن الإسلامية المقدسة، التي يكسبهم احتلالها وزنا دينيا وعالميا كبيرا.

كان يحكم الحجاز في ذلك الوقت الـبدوي حسين بن علي، وهو يمـثل الجـيل السابع والثلاثين لنسل محمد مباشرة (أي الهاشميين)، ولذلك كان يحظى بمكانة مقدسة واحـترام كـبير بين عـربان الحجاز، وكان يرى في نفسه ليس فقط أعلى زعيم ديني للأماكن المقدسة في مكة ويثرب، بل الحاكم المستقبلي لشبه الجزيرة بكاملها عندما ينسحـب الأتراك العـثمانيـون تماما مـن المنطـقة. وأطـلـق عـلى نفسه ـ دون استشارة أحد ـ لقب ملك البلاد العـربية. وما أن انهارت الدولة العـثمانية وخلع السلطان وحُـلَّـت الخلافة على يد أتاتورك، حتى أسرع إلى إعلان نفسه خليفة للمتأسلمين، وكان يأمل بذلك أن يرضى عنه جاره ابن سعود، وتوقَّع منه أن يعترف بخلافته. ولكن أطماع عبدالعزيز بن سعود وعـربان نجد حـرمته من هذا الاعـتراف، خاصة وأن أتباع ابن عبدالـوهاب (الوهابيين) كانوا ـ ومازلوا ـ يرون أنفسهم على أنهم هم وحدهم القدوة الإسلاموية الصالحة في المنطقة ولذا يحق لهم السيطـرة على الأماكن المقدسة إذ لم يكن على باقي الدول المتأسلمة في المنطقة بأسرها. ومن الناحية السياسية رأى عـبد العزيز أن في استيلائه على تلك الأماكن تقوية مادية له من عائدات السياحـة الديـنية الحتـمية « الحج لمن استطاع إليه سبيلا »، وتقوية معنوية أمام المتأسلمين في كل بقاع الأرض.

وفي سبتمبر عام 1932 انقض المتسعودون على الدولة الحجازية واستولوا على مدينة الطائف وأشاعوا فيها الـرعـب، فكان كل من يهـرب من سكانها يلقى حتفه طعـنا بالسيوف على أيدي رعاة الإبل في الصحراء. وهكذا مهـدت إشاعـة الـرعـب الطـريق للمتسعوديين أن يدخلوا مكة عاصمة الدولة الحجازية وأن يستقبلهم سكانها بالترحاب والهتاف. واضطر الشريف حسين إلى الفرار تحت جنح الظلام عـن طريق البحر ـ قيل في زي امـرأة ـ، بعد أن عبأ أموال الدولة من الذهب والدرر في " توانك " وأخذها معه.

وفي 1932/11/18 أعلن ابن سعود عن قيام "المملكة العربية السعودية"، ونصَّب نفسه ملكا عليها، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تنسب إلى عائلة*1*. وأطلق على نفسه لقب " حامي الحرمين الشـريفين " ـ مكة ويثرب ـ . ولأنه من المفترض أن الله هو الحامي لهما، فقد غير أبناؤه وخلفاؤه اللقب إلى " خادم الحرمين الشريفين ".

وتحولت العـربية الصحـراوية بسكانها إلى العـربية السعودية، وأصبح العـربان يعـرفون بـ"السعوديين"، وقد صبوا أجسادهم في قالب واحد من زي لا مثيل له في العالم أجمع، كما انتهجت المملكة الجديدة سياسة داخلية وخارجية لا نظير لها في العالم أجمع، وتبنت منهجا قائما عـلى اختلاف المظهـر والجوهـر، لعبت فيه عائدات النفط دورا أثار حفيظة العالم أجمع.
إنها أذن قصة النفط، أو البترول، كما يحلو لهم تسميته.

ولأن للبدو العـربان " أسوة حسنة " في نبيهم تخبرنا المرويات المتسعودة أن ابن سعود تزوج من 150 امرأة على الأقل، وكانت إحداهن إبنة خالِه حصة بنت أحمد السديري المولودة في عام 1318هـ ـ 1900م وقد أنجب منها طفلا أسماه سعدا ولكنه توفى وهو صغير. وطلقها ابن سعود لأنها كانت نحيفة بسبب الجوع والحرمان آنذاك، وكان لا يحب إلا المـرأة الممتلئة الجسم. فتزوجها من بعده مباشـرة أخوه محمد بن عبد الـرحمن آل سعود. فأنجبت له ولدا وبنتا. وتصادف في أحد الأيام وبعد مـرور عدة سنوات أن زار عبد العـزيز أخاه محمد وشاهد في بيته امرأة ممتلئة الجسم، فسأله عنها، ولما عـرف من أخيه أنها حصة حتى طلب منه أن يطلقها لأنه اشتهاها، الأمـر الذي يذكرنا بقصة صلعم مع ابنة عمته زينب بنت جحش وابنه بالتبني زيد بن محمد و(بن حارثة فيما بعد) .

وبالفعل طلقها محمد بن سعود، ليتزوجها عبدالعزيز.

وتذكر تلك المـرويات أنها كانت أكـثر زوجاته إنجابا، إذ إنجبت 14 ولدا وبنتا، بيد أن أحدا لا يود معرفة ما إذا كانوا جميعا من عبدالعـزيز أم أن البعض منهم أبناء أخيه محمد، وقد توفت حصـة في عام 1389هـ ـ 1979م.

وهكذا يبدو أن اشتهاء زوجات الآخـرين بمن فيهم زوجات أخوتهم من الأمور المتفشية بين البدو العـربان، فقد راعني ما قاله لي أحدهم إنه لم يـرى زوجة أخيه قط، وكان كل منهما في الخمسينات من عـمـره . هذا فضلا عن أن منازلهم ومدارسهم وكل منشئاتهم بنيت كالقلاع الحـربية أو السجون الأبدية، تحاط بأسوار عالية وأبواب مغلقة باستمرار.

وأمام هذا كله، من العبث والهراء أن نتحدث هنا وفي تلك البيئة الـمـوبوءة عـن شيء إسمه كرامة الـمـرأة واحـترام وجودها، الأمر الذي لم يحدث ـ ولن يحدث ـ قط نتيجة للأسلمة المحمدية والتأسلم بها.

توفى الملك عبدالـعـزيز بن سعود في 1953/11/9 فخـلفه ابنه الأكـبر سعـود.

الـوهابيـون

كان لابد لابن سعـود أن يتبع نفس الأساليب الـبدوية الـعـربانية الصحراوية التي اتبعها نبي الأسلمة من قبله، والتي تجمع بين الحـرب والـزواج والـدين والغنائم معا في توليفة لا يوجد غـيرها كوسيلة للـتعامل مع قاطني تلك المنطقة، وذلك بهدف هدم الـولاء القبلي بينهم وجمع شملهم والسيطـرة عليهم وإخضاعهم لهيمنة رجـل واحـد. وفي الـوقت الـذي أوجـد فيه محمد الدين ووظفه بكفاءة عـالـية مع العناصـر الأخـرى، وجد ابن سعود الوهابية جاهزة لتوظيفها لنفس الغـرض. فتمكن من استعمال تلك التوليفة السياسية المعـروفة في تاريخ العربان والتي لا تتفق إلا مع طباعهم الـبدوية النافـرة، فأدار حـروبه بما صاحبها من سلب ونهب وقتل بإسم الدين وبدعم قوي من البدو الوهابيين ـ أتباع النبي الدجال محمد بن عبدالوهاب. كما كان ابن سعـود يشيع الـرعب في نفوس خصومه إلى الحد الذي يجبرهم فيه على التحالف معه، تماما كما فعل نبي الإسلام من قبل. وكانت المصاهـرة من أهم صور هذا التحالف، فقد كانت أغلب زيجاته عـبارة عن تحالف سياسي وحـربي، إذ أنه لم يرى الكثيرات منهن أو أنه رأى بعضهن مرة واحـدة ولدقائق معدودة. وأسفرت تلك الزيجات عـن عـدد يفـوق الـمـئة من الـبنين والبنات.

أدرك السعوديون من البداية أهمية الدين في سعيهم الدائب إلى السلطة وتوسيع نفوذهم. ونظرا إلى أن الخلافة الإسلاموية كانت بعيدة باستمرار عن شبه الجزيرة، وكان الخلفاء يكـتفون عادة بالسيطـرة على أطـرافها، طالما بقيت الطـرق إلى أماكن الحج مفتوحة ومؤمنة للمتأسلمين المتلهـفين إليها من جميع بقاع الأرض كل عام، فقد فـقـدت العقيدة الإسلامية هيبتها وقوتها بين البدو العـربان في قلب شبه الجزيرة (نجد)، فانفصلوا عنها وعـادوا إلى عقائدهم القديمة، ولم يكفيهم عبادة إله واحد، فتعددت آلهتهم من جديد، فعبدوا أسلافـهم والشمس والقمـر والأشجار والصخور والأحراش مـرة أخـرى بما يشبه ما كانوا عليه قبل الإسلام. وعندما ولـد محمد بن عبدالوهاب لأب قاض في بلدة العينية في عام 1703 في وسط نجد كان الفساد الديني والاجتماعي قد استشـرى بين العـربان، فتـرك مسقط رأسه وهو في العشرين من عمـره وراح يلتمس المعـرفة الدينية في مكة ويثرب، ثم رحل بعـرض شبه الجزيرة إلى البصرة في العراق التي كانت خاضعة آنذاك لنظام تركي شديد التزمُّـت، فأجبره سكانها على الفـرار منها والعـودة ثانية إلى بلدته ليجد والده وقد فصله أمـيـرها محمد بن الخرفش من منصب القاضي، ويعيش في بلدة حريملاء المجاورة. بدأ ابن عبد الوهاب دعوته في حريملاء متبعا في ذلك تعاليم أحمد بن حنبل (855 هـ) وأفكار تابعِهِ السوري ابن تيمية التي تقضي بالتشدد في تطبيق الأحكام الدينية، ولكن لم يتجاوب معه أمـيرها أو أحد من سكانها. وعندما مات والده في عام 1740 رحل إلى العينية مرة أخـرى، بعدما عـزل عثمان بن محمد الخـرفش والده من إمارتها وحل محله، فتحالف معه ابن عبدالوهاب على نشـر دعـوته الدينية بين الناس بالقـوَّة. ولكن اتضح لعثمان أن الأمـوال التي يحصل عليها من أمير الأحساء سليمان بن غـرير مقابل الولاء له أكثر بكثير من تلك التي يمكن أن يحصل عليها من جـراء مساندته لـدعـوة ابن عبد الوهاب، فتخلى عنه وانقلب عليه. ففـر ابن عبد الوهاب إلى بلدة الدرعية التي كان يحكمها آنذاك محمد بن سعود الذي تلقاه بترحاب وعـينه قاضيا على الـدرعية في عام 1744 وتحالفا معا. وظل ابن عبد الوهاب 45 عاما مدعوما من السلطة السعودية حتى وفاته في 1792/7/2.

إن تواجد ابن عبد الوهاب في الدرعية وتحالفه مع أمـيرها محمد بن سعود يمكن وصفه دون مبالغة بأنه مولد السلطة السعودية الحالية في شبه جزيرة العـربان الصحراوية، إذ تمكنا معا ومن خلال حملات السلب والنهب من الاستيلاء على مناطق لم يكن يتمكن السعوديون وحدهم من الاستيلاء عليها، ففي عام 1801 وصل 12 ألف شخص من السعـوديين ـ الوهابيين (الأخوان المحاربين) إلى مدينة كـربلاء في العراق التي يقدسها الشيعة وخـربوها ونهـبوها. وهاجـموا مسجد الإمام الحسين، وبعد أن نهـبوا محتوياته من النـذور والسجاد وغـيرها، إشعلوا فيه النيران وأعملوا سيوفهم في سكان المدينة فقتلوا منهم 4 آلاف أغلبهم من الشيـوخ والنساء والأطفال، ثم رجعـوا بأسلابهم فــوق ظهـور آلاف الجمال، يهـللـون ويكـبرون.

ولم يكن مصير الأماكن المقدسة أفضل، ففي عامي 1803ـ 1804م وصـل الإخوان المحاربون مـن نجد إلى مدينة الطائف وذبحوا سكانها عن بكرة أبيهم قبل أن يدخلها ابن سعود، ثم اتجهوا إلى مكة حيث قاموا بتحطيم مقابر آل الرسول [لأنها حرام]، وفي عام 1810 استولوا على يـثرب وانتهكوا حرمة قـبر النبي وهدموه وسلبوا ذخائره، وفي عام 1812 بعد عشر سنوات من وفاة محمد بن عبدالوهاب تقدمت القوات السعودية ـ الوهابية حتى شمال سوريا وهددت مدينة حلب، وكان لا بد للمجازر والمذابح والتخريبات التي قامت بها تلك القوات أن تشوه صورة الوهابية وتجعل منها مـرادفا للعنف والارهاب، خاصة لدي كل من الشيعة والأتراك، مما عجل بانهيار الدولة السعودية الأولى ومعها الموجة الوهابية. ففي عام 1814 أرسل محمد علي حاكم مصر بأمـر من الخليفة العثماني قوات تركية*2* بقيادة ابنه طوسون إلى نجد بهدف القضاء على الوهابيين والسعوديين وهدم حصونهم في الدرعية بعد طـردهم من الحجاز. بيد أن طوسون ما لبث أن عقد إتفاقا لوقف القتال مع عبدالله بن سعود في عام 1815 مما أغضب والده فعـزله وعيَّن ابنه الثاني إبراهيم محله. وفي 10 مارس 1818 وقفت القوات التركية بقيادة إبراهيم على ابواب بلدة الدرعية وقد انضم إليهم أثناء الطريق أعداد كبيرة من قبائل العـربان في منطقة القصيم. وفي يوم 11 سبتمـبر 1818 استسلم عبدالله بن سعود للقوات التركية وأخذ أسيرا إلى القاهرة ومنها إلى القسطنطينية، وأرسل معه 4000 أذن مقطوعة من الإخوان المحاربين، وبذلك انهارت الدولة السعودية الأولى ومعها الوهابية.

ولكن ظل التحالف بين الاسرتين: السعودية والوهابية قائما في شكل زواج ومصاهرة وتحقيق مصالح مشتركة منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، وأصبح أحفاد ابن عبدالوهاب يُعرفون الآن بلقب "آل الشيخ" واختفت تماما كلمة الوهابية من وسائل الاعلام المتسعودة وحل محلها أسماء أخرى مثل: المسلمون أو الموحدون أو الإخوان أو السلفيون أو الأصوليون.

لقد استفاد السعوديون من الوهابيين إلى الحد الذي مكنهم من توسيع نفوذهم والمحافظة على سلطتهم، فأمكنهم أن يوفقوا ببراعة بين المتغـيرات المستجدة على الساحة الاجتماعية والسياسية داخل دولتهم وبين التعاليم الوهابية المتخلفة التي تعود إلى القرن الثامن عشر. والواقع أن الوهابية بدأت في التراجع والتقلص عندما انقسم الوهابيون على أنفسهم حول موقف الدين من الآلات والمخترعات العلمية الحديثة التي دخلت إلى الدولة المتسعودة عقب تأسيسها. يقول أمين سعيد في كتابه: تاريخ الدولة السعودية ص 317: « إنه ما كاد الملك عبدالعزيز يشرع في تنظيم المملكة وإدخال المخـترعات الحـديثة للنهوض بها كالسيارات والـبرق ومحطات اللاسلكي والدبابات وغيرها مما لا تستغني عنه حكومة ولا يستقيم بدونه أمـر، حتى نفخ شيطان الغـرور في معاطس بعض زعماء الإخوان، فعقدوا مؤتمرا في القرطاوية وتعاهدوا ـ كما قالوا ـ على نصـرة دين الله وأنكـروا وعابوا على الملك فيما أنكـروا وعابوا عليه من تصرفات أنه أرسل ولده سعود إلى مصر وولده فيصل إلى لندن وأنه أدخل البرق والتليفونات والسيارات في بلاد المسلمين مع أنهم لم يجدوا ذكـرا لها في الأديان السماوية أو عند السلف الصالح، ومنع المتاجرة مع الكويت، وأذن لعشائر الأردن والعراق بالـرعي في بلاد المسلمين، وسكت عن الروافض في الحساء والقطيف فإما أن يجبروا على دخول الإسلام وإما أن يقتلوا ».

وهكذا كان البدو الوهابيون ينظـرون ـ ومازالوا ـ إلى الدول الأخـرى على أنها بلاد الكفـر والإلحاد، وينظـرون إلى الشيعة الذين يمثلون على الأقل 10٪-;- من الشعب العربي المتسعود على أنهم روافض يجب طـردهم من البلاد أو إساءة معاملتهم باستمرار. وعندما انشق الوهابيون على أنفسهم في عام 1928 وانتفض البعض منهم بسبب إدخال السيارة والتليفون والتلغراف إلى البلاد، تصدى لهـم المـلك عبدالعزيز بأن حمل مجلس العلماء ـ وهم من الوهابيين أيضا ـ على إصدار " فتوى " تحث على ضرورة القضاء على هذه الفئة المارقة لعدم علمهم بمخالفة المخترعات الحديثة للتعاليم الدينية من عدمه، فهم لم يجـدوا ذكرا لها في الأديان السماوية أو عند "السلف الصالح". وبذلك أجهـز ابن سعود على محدثي هذه الانتفاضة الأولى من نوعها وقضى عليهم جميعا.

ونظرا إلى أن الدولة المتسعودة ما كانت لتقوم لها قائمة مالم تحظى بدعم قـوي من رجال الدين الوهابيين، كما أن بقاءها مـرهون بالتحالف معهم؛ فقد جمعهم الملك تحت سقف واحد سمي"هيئة الأمـر بالمعـروف والنهي عن المنكـر" ليسهل عليه وضعهم تحت سيطرته. مع أن قضية التحالف معهم تمس إمكانيات وحدود شـرعية السلطة السياسية للأسـرة السعـودية الحاكـمة، وتحاول جذبها إلى أقصى حدودها، خاصة وأن من أهم أهداف الحركة الوهابية هو مقاومة أي تحديث سواء في الحياة المادية أو الدينية للبدو العـربان. وفي أكتوبر من عام 1982 أصدرت الحكومة السعودية وثيقة تعد تحديا مباشرا للوهابيين حتى وإن لم تذكرهم بالإسم، تقول الوثيقة بوضوح أن الحكومة لن تتخلى عن سياسة التحديث التي تنتهجها لأنها تراها ضرورية لتقدم الشعب المتسعود ومواكبة العصر الحديث.

ومع أن تلك الهيئة تتمتع الآن بإمكانيات مادية لا حـدود لها وفـرتها لهم عائدات النفط، إلا أن رئيسها لم يُعترف به رسميا على أنه مفتي الدولة المتسعودة، واقتصـر نشاطها على ملاحقة الناس بالهـروات في أوقات الصلاة وتحويل الممتنعين منهم عن الصلاة إلى الجلد العلني، والخارجين على قواعدها الإسلاموية الشاذة إلى قطع رؤوسهم أو رجمهم بالحجارة حتى الموت. وفي جريدة الرياض اليومية عدد 6349 (في 1985/11/10) سئل أحد المسؤولين الكـبار في الهيئة عن قـيام رجالها باستخدام الضـرب في الأسواق دون استثناء للنساء والأطفال، وسئل أيضا عن تدني ثقافة بعض رجال الدين، وعن انتحال بعض الناس لشخصية رجل الهيئة ليحقق مآرب لنفسه على حساب الآخرين، ومع أن المسؤول الوهابي الكـبير هذا، والذي لم تذكـر الجريدة اسمه، لم يؤكـد كما هو متوقع صحة هذه المعلومات التي تتداول في المجتمع، إلا أنها لم تأتي من فـراغ، كما أن رجال الدين أنفسهم هم الذين يحقـقون مآرب لأنفسهم على حساب الجميع، إذ يستفيدون من مخاوف الناس ويقومون بتشديد قبضتهم على حياة الناس ومسالكها. الأمـر الذي حدا بكثير من المتسعودين خاصة الأثرياء الجدد منهم إلى الإزدواجـية في الأخلاق فجاءت تصرفاتهم متناقضة تماما ولامعقولة، فترى أحدهم يقضي حاجته مع إحدى العاهرات في أفخم فنادق أوروبا ثم يطلب من أحد مرافقيه أن ينادي للصلاة وعندما تسأله عن الكيفية التي يتفق فيها هذا مع ذاك يقول لك « إن الحسنات يذهبن السيئات، والعبرة بالمحصلة النهائية يوم القيامة ». إنه إنفصام الشخصية الذي أوجده نبي الأسلمة، وجاء الوهابيون لتعميقة في نفوس وسلوك المتأسلمين.

لقد عمدت الحكومة السعودية إلى ترويض رجال الدين الوهابيين بحيث تتفق فتاواهم " الشرعية "، على حد علمهم وفهمهم، مع أهدافها الرئيسية وفي مقدمتها المحافظة على السلطة في يدها وإحكام قبضتها على المجتمع بأسره. وأدرك الوهابيون أهمية التوافق مع السلطة السعودية وعدم الاصطدام بها ليحافظوا على مكاسبهم المادية، ومكانتهم الاجتماعية. لذلك أصبحت عـمليات القصاص العلنية مـرهونة أولا وأخـيرا بما تقـرره السلطة الحاكمة.
كتب سفـير إنجلترا في السعودية السـير جيمس كـريج في تقرير نهاية الخدمة الذي قدمه إلى وزارته في عام 1984: « في صيف كل عام يحدث خـروج جماعي من الدولة السعودية سعيا وراء المتع الغـربية، وعندما يحل الخـريف يعود السعوديون وهم سعداء بعودتهم. وتقوم الحكومة بغلق الأبواب عليهم وعزلهم عن العالم الخارجي »، وقال أيضا في هذا التقرير الذي أثار زوبعة كالعادة بين الحكومتين: « إن الـثروة البـترولية حـققـت للسعوديين مالم يتمكن الوهابيون من تحقيقه، فقد جعلت الإسلام دينا إنسانيا بصورة ما، إذ أن السعوديين المؤمنين أصبحوا يستمرأون الأوروبيين الكـفـرة »، وقال السير كريج : « ولكنهم لا يكفون عن ترديد الإيمان بالله، فقد يكون هؤلاء الكـفـرة في نظرهم لطفاء وشرفاء وصادقين ويمكن الاعتماد عليهم لتفوُّقهم تكنولوجيا ولكن ينقصهم شيء أساسي وحيوي واحد هو الإيمان بالله ».

واليوم أصبح الكثيرون منهم لايحتاجون للذهاب إلى أوروبا، فمن لم يتوصل إلى متعة الخمـر والنساء المتوفـرة بغـزارة في بلاده، يذهب إلى الفـلـبين أو تايوان أو غـيرهما، أو يقـود سيارته عـدة دقائق إلى الـبحـرين المجاورة لـيجد هناك كل ما تشتهي إليه نفسه.

الـبــترول

عندما أسس عبدالعزيز مملكته الصحـراوية في عام 1932 كان شعبه فقـيرا معـدما، لم يكن للـدولة أي مصدر للدخل القومي سـوى ما تجنيه من السياحة الدينية للمتأسلمين الذين يأتون كل عام إلى الأماكن المقدسة لتأدية فريضة الحج أو العمـرة، وفي عام 1932 على وجه الخصوص انخفض عدد الحجاج من مئة ألف إلى أربعين ألف حاج فقط، وألقت الأزمة الاقتصادية التي لحقت بالعالم في هذا العام وقبل قيام الحرب العالمية الثانية بظلال كثيفة على صحـراء شبه جـزيرة البدو العـربان، فلم يتمكن ابن سعود من دفع نفقات رجال حاشيته، مما أدى إلى انخفاض هيبته إلى حد كبير، فتلكأ رؤساء القبائل الكبيرة في تقديم العون المالي الذي طالما قدمـوه له، وذلك بسبب أصابتهم بالإحـباط وضياع الأمل في تحسين أحـوال الدولة من دخل البترول، إذ فشلت آنذاك المباحثات التي أجـرِيت مع شـركة البـترول الـبريطانية (BP) ومع شركة بترول العراق بسبب مطالب الملك اللامعقولة.

وظهر في تلك الأيام العصيبة صديق أمريكي حميم للبدو العـربان يدعى شارل كران ليضع نفسه في خدمة أبطال شبه الجزيرة المغاوير، ووافق الملك على مساعدته ففسح المجال لشركة أمريكية من كليفورنيا كي تنقب على البترول في المنطقة الشرقية من الدولة بناء على عقد وقعه معها في مايو عام 1932، تدفع له الشركة بموجبه مبلغ 000ر50 جنيها استرلينيا نقدا ومثل هذا المبلغ قرضا تسترده من عائدات البـترول المنتج. وكان هذا العقد أعجوبة في تاريخ سياسة الاستثمار للشركات الأمريكية، إذ أنه حتى ذلك الوقت كان الإنجليز ينظرون إلى شبه جزيرة العـربان بأكملها على أنها أملاك أميرية خاصة بهم، إذ فرضوا حمايتهم على الإمارات الخليجية الصغيرة الواقعة على أطرافها الشرقية، ووضعوا قواعد لهم في عمان وعدن للسيطرة على طرفيها الحنوبيين. ومع هذا كله لم تنجح شركة بريطانية واحـدة في التعامل مع البدو العـربان، لتأتي شركة أمريكية وتضع أقدامها بثبات في قلب شبه جزيرتهم، وبدعم قوي من الحكومة الأمريكية التي سارعـت إلى فتح أوَّل قنصلية لها في مدينة جـدة بعد ذلك بسنتين.

لم تجد الشـركة الأمريكية بترولا في بداية الأمـر، فكـررت عمليات الحفـر عدة مـرات ووصلت في حفـرها إلي عمق 3000 متر في الـرمال والصخور، وأخيرا وفي المـرة السابعة ظهر أول بترول سعودي ـ أمريكي في عام 1938. إلا أن الشـركة تعـرضت لضائقة مالية في هذا العام، وكانت الحكومة السعودية قد اتفقت مع شـركة أمـريكية أخـرى على التنقيب، هي شركة تكساكو. وأثناء اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939ـ 1945) توقفت عمليات التنقيب والحفـر تماما، ولم تعد تلك العمليات إلا في عام 1948. وبعد انتهاء الـحـرب كانت الشـركتان الأمـريكيتان مضطــرتين إلى بيع 40٪-;- من رأسمالهما لتمويل أعمالهما في السعـودية. إشـترت الحصتين شـركتان أمريكيتان أخرتان وتكونت بذلك شركة أرامكو المعروفة من الأربع شركات. وفي عام 1939 دفعت شركة أرامكو للحكومة السعودية أكثر من 166 ألف دولار، وفي عام 1944 أكثر من 5و1 مليون دولار، ومع بداية العمل الجاد في عام 1949 دفعت لها مبلغ 5 ملايين دولار وزيد المبلغ إلى 115 مليون في عام 1952 وبعد اثنتي عشر شهرا دفعت للحكومة السعودية 212 مليون دولارا.

وعندما توفى الملك عبدالعزيز في عام 1953 كانت الحكـومة السعـودية قـد بدأت لتـوها في جني ثمار البـترول لتبدأ نهضتها المباركة على حـد قـولهم. ولكن الملك سعـود الذي خلف والده في الحكم أخذ في تبديدها تلك الثمار البترولية على ملذاته الشخصية، مما اضطر الأسرة السعودية إلى الإجماع على عـزله، فـترك البلاد إلى المنفى في اليونان ليحل محله أخـوه فيصل في عام 1964.

في تلك الأثناء (1952م) وقع انقلاب عسكري في مصر، أطاح بالملكية وجعل من المشكلة الفلسطينية ـ الإسرائيلية نقطة ارتكاز سياسية للنظام العسكـري الجديد، وحدث نفس الشيء في كثير من الدول المجاورة الأخرى التي تحررت آنذاك من الاستعمار وراحت تبحث عـن هويتها الوطنية وعن نظام سياسي يمكن أن يمتص التخلف الاجتماعي والاقتصادي فيها ويجلب لها التقدم والاستقـرار. وظهـر البـترول كـقـوة يمكن الضغط بواسطتها على الدول الصناعية الـقـوية كي تمكنها من تحقيق الهدفين ومن ثم حل المشكلة التي أصبحت شرق أوسطية بشكل كبير. « واعتقد جمال عبدالناصر أن بإمكانه تحقيق ذلك من بوابة " الـقـومية الـعـربية " الـمـزعـومة، مع أنه لم يكن يعـرف إلا القليل عن العرب، بل ولم يكن يشعر بأنه عربي، وظل السعوديون أقذارا فى نظـره حتى توفى في عام1970*3* ».

ولكن سـرعان ما انهارت بوابة القـومية العـربية المزعـومة فوق رأس عبد الناصر وجلاوزته بهزيمة ساحقة خلال ساعات قليلة أمام الإسرائيليين في يونيو من عام 1965، مما اضطره في مؤتمر "اللاءات الثلاثة" الذي عقدته ما تسمى بجامعة الدول العربية في الخرطوم في نهاية العام، إلى مد يدة الذليلة لأول مرة في تاريخ مصـر العـريق لأخذ دعم مالي من البدو المتسعوديين، الذين سرعان ما شعروا بعدها أن الأمـور تتجه لصالحهم من جديد في المنطقة وفي العالم بأسره.

وجاءت الطفرة الكبرى في عام 1973 عندما رأي العـربان أن قطع بترولهم عن الدول الصناعية أثناء الحرب المصرية ـ الاسرائيلية سوف يحقق لهم أموالا طائلة، فقطعوه، ومن ثم ارتفع سعر البرميل من البترول الخام (156 لترا) من 3 دولارات إلى أكثر من 53 دولارا في أقل من ستة أشهر، وحصلت الحكومة السعودية في هذا العام وحدة عـلى 20 بليون دولار (البليون = ألف x ألف مليون )، ولم تتمكن إلا من صرف ثلثي هذا المبلغ بسخاء وتبديد في نفس العام. وسارعت البنوك الأمريكية والأوروبية إلى إدارة الشئون المالية للحكومة السعودية التي ازداد دخل بترولها بشكل متطـرد. خاصة أنها سعت إلى تقاسم الأرباح مع شركة أرامكو ، وتأسست لذلك في عام 1973 شركة بترومين السعودية التي اشترت حصة مقدارها 52٪-;- من شركة أرامكو، لكن السعوديين لم يقنعوا بهذه الحصة فزادوها إلى 60٪-;- في عام 1974. وكان الملك فيصل يحذو بذلك حـذو التأميمات التي حدثت لشركات البترول الأجنبية في كل من الجزائر وليبيا والعراق. ومع ذلك حققت شركة أرامكو أرباحا صافية بلغت 3و3 بليون دولارا في عام 1973 وحده، ووافقت على هذه الصفقة طالما ظلت المالكة الوحيدة، كما أن حساباتها دلت على أن الأرباح لم تنقص بالرغم من نقص حصتها لأن أسعار البترول كانت في ارتفاع متطرد في الأسواق العالمية.

كانت المشاركة مع أرامكو تعني أن الكثيرين من المتسعوديين سوف يصبحون عمالا ومهندسين ومديرين يعملون ويقررون لأول مرة في حياتهم في حقول البترول ومصانعه، الأمر الذي يحتم على الحكومة السعودية أن تعمل حسابا كبيرا له؛ نظرا لنشوء طبقة اجتماعية جديدة من التكنوقراطيين، التي يمكنها أن تمتثل للشعارات الثورية التي أشاعها عبد الناصر في المنطقة، ولا تقنع بحياتها مهما زادت رفاهيتها. وفي هذا الصدد قيل لي في السعودية أن جريدة "الأيام" التي تصدر من الدمام نشرت رسما لبقـرة واقـفة بعرض شبه الجزيرة تأكل من المنطقة الشرقية حيث البترول وتُحلَب في المنطقة الوسطى (نجد) منشأ الأسرة السعودية، وتخرج روثها في المنطقة الغـربية (الحجاز)، الواقع أنني لم أرى الرسم بنفسي، وقيل لي أن الـرسام سُجن ثلاثة أشهر بسببه!.

ونظرا لخوف الأسرة السعودية من تسرب الأفكار العمالية الاشتراكية التي روج لها عبد الناصر وسادت بين جيرانها، أسرع الملك فيصل إلى التحالف مع أمريكا، ففي صيف عام 1974 وقَّع الأمير فهد إتفاق تعاون مشترك ذا أثر سياسي وعسكري تلتزم بموجبه أمريكا بإرسال 8000 مستشارا عسكريا إلى السعودية لصيانة وقيادة الطائرات الحربية المتطورة والعمل على تشغيل محطات الصواريخ الخاصة بالدفاع الجوي والمنصوبة على طول الحدود الجنوبية والشمالية للملكة، وتعهد الملك بعدم استعمال أية أسلحة أمريكية ضد إسرائيل. وتكفلت أمريكا بحماية الأسرة السعودية الحاكمة خلال العشرين سنة التالية للإتفاق، كما تعهدت ببناء الحرس الوطني من البدو كقوة ضاربة وعنيفة يمكن الاعتماد عليها في حماية القصور الملكية بواسطة خبراء من سلاح الصاعقة والقوات الخاصة الأمريكية. بيد أن ذلك لم يمنع قتل الملك فيصل في قصره في يوم 1975/3/25 على يد أحد أقربائه الشبان، ولم يغير قتله شيئا من سياسة الدولة السعودية القاضية أولا وأخيرا بغاية المحافظة على حكم آل سعود. وأن هذه الغاية وحدها كـفيلة بتبرير كل الوسائل مهما كانت منحطة أو لا إنسانية.

ومع أن عائدات البترول أعطت إلى حد ما لأحفاد صلعم قيمة اقتصادية في العالم لأول مرة في تاريخهم إلا أنها أصبحت أداة هدم وتفريق حضاري وثقافي وسلوكي بينهم وبين الآخرين، خاصة وأن آل سعود تبنوا سياسة تتسم بالمهادنة التي لا تعدو كونها "إطعم الفم تستحي العين"، مما يخـرص الألسن ويغل الأيدي ويحل الولاء محل العداء إلى حين. ففي هذا الصدد كتبت مجلة "دير اشبيجل" الألمانية في عدد 1978/27 تقول: « إن رؤساء الولايات المتحدة ظلوا منذ عشرين عاما يطلبون من البيت الملكي السعودي أن يدفع نيابة عـنهم مساعدات مالية للحركات المناوئة للشيوعية في دول العالم » . وقالت في عدد فبراير 1985: « عندما زار الملك فهد واشنطن استقبله الرئيس ريجن بحفاوة بالغة ودعى «خادم الحرمين» إلى الحديث معه في البيت الأبيض ثلاث مرات، وعلق مستشار الأمن القومي هناك على ذلك بقوله إنها معاملة غير عادية. وأن هذه المعاملة الغير عادية جعلت جلالته يوضح إستعداده لتقديم العون لأصدقائه الأمريكان برفع مساعداته في المستقبل إلى ثوار نيكاراجوا من مليون إلى 2 مليون دولار شهريا ».

كما أن الملك سعود حرض السوري عبد الرحمن السراج على قتل عبد الناصر مقابل ثلاثة ملايين دولار، فأخذ السراج المبلغ وأعطاه لعبد الناصر، ويقال أنه استعمل في بناء برج القاهرة.

يقول الدكتور فؤاد زكريا: « وفي سبيل الإبقاء على هذا الوضع الجائر، كان أسهل الأمور هو استغلال المشاعر الدينية لدي الجماهير من أجل نشر نوع من الإسلام لم يكن له نظير طوال تاريخ الأمة الإسلامية، هو إسلام الحجاب واللحى والجلباب القصير وتوقف العمل في مواعيد الصلاة وتحريم قيادة المـرأة للسيارات. في هذا النوع من الإسلام ينصب الكفاح على منع الاختلاط بين الـرجل والـمـرأة، وتلعب التحـريمات والمخاوف الجنسية دورا يتجاوز أهميتها في الحياة بكـثير، ويصبح أداء الشعائر غاية في ذاتها، بغض النظر عن المضمون السلوكي والاخلاقي والاجتماعي الكامن من ورائه. وباختصار يقوم هذا الإسلام البترولي بعملية فصل تام بين الدين وحياة الناس الفعلية، وبين الإيمان ومشاكل الفـرد أو المجتمع». ويقول :«وهكذا تكتمل حلقات المؤامرة: فالإسلام البترولي يبعد أذهان الشعوب التي تدين به عن المشاكل الداخلية والخارجية لمجتمعاتها، ولكنه لا يمس مصالح الدولة الرأسمالية الكبرى في البترول. وهو يدعو الناس إلى الزهد في متاع الدنيا والتدبر فيما ينتظرهم بعد الموت، ولكنه لا يمس ميولهم الاستهلاكية التي تصل إلى حد السفاهة التي تسهم في إدارة عجلة الإنتاج الاقتصادي في الدول «الصليبية»، كما يلقبها وعاظ هذا الإسلام. ولا يجد الإسلام البترولي أي تناقض بين دعوته إلى شمول الشعائر ونشرها على كافة المستويات، وخصوصية الثروة والنفوذ وفردية القرار السياسي. إنه باختصار إسلام يوظف لحماية المصالح البترولية للقلة الحاكمة وحلفائها من الدول الأجنبية المستغلة*4* ». هذه خلاصة ما توصل إليه المفكر المصري.

توقفت الغزوات، وامتنعت الغنائم، وإنطفأت جذوة الدين بين البدو العـربان في شبه الجزيرة، فتفشي الفقر بينهم، وانقسموا في بلادهم الصحراوية القاحلة إلى مقاطعات، ولم تمنعهم عائدات الحج السنوي من العودة إلى ماكانوا عليه قبل الإسلام من عبادة الأشجار والصخور وعمليات السلب والنهب والتناحر الدموي فيا بينهم، بل مارسوا تلك العمليات على الحجاج أنفسهم، فكان لابد أن يظهر بينهم " نبي " جديد هو " محمد بن عبد الوهاب ". جمع الوهابيون كل خواص الصعاليك المحمدية الإسلاموية، واستعانوا بعائدات النفط الوفيرة لفرضها بشكل مطبق ومحكم على العقول والنفوس والمشاعر والأحاسيس الإنسانية، ومن ثم تحويل البشر إما إلى أدوات في أيدي الحكام العجزة ورجال الدين المرتزقة أو أشباح لا حول لها ولا طول. وقد عرض الدكتور أيمن الياسين هذا الموضوع بدقة في دراسة له، تعد من أفضل الدراسات*5*.

أما آل سعود فقد اعتمدوا على عائدات النفط وسلطة رجال الدين معا في سياسة المحافظة على هيمنتهم المطلقة التي لا ينازعهم فيها أحد. وسياسة المحافظة على الهيمنة المطلقة لشخص واحد أو قبيلة أو فئة واحدة من الناس أوضحها ميكيافيلي في كتابه "الأمير" منذ عام 1532، لكنها أصبحت من الأمور التي لا تتسم ببعد النظـر في العصر الحـديث. والحقيقة أن خنوع الإنسان وخضوعه لا يكفي لتبرير طغيان السلطة الحاكمة، وذلك لأن الإنسان يخنع ويخضع فقط عندما ينجح الطاغية في تضليله إلى حد لايبدو معه موقفه وكأنه مفـروض من قبل البـشر، بل أنه معطى مباشرة من قبل سلطة إلهية عليا، لن يجدي معها أي تمرد أو احتجاج. لذلك تتضامن السلطة الحاكمة مع السلطة الدينية في جميع الدول المتخلفة حضاريا لتحقيق اصطناع وجودهما بإسم تلك السلطة الإلهية العليا، وبدلا من أن يعملا معا على تأكيد إنسانية الإنسان وتوسعة ملكوته الإنساني في بلادهما، فإنهما يعارضان بقوة وضراوة مشاريع سائر البشر بالمقاومة الهدامة والتخـريب السلوكي. ومن هنا تصبح سياسة تلك الـدول غـاية وليست وسيلة لإيجاد مكان لها في عـالم الــيـوم.

ولأن سياسة آل سعود غاية في ذاتها فإنها تنتهج أسلوبا فـريدا من نوعه، يتسم بالمهادنة ـ أو بمعنى أصح: أسلوب التقية مع الآخـرين، الذين ينعتونهم بالكفار، ففي هذا الصدد كتبت مجلة " دير اشبيجل " الألمانية في عدد 1978/72 تقول: « إن رؤساء الولايات المتحدة ظلوا منذ عشرين عاما يطلبون من البيت الملكي السعودي أن يدفع نيابة عنهم مساعدات مالية للحـركات المنـاوئة للشيـوعية في دول العالم. وقالت أنه في فـبراير 1985 عندما زار الملك فهد واشنطن استقبله الرئيس ريجن بحفاوة بالغة ودعى «خادم الحرمين» إلى الحديث معه في البيت الأبيض ثلاث مرات، وعلق مستشار الأمن القومي هناك على ذلك بقوله إنها معاملة غير عادية. بيد أن هذه المعاملة الغير عادية جعلت جلالته يوضح إستعداده لتقديم العون لأصدقائه الأمريكان برفع مساعداته في المستقبل إلى ثوار نيكاراجوا من مليون إلى 2 مليون دولار شهريا ».

وقالت المجلة « إن أحـد الدبلوماسيين الأمريكيين صرَّح في الأسبوع قبل الماضي لجريدة نيويورك تايمز بأن السعـوديين كانوا في بعض المواقف خـرافيين للغاية، ولذلك نلجأ إليهم دائما عندما نريد منهم أن يدفعوا لشيء ما نيابة عنا، إنهم بالنسبة لنا بقـرة حـلـوب على مستوى عظيم جدا. ونقل تحقيق المجلة عن وليم كوندت الخـبير الأمـريكي في شئون الشرق الأوسط قوله:«لتحرير شيك يحتاج الملك إلى 10 ثوان بينما الكونجرس الأمريكي يحتاج إلى أسابيع، فالملك عنده مال كثير وليس عنده كونجرس يسبب له المتاعب ». وأورد تحقيق المجلة مجموعة من الأمثلة للجهات التي ساعدتها الحكومة السعودية نيابة عن أمريكا منها على سبيل المثال مساعدات للقوات المتمردة في أنجولا بلغت 50 مليون دولار، وتحملها تكاليف نقل القوات المغـربية إلى زائـير في عام 1977، ودعمها المتواصل للنميري في السودان مما أخَّـر في عزله، ومساعدات أخرى لا حصر لها قدمتها للقوات المتمردة في إرتريا وللمجاهدين الأفغان، وغير ذلك بهدف أن تظل الحكومة الأمريكية ملتزمة بحماية البيت السعودي.

وفي كتاب « مستقبل العلاقات الأمريكية السعودية » من تأليف المحلل السياسي الفرنسي: لورنت مورافيك Laurent Murawiec والذي صدر باللغة الفرنسية في نوفمبر 2003 وترجم إلى لغات عديدة، وترجمه إلى العربية عادل الجندي، جاء ما يلي:
« السعودية هي إمبراطورية بنيت بالدماء وتسعى إلى توسيع نفـوذها. المال ليس له رائحة كما يقول الـرومان ولكنه يتكلم وشديد الإقناع. منذ بدء تضاعف أسعار البترول في عام 1973 وصل الـتراكم الـمالي الذي حصلت عليه السعودية إلى اثنين تريليون دولار. استخدمت تلك الثروة الهائلة لـشراء الدول والضمائر والأحزاب السياسية والمشهورين والـمرتزقة».

الصـعاليك المتسعـودون والآخـرون

كان العـربان في الماضي يتعاملون بشكل مباشر مع الغـرباء إما عن طريق الحج حيث يفد إلى منطقة الحجاز كل عام أعـداد غـفيرة من الحجاج، وكانت العلاقة بينهما علاقة تجارية خالصة يتم خلالها تبادل المنافع، وتنتهي بانتهاء موسم الحج. وإما عن طريق الـرق والعبودية. يقول السيد أحمد أبو الفضل في كتابه مكة في عصر ما قبل الإسلام ص 157: « كانت طبقة العبيد في المجتمع المكي طبقة محرومة من الامتيازات بل على العكس من ذلك كانت طبقة مثقلة بالواجبات نحو سادتها، وكان يوكل إليهم بالأعمال التي يأنف العـرب القيام بها مثل الرعي والحدادة والحجامة والتجارة. وكان بإمكان العبد أن يُعْتق إذا قام بعمل خارق أو خدمة عظيمة لسيده تبرر عتقه وتحريره، وقد بلغ عدد الرقيق في مكة عددا كبيرا وقد كان أكثر هؤلاء العبيد السود من أصل افريقي اشتراهم أثرياء مكة للقيام على خدمتهم ولإرضاء شهواتهم ». ويقول: « وقامت على خدمة قريش طائفة أخرى من الرقيق، أدق عملا وأحسن خدمة وأرقى إنتاجا هم الأسرى البيض من الشمال في بلاد الشام والعراق الذين كانوا يقعون في أيدي الفرس والروم أو القبائل المغيرة على الحدود، فيباعون في أسواق النخاسة ومنها ينقلون في أنحاء الجزيرة العربية للقيام بمختلف الأعمال، يضاف إلى هؤلاء الرقيق المستورد من أسواق أوروبا لبيعه في أسواق الشرق. وكان هذا الرقيق أغلى ثمنا من الرقيق الأسود نظرا لأنه أكثر ثقافة، وكان يحسن من الأعمال مالا يحسنه العبيد السود ». ويقول: « وكما كان في مكة كثير من الرجال الأرقاء سود وبيض، كذلك كان فيها عدد كبير من الإماء: منهن السودوات اللاتي كن يقمن على الخدمة في البيوت ومنهن البيضاوات من الروم والفرس وغيرهن كن يقمن على الخدمة والمنادمة وإرضاء نوازع النفس ... ».

قد يقول أحدنا: ولكن ذلك كان في مكة قبل الأسلمة وفي عصر إنتشرت فيه تجارة الـرقيق، بيد أن الأمر ظل على ما هو عليه بعدها في شبه جـزيرة العـربان، وبقى على حاله حتى يومنا هذا، بل وهناك فقه كامل في الأسلمة عن تجارة العبيد والتعامل معهم تماما مثل المواشي والبضائع. ولكن تلك التجارة أخذت منحىً أخـر يختلف عما كان عليه. ففي عام 1962 قامت الحكومة السعودية بإلغاء تجارة العبيد رسميا. وعندما بدأ العـربان الاستفادة من الثروة النفطية المتزايدة في بلادهم، ومع بداية الطفرة البترولية الكبرى في عام 1973 تدفـقت عليهم أعـداد هائلة من طالبي الـرزق من جميع أنحاء المعمورة باختلاف جنسياتهم ودياناتهم ولغاتهم وثقافاتهم ليشقوا الطرق ويشيدوا العمائـر والكباري وغيرها من مرافق الحياة، كما انهالت عليهم جموع غفيرة من التجار والصناع والمهـرجين والمغامـرين والمنافقين واللصوص، وكان لابد من صياغة قانونية للتعامل مع هؤلاء الأجانب الجدد الوافدين بمحض إرادتهم إلى بلادهم . فجاءت تلك الصياغة عبارة عن تقنين للـرق والعبودية في النصف الثاني من القرن العشرين لا مثيل لها في أي بلد من بلدان العالم، وقد نص باختصار شديد على ما يلي:
1. لا يفد للعمل في البلاد السعودية أي أجنبي مالم يكن على كفالة سعودي.
2. لا يحق لأي أجنبي أن يعمل سوى لدي كفيله السعودي الذي استقدمه بإسمه.
3. لا يحق لأي أجنبي مغادرة مكان عمله لأي سبب من الأسباب مالم يحصل على موافقة خطية من كفيله السعودي، تكون مسببة ومعتمدة من الجهات المختصة، ولمدة لا تزيد عن شهر واحد.
4. لا يحق لأي أجنبي نقل كفالته إلى كفيل آخر سعودي مالم يوافق خطيا على ذلك كفيله الذي استقدمه بإسمه أمام الجهات المختصة.
5. لا يسمح لأي أجنبي بمغادرة البلاد السعودية إلا بموافقة كفيله خطيا أمام الجهات المختصة.
6. لا يسمح لأي أجنبي بالاحتفاظ بجواز سفره، ويجب تسليمه إلى كفيله، وأن يحمل بدلا منه دفتر إقامة (لونه أصفر للأجانب المسلمين ولونه بني للأجانب غير المسلمين) وأن تسترجع الجهات المختصة دفتر إقامته عند مغادرته البلاد عن طريق كفيله السعودي.
هذا ومن الممنوع منعا باتا على أي أجنبي أن يحضر بنفسه إلى الجهات المختصة تلك لأي سبب من الأسباب، ومن يضبط منهم هناك يسجن في أسوأ سجون في العالم حتى يأتي كفيله السعودي ليتسلمه شخصيا. ولذلك راجت هناك مهنة لا مثيل لها في العالم هي مهنة (التعقيب)، ولابد للمعقِّب أن يكون سعودي الجنسية ويقوم بمتابعة كافة الإجراءات الخاصة بالمكفول الأجنبي نيابة عن الكفلاء السعوديين ـ أصحاب العمل ـ وهم الأثرياء الجدد الذين يترفعون عن آداء هذه الأعمال في جـو من البيروقراطية الكـريهـة.

ولقد أدى هذا الوضع إلى نشوء مؤسسات فردية لجلب العمالة الأجنبية من الخارج بإسمها وبيعها لأصحاب العمل المتسعوديين، أو إطلاقهم في أسواق العمل المختلفة ليعملوا ما يمكنهم عمله مقابل مبلغ محدد من المال يدفعه كل منهم لكفيله، تماما كما كان يفعل المغيرة بن شعبة مع أبي لؤلؤة المجوسي الذي اغتال عمر بن الخطاب، ومازال يفعله الكثيرون منهم. فإذا تقاعث عن دفع المبلغ يتم بيعه إلى كفيل آخر أو ترحيله إلى بلده. وخلق هذا التقنين جوا في غاية القسوة والسوء بين أصحاب العمل المتسعوديين والعاملين الأجانب، فاضطر الكثيرون منهم إلى الهرب من كفلائهم، وامتلأت بطون الصحف اليومية بإعلانات هروبهم والتنبيه على أن من يعرف شيئا عنهم يسارع إلى تبليغ الشرطة ومن يتستر عليهم أو يشغِّلهم يعرِّض نفسه لأقسى العقوبات. وراحت تظهر على السطح تعاملات شاذة مثل سوء المعاملة وأكل الحقوق وتحتم على المرء أن يسمع لأول مرة في حياته حديثا منسوبا إلى النبي يقول « إعـطِ الأجـير أجره قبل أن يجـف عـرقه »، واضطرت جريدة الرياض في عددها 1987/5466 أن تتناول ذلك الوضع بحرص شديد في مقال لها تحت عنوان: « قصص كريهة تحتاج إلى غربلة »، وقالت: « هل نعطي الأجير أجرة قبل أن يجف عرقة كما أوصانا ديننا ونبينا ـ أم نتركه يبكي حتى تجف دموعـه ؟ وهل نأخذ منهم بقـدر ما نعطيهم ونطالبهم في حدود طاقاتهم وقدراتهم الجسمية والذهنية ؟ ! أم نطالبهم رهقا ونأخذ منهم من وقتهم وراحتهم أكثر من احتمالهم؟ وهل نستغل ضعفهم وغربتهم وجهلهم بالناس من مسئولين وغير مسئولين ونهددهم ونلوِّح لهم بالقبضة أو نستعملها بالفعل ضدهم ؟!»، وتضيف الجريدة قائلة :« يقولون وكلمة ـ يقولون ـ تحتمل الصدق وتحتمل ضده، إنه يوجد أناس عديموا الضمائر والأخلاق الإنسانية، يقومون باستغلال ضعف العمال والشغالات ويتصرفون معهم تصرفا بعيدا عن روح الاسلام وسماحته ونخوة العربي وشهامته »، ولم تتطرق الجـريدة بشيء من الإيضاح إلى ماهية روح الإسلام وسماحته أو نخوة العربي وشهامته هذه، وتقول الجريدة: « عندما يحاول أحدهم الاعتراض والشكوى يهددهم بأنه سيلفق لهم تهما خطيرة كأن يدس لهم شيئا في مقر سكنهم ـ يوديهم في داهية ـ وهم أغراب و ـ الغريب أعمى ولو كان بصيرا ـ كما يقول المثل ». قد يقول البعض منا إن هذا الأفعال فردية ويمكن احتواءها، ولكنه بهذا يتجاهل كونها سلوكيات متأصلة في شعب بأكمله، قامت ثقافتة وعاداته وحياته بكاملها علي دين وفلسفة الصعاليك.

وكما كان الحال عليه بين البدو الصحراويين أصبح وضع الأجانب مع البدو النفطيين مختلفا تبـعا لاخـتلاف جـنسياتهم. فـهـناك الـعـمال الـوافـدون من شـرق أسيا وهم أكـثر الأجـانب التصاقا بالعـربان المتسعوديين، إذ يمكن لكل منهما أن يدلف مباشرة إلى غرفة نوم الآخر، لتختلط دماؤهما وتمتزج ملامحهما معا، فهم المفضلون للعمل في المنازل لعدم معرفتهم باللغة العربية، ومن ثم عجزهم عن التشهير العربي بهم. وهناك عمال آخرون وافدون من أوروبا وأمريكا الشمالية ويجلبون معهم العلم والمعـرفة وحل المشاكل والهامبورجر وأفلام الجنس، ومع أنهم كـفـرة إلا أنهم يتمتعون بمعاملة حسنة تفوق مثيلتها في بلادهم، وهم أول الذين عملوا على فضح أساليب العـربان وتعريتهم أمام العالم. أما العمال الناطقون بلغة العربان الوافدون إليهم من الدول المجاورة المستعـربة فهم معزولون تماما عن حياة العربان حتى لا يعرفون الكثير عن مثالبهم، وهم في صراع دائم من أجل الخروج من نطاق العـزلة والعبودية المضروب حولهم، ولا يتمكن أحدهم من كسر هذا النطاق ـ إلى حد ما ـ مالم يتمتع بحلو الحديث ونعومة الكلمات وفن الرياء والنفاق ويؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة، وعادة ما يرتدي في خنوع الـزي الوطني المتسعود، ليكون الأسعد حظا من غيره في عمليات الاختلاس والنصب والاحتيال.

وأخيرا تحدث تقـرير أصدره الاتحاد الدولي للنقابات الحرة في عام 2005 وأشارت إليه صفحة " ميدل إيست أن لاين*6* » بتاريخ 2006/6/7 عن الأوضاع المأساوية للعمال الأجانب في الخليج، وقال التقـرير: « إنهم يحرمون من كل الحقوق تقريبا. وهم في أغلب الأحيان محرومون من جواز السفر وضحية ابتزاز، ويتعرضون للاستغلال بشكل مخجل ». وتطرق التـقـرير إلى سوء معاملة الأجانب في عدد من الدول الخليجية ولكنه لم يذكر السعودية بالإسم، ربما لأنها تضرب نطاقا صارما من السـرية على ممارساتها، ولا تتوانى دائما وأبدا عن تلميع صورتها في الخارج بشتى الطرق والأساليب التي توفرها لها الآن عائدات النفط ووسائل الإعلام والدعاية الحديثة.

بطبيعة الأحوال لا بد لمثل هذه الأوضاع الاإنسانية أن تتغير في يوم من الأيام تحت ضغوط المجتمع الدولي المدني ومنظمات حقوق الإنسان والحيوان على حد سواء . ولكن العبرة من ذكرها هنا هو تبيان حقيقة أن أولئك البدو الصحراويين أحفاد الصعاليك لا يأبهون بدين أو أخلاق أو حتى مبادئ إنسانية مالم يجبروا عليها!!.

الصـعاليك المتسعـودون والجـنس

يقول الطبيب الأمريكي سيمور جراي في كتابه بعنوان «خلف الحجاب» في الفصل الحادي عشر تحت عنوان: الجنس تقليد سعودي*7* « إن السعوديين لا يرتوي ظمأهم إلى الجنس أبد، فعندما فتحنا مستشفى الملك فيصل التخصصي إنهالت علينا موجات عارمة من السعوديين الذين يشتكون من الضعف الجنسي، وكانت هذه الشكاوى غير مرتبطة بتقدم السن، إذ أن الأغلبية العظمى منهم كانوا في العقد الثالث أو الخامس من أعمارهم ، وكانوا يتمتعون بصحة جيدة. وبدى الأمر للأطباء المتخصصين كما لو كان وباءً معديا. وبعد قليل من التفكير إتضح أن السعودي يعـتـبر نفسه ضعيفا جنسيا عندما يعجز عن ممارسة العملية الجنسية مرتين أو ثلاث مرات في اليوم، مما دفع بإدارة المستشفى إلى اتخاذ إجراءات الحد من قبول مرضى الضعف الجنسي ».

وقال جراي: « إنه أيقن بمرور الوقت أن السعوديين مصابون بمس أو هوس جنسي، وإن أحد الجـنرالات السعوديين دخل المستشفى لإصابته بتشنجات وآلام ناجمة عن إدمانه لشرب الكحوليات وكان ذلك الرجل وسيما وفي الأربعينات من عمره، وقد تلقى تعليمه في إحدى الأكاديميات الحـربية بانجلـترا، وتزوج بسعودية واحدة، أنجب منها أربعة أولاد. وبينما كان يتماثل للشفاء تحدث بإسهاب عن مشكلته الأبدية وهي الجنس، وارجع إدمانه للكحول وأغلب مشاكله الأخرى في الحياة إلى تعامله مع الجنس ». وعندما طلب منه جراي أن يوضح هذا الأمر، قال الجنرال السعودي: « إن فصل الجنسين عن بعضهما البعض في بلدنا وتحجُّب المرأة والاتصال المقيَّد جدا بين الرجال والنساء حوَّل الجنس إلى ظمأ جامح في نفوس السعوديين، فاعتبار الجنس من المحرمات أدى بهم إلى الاصابة بمس من الجنون الجنسي ». وسأله جراي عن الوضع بالنسبة للمرأة السعودية وعن الدور الذي تقوم به في إطار هذه الاخلاقيات الجنسية المتفشية في بلاده، فقال إن الفصل بين الجنسين قد تم على أساس تصوُّر الرجال بأن النساء السعوديات لا يستطعن مقاومة الاغراءات ومحاولات التقرب الجنسي منهن، فيستسلمن تلقائيا وبشهوة عارمة لتودد أي رجل. وقال: « إننا جميعا شهوانيون للغاية، ولكن شهوة المرأة عندنا أكبر بكثير من شهوة الرجل ». وقال جراي: « إن الزعم النمطي السعودي الذي طالما سمعه باستمرار هو أنه من الطبيعي لدي السعوديين الاعتقاد بأن المرأة مجرد أداة ورمز للإشباع الجنسي، وأنه ماجتمع رجل وامرأة إلا واسرعا إلى ممارسة العملية الجنسية، حتى وإن كانا لا يعرفان بعضهما البعض ». وسأل جراي الجنرال عما إذا كان عدم الترويض الجنسي للجنسين في بلاده هو السبب في ذلك قال الجنرال: «نعم إننا مازلنا بهيميين!! » وهز رأسه هزات مليئة بالمعاني، ثم استطرد قائلا: « ولكن العلاج أسوأ بكثير من المرض »، فسأله جراي عما يقصده بذلك، فقال: « لقد أصبح الظمأ الجنسي لا يطفئه إلا ممارسة الجنس مع إحدى الأجنبيات العاملات في المملكة، ومع أنه لا توجد دعارة واضحة ومقننة في بلادنا، إلا أنها متفشية بصورة خفية. أما الأوروبيات فيحتجن إلى وقت ومجهود كبيرين وهدايا غالية أو أثمان باهظة، الأمـر الذي يدفع بالكثيرين منا إلى شـرب المزيد من الكحول ومن ثم يستقر بهم المقام هنا ».
ومن الملاحظ أن البدو العربان أطلقوا على عضو المرأة الجنسي إسم " فـرْج " وهو مشتق من " الفرَج وتفـريج الكرب " مما يدل دلالة واضحة على أن ظمأهم للجنس وهوسهم به فعلا من الأمـراض النفسية المـزمنة، التي رافقتهم على مـر العصور والأزمنة.

ومن ناحية أخرى يقول جـراي: « كانت النساء البدويات فاتنات بوجه خاص، وعندما تأتي إحداهن لإسعافها، كنت أجد نفسي متـورطا في تحـدٍّ ذي نمط حضاري لم أشهده من قبل، فالامـر الذي أدهشني منذ البداية هو عدم اعـتراضها إطلاقا عـلى خلع ملابسها وتعـرية صدرها وأعضائها الجنسية وجسدها بالكامل بشـرط واحـد فقط هو ألاَّ يعـرف أحـد لـمن هذا الجسد العـاري، أي أن يبقى وجهها مغطى بالحجاب ... بينما الحضريات منهن فكن يزحـن الحجاب عن وجوههن مع بقية ملابسهن قبل أن يطلب منهن ذلك على الأقل أمام الطبيب الأجنبي ... إن المستشفى تعد مهـربا حـقيقـيا تتحـرر فيه السعوديات من تقاليد المجتمع وضغوطه*8* ». هذا ما قاله الطبيب الأمـريكي والجـنرال المتأسلم والمتسعود.

أما ما قالته جـريدة الـرياض وسمحت بنشـره الـرقابة الشديدة في المملكة في فـترة لا تتجاوز الشهـرين هو:
« تم قتله ظهـر أمس في الـرياض. إنتحل صفة رجل مرور وفعل فاحشة اللواط في برتغالي بالإكـراه » (1985/6/1)،
و « تنفيذ حـد الحرابة بمجـرم اختطف فتاة تحت تهديد السلاح وفعل الفاحشة بها » (1985/7/20)،
و« في أربعة بيانات لوزارة الداخلية : قَتل ثلاثة أشخاص لارتكابهم فاحشة اللواط. في الرياض خطف الغلام وأسقاه المسكِر واحتجزه عدة أيام.
وفي عرعر: اختطف ثلاثة أطفال أعمارهم بين4 ـ 6 سنوات.
وفي بريدة: اعتدى على طفل في فناء منزل أهله » (1985/7/27)،
و« جريمة بشعة في جدة: مجـرمان خطفا طفلة عمرها خمس سنوات، وفعلا بها اللواط وعند إعادتها قبضت عليهما الشـرطة » (1985/8/5).

إن المرأة السعودية معزولة تماما عن الرجل وعليها أن تقبع في البيت لتصبح فريسة سهلة للملل وإدمان الكحـول وتعاطي المخـدرات والدعـارة ومشاهدة أفلام الجنس الـرخيص (البورنو)، فقد تمكنت الكاتبة الإيطالية فيتوريا إلياتا في كتابها بعنوان «الحريم» من أن تنقل صورة حقيقية لمدى الحـرية التي تمتِّع بها المرأة السعودية خلف الحجاب، تقول :« كلمة (حريم) من فعل حرَّم ومفردها (حرمة) أي الشيء المحـرَّم على الآخـرين فلا يظهـر في الأماكن العامة وعلى الغرباء إلا مستترا وراء حجاب وبرفقة محـرِم ... لذلك خلقت المـرأة العربية مجالا كبيرا لها وراء الحجاب وخلف الأسوار والجدران الشاهقة لتمارس فيه حياتها بحرية من النادر وجودها في أي مجتمع آخـر ». وقالت أن الـمـرأة العربية لاتتحفظ في الحديث عن الجنس صـراحة وكشف عورتها أمام الغرباء، وأن الرجل العربي يده أطول من لسانه دائما، فتمتد دون خشية إلى أية امرأة تروق في عينيه خاصة إذا كانت أجنبية لأنها كافـرة في اعتقاده ويحق له الاعتداء عليها.

وأنا شخصيا تعـرفت أثناء وجودي ـ الغير مستحب ـ في تلك المملكة على زوجة بدوية شابة فاتنة بكل المعايير، ولا أدري لماذا كانت تذكرني دائما بـ« عائشة بنت أبي بكر »، ربما لأنها لم تتجاوز العشرين من عمرها، ومتزوجة من أحد أصحاب السمو الملكي، المشار إليه سابقا، وكان في السادسة والخمسين من عمره، وربما لأنها كانت لـعـوبا، إذ تعـرف تماما كيف تستحوز على عقل زوجـها وقلبه، وقد أنجبت " له " آنذاك ولدان وبنت. وفي حضوره القصير كانت تبالغ في احـترامه إلى حد مقزز، وفي غيابه الطويل عادة، تفـعل ما تريد. وأذكر أنني عندما ذهبت إلى جنيف في سويسرا لمقابلته في شؤون تجارية، ليس لدي أية مقدرة عليها، فوجئت بها ترافقني في مصعـد أحـد الفنادق الفاخرة، وقد ارتدت قطعة من الملابس الثمينة تكاد تغطي نهـديها، وترتدي "بنطلونا" يلتصق بجسدها الغض ويظهـر منه أكثر بكثير مما يخفي، لقد كانت بحق رائعة الجمال، ولا يمكن للمرء إلا أن يقف أمامها مسلوب الإرادة، غائب الوعي. وفي المساء كان علي أن أنَفِّــذ أمـر "صاحـبة السمـو" بالـذهاب معها إلى أحد الملاهي الليلية "، لأشهـد بنفسي الجـانب الآخر من حياتها، حيث كانت ترقص بسعادة منقطعة النظير، وبحرية لا تتـوفـر في بلادها.

أما الشيخ محمد علي الطنطاوي، وهو سوري يقال إنه طُـرِد من بلده، ربما لخـفة دمـه فيما يلفقه من فتاوى شـرعية، فـتـلـقـفه الوهابيون وأفـردوا له برنامجا خاصا في التلفاز المتسعـود لـيرد فيه على أسئلة المشاهدين. وفي رده على سؤال جاءه من مواطن يقول فيه إن زوجته ولـدت طفلا يشبه تماما السائق الفلبيني الذي يعمل لديهما، فماذا يفعل؟ أمـره الشيخ بأن يتقي الله في أهل بيته، وسأله في استنكار عما إذا كان لا يؤمن بـ" الوحم ". أو تلك التي قالت له أن الفتاة كانت ترى خطيبها في عصر الخيام حيث لا توجد موانع بينهما، وسألته عما تفعله في عصـر الـغـرف الحجـرية المغلقة، فـرد عـليـها قائلا أن تراه من " ثقب الباب ".

إنها إذن مهزلة بشرية مزمنة تتشكل فصولها من هزيان لا يتوقف وهـراء لا ينضـب!!.

الحقيقة أنني فوجئت بانتشار الـدعـارة في مـدن المملكة الصحراوية، وبكميات الخـمـور وأفلام " البورنو " التي تدخل إليها والتي بدت لي وكأنها تفوق كمياتها في أوروبا، وقال لي أحد الألمان العاملين في المملكة أنه أحضـر معه من أوروبا كمية كبيرة من تلك الأفلام ووضعها في حقيبته بدون غلاف، وعندما رآها ضابط الجمارك المتسعود سأله: ما هذه؟ فـرد عليه قائلا: أفلام بورنو!! أعطيها هدايا لأصدقائي السعوديين، خـذ منها ماشئت. فالتفت الضابط حـوله ليتأكد من أن أحدا لا يراه وسحب منها بهدوء فلمين، وتركه يمـر بالباقي. وكنت أعـبِّر دائما عن إحساسي بالأسى، بقولي لهم مرارا وتكـرارا: « أتعرفون أن هذا الفلاح الذي أتى أليكم من أعماق الـريف المصري، لم يرى زوجته عارية أبدا، بل ولم يجامعها إلا في ظلام الليل، والآن تتيحون له مشاهدة أقذر أفلام الجنس لأول مـرة في حياته، وعلى أرض كان يعتقد دائما أنها أطهـر أرض في العالم، ومن بشـر كان يؤمن أنهم «خير أمة أخرجت للناس »!!!
هذا إلى جانب كميات لا تعد ولا تحصى من الكحوليات التي تهَرَّب في شاحنات قادمة من اليمن بأسماء أصحاب السمو الملكي الأمراء. وحدث ذات مـرة أن إحداها كانت تحمل صناديق خشبية كتب عليها جميعها « قرآن كـريم، لا يمسه إلا المطهرون »، وتعرضت الشاحنة لحادث مروري تسبب في انقلابها وتحطم الصناديق واكتشاف ما بداخلها، لكنها كانت كالعادة بإسم صاحب سمو ملكي، لا يمسه أحـد!!!.

الصـعاليك المتسعـودون والـدين

إن العربان المتسعودين مثلهم مثل أسلافهم " الصالحين " يستعملون الدين كوسيلة لتـبرير الظلم الاجتماعي والتخلف الحضاري وكافة أشكال التصرفات المنحطة واللاإنسانية التي يمارسونها ويدعون إليها، بل وفرضها بالقوَّة. فالإسلام كما يُطبَّق منـذ بدايتـه قام على أساس الخضوع والاستسلام للسلطة الغاشمة وحمايتها وتـبرير سلوكها مهما كان مخالفا لطبيعة الحق. فخبث الفكـر وانحـرافه لـدي أولئـك العـربان وأعوانهم من العملاء أدَّى إلى فبكـرة دين يبتعـد تماما عن جوهر الحق الإنساني أكثر مما يؤدي إلى ذلك خبث البدن وانحـرافه بالمعنى الحصـري للكلمتين.

وفي أحد البرامج التليفزيونية التي تقنع المشاهد بأننا شعوب همجية لا تعرف سوى الصراخ وعدم الاعتراف بالآخـر*9* وجهت الدكـتورة وفاء سلطان سؤالا [بضمير الغائب] إلى خصمها الدكـتور إبراهيم الخولي وهو أحد مشايخ الأزهر، قائلة :
« لماذا لا يقـول (د. الخولي) لنا إذا ضبـط عـلى إنجـيـل في محـفـظة رجـل مسيـحي في السعـودية مـاذا سـيحـل به؟ »
فَـرَدَّ قائلا:
« أولا ليست السعـودية المثل الإسلامي الذي يٌضرب والسعـودية في نهـجـها وسـلوكـها العام أكـبر بلـد أدينـه فـيما يتصل بمعايير الإسـلام.. »

لا شـك أن الدكتورة وفاء سلطان كانت تشير إلى المواطن السعودي : صادق عبد الرحمن مال الله وهو ليس مسيحيا، بل من الشيعة المضطهدين في السعـودية، وقد اتهمه حـماة الفضيـلة الـوهابية [المطوعون] بتهريب نسخة من الإنجيل إلى بلاد الإسلام. وبالـرغم من إصراره على أن التهمة ملفقة ولا أساس لها من الصحة، ومن المناشدات الدولية للإفـراج عـنه أو تخفيف الحكم عليه، فقد تم إعدامه بقطع رأسه في1992/9/3 علنا أمام الناس في مدينة القطيف، وتقول منظمة العفـو الدولية إن السلطة السعودية أعدمت على الاقل 103 أشخاص بنفس الطريقة الهمجية في عام 1999، ومع أن البلاغات الـمقـدمة للمنظمة تفيد بأنها أعـدمت في العشرين سنة الأخيرة 1163 شخصا، إلا أن الدلائل تشير إلى أن الـعـدد الحقيقي يفـوق هذا الـعـدد بكثير، وأن من بينهم مـن يقل عمره عن 18 عاما [أي لم يبلغ سن الرشد]، وقد أعـدم الكثيرون منهم بتهم واهية أو ملـفـقة، ولم يسمح لمحامين بالدفاع عـنهم*10*.

ولكننا نود أن نسأل فضيلة الشيخ إبراهيم الخولي، إن كانت عنده فضيلة بالفعل، لو لم تكن السعودية هي المثل الإسلامي الذي يضرب، وأنه يدينها في نهجها وسلوكها العام « فيما يتصـل بمعايير الإسـلام »، فماذا تكون إذن؟ وهي منار الهدى ومهـــد البطــولة عبر المدى... إلى آخره؟ أليست تلك الدولة البليدة الخسيسة هي التي جاءت منها هذه الفكـرة الهشة الهـزيلة؟ والتي يقتات من ورائها، وجعلت من فضيلته، إن كانت لديه فضيلة من نوع ما، عـميلا كي يروج بضاعـتها الفاسدة والمفـسدة، حتى وإن لم يكن يتعاطى ـ على ما يبد ـ أجـرا نفطيا منها مباشرة؟. ثم ما هي المعايير الإسلامية التي يعنيها، إن كانت هناك معايير حقيقية؟، فـهؤلاء العملاء لم يتفقوا على أي شيء في هذا الدين على الإطلاق منذ ظهوره وفـرضه على رقاب الناس.

كانت الفكرة في بدايتها تصدر على رماح السيوف وفوق رقاب العباد ودمائهم وأموالهم ونسائهم، واليوم تصدر على بساط من الدولارات التي يدرها النفط كل يوم. وما دام الأمر هكذا، فالمتأسلمون في كل مكان كانوا ومازالوا على أتم استعداد لتقبلها والعمل بها، دون البحث في مضمونها أو معرفة الهدف من ورائها، لأن هناك من يفكر نيابة عنهم، إنهم الأسياد الوهابيون وعملاؤهم الأبرار.

فالشيخ البدوي عبد العـزيز بن باز كبير الدجالين الوهابيين يري أن غياب التفكير شرط لحضور الإيمان، فيقول: « الفكر والكفر واحد، بدليل أن حروفهما واحدة*11* ». أرأيت عـزيزي القارئ مثل هذا الهـراء؟. ويعلق فيصل دراج على ذلك بجدية قائلا: « وعلى القياس ذاته، تصبح الحـرب هي البحـر، والبحـر هو الـربح، والـربح هو الحـبر*12* ».

ولأن ابن باز يرى أن الفكـر كفـر بدليل أن حروفهما واحدة فقد كـفَّـر العلم والعلماء وملأ الأرض دجلا وجهلا حتى وفاته عام 1999.

كما وأن للبدو المتسعودين أسوة حسنة دائما في رسولهم لذلك انتشرت بينهم ظاهرة مفاخذة الأطفال، وجاءت إحدى فتاوى الدجالين لمعالجتها على النحو التالي:
« الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ... وبعد:

فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي أبو عبد الله محمد الشمري والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم 1809 وتاريخ 1421/5/3هـ، وقد سأل المستفتي سؤالا هذا نصه:

انتشرت في الآونة الأخيرة، وبشكل كبير وخاصة في الأعراس عادة مفاخذة الأولاد الصغار، ما حكم ذلك مع العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد فاخذ سيدتنا عائشة رضي الله عنها.
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي: ليس من هدي المسلمين على مر القرون أن يلجأون إلى استعمال هذه الوسائل الغير شرعية والتي وفـدت إلى بلادنا مـن الأفـلام الخـلاعية التي يرسلـها الكفار وأعـداء الإسـلام، أما من جهة مفاخذة رسول الله صلى الله عليه وسلم لخطيبته عائشة فقد كانت في سن السادسة من عمرها ولا يستطيع أن يجامعها لصغر سنها لذلك كان صلى الله عليه وسلم يضع إربه بين فخذيها ويدلكه دلكا خفيفا، كما أن رسـول الله يمـلك إربه عـلى عكـس المـؤمـنين.

بناء على ذلك فلا يجوز التعامل بالمفاخذة لا في الأعراس ولا في المنازل ولا في المدارس، لخطرها الفاحش ولعـن الله الكـفار الـذين أتوا بهذه العادات إلى بلادنا.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، عضو: بكر بن عبد الله أبو زيد، عضو: صالح بن فوزان الفوزان، الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن آل الشيخ ».

بالطبع لا يستطيع أولئك المأفونون أن يقولوا صراحة إن صلعمهم هو الذي أتى بهذه العادة وغيرها إلى بلادهم، بالرغم من اعترفهم بأنه مارسها مع عائشة وهي في السادسة من عمرها!!!

ويتضح من هذه الفتوى أن ظاهرة مفاخذة الصغيرات وممارسة الجنس عليهن قد انتشرة وبشكل وبائي بين البدو المتأسلمين المتسعودين، ولكن أساتذة التلفيق لا يرون نبيهم أسوة في ذلك لأن الطفلة عائشة ذات الست سنوات كانت خطيبته، ولم يتمكن من نكاحها لصغر سنها، فكان يفاخذها بوضع قضيبه بين فخذيها ويدلك فـرجها دلكا خفيفا، فهو يملك قضيبه على عكس المؤمنين، هكذا قالت عائشة لهؤلاء الدجالين وغيرهم من رواة السنة النبوية المطهرة. ولا بد لهم من تبرير أفعال نبيهم بتبريرات تحتقر العقل البشري، وتحميل ما ظهر وما بطن من فواحشهم على كاهل الكفار الذين أتوا بها إلى بلادهم. أنه أسلوب النعامة الذي يتقنونه جيدا، ويحتمون به دائما. لذلك يطلبون دائما من إلههم البدوي الصحـراوي أن يلعن الكفار، فهو إله "شتام ولعَّان"، إله قليل الأدب. لا يعـرف أن إله أولئك الكفار حـرم عليهم السب واللعن، وأن قوانينهم تجـرم كل من يسب ويلعن!!

ولكن، هل بمجرد إصـدار هذه الفتوى يتمكن أولئك الدجالون أو غـيرهم من معالجة تلك السلوكيات المتفشية والمتأصلة في مجتمعهم بالرغم من حقارتها؟ أم أن القانون الوضعي، إن وجد وتم تنفيذه بقدر من العدل والإنصاف، هو القادر وحده على ذلك؟ كما حدث في كثير من الدول المتحضرة، التي التزمت في تعاملها مع صغار السن بما سنته المنظمات الدولية لحقوق الإنسان وحماية الأطفال والأسرة بوجه عام.

فبعد ما يزيد على ست سنوات من صدور هذه الفـتوى الغبية، تخرج علينا قناة " العـربية " الفضائية التي تملكها دولة الجهل المقدس وتبث برامجها مـن دبي، بحلقة مع غـادة جمشير وهي إحدى مناصرات حقوق المرأة في البحرين، تناقش فيها تلك القضية التي تتفشى في دول الخليج، وتمارس فيها بدعم قوي من تراثهم الحـقير*13*، على حـد قولها.

كما وأن نفس اللجنة البدوية المريضة كانت قد أصدرت فتوى أخرى برقم 19402 في 1418/1/25 برئاسة شيخ الدجالين يكـفـرون فيها كافة الأديان والملل والشرائع الأخرى وجميع الكتب المقـدسة لـدي الآخرين، لأنها نسخـت وأزيلـت بالإسلام والـقـرآن. كما حثت المتأسلمين على مقاتلة الكـفـرة الذين لا يؤمنون بديـن الحق، الآية 29 من التوبة.

إن الثقافة الدينية الإسلاموية تغرس بذور الغرور في نفوس المتأسلمين، مما يجعلهم على عداء مستمر مع الآخرين. فقد نعتوا أهالي البلاد الزراعية بعد التأسلم بالعجم خاصة في مصر والشام والعراق وأطلقوا على المواطنين لفظ "عـلوج" أي "عجـول"، وهي كلمة توحي بالتعالي والتسلط، وجاء في الحديث النبوي « إذا ابتاعيتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالـزرع وتركـتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ». ولهذا السبب نرى رجال الدين يواصلون جهادهم بتحـريض الجهلاء على قتل الأبرياء، بينما هم يملأون بطونهم ويزيدون من بدانتهم.

حدث ذات يوم أن حضرت مجلسا لأحد " أصحاب السمو الملكي آلسعودي " الشبان، وكان قد عاد لتوه من زيارة إلى مصر، وفي معـرض حديثه عن هذه الزيارة قال عن مصر إنها " بلد وسخ " لأن في القاهرة شارع الهرم الذي يأوي العاهرات ...، وبلعت أقواله التي لا تقدم ولا تأخـر. وفضلت ألا أعلق عليها بشيء، إلا أنه التفت إليَّ وطلب أن يعرف رأيي، فسألته: « لماذا ذهبت إلى شارع الهـرم حيث توجد الوساخة على حد قولك؟ أليس هناك أماكن أخرى ـ ربما تكون نظيفة ـ كان بإمكانك الذهاب إليها، مثل مسجد الحسين أو السيدة زينب أوغيرهما من الأماكن المقدسة التي يحتلها بني جـلـدتك، إذا كنت لا تريد زيارة المتاحف والأماكن الأثرية التي تحفل بها مدينة القاهـرة؟ أليس من السهل على من يبحث عن الداعـرات أن يجدهن في مكة نفسها، وربما على بعد أمتار من بيت الله؟ ». فلم يرد علي، وحمل لي العـداوة في نفسه. فقد فهم بذكائه البدوي الفطـري ما أعـنيـه.

وفي مجلس آخـر لأحدهم، وهو يحتل الترتيب الثالث عشر لأبناء عبد العزيز بن سعود، وتقلد في الماضي مناصب عـدة في الدولة منها وزيرا للـدفاع ثم وزيرا للـزراعة ثم حاكما لمكة ثم تقاعد عن العمل الحكومي لأسباب تندرج تحت تعبير " قصر النظر "، قال صـراحة على مسمع الحاضرين: « إن الحج أصبح عبئا علينا ولا يجلب لنا سوى المشاكل والهموم، ولولا غضب المسلمين لهدمنا الكعبة وألغينا الحج ». وكان يعلق بذلك على المظاهرات السياسية التي قام بها الحجاج، خاصة الإيرانيون، لسنوات عديدة مطالبين بانتزاع أماكن الحج المقدسة من سيطرة السعوديين وتدويلها. ومما لا شك فيه أنه ينقل بقوله هذا ما يجري في أروقة أصحاب السمو الملكي وما يدور في اجتماعاتهم الخاصة. ولكن لأنه قصير النظر بالفعل فإنه لم يفكــر أنهم ظلوا يقتاتون من هذا الحج الوثني ومن تقديس مبنى الكعبة وحجـرها الأسود منذ آلاف السنين وحتى الآن، وأنه من المستحسن لهم الإبقاء عليها جميعها لما بعد نضوب النفط في بلادهم ونفاد عائداته. يجب عليه ألا يفضح نفسه ويفضح بني جلدته أحفاد صلعم، ويترك المتأسلمين في كافة بقاع الأرض مخـدرين بأفيون نبيهم الكريم جدا، حتى تظل بقــرته الحلـوب تدر عـليهم المنافع إلى أبد الآبدين.

إن انفصام الشخصية مـرض متأصل بجدارة في نفـوس البدو العربان ـ المتسعوديـن حاليا ـ منذ وجدوا بحكم البيئة وحياة البداوة وتعاليم محمد الإسلاموية. ولقد نقلوا هذا المـرض على أسنان سيوفهم ودولارات بترولهم إلى خارج مكامنهم الصحـراوية. وهم في حقيقة الأمـر لم يقدموا لأنفسهم أو للآخرين أي شئ يجعلهم « خير أمة أخرجت للناس »، بل « أخبث وأردأ أمة على الإطلاق »، ومع ذلك أصبحوا منذ زمن بعيد قدوة لنا، فلم نقدم لأنفسنا أو لغيرنا ما من شأنه أن يشير من بعيد أو قريب إلى أننا ننتمي إلى أمة واحـدة بالفعل وأنها تتسم بأقل قدر من الخـير. بل على العكس وضعنا أنفسنا في سلتهم الخسيسة لنقدم للآخـرين نماذج محمـومة ومهـووسة بالكـلام ومــريضة بالفـعـل والعـمـل.

إننا بانتمائنا إلى أولئك الحقـراء نهين أنفسنا أمام الآخـرين فننفـرهم منا، فالآخـرون في كل بقاع الأرض يحترمون ماضينا المجـيد، بينما يحتقرون لذلك حاضـرنا المَهـين وواقعنا المشين.

ملحوظة: يمكن تنزيل الكتاب بالكامل بصيغة pdf، 331 صفحة وبه العديد من الخرائط والرسوم والصور على العنوان التالي:
http://www.4shared.com/office/n1NOibXkce/______1_.html

الهوامش:
*1* أنظر Howarth, David: The Desert King: Ibn Saud, Mc Graw-Hill, NY 1964
*2* تقول بعض المراجع، خاصة السعودي منها، أنها كانت قوات مصرية.
*3* راجع مايلز كوبلان: لعبة الأمم، تعريب: مروان خير، ط1، ص90 ، توزيع مكتبة الزيتون بيروت 1970.
*4* أنظر كتاب : الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة للدكتور فؤاد زكريا ـ دار الفكر ـ القاهرة ، الطبعة الثانية 1986.
*5* د. أيمن الياسين: الإسلام والعرش، الدين والدولة في السعودية، ترجمة: سيد زهران، كتاب الأهالي رقم 26، القاهرة يونيو 1990.
*6* http://www.middle-east-online.com/?i...38672&format=0،
*7* Seymour Gray: Beyond the Veil, Harper+ Row, Publ. New York, 1984.
*8*S. Gray: Beyond the Veil, مصدر سابق .
*9* برنامج «الاتجاه المعاكس» قناة الجزيرة الفضائية القطرية بتاريخ 2006/2/21.
*10* أنظر التفاصيل المفجعة على صفحة منظمة العفو الدولية:
http://www.amnesty.org/ailib/intcam/...issues/dp.html
*11* حسن إبراهيم أحمد: العقل الإيماني، دار المدى، دمشق2000، ص 8.
*12* فيصل دراج: الشيخ التقليدي والمثقف الحديث، دراسات ثقافية، مركز الدراسات دمشق
*13* تسجيل الحلقة: http://www.jesus-for-all.com/media/7oqooq al mar2a alarabiya tv.wmv
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-08-2014, 03:19 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 37,570
افتراضي الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 9 ياسين المصري الحوار المتمدن-الع

الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 9


الخـلفـاء "الـراشـدون" وغيرهم

فنحن المالكـون للناس قــسراً نسـومهم المذلة والنكالا
ونوردهم حـياض الخسف ذلاًّ ومـا نألــوهم إلا خـبـالا*1*
وليد بن يزيد بن عبد الملك

ـ الصـعالـيك تحـت السـقيفة "التـعـريشة"
ـ أبو بكـر وعمـر وعـثمان وعـلي
ـ الصـعالـيك خـارج مـوطـنـهم
ـ الـنتـيـجـة

بنفس الأسلوب الوثني المقدس للأماكن " المشـرفة والمكـرمة والمنـورة والمطهرة والمعطرة ... إلخ " أصبح خلفاء صلعم الأربعة بالتوالي وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي " راشدين "، ولا مانع من أن يضاف إليهم ـ أحيانا ـ خامس هو عمر بن عبد العزيز تبعا للهوى النفسي والحماس الديني، دون أن يعرف المرء لماذا تكون بعض الأماكن مشرفة أو مكرمة أو منورة على غيرها ويكون بعض الأشخاص راشدين من دون الآخـرين؟. هل لأن البعض منا لا يمكنه التفريق بين التشـريف أو التكريم أو التنوير أو الـرشد من عـدمة، أو لأنها جميعها عملة نادرة أو معدومة بين البشر بوجه عام، وبين الـعـربان بوجه خاص؟.

لنبحث إذنْ في الكتب الإسلاموية المقدسة عن رشد أولئك الـراشدين، دون غيرهم. ومدى التزامهم بالأسوة الحسنة، وما إذا كانوا يرجـون الله واليوم الآخـر أم كانوا يرجـون أنفسهم ويومهم في الحياة الدنيا؟

فبوفاة صلعم أحيل الملاك العبراني المدعو جـبريل إلى التقاعـد وأغلقت السماء أبوابها، وسدت نوافذها، وانقطعت الطـرق المؤدية إلى الأرض، وظل الطـريق المعاكس مفتوحا لمن يريد رضاء ربه، والجهاد في سبيله كي يدخل الجـنة ويستمـتع بملذاتها. وانتهت بذلك " حكومة الله " أو كما أسماها العشماوي « حكومة النبي أو حكومة الدعوة*2* »، لتبدأ حتى وهو على فراش الموت " حكومة الصعاليك "، فإله البدو ونبيهم لم يحددا من يخلف صلعم، أو طريقة معينة لاختيار خليفته، كما أنهما لم يضعا قـواعد محددة وواضحة لأصول الحكم وطـريقة تسـييره وكـيفـية توزيع الغنائم والنفقات المالية ـ بعد موته ـ والتي اختلف عليها المتأسلمون أكثر من مرة أثناء حياته، والحد من استغلال الدين الجديد بشكل مفرط وسافر في السعي الحثيث إلى تحقيق المصالح الشخصية. الأمر الذي أصبح قاعدة عامة منذ ذلك الوقت وحتى الآن. ولكن يبدو من وضع صلعم بين رفاقه ومن الأحداث التي سبقت موته مباشرة أنه لم يكن باستطاعته أن يفعل ذلك. ولذلك لم يتم استدعاء الوحي ليقول كلمته، وأغمض إله البدو عينيه عنه عامدا متعمدا، ليترك المجال واسعا لقرائح العملاء والمنافقين والأفاقين ومن هب ودب ليدلي بدلوه، ويجتهد ويتبارى مع غيره في اجتهاد ـ ما هو إلا فـبْرَكة ـ بلا حدود أو ضوابط، لأنه سوف يكافأ دائما من قبل ذلك الإله المصطنع، فإن أصاب له أجـران وإن خاب فله أجـر، عملية قمار مدعومة بوعد كاذب ولكن عواقبها وخيمة، طالما تختص بالشـؤون الحـياتيـة للبشـر.

وهذه في حد ذاتها كارثة عُرْبانية كبرى حلت بنا ومازلنا نعاني مـنها حتى الـيوم، إذ أن شؤوننا السياسية اليومية والمستقبلية على المستويين الفـردي والجماعي لا تتم معالجتها إلا من قبل شيخ البلد أو شيخ القبيلة أو أي قاطع طـريق يقفذ على السلطة ليغتصبها لنفسه، ليكون "ولي الأمـر" وحده، بالطبع سوف يساعده في ذلك جمع غـفـير من الجلاوزة (الصحابة) الدجالين والمنافقين والنمامين وأصحاب المصالح الذين يلتفون حـوله ويغلقـون عليه منافـذ العقل ومسالك العـدل. وإذا عـرفنا في يوم ما مؤسسات الدولة التي تطبِّق القانون بقدر ما من الحيادية، وتعالج مشاكلنا الحياتية بقدر ما من الكفاءة والاقتدار، قام من بيننا من يعمل على إزالتها لأن له في رسول الله أسوة حسنة، ليجلس هو وحده فوق الجميع، ويتحكم هو وحده في شؤون الـرعـية. وشؤون الـرعية عنده ليست سوى النظر إلى الأرض والتهام العشب في صحراء شاسعة ومليئة بالصخور والرمال.

وراحت تكتمل فصول الكارثة الأبدية في ظل تعـريشة أو "سقيفة" بني ساعدة في يثرب.

الصـعالـيك تحـت السـقيفة أو "التعـريـشة"

توفى صلعم ـ تبعا للموروث الإسلاموي ـ في يوم 632/6/18هـ وخوفا على مراكزهم من إعلان وفاته، تركة أصحابه من الصعاليك المبشرين بجنته ثلاثة أيام دون دفن حتى فاحت النتانة من جثته.

توفى نبيهم ولم يحققوا له "أمنيته الأخيرة" قبل موته، ففارقهم تاركا لهم إرثا مثقلا بالأكاذيب والخداع والأضاليل، وكلمات مطاطة وغامضة ومتضاربة ومتناثرة هنا وهناك، قال عنها إنها وحي من السماء. ولم يؤسس دولة بالمعنى المتعارف عليه، ولكنه عمل على إخضاع قبائل العـربان لسيطرته بالعنف والإرهاب، وراح يحكم فيها بالوحي القـرآني والسيف البتـار، تماما كما يحكم من يطلقون على أنفسهم لقب ملك أو رئيس في جميع دول الشـرق الأوسط، وكل منهم بإحدى يديه رجال الدين وسدنته العملاء وبيده الأخـرى كل أجهـزة الدولة القمعية. ولذلك لم يعمل صلعم على وضع قواعد لدولة ما، ولم يتطـرق قط سواء عن طـريق الوحي القرآني المزعوم أو أحاديثه "الموثقة" أو الملفقة عن الأسلوب الواجـب اتباعه لاختيار خليفة له بعد موته. فهو لم ينشئ دولة بالفعل، ولم يكن يعرف مع إلهه أن دولة ما سوف تنشأ من بعده!!

لا شك أن أولئك الصعاليك كانوا على قناعة تامة بأن الدين الجديد ليس إلا وسيلة لتحقيق مآربهم السياسية، وإلا ما اختلفوا على شيء بعد موت نبيهم، وما ظهرت مطامعهم السياسية على سطح الحياة هكذا بشكل سافر وصريح حتى وهو على فـراش الموت. فهل أخذوا الدين الجديد بجدية تامة لخوفهم من عقاب "الله" كما يزعمون؟ وهل اختلفوا حقيقة من أجل الدين أم من أجل تحقيق مآربهم الدنيوية؟ ألم يكن لهم في نبيهم أسوة حسنة تأسوا بها بشكل كامل؟ أليس من حق أي إنسان يتمكن من استعمال عقله أن يسأل هذه الأسئلة وغيرها؟ بعد أن عرفنا أن صلعم نفسه عاش لنفسه، وجعل أصحابه يعيشون لأنفسهم بالـمـثل، كما لو كانوا يعيشون أبدا، فكانوا جميعا قـدوة لغـيرهم.

تجمع كتب التاريخ التراثية على شيئين متناقضين، الأول هو أن صلعما كان أميا لا يقـرأ ولا يكتب، والثاني هو أنه وهو على فـراش الموت كان يود كتابة شيئا ما، لن يضل المتأسلمون بعده أبدا (ونسي العملاء الملفقون قولهم: إنه كان نبيا أميا، لا يكتب ولا يقـرأ)، وهكذا بعد تلك الحياة الطويلة، يود أن يكتب لهم في عجالة وهو على شفا الموت شيئا لن يضلوا بعده أبدا !!!. فرفض عمر بن الخطاب إعطاءه ورقة وقلم لكتابته، قائلا إنه « يهـزي، ويكفينا القـرآن »، وانقسم الحاضرون إلى فريقـين بين الـرفض والـقـبول، فطـردهم صلعم جميعا من أمامه.

وبطبيعة الحال المشبع بالتكهنات والتلفيق، يدور كثير من اللغـط والجـدل حول هذه الحادثة، فالشيعة من ناحيتهم يحاولون الاستفادة منها بزعمهم أنه كان يريد تسمية علي بن أبي طالب خليفة له، ويستشهدون على ذلك بأنه كان قد طلب من جميع كبار الصحابة ـ دون علي ـ الانضمام إلى جيش زيد المتجه إلى محاربة الرومان في الشمال. لكن يمكن لأي إنسان يستطيع استعمال عقله أن يقول ـ وبقدر كبير من الثقة ـ إنه كان يريد إعلان ندمه وتوبته عما بدر منه من موبيقات وجرائم في حياته، والاعتذار عن هذا الدين الكاذب المضلِّل، إذ كيف يقول في نهاية حياته إنه يود كتابة شيئا لن يضل المتأسلمون بعده أبدا؟؟ لا شك أنه كان يعرف حق المعرفة أنه جاء لهم بالضلال، ويريد الآن وهو على فراش الموت أن يتبـرأ منه. إذ كيف ينسجم أو يتفق هذا مع ما قاله في «حجة الوداع»: قد تركـت فيكم ما إن اعـتصـمتم به فـلن تضـلوا أبدا: كتاب الله وسنة رسـوله!!! أو ما قاله على لسان إلهه: {اليوم أتممت لكم دينكم} ... إلى آخـر الآية.

ويبقى هنا سؤال مهم، هو: لماذا فضَّل ابن الخطاب ومن معه إبقاء المتأسلمين على ضلالهم؟؟ أو أن يضلوا فيما بعـد وإلى الأبد، ولماذا لم يستمع إلى كلمة نبيه الأخـيرة؟؟ فلطالما استمع إلى أقواله وأطاع أوامره!!! إنها حقا لمهـزلة كـبرى ومنقطعة النظـير!!!

وما أن غاب ذلك البدر، الذي لا يكف العملاء عن إسعاد طفولتنا التعيسة بطلوعه من ثنيات الوداع على الأنصار قبل عشر سنوات وتشريفه مدينتهم، حتى اجتمعوا في تعـريشة بني ساعدة لـيتدارسوا أمــرهم ويحــددوا مستـقبـلهم السياسي، واتفـقـوا عـلى تولـية السلـطـة لسعـد بن عـبادة، الذي كان مريضا، ولم يمنعه مرضه من الحضور. فخطب فيهم موضحا حقهم في الحكم. ووصل الخبر إلى عمر فآسرع إلى أبي بكر وكان مع علي يشرفان على تجهـيز جثمان النبي للدفن، فخـرج مع عمر إلى السقيفة، وفي الطريق انضم إليهما عبد الرحمن بن عوف.

وتحت التعريشة نشبت بينهم وبين الأنصار مشادة كلامية حادة، وخلاف شديد على الخلافة، كاد أن يتحول إلى نزاع دموي يقضي على مستقبل الإسلام ومستقبلهم جميعا، لولا أن اتبع أبو بكر أسلوب الترغيب والمـداهنة، وقال للأنصار: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقاطعه الحباب بن المنذر مطالبا بحق الأنصار في الرئاسة، وقال: فإن أبى هؤلاء فمنا أمير ومنهم أمير، بمعنى أن يتقاسم الفريقان السلطة بالتناوب. ولكن عمر رد عليه بعنف قائلا: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد، فاشتعل الشجار وامتشق الحباب سيفه استعدادا للقتال، ولكن تمكن الحاضرون من تجـريده منه.

وظل يتبع أبو بكر أسلوب الترغيب وعمر أسلوب الترهيب، وعبد الرحمن أسلوب التلطيف والتخدير، حتى انتهى الأمر إلى مبايعة أبي بكر. ولكن سعد بن عبادة رفض أن يبايعه، فهـدده المهاجرون وعلى رأسهم عمر بقولهم: « لئن نزعت يدا من طاعة أو فرقت جماعة لنضـربن الذي فـيه عـينيك » ورد عـليهم سـعـد الـمـعـروف بصـلابته: « والله لن أبايع حتى أرميكم بما في كنانتي وأقتلكم بمن تبعني من قومي وعشـيرتي ». واعـتزلهم بعـد ذلك، وبقى على مقاطعته لهم حتى جاء عمر على رأس السلطة، فاستدعاه وطلب منه المبايعة فقال له سعد: إن من قبلك كان أحب إلي منك، فرد عليه عمر: من لا يحببنا عليه أن يفارقنا. وكانت هذه إشارة صـريحة لسعد بأن يغادر البلاد، والعيش في سوريا. فكان بذلك أول " شخص منفي " من المتأسلمين. ولكن تم اغتياله بعد ذلك، وأشيع بين العربان في يثرب أن الجـن قـتـلـته لخـروجه عـن طـاعـة أمير المؤمنين.

وباختيار أبي بكر خليفة تم تأجيل النزاع الدموي بين المتأسلمين إلى وقت لاحق، إذ أوجد الحوار في السقيفة من السبل والمـبررات ما يكفي لتعميق الدين في الشؤون السياسية وبقـدر يسمح بتطويعه كي يدعمها بشـكل أقوى، الأمر الذي أصبح قاعدة عامة على مـر التاريخ. فقد ظهر التهافت على السلطة بوضوح بين الجميع، ولكن تحت غطاء من الدين والادعاء بالحرص عليه من أن يقع فريسة لفتنة تقضي علـيه في بدايته، ومن ثم على معتنقيه، وعلى المزايا السياسية التي حققوها قضاء لا يعلم مداه إلا الله، على حد قول العملاء الملفقين.

ولكن ألم يكن يعلم "إله البدو الصحـراوي" ما سوف يحدث بعد وفاة نبيه ورسوله، وهو الذي ذكـر عشـرات المـرات على طـول القرآني وعرضه أنه يعلم ما يُسِـرُّون وما يعلـنون وإنه عليم بذات الصدور، وأنه بكل شئ عليم خبير ... إلى آخره؟ ولماذا ترك البدو يقعون فريسة للصراع على السلطة والغنائم، ويترك المتأسلمين يتخبطون في شؤون دينهم وحياتهم. هل هي مشيئته المزعومة وقضاؤه الذي لا راد له؟ أم أنه نسي كعادته ما قاله من قبل؟

منذ ذلك الوقت التعيس وحتى هذا الوقت الأتعس منه، بدأت تتشكل جماعات وتكتلات، وعصابات سـرية وغير سـرية، وقد يصل البعض منها إلى الحكم وقد لا يصل، ولكنها جميعها تتفق في شيء واحد هو السرقة والسلب والنهب والظلم والقتل تحت غطاء كثيف من تعاليم الإسلام والأسوة الحسنة برسول الأسلمة.

ويقول العشماوي عما حدث تحت التعريشة: « وطوال هذه الصراعات وتلك الخلافات لم تُـثر على الإطلاق مسألة الإيمان بالله، أو وحدانيته ...، أو نبوة النبي، أو صدق الرسالة، أو سلامة الوحي، أو صحـة القرآن، أو أركان الإيمان، أو إنكار الصلاة، أو تطبيق أحكام الشريعة، أو العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين.... إنما دارت الخلافات واشتدت الصراعات حول السلطة (أي الأمـر) وعن الميراث (أي الأرض)*3* ». أي أن الأمـر برمته لم يكن سوى سعيا حثيثا إلى تحقيق المصالح الشخصية، وصـرعا عنيفا من أجل الاستحواذ على السلطة والنفوذ، وأن دين صلعم هذا ما هو إلا أداة فقط لتمكين الأطـراف المعنية من ذلك، تماما كما يحـدث دائما وأبدا في هـذه المنطقة الموبوءة بالأسلمة (القهرية) والتأسلم (الوراثي).

أبو بكـر بن قـحـافـة

فازت جبهة أبي بكر وعمر « لأنها أحسنت التكتيك وسعت إلى هدفها بغض النظر عن أي عواطف من أي لون حتى لو كانت دينية، واستغلت بدهاء كل ضعف ممكن في الجبهات المقابلة*4* ». وتولى أبو بكر الخلافة وأصبح أميرا للصعاليك، فوقف وألقى كلمة حدد فيها معالم سياسته، قال فيها: « أيها الناس، إني قد وليت عليكم ولست بخـيركم، فإن أحسنت فإعينوني، وإن أسأت فـقَـوِّموني، الصدق أمانة والكـذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، إن شاء الله لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالـذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم ».

ومن الطبيعي أن يطول حديث المتأسلمين حول هذه الكلمات المعسولة لأنها تبدو لأول وهلة وكأنها ركـيزة قـوية من ركائز الديموقراطية وحقوق الإنسان في العصر الحديث، كما يدعون، فهي:
1. تقر بمشاركة الناس في أسلوب الحكم ومراقبتهم للحاكم ومحاسبته إن أخطأ.
2. تقر بالعدل والمساواة في الحكم بين الناس.
3. تشير إلى تواضع الحاكم أمام المحكومين، والاعتراف بأنه ليس أفضل من غيره للمنصب.
4. وتؤكد على إن السلطة لا يمكن أن تكون مطلقة في الدولة دون غيره ، ومن ثم تقر بحق الشعب في مقاومة الحاكم المستبد والثورة عليه.
ولكنها في نفس الوقت:
1. تعتبر أسلوب الحكم اجتهادا من الحاكم، فإن أحسن يلقى العـون وإن أساء يلقى "التقويم" دون ذكر لكيفيته، ودون وضع آلية محددة، أو تعيين هيئة خاصة تقوم بمراقبته، وقد تمنعه من الإساءة قبل وقـوعـها.
2. لم تأخذ مكانها بثبات لا في أسلوب حكم أبي بكر نفسه ولا في أي من أساليب الحكم اللاحقة. ومن الإنصاف القول بأن الالتزام بها وبتطبيقها ارتبط منذ ذلك التاريخ وحتى الآن بشخص الخليفة أو الحاكم وبالعوامل التي أدت به إلى اعتلائه منصب الرئاسة، وبالظـروف التي أحاطت به وأيضا بناء على ما يحدثه الجلاوزة حوله من أثر عـلـيه.
3. لا بد أن يتساءل المرء عن الأسباب والدوافع من وراء حـديث أول خليفة للبدو العربان المتأسلمين في بداية خلافته عن الكـذب والتحـذير من شيوع الفاحشة بينهم، مالم تكن هذه وغـيرها من الأمور التي تحدث بالفعل، في مجتمع لم يعرف غيرها سابقا أو لاحقا.
4. من الملاحظ أنها لم تدعو إلى التسامح، بل تحث على مواصلة "الجهاد" في صورته الدينية وجوهره العسكري والاقتصادي والسياسي المعروف، حتى لا يضربهم الـذل، وهذا ما تعتمد عليه كافة الجماعات الإسلاموية الإرهابية دائما وأبدا، إذ تُـرْجِع السبب في حالة الـذل والمهانة التي يعيشها المتأسلمون الآن في كافة بقاع العالم إلى تركـهم الجهـاد.

من هنا نرى أن تلك الكلمات المعسولة تندرج تحت بند السياسة بما فيها من مداهنة وأكاذيب وخـداع، وذلك بهدف تهدئة الخـواطـر الجامحة والنفوس الغاضبة إلى حين، لا أكـثر ولا أقـل.

دامت خلافة أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر، عمل خلالهما على محاربة المنشقين عليه والمعارضين له، الذين جمعتهم كتب التراث ظلما وبهتانا تحت إسم "المرتدين" عن الإسلام. فلقد تم اختيار أبي بكر للخلافة في نطاق ضيق جدا، ولم يكن لأي ممن المتأسلمين خارج يثرب من القبائل والأفخاذ العربية المختلفة وأهل مكة وغيرهم أي دور فيه. ومع أن محمد تمكن بوحـيه وسيفـه من إخضاع الجميع تحت سيطـرته، إلا أن الكـثيرين منهم إنشقوا عليه أكـثر من مـرة، لـميلهم الـبدوي الفطري إلى عدم الخضوع لحاكم فرد من خارج نسبهم. وعندما وجدوا أن أبا بكر قد اختير لمنصب الخلافة دون مشاركتهم قالوا على لسان شاعرهم الحارث بن سراقة:

أطعنا رسول الله مادام بيننا فياقوم ماشأني وشأن أبي بكر
أيورثنــــا إذا كان بــعـــــــده وتلك لعمـر الله قاصـمة الظــهر

وانقلب الكثيرون ممن تأسلم في حياة النبي لعدم قناعتهم بالدين الجديد، ورجعوا إلى دياناتهم القديمة بعد وفاته، فعادوا إلى عبادة الأشجار أو الصخور أو القمر أو اتبعـوا " أنبياء " آخـرين ظهــروا في قبائلهم مثل مسيلمة بن ثمامة في قبائل حـنيفة واليمامة وطليحة الأسدي في قبائل أسد وطيء وسجاح بنت الحارث التميمية وخالد بن سنان العبسي والأشعث بن قيس الكندي وكـثيرين غـيرهم. وراح أولئك المتنبئون يشـرعون لهم بغير ما جاء به محمد، فمسيلمة مثلا ألغى عن قومه صلاتي العشاء والفجـر، وأوعـزت سجاح إلى بني تميم بالتخلي كلية عن الصلاة، بينما أمـر طلحة الأسدي قومه بعدم السجود في الصلاة، قائلا: « إن الله لا يصنع بتعفر وجوههم وتقبٌّح أدبارهم شيئا ».

وهناك من ظلوا متأسلمين ولكنهم امتنعوا عن دفع الزكاة للحكومة المركزية في مكة برئاسة أبي بكـر، وأرادوا دفعها للفقـراء والمساكين الذين يعيشون معهم، ومع أن هذا الأمـر مجـرد خلاف فقهي تم حله فيما بعد بدفع الـزكاة في أماكن دافعـيها، إلا أن ابن قحافة أصر على محاربة الجميع، إذ بدا الأمـر وكأنه محاولة من العـربان لضرب حكمه من خلال إفشال سياسته المالية والاقتصادية المتبعة لتمويل الجيوش ومواصلة تصديـر الشوكة القتالية لأتباعـه من يـثرب إلى خارجها، ليغتصبوا أراض ومغانم جديدة، ومن ثم يتخلص من متاعبهم، ويشبع نهمهم إلى حب التملك والتسلط.

وطلب بعض الصحابة من أبي بكر أن يتركهم وما هم عليه من منع الزكاة، « إلى أن يتمكن الإيمان من نفوسهم ، فيعودوا إلى آدائها »، ولكنه رفض ذلك. وبدأ الكذب على الناس منذ تلك اللحظة، فعندما قال له عمر بن الخطاب، المتعطش دائما للدماء: « سمعت رسول الله يقول أُمِـرت أن أقاتل الناس حتى يقولون لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابها عند الله »، فرد عليه أبوبكر بقوله: « وأنا سمعت رسول الله يقول أيضا: أُمِرت أن أقاتل الناس على ثلاث: شهادة ألا لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة »، وقرر محاربتهم حتى وإن كان وحده. فتراجع عمـر (الدموي) عن موقفه قائلا: « فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق »، إنهم إذن يعـرفون الحـق فقط عندما تنشرح صـدورهم للقتال !!.

منذ ذلك الوقت بدت " فبركة "، الدين الجديد تظهر بوضوع في سلوك الصحابة وتصـرفاتهم بعد موت نبيهم ومن ثم واصلوا نشره بحد السيف على الشعوب الأخـرى المجاورة لهم وفرضه عليها بهدف اعتلائها وسلب أو نهب خيراتها وسبي أو اغتصاب نسائها وإذلالها نفوسهم إلى أبد الآبدين، وكان لا بد وأن يقترن ذلك بالخرافات، « وهذه الخرافات أحالت المسلمين من غير العرب إلى عملاء لأسيادهم العرب ـ زبائن ـ يجب أن يشتروا ما يباع لهم بإسم " التنوير " الإسلامي*5* »، أي " إخراج الناس من الظلمات إلى النور " ذلك الـنـور الـذي لم يرَهُ أحـد حتى الـيوم، ويبدو أن أحـدا لن يراه في الغـد القـريب.

إستعمل ابن قحافة العنف بصورة مفرطة مع المنشقين عليه والمعارضين لخلافته، بالـرغم من نطقهم بالشهادة، فأرسل إليهم عـددا من الجيوش، إحداها بقيادة خالد بن الوليد، الذي راح ينكسهم في الآبار، ويحرقهم بالنار، ويقذف بهم من شواهق الجبال، ويقطع أطرافهم ويمثل بأجسادهم، فقتل منهم عشرة آلاف، وفي بعض المصادر التراثية عشرين ألفا. وسلب أموالهم وممتلكاتهم وسبى نساءهم. وتذكر تلك المصادر أن عبد الرحمن بن عوف أخذ على خالد هذا أنه لم يتصرف معهم إلا بدافع الانتقام وتصفية خلافات قديمة من عصر قبل الأسلمة المحمدية. فلقد سبق أن كلفه محمد بأسلمة تلك القبائل وحظر عليه صراحة ألا يبادر بأعمال قتالية ضدهم، ولكنه بالرغم من ذلك قتل الكثيرين منهم، واستعمل العنف الشديد بوجه خاص مع بني جذيمة لقتلهم عمه قبل الأسلمة مع أن هذا الأمر تمت تسويته بدفع الدية. ولما علم محمد بذلك رفع يديه حتى رُئِيَ بياض (بطيه) وهو يقول : إني أبرأ إليك مما صنع خالـد!. ومع ذلك لم يعـزله عن الإمرة، بل أطلق عليه "سيف الإسلام".

وفي الغـزوات التي أمـره بها أبو بكر أقدم خالـد على قتل مالك بن نويرة بالرغم من إسلامه كي ينال زوجته. وقيل أنه أمر بقطع رأسه وطبخها في قدر مع حجرين وأكل منها لـيرهب العربان. وعندما كـثرت الشكوى منه، استقدمه أبو بكر إلى يثرب لمعاتبته، إلا أن خالـد قال له: إنه لم يأمر بقتل مالك، وإنما حدث سوء فهم من قبل الحراس، فقتلوه. فقبل أبو بكر عـذره وأبقاه قائدا بالـرغم من أن عمر بن الخطاب ألح على أبي بكر إلحاحا عنيفا في معاقبته أو عـزله على الأقل. كـذلك اتهـم خالـد بأنه كان يفكـر في ملذاته بعد موقعة اليمامة، بينما الجرحى من المتأسلمين وغيرهم مازالوا راقـدين في مـيدان القتال دون اهتمام*6*.

ويفهم من الكتب التراثية أن خالـدا هذا كان صعلوكا متطـرفا إلى أبعد حـد، إذ تقول إنه أسلم متأخرا [في العام الثامن للهجرة] وانتهت تصـرفاته إلى وضع إسلامه موضع الشك والريـبة، فقد اتهم بسـوء التهذيب والزنا والجنوح إلى العنف والخـروج على القـواعد المتبعة في تقسيم الغنائم مما حمل عمر بن الخطاب أثناء خلافته على مصادرة جـزء من أمواله لمصلحة بيت المال، وعـزله فيما بعد من جميع المناصب، ووصفه بالنفاق وأن إسلامه ليس إلا تمثيلا. وهـذا الوصف ينطبق بصورة أو أخـرى على كثير من المتأسلمين، لأن الإسلام في جوهـره يحملهم على النفاق والكذب على أنفسهم وعلى الآخـرين!!!.

وبتلك الحروب شـرَّع أبو بكر إشهار سيوف المتأسلمين على المتأسلمين أنفسهم بعد أن كانت في عهد نبيه تشهـر على غير المتأسلمين وحدهم، لأن نبيه قال: « جعل رزقي تحت سن رمحي »، وقال:« بعثت بالسيف، والخـير مع السيف، والخيـر في السيف، والخيـر بالسيف»، وقال أيضا: « لاتزال أمتي بخـير ما حملت السيف »*7*. نفس فلسفة الصعاليك التي تعـرفنا عليها سابقا. وهكذا إذا لم يحمل المتأسلمون السيف على الكفار، يحملونه على أنفسهم، حتى تبقى تلك الأمة الهزيلة بخير، وكيلا يضـربها الـذل. ولذلك يعـرف الإرهابيون المتأسلمون دائما لماذا ضـربها الذل والانحطاط بالفعل؟؟

ومن ناحية أخـرى اعـترض الهاشميون بزعامة علي بن أبي طالب وعمه العباس بن عبد المطلب وبعض من الأنصار على تولي أبي بكـر الخلافة، ورأوا أنه انـتزعها منهم عمدا. ويفيد الطـبري وغيره بأن أبا بكـر وعمـر وعـبد الرحمن بن عوف ورهط من أعوانهم ذهبوا إلى علي في بيته لإرغامه على مبايعة أبي بكـر، وهددوه بحرق البيت على من فيه، وبالفعل أمر عمر بجمع الحطب ووضعه حول البيت وهم بحرقة، ولم يكف عن ذلك إلا عندما خرجت فاطمة تبكي وتصرخ فيهم وتستنجـد بأبيها وربه.

وكان علي يضع فاطمة على جمل ويخـرج بها إلى القبائل خارج يثرب ليحـرض العربان على مبايعته هو، ولما ماتت دفنها ليلا ولم يخـبر أبا بكـر بالـوفاة.
ويواصل الطـبري قولة: « لقد كان لعلي وجه (جراءة) من الناس في حياة فاطمة، فلما ماتت إنصرفت وجوه الناس عنه. فأرسل إلى أبي بكر حتى يأتيه وحده لمبايعته. وعندما ذهب إليه أبو بكر قال له: « لم يمنعنا عن مبايعتك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك، ولا منافسة لك بخير ساقه الله إليك، ولكننا نرى أن لنا في هذا الأمـر حقا، فاستبددتم به علينا »، فقال أبوبكـر بما يفيد أنه سمع النبي يقول إن هذا الأمـر لا يورث . بعد هذا اللقاء بايع علي أبا بكر أمام الناس وتبعه بنو هاشم .

بينما روايات أخرى تقول إن عليا أراد أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء عقب موت صلعم ، فتمسك بالنسطورية الروحانية التي تبناها بحيرا، ولكن قناعة أبي بكر بما حققته السياسة المحمدية من غنائم مادية ومعنوية، جعلته يرى أنه لن يجمع البدو العربان غير القتال. فاختلفا ولم يبايعه علي ويضع يده في يده إلا بعد أربعين يوما من مبايعته تحت سقيفة بني سعادة، وقيل بعد ستة أشهر بعد وفاة زوجته فاطمة بنت محمد. ولما سأله أبو بكر: ما حبسك عنا وعن مبايعتنا يا أبا الحسن؟ قال : كنت مشغولا بجمع كتاب الله، لأن النبي كان قد أوصاني بذلك، ويقال أن النسخة التي أراد علي جمعها كانت متفقة مع الإنجيل الذي دفعه نسطوريوس إلى محمد تحت إسم القرآن . ولم يقل لنا أحد هل أوصاه محمد بذلك أم لا، وما هو مصير النسخة التي أراد جمعها، وهل أحـرقت ضمن المصاحف التي أحرقها عثمان أم لا؟؟؟.

وقد وصف ابن الخطاب عملية اختيار أبي بكر خليفة بأنه كان " فلتة " وقاهم الله شرها، مع أنه ساهم فيها بشكل مباشر وبأسلوب الوعـد والوعـيد، ولم يعـرف أن الله لا يقي المغـرضين دائما من الفلتات.

ومن الجدير بالذكر أن أبا بكر حرَم فاطمة التي يفترض أنها بنت محمد من ميراث أبيها وهو أرضه في فَـدَك، وسهمه من خيبر، بحجة أنه سمع (صلعم) يقول: « إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ». فغضبت لذلك فاطمة وهجـرت أبا بكـر ولم تكلمه حتى ماتت بعد ستة أشهر من موت صلعم*8*.

وعندما شعـر ابن قحافة بقـرب موته [ذهبت بعد المصادر التاريخية إلى أن عمـر بن الخطاب قتله بالسم] لم يستشـر أحـدا في اختيار خليفة من بعده، ودعا عثمان بن عفان إليه وأملى عليه الوصية التالية: « بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن قحافة آخـر عهـده بالدنيا نازحا منها، وأول عهده بالآخرة داخلا إليها، إني اخـلفـت عليكم عمر بن الخطاب، فإن تروه عـدل فيكم، فذلك ظني به ورجائي فيه، وإن بدَّل وغـيَّر، فالخير أردت، ولا أعـلـم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ». وبهذه الوصية يكون أبو بكر قد رد الجميل إلى عمر، مع أنها تدل على شكوكه تجاهه، ولكنه وضع الأمـر برمته في عـلـم الغيب وليس في أيدي الناس.

ختم أبو بكر الوصية ودفع بها إلى عمـر، ثم قام بمسـرحية سياسية، إذ جمع المتأسلمين في يثرب وأعلن عليهم أن بعيتهم له قد انتهت، وأنه في حـل منها، وعليهم أن يختاروا من يحبون كي يخلفه، وتركـهم. غـير أنهم ، كما هو متوقع دائما وأبدا، اختلفوا للمـرة الثانية، ولم يستطيعوا الإجماع على إسناد الحكم إلى أحد منهم بمن فيهم عـمـر بن الخطاب نفسه. فرجعوا إلى أبي بكر وطلبوا منه أن يختار لهم من يرى فيه صلاحا وخـيرا لهم، فطلب إمهاله لبعض الوقت بحجة التشاور مع الصحابة ووجهاء القوم من المهاجـرين والأنصار. وبعد فـترة خـرج إليهم عثمان وأعلن عليهم أن الرأي قد استقر على اختيار عمر بن الخطاب لمنصب الخلافة، وطلب منهم مـبايعته، فبايعـوه.
لا تعـليق!!.

عـمـر بن الـخـطاب

لقد أثار فضولنا أحد العملاء المتطفلين بقوله الفارغ: « ياويل من يكتب عن عمر!! ... ياويله!، ما يكاد يدخل إليه حتى يجد نفسه يسبح في بحار من نور لا يدري أولها من آخرها*9* »، ومع أن عقلنا المتواضع لا يعـرف ماهي البحار من النور هذه وأين توجد وما الصلة بينها وبين الويل، فإننا سوف نحاول الدخول إليه والسباحة في بحار نوره المزعوم حتى وإن أصابنا « الويل*10* » أو كنا لا ندري أولها من آخرها، إنها مرض المبالغة، والبحث الدائم عن أسوة حسنة واحدة بين معتنقي هذا الدين.

ولذلك يبدو من الكتب التراثية الإسلاموية، كما يبدو من موقف العملاء الملفقين تجاه عمر هذا أنه كان ذا شخصية قوية ومؤثرة على محمد نفسه، بحيث أن إله صلعم الصحـراوي كان يأخـذ بكلامه ويستجيب على الفور لمطالبه،
فقد طلب من صلعم أن يتخذ من مقام المدعو إبراهيم مُصلَّى، فجاء القـرآن يقول : {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} البقـرة 125،
وقال لصلعم إن نساءك يدخل عليهن الفجار فلو أمرتهن أن يتحجبن، فجاءت على الفور آية الحجاب {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يأذن لكم .....} الأحزاب 53.
وعندما اجتمع نساء صلعم في الغيرة عليه وفيهم ابنته حفصة قال عمر لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خـير منكن، فجاء القـرآن بنفس الألفاظ.
وعندما سمع من صلعم قول القـرآن {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} علق عمـر قائلا : فتبارك الله أحسن الخالقين، فأضافها صلعم على الفور إلى النص القـرآني.

إذن لا يعدو الأمر برمته مجـرد عملية فبركة قـرآنية*11*. إذا يُفْهَم من ذلك أن عمـر كان في مقدمة الذين فهموا اللعبة فهما جـيدا وراح يلـعـبها مع صلـعم بمهارة تفـوق الآخـرين.

توفي أبو بكر في عام 13هـ/634م، فخلفه عمر كما هو مخطط له، وبناء على وصية رد الجميل أو حسب التعبير المصري: « شيلني وأنا أشيلك »، أو كما يقول الألمان: « يد تغسل الأخـرى ». وتولى الخلافة دون معارضة علنية، فقد بدأت تتشكل تحت السطح جبهتان أساسيتان متصارعتان، إحداهما بقيادة الهاشميين الذي يشعرون بأن أمر الخلافة يفلت تدريجيا من بين أيديهم، والثانية بقيادة الأمويين الذين يهيئون أنفسهم لاغتصابها في وقت ما. وقد تنبه عمر إلى جذور الصراع واستمراريته بينهما فأوضح لعبد الله بن عباس ـ إبن عم صلعم ـ خطـورة اعـتراض الهاشميين على تسلم الأمـويين للسلـطة بقـوله: « إنهم ينظـرون إليكم نظـرة الثور إلى جزَّاره ».

ومن ناحية أخرى رأى عمـر أن مواصلة سياسة الغزو والاستيلاء على الدول الخصبة المجاورة لهم تحقق له هدفين:
الأول: أنها تعمل على تدفق الغنائم والسبايا إلى يثرب ومكة باطـراد.
والثاني: أنها تشغل البدو العـربان عن حـروبهم فيما بينهم والتي جبلوا عليها.

ومن الجدير بالذكـر أن هذه السياسة العدوانية مازالت قائمة بين المتأسلمين تحت فقه "الجهاد"، وهو إما محاربة الآخرين أو محاربة بعضهم البعض. وأن تخليهم عن ذلك يعـرضهم للذل والانحطاط، كما أسلفنا.

وقد ساعد عمـر على مواصلة هذه السياسة ضعف وبداية انهيار الدولتين الفارسية والبيزنطية نتيجة للحروب المستمرة بينهما منذ زمن بعيد. فانحسرت قوتهما وتقلص نفوذهما عن مجالاتهما الحيوية في شرق وشمال وغرب شبه الجزيرة. فجاءتهما الضربة القاضية في وقت واحد من حيث لا يتوقعون، من أكثر مناطق العالم تخلفا، وأكثر الناس انحطاطا. فتوسع عمــر في عمليات السلب والنهب وسبي البنات والنساء إلى أبعد مدى، ووجه الشوكة آلإسلامية إلى الاستيلاء على كافة البلاد الحضارية الخصبة المتاخمة لهم في كل الاتجاهات. ففي العام التالي لولايته إستولى البدو العربان على سوريا والعراق، وفي عام 736 إستولوا على فلسطين وانتصروا انتصارا حاسما على الـفـرس في معـركة القادسية (في العراق) واستولوا على مصـر في عام 641. دون مـقـاومة تذكر، إذ انسحبت قوات المحتل البيزنطي وتركت لهم البلاد بمن وما فيها لقمة سائغة. كانت مصر تمر آنذاك بإحدى الفترات الحالكة في تاريخها، فقد احتلها الـرومان وتعـرضت في عام 284م لمجـزرة راح ضحيتها أكثر من 140 ألفا من الأقباط على يد الأمـبراطور الـروماني دقلديانوس، ومنذ ذلك العام بدأ التقويم القبطي الذي مازال ساريا فيها حتى الآن، ثم احتلها البـيزنطيون في عام 395م، وعمدوا إلى نهب ثرواتها وتحطيم آثارها ومعابدها، وساءت إدارتها وشاعـت الفوضى بين أرجائها، وظل الأمر هكذا حتى دخلها البدو العربان ليعيثوا فيها فسادا، وقتلا وتدميرا مازالت آثاره باقية حتى اليوم.

وقد أمر ابن الخطاب قائد جيشه إلى مصر عمرو بن العاص أردأ وأخبث شخصية في التاريخ العربي الإسلاموي بأن يحرق مكتبة الإسكندرية أعظم المكتبات العالمية في ذلك الوقت، فوزعت كتبها في طـول البلاد وعـرضها لحـرقها في تدفـئـة مـياه الحـمامات*12*.
رأينا فيما سبق كيف أن البدو العربان كانوا يعظمون ويجلون أهل مكة والقرشيين منهم على وجه الخصوص، حتى أن النبي كانت لديه هذه النزعة القبلية الفوقية استنادا إلى قوله: « ولا تكون العرب كفؤا لقريش والموالي لا يكونون كفؤا للعرب*13* ». ويذكر السرخسي في نفس المصدر أن سلمان الفارسي أراد الـزواج من بنت عمر بن الخطاب فـرفض الأخير، لأنه ليس قرشيا عربيا. ولم يشفع له كونه كان أحد كبار الصحابة، وموضع رضى صلعم، إذ قال عنه:«سلمان من آل البيت». ولذلك فإن أي دارس موضوعي لعهد عمـر يدرك على الفور أنه كان أكثر من غـيره عنصـرية للعـربان، إذ بالغ في حبهم واحترامهم، وفي بغض الشعوب الأخرى واحتقارها، فـ« كان لا يرى غـير الـعـرب المسلمين وغـير الجـزيرة العربية، لذلك أخرج اليهود من الحجاز، وأسكنهم في الشام وأخرج النصارى من نجران وأسكنهم في الكوفة، ومنع الـرجال من سبي البلاد المفتوحة من دخول الجـزيرة العربية، حتى تكـون الجـزيرة خالصة للـعـرب*14* ».

لا شك في أن العمل الذي غير وجه شبه الجزيرة العربية الصحراوية بمجئ محمد، كشف عن الرغبة العارمة لدي أتباعه في تدمـير الماضي كله الذي نُـعِت بـ"الجاهلية"، مع الحفاظ على ما فيه من شواهد وطقوس. وأغـرى خلفاءه بالتوسع شـرقا وغـربا، فانطلقوا بسيوفهم ورماحهم يكتسحون الدول المجاورة لهم ويسددون ضربات قاضية للأمبراطوريات المنهكة والمتهالكة على تخوم بلادهم. فقد بدأ عـمـر بن الخطاب في توسيع الاحتلال العربي الإسلامي بأبشع صوره، مما أدى إلى محو دول بكاملها من الوجود، فسقطت شعوبها في جحيم القتل والسلب والنهب والاغتصاب والأسر والذل بعد أن كان الله قد خلقهم أحراراعلى حد قوله هو عندما تمكن أحد الأقباط من المجئ إليه يشكو له ابن محتل مصر وحاكمها عمرو بن العاص الذي صفعـه، والقصة معـروفة لدي المتأسلمين للدلالة التلفيقية على عدل عمر وشدته في الحق، مع أنها لم تقل لنا ماذا كان يحدث لملايين الأقباط الآخرين الذين يتعرضون يوميا لظلم وقهـر ابن العاص وعصابته، ولماذا لم يقدر سوى شخص واحد فقط منهم على الذهاب إلى الخليفة ليخـبرنا بعدله وشدته في الحق؟!.

الحقيقة أن موقف بعض العملاء (السنة تحديدا) من عمـر، يندرج تحت تصوراتهم في تشكيل الصورة النمطية لداعي الفـكرة ورفاقه بصفتهم " قدوة حسنة " تكاد تكون معدومة بين المتأسلمين.

ومع اتساع رقعة البلدات المستولى عليها، ازداد تدفق الغنائم على العربان الجياع. ولأن عمر يعرف بأن الغنائم تكون دائما سببا في الهزائم وأن بريق المادة يغلب باستمرار على إشعاع الإيمان لدي العربان، فقد أسس إدارة سياسية هي الأولى من نوعـها في تاريخهم. فقسم تلك البلدان إلى ولايات عين عليها أمـراء عـربان ممن يثق في ولائهم له. وسن عدة قوانين للإبقاء على العنصر البدوي العرباني متميزا على الشعوب الأخرى، بحيث يكونون أصحاب الكلمة العليا فيها.

ولقد الـتزم عمـر في سياسته بقـدر من العدل الاجتماعي والاقتصادي مع أهله ومع العربان المتأسلمين من حوله، مما طبعها بالتقشف الشديد والمراقبة الدقيقة لموارد بيت المال، إلا أنه لكي يضمن ولاء العسكريين له، ولكي يجنبهم السقوط في هاوية الاستيلاء على الغنائم ومصادرتها لحسابهم، كان يوزع منها أربعة أخماس عليهم، ويخص بيت المال بالخمس الباقي. فتسبب ذلك في نشوء طبقة من الملاك والمزارعين والتجار المنحدرين من قريش والمهاجـرين الذين وضعوا أيديهم على ثروات البلاد المغلوبة. فشيدوا لأنفسهم القصور الفخمة والضياع والمزارع الكبـيرة، فكونوا نواة لطبقة إقطاعية بدوية عربانية في البلاد التي اغتصبوها.

ومن النواحي الشديدة التعصب والجديرة بالاهتمام في سياسة عمر أنه تمكن من توحيد شبه جزيرة العربان، وأبعد عنها كافة العناصر الدينية الأخرى، بحجة أنه « لا يجتمع دينان في جزيرة العرب »، وهو الشعار الذي مازال معمولا به من قبل أحفاد صلعم حتى الآن. وأمر بمنع أي سبي بلغ الحلم من دخول يثرب قائلا: « لا تجلبوا علينا من العلوج أحدا جـرت عليه المواسي [أي كل من يستعمل الأمواس في حلق لحيته] »، والعـلـوج هو إسم مرادف للبعـير أو المواشي، وفي ذلك احتقار لأبناء الشعوب الأخـرى، تأسيا بنبيهم "الكريم". وهكذا نهى عن إحضار الشباب والرجال الأسرى منهم إلى يثرب خوفا من أن ينتقموا منه، ولذلك كان يتجول في المدينة حاملا الدرة يضرب بها من يشاء وهو مطمئن وسط قومه، وحدث أن الهـرمـزان الذي كان حاكما لمنطقة الأهوار في جنوب العراق قبل أن يهزمه المتأسلمون ويأتون به أسيرا، ثم ينجوا من الموت باعتناقه الإسلام، رآه مضطجعا في المسجد، فقال: « هذا والله الملك الهانئ، حكمت فعدلت فنمت ياعمر »، هذه الجملة قالها فارسي ويتشدق بها المتأسلمون دائما وأبدا للـدلالة عـلى عـدل الـبدوي ابن الخطاب. ولكـن ، وبالرغم من ذلك، فقد انتقم العلـوج منه، وعندما طعنه أبو لؤلؤة الفارسي قال: « ألم أقل لكم لا تجلبوا علينا من العلوج أحدا فغلبتموني*15* ».

ومما لا شك فيه أن الهـرمـزان الفارسي هذا لم يعـرف قصة عمـر مع أبي بكرة بن سميلة وأخـوتة نافع وزياد وشبل الذين شاهدوا المغـيرة بن شعـبة الثقفي أمير البصـرة وهو يزني مع امـرأة يقال لها أم جميل بنت عمرو زوجة الحجاج بن عتيق، ولما هم الأمير الزاني للصلاة بالمتأسلمين أراد أبو بكره منعـه، وانتهى الأمـر بالاحتكام إلى أمير المؤمنين عمر. فأجمع ثلاثة من شهود العيان على أنهم شاهدوا الواقعة ورأوا قضيبه يدخل إلى فرجها ويخرج منه، كما يدخل الميل (المرود) في المكحلة، عندئذ أراد عمر أن ينقذ أمـيره من حـد الـرجم بناء على آية نسخ حـرفها إله البدو العربان من قـرآنهم، وبقى حكمها، بمعنى أنها لم تدون في القرآن، لكن مازال العمل بها ساريا " طبعا حتى الآن".
إنطلق الأمير الزاني إلى الشاهد الرابع زياد وقال له:
... والله لو كـنت بين بطني وبطنها ما رأيت أن يسلك ذكري فـيها،
فـدمعت عـينا زياد واحمر وجهه، وقال:
يا أمـير المؤمنين، رأيت مجلسا وسمعت نفسا حثيثا وانتهازا ورأيته مستبطنها (يعني بطنه على بطنها)،
فسأله عمر: رأيته (القضيب) يدخل كالميل في المكحلة؟،
فقال: لا، رأيته رافعا رجليها و...
وقدم زياد شرحا دقيقا لعملية الجماع التي سمعها ورآها، (مذكور بالتفصيل في الكتب التراثية الإسلاموية شديدة التقديس، ولكننا نأنف عن ذكرها هنا مراعاة لمشاعر القراء).
لقد أحس زياد بأن عمـرا لا يريد أن يخـزي أميرة المغيرة ويعـرضه للرجم، فنفى رؤيته (القضيب) يدخل كما يدخل الميل في المكحلة،
وهنا قال عمر: الله أكبر وأمر المغيرة بضربهم، فضرب أبو بكرة ثمانين جلدة وضرب الباقون*16*.

ولا ندري لماذا لم يستعمل عمـر اللفظ البـذيء الـذي استعمله نبيه مـرارا وتكـرارا؟ هل كان عمر أكثر أدبا من نبيه؟ أم أن نبيه لم يكن قدوة حسنة له في هذا المضمار؟؟؟

وهكذا، ياويل من يكتب عن عمـر!! ... ياويله!، ما يكاد يدخل إليه حتى يجد نفسه يسبح في بحار من نور لا يدري أولها من آخـرها!!! إننا إذن أمام كارثة ضمن الكوارث البدوية العديدة التي حلت بنا، وأطبقت على عقولنا ونفوسنا منذ ما يقرب من 1500 عام، فهذا الخليفة يحظى من المتأسلمين بالمديح والتقـريظ مالم يحظى به غيره، والوحيد من بين الخلفاء " الراشدين وغير الراشدين " الذي يحظى بإصرارهم على أنه عُـرِف بشدته في الحق، ومخافته من الله، وحرصه على العدل، فأي شدة في الحق يتشدقون، وأي مخافة من ربهم يتكلمون، وأي حرص على العدل يزعمون؟؟؟ إنهم يخدعـون أنفسهم ويخـدعـوننا كما رأينا في هذه الواقعة المخـزية، والتي يجب أن يخجل منها، ومن غيرها، كل إنسان لديه أدنى حد من العـزة والكـرامة.

ولأن لكل قاعدة شواذ فقد استأذنه المغيرة بن شعبة وكان واليا على الكوفة، بأن يسمح لأبي لؤلؤة المجوسي وهو من سبي نهاوند بأن يدخل إلى يثرب لما عنده من صنايع، بمعنى أنه حرفي متمرس. ولا ينسى ابن سعد أن يقول عن أبي لـؤلـؤة هذا إنه « كان خبيثا »، ولم يقل لنا إن البدو المتأسلمين أضاعوا بيته وأسرته وأطفاله ووطنه دون أن يسيء إليهم. ولما جىء به إلى يثرب، كان يسير في شوارعها ليبحث عن أولاده بين الأطفال السبايا الذين يملأونها، وقد جلبوا من إيران وبلاد الرافدين والشام ومصر، وكان ينظر في وجوههم ويمسح على رؤوسهم باكيا ويقـول: « إن العـرب أكلـت كـبدي ». وأخيرا انتقم من عمر بقتله. بينما تذهب روايات تراثية أخـرى إلى أن السبب الذي دفع أبا لؤلؤة إلى قتل عمـر هو أنه اشتكى سيدة المغـيرة لكثرة ما يفرضه عليه من خراج مقابل عمله الحر، فقال له عمر: أحسن إلى مولاك، فغضب وأضمر قتله*17*. وروايات ثالثة تقول بأن الهـرمزان هو الذي حـرضه على قتل عمر، وذلك انتقاما للهزيمة التي ألحقها به جيش المتأسلمين.

وهكذا قُتِل عمر بجريرة أعماله، لأن كل امرء يساهم بقدر ما في مصيره. ولما قُتِل أقـدم ابنه عبدالله فقتل طفـلة بريئة لأبي لـؤلؤة، كما قتل الهرمزان انتقاما لمقتل والده، الأمر الذي وصفه خالد محمد خالد بأنه كان ثأرا لأبيه وللإسلام (!!!). وبرر عـدم قصاص عثمان بن عفان من ابن عمر طبقا للشريعة الإسلاموية (الهشة) بأنه لم يشأ أن يجمع على آلـ الخطاب حزنين وكارثتين ـ الأولى مقتل عمر غدرا، والثانية قتل ولده قصاصا، واستبدل الدية بالقصاص*18*. وبذلك ينضم خالد إلى جيش العملاء الملفقين والمفبركين، ويستهين مثلهم بعقول البشر جاعلا الغاية تبرر الوسيلة، ومن ثم ما يفعلة حكام المنطقة والعصابات الإسلاموية على نحو المشين، هو عين العقل وأساس العدل.

أما عن اختيار عمر لعثمان بن عفان كخليفة من بعده، فقد تم بناء على " مسرحية سياسية " أعدت بعناية، قال عنها سيد أمير علي بأنها كانت « هـفـوة » اقترفها عمـر، و« مهدت السبيل إلى مؤامرات الأمويين الذين شرعوا في تكوين حـزب قوي في المدينة. لقد طاردوا محمدا واشتطوا في إذائه، ولم يعتنقوا الإسلام بدافع المصلحة إلا بعد فتح مكة ». ويرى سيد أمير على أنه « كان باستطاعة عمر أن يسمي بسهولة عليا أو ابنه عبدالله - المعــروف بابن عمر - خليفة للمسلمين من بعده*19* »، ونحن نرى أنه لو كان باستطاعته أن يفعل ذلك لفعله على الفور كما يفعله غيرة دائما وأبدا، خاصة وأن بعض المنافقين ممن حوله قد طلبوا منه أن يستخلف ابنه من بعده وهو على فراش الموت، فقال « ما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي »، مع أنه رغب فيها لنفسه وسعى أليها سعيا حثيثا، بناء على الصفقة المذكورة آنفا مع ابن قحافة !!. كما أنه لم يكن بوسعه أن يعين عليا في هذا المنصب طالما يرى الأمويين وهم ينظـرون إلى الهاشميين نظرة الثور إلى جـزاره، فالواقع من حوله يفرض عليه ألا يُمَكِّن الجـزار من الثور، وألا يختار أحد بنفسه كي يخـلـفـه.

باختصار: عيَّن ستة ممن يُنعَـتون بـ" الأشراف الذين بشـرهم صلعم بجـنتـة " لاختيار خليفة من بينهم وذلك فيما يعرف في كتب التراث الإسلاموية بخرافة "الشورى"، هم: علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والـزبير بن العـوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص. ولم يعـرف عـن أي منهم أنه كان يطمح إلى الخلافة في ذلك الوقت سوى على ممثلا للهاشميين وعثمان ممثلا للأمويين، بينما أقصى ما يطمح إليه الآخـرون هو تعيينهم من قبل الخليفة الذي سيقومون باختياره أمراء على الأقاليم الخصبة المحتلة، ليشاركوا بفاعلية في منظومة السلب والنهب الجاري رحاها.

دعا عمر " الأشراف " الستة إلى بيته لإملاء تعليماته عليهم، وكان طلحة مسافرا فلم يحضر. طلب منهم عمـر أن يتشاوروا فيما بينهم ثلاثة أيام ويختاروا خلالها واحدا منهم، وأن يضـربوا عنق من يعارض اختيارهم، فإذا انقسموا يكون الحكم لأبنه عبدالله فإذا حكم للثلاثة الذين من بينهم من اختاروه، يضربون أعناق الثلاثة الآخرين.
منتهى القدوة في النحـطاط الأخـلاقي والسلوكي.

ولما طلبوا منه أن يدلي برأيه ليقتدون به، قال: « ما يمنعني أن أستخلفك يا سعـد إلا شدتك وغلظتك، مع أنك رجـل حـرب، وما يمنعني منك ياعبد الرحمن إلا أنك فـرعون هذه الأمة، وما يمنعني منك يازيد إلا أنك مؤمن في الرضا وكافر في الغضب، وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره، ووُلِّيها وضع خاتمه في إصبع امرأته، وما يمنعني منك يا عثمان إلا عصبيتك وحبك لقومك وأهلك، وما يمنعني منك ياعلي إلا حـرصك عليها» وحـذر على وجه الخصوص كل من علي وعثمان إن وُلِّي أي منهما أن يتق الله ولا يحمل أحـد من بني جلدته على رقاب الناس ».

وتذكر كتب التاريخ التراثية المقدسة أن عمـرا لم يجـد أحـدا على قـيد الحياة ممن يثق في كفاءتهم كي يعهد إليه بالخلافة من بعده. كما يلاحظ مما سبق أنه لم يكن يثق إيضا في أي من هؤلاء الستة « لأشراف المبشرين بجنة صلعم » كي يعهد إليه مباشرة بها. فإذا كان أولئك الأشراف المبشرون بالجنة بهذا السوء، فلماذا طلب ابن الخطاب أن يختاروا أحدا منهم للخلافة، هل أراد أن يضربهم ببعضهم البعض؟؟؟

ولما دفن عمـر اجتمع " الأشراف " الستة في بيت المسور بن مخرمة وتنافسوا في الأمر وكثر بينهم الكلام، ولم يتفقوا على أحد، ولم يضربوا عنق أحد منهم. وبعد ثلاثة أيام أصبح اختيارهم متوقفا على قرار شخص واحد هو عبد الرحمن بن عوف، الذي اتخذه لصالح عثمان. وعندما سُئِل عبد الرحمن : كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا؟ قال: ما ذنبي؟ لقد بدأت بعلي فقلت له: إذا بايعتك أتقيم لنا كتاب الله وسنة رسوله وسيرة صاحبيك وشرط عمر بأن لا تجعل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس؟، فقال: بقدر استطاعتي من جهد وطاقة. ثم عرضت ذلك على عثمان بشرط ألا يجعل أحدا من بني أمية على رقاب الناس، فقال: نعم. ولكن الطبري وأمثاله يذكرون أن خدعة خبيثة قام بها أردأ وأخبث خلق الله المدعو عمرو بن العاص أدت إلى ذلك، إذا قابل كلا منهما على حدة وأقنعه بتلك الإجابة، فأخذا بنصيحته الخبيثة، ولم يشعر علي بالخديعة إلا بعد أن وقع في حبائلها.

ويفهم مما سبق ذكره أن الانحراف السياسي بعد موت صلعم بدأ يأخذ اتجاهات عديدة قوامها النصب والاحتيال والخداع معتمدا على تلك الفكرة، لهشاشتها، ولكننا مازلنا نؤكد بأن أولئك الناس لهم في نبيهم أسوة حسنة، وقدوة واجبة الاقتداء.

عـثمان بن عـفان

قُتِل عمر في 644/11/23 فخلفه عثمان بن عفان، وبذلك تحولت الفكرة والسياسة التي تعتمد عليها بعيدا عن الأصل الهاشمي ـ أهل صلعم ـ إلى الفرع الأموي (أنظـر بيان القبيلة القـرشية المزعومة ص 71)، فعثمان من الأمويـين الأثرياء في مـكـة. والذين كانوا يرون أنفسـهم دائمـا أرفـع مكانة من الهاشـميين وأجـدر منهم بالحكم. ولذلك كانت ولاية ابن قحافة وابن الخطاب بالنسبة لهم مجـرد قنطـرة أبعدت الهاشميين عن السلطة وأفضت بهم إليها.

وتسبب اختيار عثمان خليفة للمتأسلمين في زيادة عدد الغاضبين والساخطين، فكثرت الانقسامات واتسعت هوة الخلافات بين البدو العربان، مما أدى إلى هد كيان الإسلام، فخفت جذوته وذهب بريقة في بلادهم بعد ثلاثة وعشرين عاما فقط من ظهوره. وبدأت القيم الدنيوية تطغى على حساب القيم الدينية في تصرفات عثمان وخلفائه والمتأسلمين العربان بوجه عام منذ ذلك الوقت وحتى اليوم. يقول سيد أمير علي: « ومع أن عثمان كان رجلا فاضلا شريفا، فإنه كان مسنا، ضعيف الشخصية، غير كفء لمهام الحكم، لذا وقع فورا، كما توقعت عائلته تحت نفوذها، وانقاد بكليته إلى أمـير سره مروان، أكثر الأمويين اعوجاجا*20* ». وهذا القول يضعنا أما تناقض واسع الانتشار في قراءة تاريخ المنطقة برمتها على مر العصور، الأمر الذي يجلب علينا قدرا كبيرا من الارتباك الذهني والسلوكي، فلا يدري المرء ما إذا كان فضل الحاكم وشرفه وراء سقوطه " المشين " تحت نفوذ عائلته وانقياده " الأعمى " لشخص شديد الاعوجاج، أم ضعف شخصيته وكبر سنه وعدم كفاءته لمهام الحكم هي التي أوقعته فيما وقع فيه؟ فهتان الصفتان لا تتفقان معا في شخص يتقلد أعلى منصب في مجتمع ما. ولكن مثل هذه الأقوال وغيرها كثيرا ما نجدها في وصف الحكام العجزة والفاشلين في بلادنا، كمحاولة لتبرئتهم من الفساد والانحطاط اللذين يصاحبان عهدهم. فقد قيلت على الملك فاروق وحاشيته وعلى عبدالناصر ورفاقة العسكر، وعلى صـدام حسين في العـراق ومازالت تقال على الآخـرين في هذه البقعة الموبوءة بالتأسلم والعـروبة. ولكن الحقيقة هي أن فضل الحاكم وشرفه، إذا توفرا في شخصه بالفعل، يجب أن يحميانه من الوقـوع تحت نفـوذ أي شخص مهما كان، بمعنى ألا يكون ألعـوبة في أيدي الآخرين. ومن ناحية أخرى، فإن مغبة اختيار أولئك الحكام العجزة والفاشلين لا تقع فقط على عاتق من اختاروهم أو ساندوهم بريائهم ونفاقهم واستغلالهم وحدهم، بل عليهم هم في المقام الأول.

تحتم على عثمان أن يواجه بعض المشاكل المستجدة، وأن يعمل على حلها أثناء خلافته. ومن أهم تلك المشاكل على الإطلاق تنظيم عملية جمع الجبايات والغنائم من البلاد التي تم الاستيلاء عليها، وضمان وصولها إلى يـثرب، ومن ثم توزيعها على الأقاليم والحكومة المركزية فيها، وعلى أصحاب النبي وأهل بيته ممن لا يشارك في الحكم، إذ كانت توزع عليهم قبل ولايته تبعا لأسبقيتهم في الدخول إلى الإسلام. وقد حدى به هذا إلى عـزل معظم الولاة والحكام الذين كان عمر قد استعملهم وعين في أماكنهم عددا كبيرا من أقربائه والموالين أو المنافقين له ممن لا قيمة لهم، ولا يتمتعون بأدنى قدر من الكفاءة، فعزل على سبيل المثال لا الحصر أبا موسى الأشعري عن البصرة وعين مكانه ابن عمته [في بعض كتب التاريخ ابن خالته] عبد الله بن عامـر، وعـزل سعد بن أبي وقاص عـن الكوفة وعين عليها أخاه لأمه الوليد بن عقبة بن معيط الذي شاع عنه أنه صلى بالمتأسلمين صلاة الصبح أربع ركعات وهو سكران!، ثم التفت إلى المصلين وقال لهم: هل أزيدكم؟!. كما عـزل أردأ البدو وأخبثهم عمرو بن العاص عن حكم مصر وولى مكانه عبدالله بن سرج أخاه في الـرضاعة، فعاد عمرو إلى يثرب ليقود عملية سب وتشهير ضد عثمان، كما ولى ابن عمه معاوية بن أبي سفيان على الشام، بينما ولى مروان بن الحكم رئاسة الديوان وهو ابن عم آخـر له، « أكثر الأمويين اعوجاجا » على حد التعبير المهذب جدا لسيد أمير علي. كذلك أرسل عثمان من ضـرب وأهان الصحابي عمار بن ياسر أثناء اعتصامه مع سعد بن أبي وقاص في المسجد احتجاجا على سياسته وسياسة حكامه، وبعد ذلك أقسم عثمان بالله أنه ما رضي بضربه، وقال: « هذه يدي لعمار فليقتص مني ما شاء ». مما يدل على مدى ضعفة وانحطاطه.

ومع بداية عصر عثمان خرج الكثير من الصحابة إلى البلاد المغتصبة بحجة نقل تعاليم الدين الجديد إليها، ومنهم عبدالله بن مسعود الذي خرج إلى العـراق. فالتف أهلها حوله ووقفوا إلى جانبه في الخلاف الذي نشب بينه وبين عثمان حول مصاحف القرآن. فعندما طلب عثمان من ابن مسعود تسليمه المصحف الذي كتبه كي يحـرقه مع المصاحف الأخرى التي تختلف عن مصحفه، رفض ابن مسعود. فأمر عثمان واليه في العراق بقطع راتبه من بيت المال وارساله إليه، ولما دخل عليه ابن مسعود احتدمت بينهما مشادة حادة حول القرآن، أمر عثمان على أثرها بجر ابن مسعود من رجليه في يثرب حتى كُسِـر له ضلعان. ولكن خالد محمد خالد يقول في إحدى كتبه التلفيقية*21*: « إن عثمان عـزله لتقدمه في السن ولوقوع خلاف هادئ بينه وبين الخليفة »، ويسوق خالد في هذا السياق تبـريـرات واهية وحجج وعظية تلفيقية لا يمكن لأي عقل سَوِيٍّ أن يقتنع بها.

وجاء في الكتب الإسلاموية التراثية أن عثمان سأل يوما الحاضرين: « أترون بأسا أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فننفقه فيما يقوينا ونعطيكم منه؟ »، فسخـر منه الصحابي أبو ذر الغفاري، فقال له عثمان: « ما أكثر أذاك لي، غيِّب وجهك عني، فقد آذيتنا »، وعلى أثر ذلك رحل أبو ذر إلى الشام، إلا أن معاوية سرعان ما أرسل إلى عثمان يبلغه بأن أبا ذر تجتمع إليه الجموع، وأنه لا يأمن أن يفسدهم عليه، فأمره عثمان أن يحمله على بعير عـليه قـنب يابس [أحد النباتات الحولية التي يستخرج منها قشرتها التيل]، ويرسله إلى يثرب، مما تسبب في تسلخ بواطن فخـذيه.

ظل المتأسلمون طيلة السنوات الست الأولى من حكم عثمان متمسكين بالهدوء معتصمين بالسكينة. إلا أن الأمور بدت لكثير منهم وقد اتخذت مسارا خاطئا، فقد ظهرت امبراطورية تحكمها طبقة ارستقراطية جديدة من العـربان تتصف بالجشع وعدم الضمـيـر والتجرد من المبادئ والأخلاق. وبدلا من العدل والمساواة والتسامح، برز الظلم والامتيازات والسيطرة والطغيان.

كان عثمان على العكس من سابقيه متساهلا، وكثيرا ما أفـرغ البيت من المال بتوزيعه على أتباعه وأشياعه ومحاسيبه وكافة الجلاوزة والمنافقين من حوله. فذهب الجانب الأكبر من الغنائم والثروات التي تدفقت من الدول المغتصبة إلى جيوب الأمويين ليزدادوا ثراء على ثرائهم، ولتمكنهم من القتال فيما بعد للاستيلاء على السلطة بالكامل.

شرعت الأموال المتدفقة باطراد على يثرب ومكة تتيح للبدو العربان التمتع بحياة الترف والرفاهية، كما هو الحال مع أموال النفط في الوقت الراهن. يقول سيد أمير علي عن تلك الفترة: « إن أهل مكة استأنفوا حياة اللهو والمجون والقمار والخمر وأسباب الترف والطيش وأصبح التشبه بالنساء هو الـزي المألوف، كذلك انتقل لهو مكة وخلاعتها إلى دمشق بشكل أسوأ في عهد الأمويين*22* ».

أفرط ولاة عثمان في فرض الجزية والتعامل المشين مع الشعوب المغلوبة. « فشاع النقد والسخط عليهم وكثر القيل والقال في مخالفتهم للدين وتوسعهم في اقتناء الدرر والحطام، وكان على قمة الناقدين والساخطين عائشة بنت أبي بكر ـ زوجة الرسول ـ وعلى بن أبي طالب ـ إبن عم الرسول ـ وعمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص وغيرهم*23* ».
فعائشة غاضبة لنقص العطاء عما كان مقدَّرا لها في عهد عمر بن الخطاب بالرغم من تدفق الأموال والغنائم بشكل متزايد من البلاد الخصبة التي تم الاستيلاء عليها. وتضاعف غاضبها لمقتل أخيها محمد بن أبي بكـر على أيدي الأمويين. فقد اختاره عثمان ليحل محـل محمد بن أبي سرج في حكم مصر عندما كثرت شكوى المصريين من أفعاله. ولكن عـثرت الـوفـود القافلة إلى أمصارها ـ كما يقول العقاد ـ في طريقها بغلام يحمل كتابا في أنبوبة من الـرصاص موجه إلى ابن سرج، فيه أنه « إذا أتاك محمد بن أبي بكـر ومن معه فاحتل في قتلهم وابطل كتابه وقر على عملك حتى يأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله »، فقتله هو وجلاوزته ظمآنا ووضعوه في جوف حمار ميت وشووه، بعد أن جـروه من رجليه في أسواق مصر واشهدوا على مثلته السفلة والصبيان، ثم أرسلوا قميصه الذي قتل فيه وهو ملطخا بدمه إلى المدينة، فلبسته نائلة زوجة عثمان ورقصت به، وشوت أخت معاوية خروفا وأهدته إلى عائشة ـ في ذلك العـيد ـ وهي توصي حامله أن يقول لها: « هكذا كان شيُّ أخيك ». هذه إذن أخلاق العربان التي يجب على كل متأسلم أن يقتدي بها.

أما على بن أبي طالب كان ساخطا وغاضبا أيضا لأنه يـرى نفسه بوجه خاص أحق بالخلافة من عثمان. وكان عمـرو بن العاص بطبيعة الحال من الساخطين أيضا. ولم يختلف الأمـر كـثـير بالنسبة لسعد بن أبي وقاص الذي عزله عثمان عن حكم الكوفة في العراق ليعيِّن مكانه الوليد بن عقبة ـ أخيه الثاني لأمه ـ وكان الوليد متهما ـ كما أسلفنا ـ بشـرب الخمـر والفساد وشاع عنه في المدينة أنه أمَّ الناس يوما في صلاة الفجـر وهو سكران وزداها أربع ركعات، ثم التفت بعد آدائها إلى المصلين وقال لهم، مستهينا بهم وبدينهم: هل أزيدكم منها.

وقف الهاشميون بزعامة علي بن أبي طالب ضد سياسة عثمان واتهموه بالفساد والخيانة والفسق بما يحل معه إهدار دمه، وظهـرت نوايا أم المؤمنين عائشة ونزواتها السياسية فانضمت إليهم، وراحت تحرض الناس على قتله. كذلك فإن المدلس عبدالرحمن بن عوف الذي تسبب في إقصاء علي بن أبي طالب عن الخلافة وإعطائها له انقلب عليه عندما لم يجد منه فائدة شخصية، فراح يشنع عليه ويظهـر معاييبه علنا أمام العصابة المتأسلمة.

وفي اللحظات الحرجة والعصيبة تخلى الأمويون في يـثرب عن الخليفة السيء الحظ وهـربوا إلى الشام، فكتب عثمان إلى ابن عامـر في البصرة وإلى معاوية في دمشق يستنجدهم في إرسال جيش يطرد أعداءه من يثرب، فأرسل معاوية جيشا بقيادة حبيب بن مسلمة النهري، ولكنه أمـره بالتباطؤ في السـيـر إلى المدينة حتى تحسم الأمور هناك. وبالفعل عـندما جاءه خبر مقتل عثمان قفل حبيب بجيشه راجعا إلى دمشق.

بعد شهـرين من حصار عثمان في بيته وتجويعه وتعطيشه، أحـرق الهائجون باب البيت ودخل عليه نفـر منهم ومعهم محمد بن أبي بكـر، الذي أمسك بلحيته وقال له: « على أي دين أنت يانعثل؟ » فقال عثمان: « على دين الإسلام، ولست بنعثل، ولكني أمير المؤمنين » فقال محمد معاتبا: « غـيرت كتاب الله، وإنا لا نقبل أن نقول يوم القيامة [ربنا أطعنا سادتنا وكـبراءنا فأضلون السبيل] الأحـزاب 67.»، وتذكر بعض كتب التراث أن كبار الصحابة أرسلوا أبناءهم للاستبسال في الـزود عن عثمان. وهنا يتساءل المرء: لماذا أرسلوا أبناءهم ولم يذهب أي منهم بنفسه؟ فـربما كان مجـرد ظهوره أمام بيت عثمان يجنبه القتل ويغـير مجـرى التاريخ، وما هي نتيجة استبسال أبنائهم المـزعوم؟؟!!.

رفض المتأسلمون وفي مقدمتهم أصحاب محمد الصلاة على جثة عثمان أو دفنها في مقابر المتأسلمين، وظلت هكذا لمدة يومين حتي انبعث منها العفن، فجرى دفنها ليلا في مقابر اليهود.
ومع ذلك ظل ممن كرم الله وجوههم ورضي عنهم وأرضاهم.

عـلي بن إبي طالـب

قتل عثمان في 656/6/17 فنودي بعلي خليفة في يثرب، بيد أن كل العوامل من حوله آنذاك كانت تعمل على زعـزعة مركزه من البداية، فالأمويون الأقوياء في مكة يتهمونه بالتواطؤ في قتل عثمان ـ رجلهم الأول ـ ومن ثم يطالبون بالثأر لمقتله. ورجلهم الثاني ـ معاوية بن أبي سفيان ـ كان يحكم سوريا في ذلك الوقت، ويملك من السلاح والعتاد والثـروة وأيضا الخـبرة الحـربية ما يجعله لا ينحني أمام عليٍّ وأتباعه.

أما عائشة بنت أبي بكر فلديها من الأسباب ما يجعلها تتلقى خلافة علي من مبدأ السخط والمقاومة، فهي لم تنسى فيما لم تنساه له مواقفه منها خاصة عندما دارت حولها الشائعات أثناء غزوة بني المصطلق بأنها على علاقة جنسية بصفوان بن المعطل، فيما عُرِف بقصة أو حديث الإفك التي تعرفنا عليها سابقا. يقول العقاد: « ومن الحق أن نقول إن الشعور الذي تكنه السيدة عائشة لعلي من جراء هذه النصيحة شعور طبيعي لا غـرابة فيه »، بيد أنه يقول في موضع آخر: « إنها أذنت لبعض الطامحين إلى الخلافة أن يتوسلوا بجاهها ويشركوها معهم في خصوماتهم، وكان أكرم لهم ولها لو أنهم جنبوها هذه الخصومة*24* ». والعقاد هنا يجعـل من عائشة سيدة قاصرة لا تقدر على أن تجنب نفسها الاشتراك في الخصومة السياسية. وكان على المشاركين معها أن يفعلوا ذلك، ولكنها في حقيقة الأمـر لم تكن لتستطيع ذلك طالما لديها ميل شديد إلى التسلط وجمع المال، وأن أحد المشاركين معها (طلحة) أعلن مرارا وتكـرارا أمام الملأ أنه سوف ينكحها بعد موت زوجها صلعم. ثم لماذا تشذ عائشة عن رهط السيدات الأوائل في دولهم المتخلفة والتي يعتبرنها أملاكا خاصة لأزواجهن ولهن وأولادهن من بعدهم.
ومع أن عائشة كانت تقف في صف علي وحرضت على قتل عثمان، وأن طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وهما من كبار الصحابة المبشرين بجنة صلعم كانا قد بايعا عليا بالخلافة إثر مقتل عثمان، ولكنها ما أن علمـت بمبايعة عـلي حتى أصابها الفـزع وقالت: « قتل والله عثمان مظلوما، والله لأطلبن دمه »، وزعم طلحة والزبير أنهـما بايعا عليا كـرها تحت تهديد الغوغاء الذين قتلوا عثمان، وأنه لا بيعة لمكـره!!. واجتمعت عائشة معهما وخرجوا على رأس جيش جـرار يضم عددا كبيرا من الصحابة لمحاربة علي بن أبي طالب.

وتفهم من جميع المرويات التراثية المقدسة أن عائشة كانت تكوِّن مع ضرتها حفصة بنت عمر بن الخطاب وبعض الضـرائر الأخريات حزبا دائم العداء لفاطمة التي من المفترض أنها بنت محمد وزوجة علي ابن عمه، بالإضافة إلى أنها كانت بلا شك تضمر الكراهية لعلي نظرا لمعرفته بتصرفاتها أو نزواتها الحمقاء أثناء حياتها الزوجية والتي أفصح عنها صـراحة لمحمد أثناء استشارته في حديث الإفـك، وقد حانت الآن فرصة الانتقام منه.

وقفت الطبقة الارستقراطية من الأمويين في مكة خلف معاوية مطالبين بالتحقيق في مقتل عثمان، وانضمت إليهم عائشة ومن معها واتفقوا جميعا على كلمة واحدة هي المطالبة بدم عثمان. وجـد عـلي نفسه وحيدا في المدينة، فراح يلتمس العون في الجيش، فكانت الحامية المرابطة في الكوفة هي الجهة الوحيدة التي أعلنت عن مساندتها له. سارعت عائشة هي وانصارها بالخروج صوب الكوفة حيث وقعت بين الطرفين معركة عند البصـرة عرفت بموقعة الجمل، إنتهت بهزيمة جيش عائشة وقتل طلحة والزبير. ولا تنسى كتب الملفقين التراثية المقدسة أن تقول: إن عليا أعادها على جملها معــززة مكـرمة إلى يثرب!!. دون التطـرق إلى أسباب النزاع وعـواقبه المخـزية.

فكانت بذلك أول حرب أهلية تنشب بين المتأسلمين العربان ويذهب ضحيتها إثنى عشر ألفا منهم. ويعلق العقاد على ذلك بقوله: « إن مأساة الجمل لم تكن عند السيدة عائشة إلا دفعة من دفعات الحدة التي طبعت عليه، قدحتها المفاجأة وأوقدتها كـثـرة المغـريات بعداوة علي في بيئة لم يرتفع فيها صوت لغـير أعدائه، ومهدت لها حوادث الماضي ... إذ أن عليًّا هو صاحب الرأي الذي لا ينسى في حديث الإفك، وهي نصيحته للنبي بتطليقها ». ماذا كانت تريد عائشة من تورطها في الصراع السياسي مع على بن أبي طالب؟ هذا مالم يوضحه لنا السادة العملاء الأفاضل دائما وأبدا؟ هل كانت تريد به وجه الله وتبتغي اليوم الآخر، أم كانت تريد مصلحتها ومصلحة أعوانها؟

خلت حلبة الصراع على السلطة للأمويين بعد هزيمة عائشة وقتل أعوانها وانسحابهم من الساحة السياسية، فتحرك معاوية بجيش من سوريا صوب العراق واندلعت بينه وبين أنصار علي هناك ثاني حـرب أهـلـية بين العـربان المتأسلمين، إنضم خلالها الإيرانيون إلى جانب مناصـرة علي ومن معه بإيعاذ شديد من سلمان الفارسي ـ أحد الفرس الذين اعتنقوا الإسلام ـ وكان من المنافقين المقـربين جدا إلى النبي، ويقال أنه أثار مشكلة الإمامة الشرعية لعلي أثناء انتخاب أبي بكر، ولعل هذا جرى في دائرة صغيرة جدا*25*.

ولم يهدأ أوار تلك الحـرب حتى يومنا هذا، فهي لم تكن حربا بدافع الصـراع على السلطة والثـروة والنفوذ فحسب، بل أيضا لتداخل عوامل ايديولوجية ـ عقائدية لأول مرة على الساحة الإسلاموية، نتج عنها انقسام المتأسلمين إلى شيعة موالين لعـلي، وسُنَّة موالين لمعاوية، وظلت تلك العوامل تتفاعل أقطابها وتتطاحن على مـر العصور، وأدت إلى نشوء انقسامات أخرى جانبية وفـرعـية لا حصـر لها.

تلاقى الطـرفان معـا في معـركة صفين في عام 657، وبهـذا التلاقي أصبح تقـرير الخلافة الاسلامية يتم بعيدا عن مركز الاسلام في مكة ويثرب، ففقدت المدينتان وزنهما السياسي وإن بقيتا بطبيعة الحال محتفظتان بوزنهما الديني حتى اليوم. إنتصر السوريون أنصار معاوية على العراقيين والإيرانيين أنصار علي في تلك المعـركة، بِأنْ دنسوا القرآن برفع صفحاته على أسنَّة رماحهم، بإيعاذ من عمرو بن العاص أخبث وأردأ شخصية بدوية في هذا التاريخ، مما حدى بالآخـرين إلى التصوُّر بأنهم لا يريدون محاربتهم، فتقاعـثوا عن القتال، فأجهز الأمويون عليهم وألحقوا بهم هزيمة نكراء. وهكذا لم يكن الأمر ـ ومازال ـ متعلقا بهذه العقيدة في ذاتها بقدر تعلقه بالسلطة والنفوذ لما فيهما من منافع مادية ومعنوية لا قبل للبدو العـربان بها.

وعقب هـزيمة علي تشكلت عصابة إرهابية عـرفت بـ" الخوارج " قـررت التخلص من علي ومعاوية وعمرو بن العاص بقتلهم، لعدم تطبيقهم الشريعة الإسلاموية، أو أنهم لا يلتزمون بشرع الله أو بما أنزل الله، وهي نفس الأسباب التي تتعلل بها كافة الجماعات الإسلاموية الإجرامية على مـر العصور، وخصصت لكل منهم شخصا يتولى تصفيته جسديا. ولكن لم يتمكن من تنفيذ مهمته سوى عبد الرحمن بن ملجم، فقتل علي بن أبي طالب أمام المسجد في الكوفة في يناير عام 40 هـ ـ 661م.

ولأن العلماء الملفقـين لم يجدوا تبريرا معقولا لتلك الصـراعات الـدموية التي نشأت في وقت مبكـر جـدا بين المتأسلمين، وجميعهم من الصحابة " الأطهار المبشرين بجنة صلعم "، فقد لجأوا إلى نظـرية المؤامر التي تغلغلت في عقولنا حتى اليوم، ليبرروا بها كوارث العـربان وشـرورهم، وذلك باختلاق شخصية وهمية أسموها عبد الله بن سبأ وقالوا عنه أنه يهودي من اليمن وقد أشعل بخبثه ودهائه كل الفتن والكوارث إبتداءً بمقتل عثمان ومرورا بمعركة الجمل وانتهاءً بمقتل علي. ونسيوا أنهم بذلك يسيئون إلى دينهم ونبيهم وصحابته أجمعين، إذ كيف يتثى لشخص واحد مهما كان خبثه ودهاؤه أن أن يخترق هذا الدين، ويتخطى نبيه ويؤلب ويخطط وينفـذ كل هذه الصـراعات الدموية الإسلاموية؟؟؟ وعلى هذا يعلق شامل عبد العـزيز بقوله: « إذا كان ذلك حقا فإننا نعتبر عبد الله بن سبأ هو أفضل رجال تلك الفترة*26* ».

هؤلاء إذاً هم صحابة صلعم الذين بشرهم بجنته "رضوان الله عليهم". مجـرد بشـر ضحوا بكل ما في جعبتهم ـ بما فيها حياتهم ـ من أجل مصالحهم الشخصية لا أكثر ولا أقل. إنهم يقتدون بسنة نبيهم التي تدعم السياسة وحدها؛ وتعلو بالمصالح الشخصية على أنقاض المبادئ الإنسانية.

استولى البدوي معاوية ابن أبي سفيان على الخـلافة ونقل مقـرها إلى دمشق ليؤسس بذلك الدولة الأموية. وبذلك انتقل مركز السلطة إلى أقصى الشمال، فدخلت شبه جـزيرة العـربان مـرة أخـرى في عـالم الظلمات، ولم يعد أحـد يسمع عن سكانها سوى ما يمارسونه من عمليات السلب والنهب والقتل ضد بعضهم البعض وضد الحجاج الوافـدين إليهم لآداء الفريضة في بكة ويثرب كل عام. وهكذا حاول الإسلام أعطاء العـربان قيمة إنسانية ولكن لم تدم جذوتها [شعلتها] طويلا في بلادهم.

الصـعالـيك خـارج كـمائنهم الصـحـراوية

❉-;- الأمـويون

تدل الأبحاث الأثرية التي عـثر عليها في صحراء النقب جنوب منطقة الهلال الخصيب أن معاوية لم يكن ابن سفيان كما تدعي الخرافات الإسلاموية، وأن الإسم سرياني ويعني «البكاء أو الذي يعوي في البكاء» ، وأنه لم يكن متأسلما على الإطلاق!!. فالنصوص الدينية التي عثر عليها وكذلك المسكوكات المعدنية التي تعود إلى فترة حكم معاوية تظهر آثار عـقيدة توحيدية، ولكنها« ليست الإسلام قطعا، بل (عقيدة) تطور منها الإسلام فيما بعد ». ووجد الباحث يهودا نوفو أنه « ضمن كافة المؤسسات العربية الدينية خلال العهد السفياني (661 ـ 684م) هناك غياب تام لأي إشارة أو دليل على محمد*27* ». ولم يتم العثور على إسمه إلا ضمن النقوش الأثرية التي يرجع تاريخها إلى ما بعد عام 690م *28*.

من الواضح أن هذه الفترة المبكرة من تاريخ التأسلم شديدة الغموض وفي حاجة إلى مزيد من البحث والتنقيب، إذ من المرجح حدوث فراغ سياسي في المنطقة بعد أن وصلت الدولتان الفارسية والبيزنطية إلى حد الإنهاك نتيجة للحرب الطويلة الأمد بينهما. مما أجج صراعا سياسيا بين سوريا في الشمال ومنطقة الحجاز في الجنوب لإخضاع إحداها للأخرى أو أنه حدث تمرد دام لعدة سنوات في الحجاز تحت شعار عقيدة دينية، لم تكن قد تبلورت معالمها لتصبح إسلاموية فيما بعـد. وأن عثمان بن عفان لم يكن سوى مجرد حاكم محلي يتبع لحكام دمشق، وعندما قتله المتمردون نشبت الحرب بينهم وبين مـعاوية وخـلفائه . وكانت الغلبة للأمويين الذين تأسلموا بعد ذلك.

وقد يكون من غير المصادفة ملاحظة أن الأسماء الأموية مثل : معاوية ويزيد ومروان ووليد وغيرها من الأسماء نادرة الوجود جدًا في مملكة آلـ سعود إذ لم تكن منعدمة تماما، وتكثر فقط في منطقة الشام وفي سوريا على وجه الخصوص .

على أي حال، وحتى تنكشف حقائق تلك الأحداث، نواصل القراءة في كتب التاريخ العربي الإسلاموي المفبرك، فنجد فيها أن " الرشد " المزيف قد إنقـطع، وأن الحكام " الراشدين " المزعومين قد اختفوا. فباغتصاب البدوي معاوية " بن أبي سفيان " الحكم ونقل مقـره إلى أعـوانه في دمشق، انتقـل الانحطاط الخلقي والسلوكي مع البدو الغـزاه إلى البلاد الحضارية المجاورة ليتولى تقديسه وحمايته والدفاع المميت عنه مجموعة من العملاء والمرتزقة والمنافقين والدجالين وقطاع الطرق. والـتـقـت مصالح الحكام مع مصالحم، فأعفاهم معاوية من دفع الضرائب كي يكسبهم إلى جانبه، وتركهم ينتشرون كالأورام السرطانية في كافة البقاع. فعمدوا بكل مالديهم من نفوذ إلى تحويل الإنسان المتأسلم إلى كائن جبان شبق ومثقل بالـرذائل، ليس له من فضيلة ظاهرة سوى الـرياء والنفاق، وباطنة سوى الغـدر والقتل.

ولأن الناس على دين ملوكهم فقد تـفرغ الجميع لتصفية خصوم معاوية، فـراحوا يسبون علي بن أبي طالب على المنابر، ويكيلون الشتائم لبني هاشم (أسرة صلعم). وبعد ستة أشهر من تولى الحسن ابن علي منصب الخلافة بمبايعة من أهل الكوفة في العراق، أرسل معاوية جيشا إليه، مما حمله على التنازل خاصة بعـد أن خـزله جنوده من الكوفيين ونهبوه وتخلوا عنه، ويقال إن أحدهم أصابه بطعـنة حـربة. مما جـعله يوافق على تسليم الخلافة لمعاوية بشرط أن تكون له أو لأخيه الحسين من بعده . فأرسل إليه معاوية صحيفة بيضاء تحمل توقيعه وخاتمه ليكتب فيها ما يشاء من شـروط. فأملى الحسن ـ بسذاجة ـ شروطه وزاد عليها أن يسدد معاوية عنه ديونه، وأن يجعل له الخـراج أو الجزية التي تأتي من الأهواز في جنوب العراق وأن يتسلمها كل عام، وأن يحمل إلى أخيه الحسين مبلغا من المال، وأن يفضل بني هاشم في العطاء على بني عبد شمس. ولما أرجعها إلى معاوية، قبلها على الفور دون أن ينظر فيها. وعاد الإثنان معا إلى الكوفة حيث أعلن الحسن في مسجدها عـن تنازله لمعاوي، ومن ثم بايعه الناس، فسمَّى الملفـقون ذلك العام بـ" عام الجماعة " التي ليس لها وجود أصلا، وذلك لإجماع المتأسلمين على خليفة واحد كما يزعمون، وتجاهلوا حقيقة أنه تم بالقوة العسكرية وتحت التهديد بالقـتل، ولا يمكـن أن يتم بغـير ذلك.

عاد الحسن بعد ذلك إلى يثـرب للعيش فيها، بينما لم يلتـزم معاوية بتنفيذ أي من تلك الشروط، ولم يستطع أحد ممن حوله أن يقول له إنه خان العهد. وعندما قدم إلى مكة للحج جاءه الحسن والحسين وابن عـباس وسألوه أن يفي لهم بما تعهـد به في وثيقة التنازل عـن الخلافة، فقال لهم: « أما ترضون يا بني هاشم أن نوفـر عليكم دماءكم، وأنتم قتلة عثمان؟ ». ولم يعطيهم ما تعهد به، بل وسعى بكل ما لديه من إمكانيات وبمساعدة من سـدنة الـدين إلى توطـيد مملكـته بالقضاء عـلى المعـارضين لحكمه مـن البدو الهاشميين ـ أسرة صلعم ـ، وعمد إلى أحياء العصبية القبلية بين البدو العـربان والمستعـربين المقهـورين في بلادهم، متبعا في ذلك أحـط الأساليب من قتل وغـدر ورشـوة وخيانة. فمثلا حرض ابنه يزيد على قتل الحسن بن علي بالسم الذي دسته له البدوية العاهرة جعدة بنت الأشعث، إحدى زوجات الحسن اللاتي بلغن تسعين زوجة. فقد كانت على علاقة بابنه يزيد، ووعدها بمئة ألف دينار وبتزويجها من ابنه إذا قتلت الحسن. ولما قتلته أعطاها المبلغ وأرسل لها يقول : « إنا نحب يزيد، ولولا ذلك، لوفينا لك بتزويجه »، وجاء في بعض المراجع أنه قال لها أيضا: « إنا لم نرضك للحسن، أفنرضاك ليزيد؟ » والرسالة كما نرى واضحة تماما.
إستدعى معاوية كبير الدجالين المدعو أبو هـريرة وأسكنه في قصـره في دمشق وتركه يمارس هوايته في إطلاق العنان لقريحته لتأليف وتوليف وفبركة الأحاديث المحمدية التي تعلي من شأن الأمويين وتحـط من شأن الهاشميين.

كما راح معاوية يمعن في الاستخفاف بعقول البشـر في محاولاته لتبريـر مسالكه ودروبه البدوية الانحطاطية وإكسابها صبغة دينية مـقـدسة، فـزعم أن الله اختاره للحكم وأتاه الملك، تبعا لقول القـرآن: « قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء » آل عمران 36. وأنه لذلك مجبر على الحكم بأمره والتصرف بمشيئته. وبعد أن انتهى من المشكلة مع الحسن قدم إلى يثرب فتلقاه أهلها بقولهم: « الحمد لله الذي أعـز نصـرك، وأعلى كعبك »، طبعا فوق رقابهم، وهكذا أنساهم الـنـفـاق والدجـل أن الضحية هو حفيد نبيهم الذي كانوا ينافقونه بالمثل قبل سنوات قليلة. لم يلتفت إليهم معاوية، وصعد المنبر وقال: « أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم، ولا مسرة بولايتي، ولكني جادلتكم بسيفي هذا مجادلة »، وبلغت استهانته بعقول البشر قمتها، ومازالت في قمتها حتى الآن، عندما قال: « أيها الناس، إعقلوا قولي، فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا والآخـرة مني » وبذلك تخطى نبيهم وصحابته المنعوتين بالـراشدين وغير الراشدين وكافة علماء الدين المزعومين، وفاقهم في علمهم المـزيف الذي يملي عليه وعليهم أن يقوموا في الظاهر بآداء جميع فروض الدين كاملة، ويرتكبون في الخفاء كل الموبيقات والفواحش دون أن يسمحوا لأي قانون سماوي أو أرضي بالوقوف عقبة في طـريق تنفيذ مشاريعهم وتحقيق مآربهم. ومع ذلك يلاحظ قارئ التاريخ أن معاوية هذا هو آخـر من "كـرم الله وجهه"، ولم يستحق أحـد من بعده هذه الأمنية البدوية، لأن إله العـربان قـبَّح وجوههم جميعا!!!.

إتبع الخلفاء من البدو الأمويين هذا النهج بعد معاوية، بل وزادوا عليه، فظهر بين رجال الدين من يعطيهم الحق الإلهي في ازدراء المتأسلمين واحتقارهم أينما وجـدوا. ولم يروا في ذلك احتقارا للدين نفسه، لأنه كان ومازال مجـرد وسيلة لتمـرير وتبريـر الغايات الدنيئة والحقـيرة للبشر. فعمدوا إلى تلفيق الأحاديث النبوية وتأويل الآيات القرآنية التي تبرر اغتصاب الأمويين للحكم ومماراستهم الدنيئة والحقيرة. وبذلك أحاط الحكام الأمويون أنفسهم بهالة من القداسة المصطنعة، وأسبغوا عليها الكثير من الألقاب الدينية، الأمر الذي مازال متبعا وبعنف، ويعد سندا ممتدا ومتداولا يعاد إنتاجه مرارا وتكرارا حتى يومنا هذا.

وبناء على هذا النهج أقدم معاوية على أخذ البيعة من الجلاوزة والمنافقين المحيطين به لإبنه يزيد " وليا للـعـهد "، وذلك بأسلـوب تلفيقي واضح. إذ قام أحـدهم يدعى يزيد بن الـمــقنع وقـال :
« أمير المؤمنين هذا » وأشار إلى معاوية،
« فإن هلك فهذا » وأشار إلى يزيد،
« فمن أبي فهذا » وأشار إلى سيفه.
وحاول أحد الحاضرين أن يعبر عن اعتراضه بقوله : « إني أبايع وأنا كاره » فقال له معاوية : « بايع أيها الرجل {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} » النساء 343.

ولكن إلههم كما هو واضح لم يجعل أي خير لا في البدوي يزيد بن معاوية أو غيره.

عندما بايع الجلاوزة والمنافقون يزيد للخلافة عقب موت والده في عام 60هـ ـ 680م، امتنع الكثيرون من أهل يـثرب عن مبايعته، وكان في مقدمتهم بطبيعة الحال الحسين حفيد صلعم الذي طالما كتب إليه أهل الكوفة يدعونه إلى الخروج إليهم لمناصرته بجيش جـرار، ولكنه كان يرفض، ولما بويع يزيد في الشام، قـرر الذهاب إليهم بالرغم من أن أصدقاءه جميعا حاولوا إقناعه بعدم الركون إلى وعود الكوفيين، خاصة وأنهم خزلوا والده وأخاه من قبل. ولكن إغراءات السلطة والنفوذ جعلته يذهب إليهم. وعندما اقتربت قافلته من حدود العراق لم يجد أحدا في انتظاره، ولم يرى أثرا للجيش الذي وعدوه بلقائه، فأحس بالغدر والخيانة. وعسكر هو ورفاقه في كربلاء (عاشوراء 60هـ ـ 860م) على الشاطئ الغربي لنهـر الفرات، فباغتهم البدو الأمويون بقيادة عمر بن الصحابي سعد بن أبي وقاص وقتل الحسين ومعه 72 رجلا منهم من أبناء علي بن أبي طالب أربعة، ومن أولاد الحسن أربعة أيضا. ونجا من المذبحـة إبن وليد يدعى علي، تمكنت زينب أخت الحسين من إنقاذه، وقد لقب فيما بعد بـ"زين العابدين". وداس الأمويون جثث القتلى بأقدامهم وبحوافر خيولهم، وقطعوا رأس حفيد النبي " الكريم "، وحملوها إلى قلعة الكوفة حيث راح البدوي عبد الله بن زياد والي العراق يتسلى بالعبث بها قبل حملها إلى دمشق وإلقائها بين يدي أمير المتأسلمين، مثلما رموا من قبل رأس كعب بن الأشرف بين يدي رسول الله !!.

وكان لابد أن تروع مذبحة كربلاء هذه نفوس البدو المتأسلمين خاصة في يـثـرب، فأرسلوا الوفود إلى كربلاء في محاولة فاشلة لإرضاء الطرفين، وعندما أعلن اليثاربة خلع يزيد من الخلافة وطرد عامله من مدينتهم وجه إليهم الخليفة جيشا بقيادة البدوي مسلم بن عقبة بن نافع ليهزمهم في موقعة الحرة، واستباح كل شئ في المدينة "المنورة" لمدة ثلاثة أيام، تم خلالها سرقة ونهب سكانها واغتصاب ألف عذراء منهم. ووقعت مفاسد جسيمة ليس لها حدود ولا وصف، كما يقـول ابـن كثير، وقتل الأميون العديد من أهل النبي ومن صحابته المهاجرين والأنصار. ثم توجهوا صوب مكة حيث كان يحكمها البدوي عبد الله بـن الـزبير (ابن العوام) بناء على مبايعة له من قبل جلاوزته ومنافقيه عقب مبايعة يزيد في دمشق. إحتمى ابن الزبير في الكعبة {بيت الله العتيق}، فحاصرها الأميون وضربوها بالمنجنيق وأحـرقوها وهدموا سقفها، ولم يتوقفوا عن القتل والتخريب والتدمير والسلب والنهب والاغتصاب ويعودوا إلى دمشق إلا بعد أن جـاءهم خبر موت يزيد، الذي قـال عـنه المسعودي: « ليزيد أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة من شـرب الخمر وقتل ابن بنت الرسول، ولعن الوصي، وهدم البيت وإحـراقه، وسفك الدماء والفسق والفجور »، ويضيف السيوطي إلى هذا بقوله إنه: « رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات ويشـرب الخمر ويدع الصلاة »، ويضيف الثعالبي ـ نصير الأمويين ـ بأنه كان « يزيد الخمور... يزيد الصقور... يزيد الفهود ... يزيد الصيود ... يزيد القـرود ... فخالف القـرآن واتَّبع الكهان ونادم القـردة وعمل بما يشتهيه حتى مضى إلى ذلك ».

مات يزيد بن معاوية في عام 64هـ ـ 683م وكان قد استخلف ابنه معاوية (الثاني) من بعده. وقيل عن معاوية هذا إنه كان شابا ورعا وتقيا، يمقت الجـرائم التي ارتكبتها أسرته، وأنه تعلم على عالم يدعى عمرو المفصوص، وحين آلت إليه الخلافة استشار معلمه، فأشار عليه بقـوله: « إما أن تعدل، وإما أن تعــتزل »، فآثر الاعتزال، وأعلن ذلك في خطبة أمام أهل دمشق، قائلا: « إني ضعفت عن أمـركم ...، فأنتم أولى بأمـركم، فاختاروا له من أحببتم »، ثم اعتزل ومات بعد أيام قليلة. وكالعادة اختلفت كتب التاريخ في سبب وفاته، فمنها ما يقول إنه أصيب بمرض الطاعـون، فلم يخـرج من بيته حتى مات، ومنها ما ذهب إلى القـول بأن الأمويين ـ كما هو معروف عنهم ـ دسوا له السم فمات، وذلك لعدم موافقتهم عليه وعدم اطمئنانهم إليه. ولعل السبب الثاني هو الصحيح، خاصة إذا عرفنا أن الأمويين ما لبثوا بعد موته أن قبضوا عـلى عـمرو بن المفصوص وأعـدموه بتهمة إفساد معاوية.

ولما مات معاوية خلفه أخوه خالد، وكان غلاما صغيرا، فرفض الأمويون مبايعته وطلبوا أن بتولي الخلافة أحد كبارهم، وذلك بمقتضى العرف القبلي البدوي، ووقع اختيارهم على مروان بن الحكم وهو من أبناء عـمومة معاوية بن أبي سفيان.

وفي بداية حكم مروان، الذي لم يدم طويلا، ظهر فريق من العراقيين الذين يناصرون أهل البيت ضد الأمويين، وأطلقوا على أنفسهم إسم " التوابين "، لأنهم ندموا على التهاون والتخاذل في نصـرة الحسين وآل بيته في معـركة كربلاء. وأقسموا على الانتقام من الأمـويين. وفي ذات ليلة اجتمعوا حول قبره وأقاموا الصلوات وزرفوا الدموع ولطموا الخدود حزنا عليه*29* وفي صباح اليوم التالي ساروا لملاقاة أهل الشام بقيادة سلمان بن صـرد، ولكن سرعان ما انهـزموا، فتراجع مـن بقى منهم على قـيد الحياة إلى الكـوفة، وفي عام 66هـ خـرج من بينهم المختار بن عبد الله الثقفي ومعه جمع كبير، ودعا إلى الأخذ بثأر أهل البيت، وقتل جماعة ممن قتلوا الحسين، إلا أن الأمويين أرسلوا إليهم جيشا بقيادة مصعب بن الزبير فقتل الكثيرين منهم وقتل المختار في عام 67هـ، فانقسم التوابون على أنفسهم وتفـرقوا شيعا وأحـزابا.

وكان مروان عند اختياره خليفة من قبل الأمويين قد وعد بأن تعطى الخلافة من بعده إلى خالد بن يزيد، وتزوج من امه (أرملة يزيد) بغية أن يكسب وده وود أنصاره من الأمويين وغيرهم. إلا أنه بعد أن استتب له الأمر نكث بوعده، وحمل الأمويين على مبايعة ولديه عبد الملك وعبد العزيز لولاية العهد بالتوالي من بعده. وفي يوم بالغ في إهانة الغلام الذي حرمه من ولاية العهد، فقامت أمه وقتلته في تلك الليلة. ويقول الثعالبي عنه إنه: « طريد رسول الله، عبد بطنه وفـرجه، تداولها بنوه بعده وقوم من الطلقاء ليسوا من المهاجرين والأنصار ولا التابعين بإحسان، فأكلوا مال الله أكلا ولعبوا بدين الله لعبا واتخذوا عباد الله عبيدا ». بطبيعة الحال لم يستطع الثعالبي مثل غيره من العملاء المنافقين أن يقول لنا من مِن أولئك البدو العـربان لم يأكل ما أطلقوا عليه مال الله أكلا أو لم يلعب بما زعموا أنه دين الله لعبا ... منذ ظهـر هذا الدين في صحـرائهم المقـفـرة.

على أثر مقتل مروان في عام 65هـ ـ 685م بايع الأمويون ابنه عبد الملك الذي عرف عنه قبل توليه الحكم أنه كان غاية في الـورع والزهد والتقوى، وأنه كان فقيها وناسكا وأقـرأ الناس للقـرآن، ولكن هذا البدوي الشاب بكل هذه الصفات الحميـدة، عندما علم بموت والده ومبايعـته للخـلافة كان المصحف في حجـره، فأطبقه، وقال : « هذا آخر عـهـدي بكَ ».

ولما حل موسم الحج في عام 71هـ كان المتأسلمون منقسمين على أنفسهم إنقساما شديدا، بحيث تجمع حجاجهم في تلك المناسبة على جبل عـرفات تحت أربع رايات مختلفة: الأولى لعبد الله بن الزبير الذي بويع للخلافة في مكة، والثانية لعبد الله بن مروان، والثالثة لمحمد بن بن عبد الله بن العباس (عم صلعم) المعروف بـابن الحنفية، والملقب بـ«المهدي» ، وكان إماما للشيعة، أنصار علي بن أبي طالب. وهو أول عباسي أظهر طموحه نحو الخلافة وسعى سعيا حثيثا ومنتظما لنيلها. والرابعة للخوارج. وبالرغم من العـداء الشديد الذي يكنه كل منهم للآخـر، فقد مـر موسم الحج هذا بسلام. وبعد انتهائه أرسل البدوي عبد الملك جيشا جـرارا بقياد السفاح الحجاج بن يوسف الثقفي لإخضاع ابـن الزبير مرة ثانية لسيطرته. فاستولى على يثرب دون مقاومة، وتوجه إلى مكة وحاصـرها وضرب {بيت الله العتيق} للمرة الثانية بالمنجنيق، مما أحدث في أرجاء المدينة " المكـرمة " الدمار والفوضى. وظلت تحت الحصار حتى عض الجوع أهلها بأنيابه، فشرعوا ينفضون من حول ابـن الزبير بأعداد كبيرة، ولم يبقى معه سوى عدد قليل. ولكنه لم يستسلم بناء على نصيحة أمه البدوية أسماء بنت أبي بكـر التي بددت مخاوفه من أن يمثل به الأمـويون بعـد قتله، بقولها الشهير: « إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها. فاقدم إلى ما أنت عليه »، وأقدم عبد الله بن الزبير، فقتله الأمويون وقطعوا رأسه وأرسلوها مع رأسين لاثين من قادته إلى دمشق كي يستمتع الخليفة العربي بمشاهدتها، ولم ينسوا عرضها على أهل يثرب في الطريق للموعظة. ثم سلخوا جلده وحشوه بالتبن، وصلبوا جثتة في مكة أمام عيني أمه بنت أبي بكر الصديق. حتى كتب عبد الملك إلى الحجاج فأنزلها وسلمها لأمه، وقيل أنها ألقيت في مقابر اليهود، إحتقارا له. وبعدما انتهوا من أعمال القتل والتدمير والسلب والنهب والاغتصاب طافوا حول بقايا الكعبة، شاكرين الله الصحراوي لأنه نصرهم على أعدائه.

بعد ذلك زار البدوي عبد الملك مدينة يثـرب، وصعد إلى المنبر وخطب في البدو المتأسلمين، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: « أما بعد، فلست بالخليفة المستضعف (يعني عثمان) ولا الخليفة المداهن (يعني معاوية) ولا الخليفة المأفون (أي الذي يتعاطى الأفيون، ويعني يزيد)، ألا وإني لا أداري أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتهم، إلى أن قال: والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه، ثم نزل*30* ».

وبنى عبد الملك بن مروان المسجد المسمى بـ" الأقصى " وقبة الصخـرة الذهبية في القدس ودعا الناس إلى زيارتها بدلا من زيارة الكعبة، فصرف الناس عن آداء الحج، ولأن الناس على دين ملوكهم، فقـد كانوا يقفون يوم عـرفة بقبة الصخـرة.

وفي عهد هشام بن عبد الملك خـرج في عام 122هـ زيد بن علي زين العابدين أحد أحفاد علي بن أبي طالب ليعلن خلافته وقد بايعه كثير من الناس. ودار قتال بينهم وبين جيش الخليفة، قتل خلاله زيد فدفنه أعوانه سرا قبل هزيمتهم وفرارهم، وعثر يوسف بن عمر الجرحي على قبره فنبشه وقطع رأسه وأرسلها إلى الخليفة كي يتم صلبها على باب دمشق، وتم صلب الجثة في الكناسة وظلت مصلوبة حتى مات هشام وخلفه الوليد بن يزيد بن عبد الملك في عام 125هـ ـ 743م، فأمر بإزالـتها وحـرقها.

بعد مقتل زيد بن علي فـر ابنه يحيى إلى خرسان ثم سار منها مع جماعة من أعوانه إلى نيسابور، حيث هاجموا مجموعة من التجار العـربان وسلبوهم أمتعتهم وأموالهم ودوابهم. فتعقبه جند الخليفة الوليد حتى عثروا عليهم في عام 125هـ، وقتلوهم واحتزوا رأس يحيى وصلبوا جثتـه بالجوزجان وظـلـت مصلوبة حتى ظهـر أبو مسلم في خـرسان فأنزلها وصلى علـيـها ودفـنـها.
والوليد هذا هو الذي قال:

تلـعـب بالـنبـوة هـاشـمي بلا وحـي أتاه ولا كـتـاب

وهو بهذا يعلن عن حقيقة، عــرفها الأمـويون منذ البداية، ولكنهم فضلوا التقية حتى يتمكنوا، وقد مكنهم ابن عمهم عثمان من الاستيلاء على السلطة، واتخاذ دين العربان وسيلة للتسلط على الـرعـيـة. وهي أمـور كانوا دائما يتوقون إليها وينافسون الـهاشميين عليها قبل الفكـرة على يد محمد الهاشمي.

وقيل أن الوليد فتح ذات يوم المصحف، فوقعت عيناه على آية { واستفتحوا وخاب كل جبار عـنيد} فمزق المصحف ضربا السهام، وهو يخاطبه قائلا:

أتوعــد كل جـبــــار عـنـيـــد فها أنا ذاك جـبـار عنـيد
إذا ما جئت ربك يوم حشـر فقـل يارب مـزقني الـوليد

وحدث أن نكح جارية من جواريه وهو سكران، وجاء المؤذن يؤذن للصلاة، فحلف الوليد ألا يصلي بالناس إلا الجارية، فلبست ثيابه وصلـت بالمتأسلمين وهي جـنب وسكرانة.

ومن الأحـداث المضحكة المبكية في عصـر الأمويين أنه عـندما كــثر عـدد المخـنثين في يثرب أرسل الخليفة سليمان بن عبد الملك إلى واليها أبي بكر محمد بن عمرو الأنصاري كتابا يقول فيه «إحص المخنثين»، أي عدهم، فوقعت نقطة من الحبر على الحاء، فأصبحت "إخص المخنثين"، وعلى الفـور قام الـوالي بخصي كل المخنثين في المدينة. وكلمة "إحص" تدل على كـثرة عـددهم أنذاك لـدرجـة تتطلب إحصاءهم.

نكتفي بهذا القدر من هذه المزبلة التاريخية الإسلاموية وننتقل إلى مزبلة جديدة، شيدت على أنقاضها.

❉-;- العـباسـيون

قفز البدو العباسيون إلى السلطة، وهم ينتسبون إلى عباس بن عبدالمطلب عم النبي صلعم، وكانوا أكثر الناس معـرفة بطبيعة الفكـرة الإسلاموية الهشة ومصادرها وأهـدافها، فاستغلوها سياسيا في وقت مبكـر، إذ من المعروف أن العباس هذا هو الذي توسط لمحمد لدي اليثاربة لكي يلجأ إليهم ويبدأ بمساعدتهم عمليات الغزو والسلب والنهب والسبي والقتل ضد القوافل المكية وضد المعارضين لهما. حدث ذلك بعد مرور 13 عام على دعوته السلمية في مكة دون أن تحقق أي نجاح ديني أو سياسي يذكر. وكان العباس حينئذ وثنيا على دين أجداده، وظل هكذا، ولم يتأسلم لأغراض سياسية إلا عندما وجد أن محمد وعصابته أصبحت لهم الغلبة، أثناء غـزو مكة في السنة الثامنة بعد ذلك اللجوء العسكري المسمى بـ"الهجـرة"، .

وبعد موت محمد عارض العباس إختيار أبي بكر للخلافة لاعتقاده بأن أهل بيت صلعم أحق بها من غـيرهم، وصمت عن اخيتار عمـر، وفَـقَـد الأمل تماما في وصولهم إليها أثناء مسرحية اختيار عثمان، فقـد استاء للـيونة ابن أخيه علي بن أبي طالب خلالها، مما جعل الآخـرين يتكتلون ضده، ومن ثم يفلت الأمـر من بين أيديهم، على حـد قوله.

وابنه عبد الله المعـروف في كتب التراث الإسلاموي بـ" ابن عباس أو حبر الأمة " هو أول من أظهر الروابط الأسطورية بين الإسلام واليهودية، ونسبت إليه أيضا العديد من الأحاديث المحمدية الخـرافـية (أو الأسطورية)، وأقاويل تتحدث بالتفاصيل عن الجنة والنار وعـذاب القـبـر والإسـراء والمعـراج والطير الأبابيل ... وغير ذلك من من الدجـل والهـزيان.

ولقد رأينا فيما سبق أن الساحة السياسية شهدت نشوء جماعة الشيعة مـن العلـويين نسبة إلى عـلي بن أبي طالب وهم أيضا من أهل البيت، وكيلا يحدث تضارب بين الفريقين يتسبب في ضياع الخلافة مـرة أخـرى، إدعى العباسيون أنهم شيعة مثلهم ورفعوا شعارا خادعا هو "الـرضا من أهل البيت". وبينما كان العلويون يتعاملون سياسيا مع الأمـويين بسذاجة وتهـور، الأمر الذي كلـف الكثيـرون منهم حياتهم، كان العباسيون يخططهم للاستيلاء على السلطة في سـرية وتكـتم شديدين . واعتمدوا في ذلك على مساندة غـير العـرب (الموالي) في البلاد الأسيوية المحتلة لأسباب عديدة، أهمها: أنهم أكـثر المتأسلمين معاناة من ظلم وقـهـر الأمـويين المتعصبين لأصلهم البدوي العـرباني، وأنهم أقل المتأسلمين فهما لطبيعة الدين المفـروض عليهم، وطباع العربان الذين يتبنونه ويحكمون تحت غطائه، ولأن بلادهم تقع في أطراف الإمبراطورية الأموية الشاسعة، فتكاد تنعدم فيها عمليات المراقبة الأمنية من قبل السلطة المركزية في دمشق، لذلك كان من السهل على العباسيين إقناع الكثيرين منهم بمناصـرتهم ودعمهم، خاصة وقـد بدوا أمامهم على أنهم أهـل بيـت صـلعم والأحق من غـيرهم بخلافته، وأنهم ـ مع ذلك ـ يشاركونهم في التعـرض للذل والمهانة من الحكام الأمويين الكفـرة . وكما هو الحال المشبع بالخداع دائما وأبدا، صوَّروا المفاسد والمظالم الأموية لأولئك المتأسلمين على أنها خاصة بالأمويين وحدهم، ولا صلة لها بالإسلام . وأنها سوف تـزول بـزوال الأمويين، ووصولهم إلى الحكم، لتحل محلها التعاليم الإسلاموية الحقيقية من العدل والمساواة والأمن والـرخاء . بمعنى أن مساوئ الأمويين تعود إلى عدم الحكم بالشريعة، أو بشرع الله، أو بما أنزل الله ... إلى آخـره، وهذا الإتجاه المخادع بدأه الخوارج، ومازال مستعملا في كافة البلدان المتأسلمة، من قبل كل الجماعات الإرهابية منذ ظهـر هذا الدين وحتى يومنا هذا.

كان أبو مسلم الخراساني من أشد المناصرين للعباسيين، فأعلن الثـورة عـلى الأمويين في إقليم خـرسان الفارسي، وأعلن قيام الخلافة العـباسية، ثم انطلق بجيشه إلى كـربلاء في العـراق واستـولى عـليها، ونصَّـب أول خليفة عباسي في عام 132هـ ـ 750م، هو آبو العباس بن عبد الله بن محمد الملقـب بالسفاح أحـد أحفاد عـباس بن عبد المطلب .

أعطى السفاح الأمان لسليمان بن هشام بن عبد الملك وكبار القوم من الأمويين على حياتهم، ثم دعاهم إلى مأدبة عشاء، فـدخل عليهم الشاعـر سديف (الشريف) وقال لهم :

لا يغــرنك مــا ترى مـــن رجــــال إن تحـت الضلوع داءٌ دوياً
فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فـوق وجهـها أموياً

وأمر السفاح بقتلهم (يقال عمه عبد الله بن علي هو القاتل) فقام أعوانه بضربهم بالشوم والسيوف، ثم بسطوا الأنطاع (الفـرش) فـوقـهم وجـلس عليها يأكل الطعام وهو يسمع أنين بعضهم حتى لفظوا أنفاسهم جميعا، وبعد أن فرغ من الطعام قال : « ما أكلت أشهى من هذا الطعام في حياتي ». ثم سير جيشا جرارا بقيادة أخيه أبو جعفر عبد الله بن محمد الملقب بالمنصور لإبادة الأمويين في دمشق، فلم يفلت منهم سوي عبد الرحمن بن معاوية المعروف بعبد الرحمن الداخل الذي تمكن من الفرار إلى قـرية أبي صير في مصر، وعـندما عـرف بأن العباسيين أرسلوا في أعـقابة فـرقة لـقـتله، هـرب إلى أخـواله من البربـر في المغرب، وبمساعدتهم تمكن من غـزو الأندلس وتأسيس الـدولة الأموية فـيها.

ولم يكتفي العباسيون بذلك، بل قاموا بنبش قبور الخلفاء الأمويين فلم يجدوا سوى جثة هشام بن عبد الملك مازالت صحيحة ولم يبل منها إلا أرنبة أنفه فضربوها بالسياط وصلبوها ثم أحرقوها وذروا رمادها في الريح . ولما تحرك الخوارج في عمان وقاتلوا السفاح قتالا شديدا، أضرم النار في بيوتهم وأحـرقها بمن فيها من الرجال والنساء والأولاد.

مات السفاح أبو العباس وعمره 33 عاما، فخلفه أخوه المنصور الذي يعد المؤسس الفعلي للدولة العباسية. وقد استهل المنصور خلافته بإرسال أبي مسلم الخرساني إلى عـمه عبد الله بن علي فقتله، كيلا ينازعه الملك أو يثير الشغب عـليه، ثم انقلب على أبي مسلم وقـتله.

كان أبو مسلم داهية يتسم بالذكاء والحـيطة، وكان له أتباع كـثيرون في خرسان والبلدان المجاورة لها، ولكن ـ كما يقول العربا, "لكل حصان كبوة"، فقد خانه دهاؤه وذهب إلى الخليفة رغم تردده الشديد واصطحب معه سبعماءة شخص من أعوانه. فاستقبله المنصور بحفاوة وقـربه منه، وعمد إلى تجريده من سلاحه، فقال له بلغني أنك غنمت سيفا ذهبيا من عمي، أين هو؟ فقال أبو مسلم على الفور: هذا هو، وأعطاه له، فوضعه المنصور تحت وسادته وراح يكيل له الشتائم والاتهمامات. ولما حاول أبو مسلم استعطافه قائلا: أتبقني يا أمير المؤمنين لعدوك، قال المنصور: .... وأي عـدو أعدى منك!!؟؟، ثم أمر بقتله أمام عينيه. وكان قد جهز سبعماءة صرة بها مال، أمر بإلقائها مع رأس أبي مسلم لأعوانه من النافذة، فانكبوا على التقاطها، ثم انصرفوا تاركين رأس زعيمهم ملقاة على الأرض.

بعد مقتل أبي مسلم الخراساني خـرج من أهل خراسان عـدد غـفير من الناس بقيادة شخص يدعى سنباد، أرادوا الثأر لأبي مسلم، فسيَّر إليهم المنصور جيشا وهزمهم . ثم خرجت على المنصور جماعة أخرى من خراسان أطلقت على نفسها "الـراوندية" لنفس الغرض فحاربهم المنصور حتى استأصل شأفتهم وقطع دابرهم . ومازال الشيعة والسنة على حد سواء في إيران وفي تلك المناطق يبجلـون أبا مسلم ويعتـبرونه بطلا قـوميا .

وخرج كذلك على حكم المنصور على بن جعفر أحد أحفاد علي بن أبي طالب وهو الملقب بالنفس الزكية، فأرسل إليه المنصور كتابا يقول فيه:
« {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع آيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفون من الأرض ... }، وحاول مهادنته بقوله:
« ولك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله أن أؤمنك وجميع ولدك وأخوتك وأهل بيتك ومن أتبعهم ... »، فرد عليه النفس الزكية بقوله: « إن أبانا عليا كان الوصي وكان الإمام فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء، ثم قد علمت أنه لم يطلب الأمر أحد مثل نسبنا وشرفنا وحالنا ... فلسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء ... أنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد لأنك أعطيتني من الأمان والعهد ما أعطيته رجالا قبلي، فأي الأمان تعطيني؟ أمان عمك عبد الله بن علي أم أمان أبي مسلم!؟ ».

فرد عليه المنصور بقوله: « إن بنت النبي لا يجوز لها الميراث ولا ترث الولاية، ولا يجوز لها الإمامة، فكيف ترث بها .. لقد حُـزْنا عليكم مكارم الآباء وورثنا دونكم خاتم الأنبياء ».
هكذا واشـرب من أكبر بحر أو إضرب رأسك في أتخن حائط . وظل به المنصور حتى قتله وصلب جثته .

هؤلاء إذن هم خلفاء صلعم أو خلفاء الله أو أمـراء المؤمنين الراشدين وأئمَّـة المتقين وحماة حمى الإسلام ورافعي لواء الشريعة الغبراء. وقِسْ عليهم كافة الوعاظ والدعاة وكل من يلتحف بالتأسلم ليخدع الناس ويسلب أموالهم ويغتصب نساءهم ويزهق أرواحهم لأن لهم في نبيهم أسوة حسنة.

إذن كُتِب علينا أن نجد أنفسنا دائما وأبدا أمام نوعية رديئة جدا من البشر . وقد امتد وجودهم وازداد عددهم وكثر بلاؤهم، وقد أوجدوا على مر العصور والأزمنه آلية لحمايتهم وحصانتهم تحت غطاء من التعاليم الهشة والأسوة الحسنة المتوغلة في فعـل الشرور.

الـنتـيجـة

قال حسين ديبان في مقال له بعنوان " تعـرفوا على نبيكم لعلكم تفلحون " : « لم يعد هناك أدنى شك بأن الإسلام شكَّل منذ انطلاقه في شبه حـزيرة العـرب وعاءا حاضنا لكل أنواع الاستبداد والطغيان والديكتاتورية، منذ دولة الطغيان الإسلامية الأولى التي أنشأها محمد بن آمنة في المدينة، وشكلت بأحداثها ونصوصها عامل إلهام لتلك الديكتاتوريات المستبدة التي خلفت إرث محمد، بدءا من ديكتاتورية الخليفة الأول أبو بكـر وبعده كل الديكتاتوريات، سواء تلك التي أتت في عصـر ما سمي بالخلفاء "الـراشدين"، ومن بعدهم، الديكتاتورية الأموية والعباسية والفاطمية والعثمانية، وصولا إلى ديكتاتوريات اليوم التي وجدت بأفعال محمد ونصوصه رصيدا دسما للارتكاز عليه في فعل كل محظور ومشين ولاإنساني*31* ».

لقد حاولنا فيما سبق ذكره كشف هذا الوعاء الحاضن لكل أنواع الاستبداد والطغيان القذر، ورأينا كيف أن البدو ادعـوا أنهم مستعـربون، ولذلك استعـربوا، وفرضوا التأسلم واللغة التي لا يفهم إلا بها على المنطقة برمتها، ونزعـوا مواطنيها من ثقافتهم الحضارية وجـردوهم من هـويتهم الـوطنية بالعنف والقتل، ومن ثم أدخالوهم فيما يسمى بـ" العـروبة " أو " الأمة الإسلامية " أو " العالم العربي أو الإسلامي "، وجميعها تعبيرات لا تعني شيئا ولا شيء، لأن كل شيء يبقى على حاله، معلقا بخيوط واهية وأحلام كاذبة وأوهام خادعة، ولكنه يخضع في نفس الوقت لسلوكيات صحـراوية لا إنسانية ومنحطة.

لقد تمكن البدو العربان من إزالة الهـويات والثقافات الـقومية لشعوب المنطقة وإحلال هويتهم الصعلوكية وثقافتهم البدوية الصحراوية محلهما، فحققوا بذلك مشروعا استيطانيا لا مثيل له في تاريخ البشــرية جمعاء، أدى إلى إفقارنا فكريا وانحطاطنا أخلاقيا وتدنينا سلوكيا وماديا على حد سواء، ومن هنا « قد يتبادر إلى الذهن أننا متخلفون لأننا فقـراء، ولكن الحقيقة تقول أننا فقـراء لأننا متخلفون، وأننا متخلفون لأننا فقدنا هويتنا لأننا استبدلناها بهوية بدوية سيطرت على العالم الإسلامي بحجة أنها هوية إسلامية وهي لا تعدو مخزونا ثقافيا لشعب الجـزيرة العربية الذي تتمحور هـويته حول رفـض العمل بكل أنواعه، فهي هوية لا تقدس العمل وتحتـقـره ... وانتقل احـتقار العمل من الشعـوب الـعـربية الغازية إلى كل العجم في العالم الإسلامي الآن خاصة مصـر والشام والعـراق وفارس وباكستان*32* ».

ويقـول بسام درويش إنه عـنـدما انطـلـق الأعـراب المتأسلمون من مكمنهم في الصحراء « لم يحملوا معهم مشعل حضارة إنما منجلا يحصدون به الأرواح ونارا يحـرقون بها المكاتب، وفؤوسا يهدمون بها كل ما يقف في وجوههم. كانوا غزاة أوباشا وجهلة لم يعرفوا من الحضارة حتى إسمها*33* »، وأحالنا درويش إلى مقال للدكتور كامل النجار يقول فيه: « في بداية الفتوحات والاحتلال الإسلامي، الذي كان احتلالا استيطانيا، حاول المسلمون طمس ومحو كل الثقافات غير المسلمة حتى يستتب الأمـر للإسلام ». وينقل النجار عن ابن خلدون في تاريخه، ج1، ص631 « أنه لما فتح المسلمون أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة فكتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شأنها وتنقيلها للمسلمين. فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء. فإن يكن ما فيها هدى، فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالا فقد كفاناه الله. فطرحوها في الماء أو في النار. وكذلك عندما فتحوا الإسكندرية أحرق عمرو بن العاص مكتبتها. وبما أن الاحتلال الإسلامي كان استيطانيا، فقد أسكنوا العـرب في الديار المستعمرة حتى يمحوا هوية الشعوب المغلوبة ». وأتي النجار بأمثلة عديدة في هذا الشأن، ثم قال: « ففي هذه الفترة من تاريخ جزيرة العرب لم يقدم العرب ولا الإسلام شيئا لحضارات الشعوب المغلوبة، بل عـلى العـكس دمـروها ومحوها من الوجود*34* ». ولأنهم منتصرون فلم يتركوا للمهـزومين أي وجه إيجابي. فقد عمدوا إلى تصـوير الحضارات العريقة في البلاد المستوطنة وشعوبها تصويرا بالغ السلبية والسوء. وادعوا أنهم جاءوا إليهم لإنقاذهم من الضلال الذي يعيشون فيه ومن الهلاك الذي ينحـدرون إليه.

وهكذا اكتملت فصول المأساة بانتقال الفكرة الهشة على حد السيف إلى البلاد المجاورة شرقا وغربا ليتلقفها العملاء ـ سواء كانوا حكاما أو رجال دين ـ واستغلوها لأغـراضهم السياسية حتى يومنا هذا، تماما كما كانت ومازالت تستغل في المنبع من قبل صلعم وصحابته وأحفاده البدو العـربان. لذلك نكتفي بهذا القدر من السـرد التاريخي المأساوي " للسلف الصالح ". كما يصفهم الأقـذار، وما هم في الحقيقة سوى شخصيات مـريضة نفسيا وسلوكيا.

لقد ذكرنا في بداية هذا الكتاب أن كل قالوه عن أنفسهم من مدح وتقريظ وراح يردده كافة المتأسلمون كالببغاوات، يجب أن يقلب إلى عكسه من الزم والتحقير حتى ينطبق تماما عليهم وعلى سلوكهم وحياتهم بكاملها.

إننا نعيش إذن كارثة إنسانية لا نظير لها في تاريخ البشرية، حلت بالمنطقة وامتدت آثارها إلى بقاع العالم المختلفة منذ ما يقـرب من 1500 عام. وقد لا يستطيع المـرء أن يمنع الكوارث أو يتفاداها، ولكنه بلا شك يتعلم منها ويحاول الخـروج منها سالما معافى، أما أن يتكيف معها ويتباهى بها، فهذا هو الأمر الشاذ فعلا، ولا يمكن أن يصدقه عقل سوي على الإطلاق.
ولقد كتب البقاء لهذه الكارثة طوال هذه الفترة على أيدي العملاء والدجاين والأفاقين وقطاع الطـرق، بالتضامن مع حكام المنطقة العجزة والجهلة الذين يرتزقون جميعا من ورائها. ووجد أحفاد الصعاليك في أموال النفط وسيلة لإطالة أمدها، ونشر مبادئها البالية والمتخلفة والحقـيرة.

هذا الأمر يجعلنا نعود مـرة أخـرى إلى منبع الفكرة، لـنرى ماذا حـدث وماذا يحدث هناك لأحفاد صلعم، وما آثار الصعلكة المحمدية عليهم.

الهوامش:
*1* أي لا ننهض بهم [الناس] إلا إلى الخبل وفساد العقل.
*2* محمد سعيد العشماوي: الخلافة الإسلامية ، مصدر سابق ، ص 87 . وجوهر الإسلام ، ط3، ص61، دار سينا للنشر، القاهرة 1993 .
*3*المستشار محمد سعيد العشماوي: الخلافة الإسلامية، ط2، ص117، مصدر سابق.
*4* د. سيد القمني : شكرا ... بن لادن!! ، ط1 ، ص 280 ، دار مصر المحروسة 2004 .
*5* إرشاد منجي : الخلل في الإسلام http://www.muslim-refusenik.com/arabic.html
*6* كلاوس كلير: خالد وعمر، بحث نقدي في مصادر التاريخ الإسلامي المبكر، ترجمة محمد جديد، قدمس للنشر والتوزيع ط1، دمشق 2001م.
*7* رسالة الغفـران لأبي العلاء المعـري، ص41 وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري: تاريخ الطبري، تاريخ الرسل، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بمصـر ج2، ص 284.
*8* تاريخ الطبري، مصدر سابق. ج2، ص230
*9* محمود شلبي: حياة عـمـر، ط2، ص 5، دار الجيل ، القاهرة، بدون تاريخ.
*10* هو حلول الشر أو العذاب، أنظر المعجم الوسيط ج2، ط3، ص1104، مجمع اللغة العربية، القاهرة، بدون تاريخ. وقال المفسـرون إنه وادٍ في جهنم.
*11* لمزيد من هذه الفبركة وغـيرها يمكن الرجوع إلى: الاستيعاب لابن عبد البر، ولباب النقول للسيوطي، طبعة الشعب.
*12* التفاصيل في كتاب أقباط ومسلمين منذ الفتح العربي إلى عام 1922م، تأليف د. جاك تاجر، ترجمة ونشر الهيئة القبطية في أمريكا وكندا واستراليا عام 1984م. وأيضا كتاب تاريخ الأمة القبطية، تأليف السيدة ا. ل . بتشر الإنجليزية، مطبعة مصـر بالفجالة عام 1900م وهو كتاب أثري منشور في 6 أجـزاء على صفحات الإنترنت.
*13* شمس الدين السرخسي: المبسوط مجلد 3، باب نكاح البكر، باب الأكفاء، ص24، ط986، دار المعرفة ، لبنان.
*14* د. أحمد صبحي منصور: أهم القضايا في سيرة عمر: المسكوت عنه في تاريخ عمر منشور في:www.arabtimes.com
*15* ابن سعد: الطبقات الكبري، ج2، ص253.
*16* أنظر تفاصيل هذه الواقعة المشينة في المراجع التالية: وفيات الأعيان لابن خلكان، ج6، ص 266. كتاب النهاية والبداية لابن كثير، ج 7، ص 73. الأغاني لأبي فـرج الأصفهاني، ج16، ص 108. وشـرح نهج البلاغة للمدائني، ج12، ص 149. وغيرها كثير.
*17* السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص109، مصدر سابق.
*18* خالد محمد خالد: وداعا عثمان ، دار المعارف بمصر
*19* سيد أمير علي: مختصر تاريخ العرب، مصدر سابق
*20* سيد أمير علي: مختصر تاريخ العرب، مصدر سابق
*21* خالد محمد خالد: وداعا ... عثمان، دار المعارف بمصـر، بدون تاريخ
*22* سيد أمير علي: مختصر تاريخ العرب، مصدر سابق
*23* عباس محمود العقاد: الصديقة بنت الصديق، ط11، دار المعارف القاهرة 1982.
*24*عباس محمود العقاد: الصديقة بنت الصديق، مصدر سابق.
*25* د .عبدالرحمن بدوي: شخصيات قلقة في الاسلام، ط 3، وكالة المطبوعات ـ الكويت 1978.
*26* شامل عبد العزيز: عبد الله بن سبأ اليهودي ونظرية المؤامرة، مقال منشور على الحـوار المتمدن http://www.rezgar.com
*27* Nevo, Yahuda D.: Towards a Prehistory of Islam, Jerusalem Studies in Arabic and Islam, vol. 17, Hebrew University of Jerusalem, 1994. Page 109.
*28* نفس المصدر، ص 110.
*29* مازالوا يفعلون الشيء نفسه حتى اليوم.
*30* للمزيد حول هذا الإجـرام يرجا الاطلاع على كتاب المستشار محمد سعيد العشماوي: الخلافة الإسلامية، سيناء للنشر، ط 2 ، القاهـرة 1992 ص 129- 154.
*31* الحـوار المتمدن http://www.rezgar.com في 18 إبريل 2008
*32* الزيني - إسماعيل : شبه جزيرة العرب ، مصدر سابق ، ص 20 .
*33* بسام درويش: نعم، الإسلام رمز للتخلف http://www.annaqed.com.
*34* د. كامل النجار: ماذا قدم العرب والمسلمون للحضارة؟ على صفحة الإنترنت:
http://www.annaqed.com/category.aspx...lectedreadings

__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 08-08-2014, 03:31 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 37,570
افتراضي الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 8 ياسين المصري الحوار المتمدن-الع

الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 8


الأسـوة الـحـسـنة
النبي والمـرأة نمـوذجا

{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنه لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} الأحزاب 33.

جاء في سورة يونس الآية 15: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا إئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}

لذلك لا بد أن تتبادر إلى عقل كل من يستعمل عقله التساؤلات التالية:
هل كان النبي أسوة حسنة بالفعل والعمل لكافة الناس أم لعصابة الصعاليك فقط؟
وهل كان يتبع فعلا وعملا ما يوحى إليه؟
وهل كان فعلا وعملا يخاف عذاب يوم عظيم إن عصى ربه؟، أم كان يعصيه بالفعل والعمل؟

بكلمات أخرى
هل وضع الدين الجديد في خدمة أغراضه والأغراض الشخصية لأصحابه الصعاليك، ومن ثم ورثته "العملاء"، فأصبح بذلك قدوة حسنة لهم فقط؟
ألم يكن يستطيع أن يبدل ما يوحى إليه من تلقاء نفسه؟ ألم يكن باستطاعته ألا يتبعه وألا يخاف عذاب يوم عظيم بأن يعصى ربه ويجـبر الآخـرين على طاعته؟

ليس من الصعب على أحد أن يتخيل كيف أن دينا ما، يخدم أغـراضا بشـرية، فيكون طيعا وأقل طاعة له من قبل المجاهدين في سبيلة. وليس من الصعب أن يرى المرء كيف أن الـتراكم التاريخي والمخـزون الثقافي لـعـربان الصحراء كالحواجز القبلية والنهم الشديد إلى الغنائم والجنس وحب السلب والنهب وسبي النساء والأطفال واعتبار المرأة مصدرا للغواية والـرجس، والغدر والكذب، قد لعبت جميعها دورا رئيسا في تكوين الفكرة ونشرها وكأنها ناصعة الوجه، طاهرة المضمون، سامية الهدف. ولذلك مازالت طاغية على حياة المتأسلم ودمغ سلوكه، الأمـر الذي يدفعه تلقائيا للدفاع عنها والمـوت من أجلها. ولكنه وفي نفس الوقت على استعداد لارتكاب جميع الموبيقات والمعاصي التي تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان والحيـوان. لقد أحدثت تلك الفكـرة تعميما للانفصام السلوكي والأخلاقي في الشخصية البدوية علي معتنقيها في كافة بقاع الأرض، بحيث اتسعت الهوة السحيقة بين كلماتهم وسلوكهم أو أقوالهم وأفعالهم، وبين مظهـرهم ودخائـلهم أو ما يبدو عليهم وما هم عـليه حقيقة.

فنجد إله صلعم يدافع عن نبيه بقوله : {فما هو بنعمة ربه بمجنون، وله أجـر غير ممنون، وهو على خلق عظيم} (القلم 1ـ4)، وهو عزيز عليه ما يعانيه أهله من شـرك، وحـريص عليهم، ورؤوف رحيم بالمؤمنين (التوبة 128)، وأنه لو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله (آل عمران 159)، وأنه لذلك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (الأحزاب 45-46)، هكـذا!!!. وعندما تبدو عليه مظاهـرالسيطـرة والتمتع بطيبات الحياة، يردعه الـقـرآن بقـوله {فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر} الغاشية 21-22، وعليه أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين (الشعراء 215 والحجرات 88)، وأن من يتولى منهم، فما أرسله عليهم حفيظا (النساء 80)، أو ما جعله عليهم حفيظا، وما هو عليهم بوكيل (الأنعام 107)، وأن يصبر مع الذين يريدون وجهه، ولا تعد عيناه عنهم (أي تتجاوزهم أو تغفل عنهم) يريد زينة الحياة الدنيا (الكهف 28).

ثم انقلبت الدعوة القرآنية مرة واحدة إلى التمتع بطيبات الدنيا بلا حدود وصرحت للمؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم الله وشكـره عليها (البقرة 172)، فقـد أحـل الله لهم الطيبات (المائدة 4)، لقد أصبح المبدأ الجديد هو {اليوم أحل لكم الطيبات} المائدة 5، فالله مَـنَّ عليهم بالإسلام، وأيدهم بنصره، ورزقهم من الطيبات (الأنفال 26). كي يتمتعوا بها وبقـدر أكبر من أبناء عمومتهم بني إسرائيل الذين أمرهم بالأكل من طيبات ما رزقهم، ولكن لا يطغوا فيه فيحل عليهم غضبه (طه 80 ـ 81)، مع أنه أتاهم الكتاب والحكم والنبوة وفضلهم على العالمين (الجاثية 6).

ولكن النبي في تمتعه بطيبات الدنيا خص نفسه بأحكام لم يشاركه فيها أحد؟.
وأباح لنفسه وحده الحق في أن يخالف [بعض] أحكام الشـرع التي فـرضها على غيره؟.
واستثنى نفسه من [بعض] قيود الشريعة التي قيد بها الآخرين؟.

إذا كان ذلك تميـيزا لشـرفه وعـلو مـرتبته كما يدعي العملاء، فإن العـقـل السليم يقول لنا أن شـرف المـرء وعـلو مرتبته تحتمان عـليه أن يكون أول من يلـتزم بما يشـرعه للآخـرين، كي يكون بالفعل أسوة حسنة لهم. وبذلك يبيح العملاء الملفقون لأنفسهم تلك التجاوزات والمخالفات المحمدية بصفتهم " ورثته وألي العلم من بعده" ... إلى آخـره من التبريرات الخادعة. صحيح أنه من المتفق عليه عالميا ـ خاصة في الدول الديموقراطية ـ أو النظيفة سياسيا إلى حد ما، أن لرؤسائها بعض الميزات المادية والبروتوكولية المعينة بحكم منصبهم الرئاسي، وذلك لتمكنهم من آداء عملهم على الوجه الأكمل، ولكن هذه الميزات استثنائية، إذ تزول عن الرئيس فور تركه المنصب، ليتمتع بها خليفته. ونحن هنا لا نتكلم عن سلوكهم الشخصي أو الأخلاقي، فهذا أمـر آخـر، يندرج تحت القول: «إذا كان رب البيت بالدف ضاربا، فشيمة أهل البيت الرقصُ».

ولأن العملاء الملفقين ليسوا أغبياء على الإطلاق، فقد أدركـوا حقيقة أن « الجاهل قد يرى بعض الخصائص فيعمل بها أخذا بأصل التأسي فوجب بيانها لتُعْرَف*1*»، وجاء بيانهم لتلك الحقيقة تلفيقيا وتبريريا لا يقنع أي عاقل على الإطلاق. وأن " الجاهل " الذي خافوا من أن يعمل ببعض تلك الخصائص المحمدية أخذا بأصل التأسي لم ينقطع منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا، سواء كان من الحكام أو رجال الدين أو غيرهم ممن يلتحفون بلحاف التأسلم ويقتاتون من ورائه.

ولم ينسى أولئك العملاء الملفقون أن يتحفونا ويسعـدونا بخصائر محمدية لا يمكن لأحـد أن يتأسى بها، وتبقى فقط من الأماني لصورته المشكلة في أذهانهم، منها أن النبي الصحـراوي لم يكن لإبطه رائحة كـريهة بل كان نظيفا طيب الـرائحة كما ثبت في الصحيحين [البخاري ومسلم] من حديث أنس بن مالك « ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله صلعم ». وفي الصحيحين أيضا « أن أم أنس كانت تجمع عـرقه صلعم في قارورة فتجعلها في طيبها »، قالت: « وهو من أطيب الطيب ».

والأبلغ من ذلك تلك الرائحة الطيبة التي كانت تنبعث عند قضاء حاجته، فقد حكى القاضي عياض عن آخـرين أنه إذا أراد أن يتغوَّط [يتـبرز] انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت لـذلك رائحـة طيبة. ويروي ابن سعد عن عائشة أنها قالت للنبي صلعم: « إنك تأتي الخـلاء فلا نرى منك شيئا من الأذى، فقال: يا عائشة أو ما علمت أن الأرض تبلع ما يخـرج من الأنبياء ».

ومع أن هذه الهلوسات من الخصائص الشخصية ولا يمكن لأحد أن يتأسى بها، أو يأخـذها لنفسه، إلا أنها تدل بوضوح على مـدى الإسفاف والاستهانة بعـقول من لهم عقـول من البشر. كما تشير صـراحة إلى ما سبق وقلناه أن إله الأسلمة ونبيها والتأسلم نفسه مجـرد هزيان ذهني مفتوح على مصراعيه لكل ما هب ودب، يقول فيها ما شاء وينسب إليها ما يشاء.

على أي حال لا يسعنا من هذا الكم الهائل من الهزيان سوى الـتركيز على وضع المرأة وعلاقتها بالنيي لما له من أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر!!.

النبي والـمـرأة

لم نجد في كتب التراث ما يفيد إلى اتجاه عام قبل الإسلام لاضطهاد المـرأة أو تحقـيرها أو الحـد من دورها في المجتمع العرباني، وأن " وأد " البنات الذي ذكـر في القـرآن كان في نطاق ضيق جدًا وبدافع الخوف من الفقر. لذلك كانت المـرأة تاجـرة وشاعـرة ومحاربة وعاهـرة بجانب كونها أم وأخت وزوجة وبنت. وكانت تشارك دون معوقات في المنظومة الاجتماعية السائدة بين العربان وتقتطف منها ما تراه مناسبا لها، ولكنها كانت، بلا شك، الطـرف الضعيف دائما فيما يتعلق بالصـراع بين القبائل بهدف السلب والنهب وسبيها من قبل المنتصر واعتبارها غنيمة ضمن غنائمه، وظلت هكذا بعد ظهور الأسلمة المحمدية قبل أن تتحول على أيدي صعاليك الصحراء إلى مجرد أداة للجنس والتناسل ومصدرا للغواية والرذيلة، فشغلت حيزا كبيرا من تفكيرهم وأصبحت غاية أساسية ومشتهاة في سلوكهم. وتشير كتب الـتراث إلى أنواع عديدة من الأنكحة كانت شائعة بين البدو العـربان قبل تأسلمهم هي:
❊-;- نكاح الصداق أو البعولة : ويتم بأن يخطب الرجل من الرجل ابنته فيصدقها بصداق يُحدَّد مقداره ثم يعقد عليها.
❊-;- نكاح المتعة : وهو تزويج الـمرأة إلى الـرجل مقابل أجـر، فإذا انقضت حاجته افـترقت عنه.
❊-;- نكاح الإماء : وهو أن يتزوج العربي من أمته (العبدة) فإذا أنجب منها أبناء لا يحق لهم أن يلحقوا بنسبه، بل يظلوا عبيدا.
❊-;- نكاح السبى : ويقضي بأن يتزوج المحارب من إحدى النساء اللاتي وقعن سبايا دون أن يدفع لها صداقا. وهذا ما أفتى به الدجال القـرضاوي بالنسبة للسبايا الأمـريكانيات في العـراق.
❊-;- نكاح المقت : وهو أن يتزوج الرجل من زوجة أبيه كجزء من ميراثه .
❊-;- نكاح الجمع أو البغايا : وهو أن يجتمع الكثير من الناس على الـمرأة، ولا تمنع نفسها مما أتاها، وكان عـمـرو بن العاص أحـد نتاج هذا النكاح.

وكانت هناك أنواع أخرى معروفة ومتداولة بين العربان مثل: نكاح الاستبضاع ونكاح المخادنة ونكاح البدل ونكاح الشغار ونكاح الـرهط*2* إلى جانب نكاح الهبة، وقد ظلت أنكحة الصداق أو البعولة والمتعة والإماء والسبي سارية بعد التأسلم وألغيت أنواع الأنكحة الأخرى، وبقى نكاح الهبة خاصا بمحمد لمن تهب نفسها له.

ومن الملاحظ أن العملاء يقولون إن كلمة " نكاح " تمعنى " زواج "، وهذا خاطئ تماما، لأن فعل "نكح" كما هو معـروف لغويا، والذي مازال مستعملا عند البدو العربان حتى الآن، ومرادفه الدارج " ناك " ومشتقاته التي جاءت في أكثر من مكان في كتبهم التراثية المقدسة وعلى لسان نبيهم نفسه. لا يدل سوى على الفعل من جانب واحد، هو الزوج أو البعل، وتحقيق المتعة له وحده فقط. بينما الزواج من التزاوج والقـران، وفيه مساواة بين القـرناء.

ومن الواضح أن أنكحة المتعة والإماء والسبي ـ مثل غيرها ـ تندرج بلا أدنى شك تحت بند الزنا، فهي لا تهدف إلى إقامة حياة زوجية أو دوام النسل، بل الغـرض من ورائها هو تحصيل المتعة، وقد سنها محمد في إطار شـرعي لأصحابه لا سيما أثناء الغـزوات، وبينما توقف نكاح الإماء ونكاح السبي بتوقف الغزوات الإسلاموية للبلدان المجاورة واستيطانها، فقد اختلف الفقهاء على تحـريم نكاح المتعة من عدمه، فالشيعة مازالوا يعتبرونه زواجا شرعيا، بينما السنة يدعون بأن محمد حـرمه في حجة الوداع، أو أن ابن الخطاب هو الذي فعل ذلك. ويأتي الطرفان بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تدعم وجهة نظره.

ومن ناحية أخرى نجد البدو الوهابيين الذين يمثلون السنة، يحاربون زواج المتعة، ويشنعون في ذلك على الشيعة، ويتهمونهم بإشاعة الفاحشة في الأمة!!، ولكن الذي يجهله البشر خارج دار الحـرمين أن "أحفاد صلعم" أولئك الـعـربان الوهابيين وكبار عملائهم الدجالين يحلون بدعتين جديدتين لهما طابع "المتعة" وطعم "الزنا"، يسمونهما نكاح " المسيار*3* " ونكاح " الفرند*4* " المنتشر بين من يعتبرونهم " كفارا " في أوروبا وغـيرها. وطريقة هذين النكاحين أن يتزوج رجـل من امـرأة بعقد لا يخـلو من التالي أو بعضه، على حد قولهم*5*:
1. السرية، فيكون النكاح غـير معلـن.
2. أن يشترط فـيه عـدم الاتفاق.
3. ألا يكون فـيه مـبيت.
4. عـدم اشـتراط موافـقة الولي.
5. أن تكون في نية الرجل المسبقة أن يطلق بعد أمد، من غير أن تدري الزوجة بذلك. بمعنى أن ينصب عليها أو يخدعها.
وجميعها بنود متعة تختلف تماما مع سنه فقهاء هذا الدين الهـش.

كذلك لا يصعب على أولئك البدو الأقذار، أن يجدوا دائما وأبدا على لسان نبيهم ولدي أسلافهم الصالحين ما يدعم زعمهم، فالبخاري أورد في صحيحه المقدس وبعد عنعنة مملة كالعادة عن رسول الله صلعم قوله: « أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركا »، وقال أحد الرواة المبجلين إنه لا يدري ما أذا كان هذا الشيء لهم خاصة أم للناس عامة، بينما قال آخر عن النبي إنه منسوخ*6*. وهكذا يجد المرء نفسه دائما وأبدا في غابة لا يعرف مسالكها أو طـرقاتها وإلى أين تؤدي به، ويقوده فيها وحوش كاسرة، وشياطين ضارية من العـملاء الدجالين.

ونظرا إلى أننا لسنا فقاء ولن نكون فقهاء في هذا الدين أو غـيره، نترك البت الفقهي في هذا الأمر للعقلاء وليس العملاء، مع الإشارة إلى أن أمراء آل سعود وغيرهم من الأثرياء المتشبهين بهم يكـثرون من هذا الـزواج، خاصة أثناء ذهابهم في الشتاء من كل عام إلى "الجنص" أي الصيد عند البدو في أعماق الصحراء. كي تحفل مجالسهم بعد ذلك بالتباهي به وبعدد زيجاتهم وكأنهم في سباق على الفوز بالـرقم القياسي للنكاح.

هذا بالإضافة إلى أنهم يعتبرون الأجنبيات الواردات إليهم للعمل خاصة من بلدان شرق آسيا على أنهن ملكات يمين أو إماء أو سرايا يتسرين بهن، ويتمتعون بنكاحهن، وفي المقابل يتسرى نساؤهم بالأجانب الـوافدين إليهم من تلك البلدان أو غـيرها كلما وجدن إلى ذلك سبيلا.

وفي كل الأحوال مازال الـزواج في لغة الـعـربان وسلوكهم هو "النكاح والـوطء والاعتلاء ... إلخ"، وجميعها تعبيرات حيوانية تعني الاستمتاع من طـرف واحد فقط. فالـزوج هو " الـبـعـل "، رب العائلة أو سيدها المطلق، والذي ينكح ويطأ ويعتلي .. ويستمتع، و" العائلة " هي من يعوله البعل أي من " يتطفل عليه " ويستمد قوته منه. ولإن الشيء بالشيء يذكر، نتساءل بجدية حقيقية عما إذا كانت هناك علاقة ما بين " البعل والبغل " إذ أن الاختلاف بينهما كما هو واضح لا يتعدى زيادة نقطة واحدة فقط، خاصة وأن التنقيط لم يجـرى على اللغة العـربية إلا في وقت متأخر جدًا من ظهـور الديانة الإسلاموية كما سـنرى فيما بعد. على أي حال، لقد سبق وتشرفنا بمعرفة "السيد البعل" بصفته إله جاء من الأساطير الكنعانية ودخل بقوة ذكورته وعنفوان رجولته إلى البدو العربان في مكة ليحتل مكانة بارزة في حياتهم قبل وبعد الأسلمة.

واستعمل القـرآن فعل " نكح ومشتقاته " 18 مرة، ولأنه فعل مخجل وغـير مهذب لدي الشعوب العريقة الحضارية، فإن عملاءها يقولون أن المقصود به فعل تزوج ومشتقاته. ولكن لا أحـد يدري لماذا إله البدو الصحـراوي لم يستعمل الفعل الثاني، ليوفـر على العملاء الدجالين مهمة التلفيق والاستهانة بعقول الناس. كما أن أحدا لا يدري ماذا سيقولون عندما نقـرأ الـرواية الـتـالية التي جاءت في صحيح البخاري حديث رقم 6913:
عن ابن عباس أنه قال: لما أتي ماعـز بن مالك
قال له النبي : لعلك قـبَّلت أو غمـزت أو نظـرت.
قال: لا يا رسول الله.
قال: أنكـتهـا؟
قال: نعـم، عـند ذلك أمـر برجـمه.
وتكرر هذا الحديث في مسند مالك، حديث رقم 2477.
وفي واقعة أخـرى مشابهة نطق صلعم بنفس الكلمة. ففي سنن أبي داود، باب الحـدود، حديث رقم 4430.
عن أبي هـريرة أنه قال: جاء الأسلمي إلى نبي الله أربع مـرات، فشهد على نفسه (إعترف) أنه أصاب امـرأة حـراما، وفي كل مـرة يعـرض عنه النبي. وفي المـرة الخامسة
قال له النبي: أنكـتها ؟
قال: نعـم.
فقال النبي: حتى غاب ذاك منك في ذاك منها؟
قال: نعـم.
قال: كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البـئر؟
قال: نعـم.
قال: فهل تدري ما الزنا؟
قال: نعـم، أتيت منها حـراما ما يأتي الرجـل من امـرأته حلالا.
سأله الرسول: فما تريد بهذا القـول؟
قال: أريد أن تطهـرني يا رسول الله.
فأمـر برجمة.
وتكـرر هذا الحديث في سنن الحارقطني، حديث رقم 3491.
دعونا نعمل العقل في هاتين الواقعتين:

إذا كان ابن عباس وأبو هـريرة من الدجالين، واخـترعوا القصتين كـذبا على صلعم، فيجب الاعتراف بذلك من العملاء الملفـقـين، ويمهـرون إسميهما بغضب الله ولعناته بدلا من رضوانه. وإذا كانا صادقين فإن نبي المتأسلمين صلعم استعمل لفظا دارجا وبذيئا، وأن الزاني (الأسلمي) كان مهذبا على العكس تماما مـنه عـنـدما قال له: « نعـم، أتيت منها حـراما ما يأتي الـرجـل مـن امـرأته حـلالا»،
ولم يقل: « نعـم، نكـتـها ».

والسؤال هنا الذي يجـب أن يتبادر إلى الأذهان هـو:
أي نبي هـذا الذي يتحـدث بما يدور في خـلد الأقـذار ويجـري بين أولاد الشـوارع والسفلة، ليكـون بذلك أسـوة حسنة لهم فـقط، ودون غيرهم.
أليس هذا أسلـوب الصـعالـيك الـذين لا يعـرفـون خلـقا ولا أدبا؟.

وهل يمكن للعملاء الملفقين والدجالين ـ خصـوصا المعتمدين منهم ويحتلون مناصب دينية عـليا ـ أن ينطقوا بهذه الكلمة القبيحـة على الفضائيات أمام ملايين المشاهدين؟؟ أم أن نبيهم ليس أسوة حسنة لهم في هذا الشأن*7*.

ثم أي دين هذا الذي يكون فيه التطهُّـر من الخطيئة بالرجم حتى الموت، وكيف إذن لأي خاطئ أن يقدم على التطهـر مادام هذا المصير الوحشي في انتظاره، أليس من الأفضل له ولحياته أن يكتم الأمر في نفسه، إذا لم يكن قد قـرر التمادي في الخطيئة، ضاربا بالتطهر منها عرض الحائط، وليذهب هو والدين وصلعم إلى الجحيم. وهذا بالضبط ما يفعله أغلبية كبيرة من المتأسلمين، الذين يبدو كل منهم وكأنه صلعم نفسه.

يتضح من القـرآن ومن كتب السيرة المحمدية أن أهم مشكلة لازمت صلعم في حياته هي علاقته بالجنس اللطيف المحبب إليه دائما، وكيفية ضبطها في نمط من السلوكيات السوية، وأنه لم يوفق في ذلك على الوجه الحسن بالرغم من تدخل الوحي القرآني مباشرة في تنظيمها. فيقول الباحث منصور فهمي عن أحوال المرأة في الإسلام: « وعلى الرغم من أن محمد أراد حمايتها إلا أن الإسلام ساهم في انحطاط المرأة*8* »، بمعنى أنه " أراد تكحيلها فعماها " كما يقول المثل الشعبي، فكيف تم ذلك؟ ولماذا؟

لقد اتسمت علاقة محمد بالمرأة بقدر كبير من التناقض، الذي أدى فيما بعد إلى انفصام في الشخصية السلوكية للمتأسلمين تجاه الـمـرأة بوجه عام، فمن ناحية لم يتمكن محمد من تقييد حـريتها تقييدا عمليا أثناء حياته، فظلت تشارك في الغـزوات وتعمل في التجارة وتعتنق الدين الذي يناسبها دون أن تتبع إرادة زوجها على غير ما تريد، بل وكانت تمارس الجنس دون قيود كما كانت تمارسه قبل الإسلام، ومن ناحية أخرى ترك خلفه تعليمات قـرآنية وأقـوال نسبت إليه مكنت من بعده العملاء والملفقين من الحد من حـريتها وتقليص دورها الاجتماعي، بل والنيل من كـرامتها، وقد تمكنوا في وقت مبكـر من استدعاء عائشة زوجة صلعم الأثـيرة الشابة للمساهمة بقدر كبير في هذا المجال، لقول صلعم « خذوا نصف دينكم من هذه الحمـيراء». بينما الذين اخذوا موقفا معاديا منها " خاصة الشيعة " يدعون بأن صلعم أشار ذات مرة إلى بيتها وقال: « أن الفتنة تنبع من هنا »، فهـو نبي إذنْ يعمل تبعا لهـواه ومـيزاجـه الخـاص، ووفقا لتصورات العملاء والمـرتزقة والبلطجـية كي تختفي الحقيقة، ويتوه الناس.

عاش محمد مع زوجته الأولى خديجة 25 عاما، لم يجـرؤ خلالها على الزواج بأخرى أو يتـسرى بها، بالـرغم من أن ذلك كان شائعا آنذاك بين البدو العربان بوجه عام وبين المكيين منهم بوجه خاص، ويدعي المسيحيون بأنه لذلك كان زواجا مسيحيا، خاصة وأن القس أو الراهب ورقة هو الذي بارك زواجهما وعقد قرانهما، ولكن سلوى بلحاج تعتقد « أن خديجة بما كان لها من نفوذ معنوي ومادي على محمد كانت هي من جعلة يمتنع عن التزوج عليها... لقد كانت تهيمن عليه بشخصها، لذلك كان من الصعب على محمد في مثل هذه الـظروف أن يفكـر في غـيرها، كما كان من الصعب عليها أن تقبل هي بضرة أو بسـرية [أمة]*9* »، ولكنه بمجرد وفاة خديجة انقلبت شخصيته وتبدل سلوكه بشكل كـبير، فتزوج من [11] امرأة على الأقل، عدا مَن وهبن أنفسهن له والسراري اللاتي لم يعرف عددهن، وذلك خلال السنوات الثلاث التي تلت وفاتها، إذ بوفاتها زال عائق معنوي كبير بينه وبين النساء، في وقت بدأت تقوى فيه شوكته ويشتد نفوذه ويزداد ثراؤه. فأخذ يمارس عمله السياسي بوصفه نبيا وزعيما سياسيا وقائدا عسكريا، له خمس الغنائم بما فيها النساء طبعا.

بعد الانتقال إلى يثرب، بدأ صلعم يشرع القوانين للجميع ويستثنى نفسه منها، فمركزه السياسي والاجتماعي الجديد يجعل من الصعب عليه أن يلـتزم بالقوانين الصادرة من السماء، ولا مانع لديه من تطويعها لرغباته وأهوائه، ولكنه مع ذلك ظل مصمما على أن يفرضها على الجماعة التي أسسها، مع الاحتفاظ للـرجال العشرة المبشرين بالجنة حق التمتع ببعض الامتيازات التي لا يتمتع بها عامة الناس. لأنه أصبح النبي المطاع، فمن أطاعه أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله (النساء 80).

وسمح لنفسه من دون الآخـرين بالصلاة دون وضوء وبتقبيل من يحب من نسائه وهو صائم، ولأن العلماء والفقهاء المزعومين كانوا ومازالـوا مـعـه دائما وأبدا، فـقـد وجـدوا تبريرا سـاذجا لذلك مدعين " بأن قبلات محمد كانت خالية من الشهوة ". ولكن خلوه من الشهوة هو الذي جعله لم يستطع أن يصبر شهرا واحدا دون زوجة بعد موت زوجته الأولى خديجة، التي تألم كثيرا لموتها، بل ولم يكتفي بزوجة واحدة أو مثنى وثلاث ورباع ومات وبحوزته تسع منهن.

وقد حدد للمتأسلمين أربع زوجات في وقت واحد {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} النساء 3. هذا إذا اعتبرنا أن فعل إنكحوا يعني تزوجوا، ولا يعني معناه الحقيقي، على حد إدعاء العملاء الملفقين. والسؤال هو هل يخاف أحد من البشـر من ألا يعدل، أم أن الجميع بما فيهم الظلمة أنفسهم يتصورون أنهم دائما على حق؟ ولماذا لا يطال العدل أن وجد أساسا ما ملكت أيمانهم [أي السرايا من النساء] أليسوا بشرا؟. ولماذا لم يقدم النبي القدوة في هذا الصدد؟، أليس من الحق أن يلتزم هو نفسه بما يلـزم به الآخرين، كي يكون بذلك ـ فعلا وعملا ـ الأسوة الحسنة لهم؟.

بعد موت خديجة إفتتح محمد عدد زوجاته الكبير بالزواج من سودة بنت زمعة، وكانت أرملة عجوز، لم يرضى عنها، فأراد أن يطلقها عقب زواجه من الطفلة عائشة بنت صديقه أبي بكر، وكان زواجه من سودة زواجا كلاسيكيا لم يبهره جمال المرأة أثناء عرض السبايا الأسيرات عليه، لأن الإسلام مازال ضعيفا في مكة، وأن الخاطبة، وهي خولة بنت حكيم بن أمية كانت من الذكاء والمهارة بحيث عرضتها عليه من جوانب إيمانها بالله ورسوله وسبقها إلى الإسلام على عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وغيرهما من أصحاب صلعم، ولم تتطرق إلى مواطن الجمال الجسدي المحسوس، خاصة وأن سودة كانت تفتقر لأي ميزة جمالية، وكانت ثقيلة بطيئة لضخامة جسمها وتـرهله بفعل السنين*10*، وتدعي الروايات التراثية أن صلعم تزوجها حماية لها ووفاء لزوجها حتى وإن لم يكن شهيدا. ونحن لا ندري كيف يكون الزواج منها "وفاء لزوجها"، ولم يكن بدافع "الانتقام" منه، وهو الذي هاجـر إلى الحبشة في بداية الدعوة ولكنه كما يقول ابن حجر العسقلاني ارتد عن الإسلام وتنصر قبل موته ودفن هناك. ولما كانت سودة ليست أبنة أحد من أصحاب صلعم أو أرملة أحد من شهدائه قرر تطليقها، فأدركت بذكاء المـرأة الفطـري ألاَّ تترك بيت النبوة وتضيع في مجتمع ذكوري لا يعرف من المرأة سوى ما يقع عليه بصره، فلا يرحمها بعد أن ضاعت منها السنون ولم يبقى من أنوثتها أي شيء، فوهبت ليلتها لعائشة وتخلت لها عن حـقـوقها الـزوجية في المضاجعة من أجل أن تبقى زوجه له بالإسم فقط.

ولقد أدى انفلات محمد في تعامله مع الجنس بوجـه عام إلى ظهور فقه النكاح (أو النيك) الذي لا يخلو منه أي كتاب من كتب التراث الإسلاموي، من الحديث عنه بما يشبه أفلام " البورنو "، ليس عن نكاح المرأة فحسب، بل أيضا عن نكاح الأولاد والبنات الصغار والرجال الكبار والحيوانات ونكاح اليد ونكاح الميت، والكيفية التي يتم بها نكاحها ... إلى آخـره*11*. وجميعها أنكحـة كانت ومازالت متفشية بشكل وبائي بين العـربان بوجه عام.

قد يتعجب أحدنا مما يسمى نكاح الميت، ولكن إذا عـرف السبب بطل العجب فنبي الإسلام ضاجع " نكح " امـرأة ميته*12*، إذا تقول الكتب التراثية الإسلاموية : « خلع رسول الله قميصه فألبسه لأم علي واضطجع معها في قبرها. فلما سُوِّيَ عليه التراب قالوا يارسول الله رأيناك صنعت شيئا لم تصنعه بأحد، قال: إني ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة، واضطجعت معها في قبرها ليخفف عنها من ضغطة القـبر »، ولم تقل لنا تلك الكتب لماذا أهالوا التراب على سيد الخلق أجمعين وهو في هذا الوضع المشين مع الميته، هل كانوا يريدون دفنه معها؟؟. وبدلا من ذلك حفلت جميعها بتشريع خاص بهذا الشأن لكل متأسلم يريد أن يتأسى بنبيه، تحت عنوان " وطء الميته ". أ
ناس أقل ما يقال فـيهم أنهـم قـذرة بالفعـل!!!.

الآن سوف نحاول التعرف على بعض المآسي والمهاذل والملاهي التي حدثت مع أمهات المؤمنين أو منهن.

❉-;- مـأسـاة "الــزوجة المـدللـة" عـائـشـة
هي عائشة بنت أبي بكـر صـديق صلعم ورفـيقه التاريخي، وقد برر محمد خطبته لها وهي في السادسة والدخول عليها وهي في التاسعة من عمرها بأنه كان إيحاءً ومشيئةً من ربه، إذ أرسل إليه الملاك جـبريل ليعـرِْفه بها وهي طفلة مازالت نائـمة في سـريرها، ويقـول له : « إن في هذه خلفاً لخديجة »، وأنها لذلك ظهرت في أحلامه مرتين كزوجة في المستقبل*13*. وبعد ثلاثين يوما من زواجه من سودة طلب يدها من أبيها، فما كان منه إلا أن أبدى دهشته من فارق العمر بينهما [كان محمد آنذاك في الثالثة والخمسين من عمره]، ولكن لأن السياسة تطغى دائما على المبادئ، فقد وافق على طلبه وفسخ ارتباطا سابقا لزواج ابنته برجل آخر. لقد كان هذا الزواج " صفقة سياسية "، احتل أبو بكر بسببها مكانة مرموقة عند صلعم أهلته لأن يقود المسلمين بعد موته.

وكان من المحتم أن تتكدس كتب التراث التاريخية بالحديث عن عائشة دون غيرها، فتناول بالـشرح المطـول والـمُـمِلِّ جمالها وشبابها اليافع المـتدفق ونزواتها، مع التفنن في تبريرها، دون التطرق لأسبابها الحقيقية، بالإضافة إلى التضخيم والتفخيم لمكانة أبيها. ومن الثابت أن علاقتها بمحمد وتصرفاتها أثناء معاشـرتها إياه وبعد موته تركت تأثيرا عنيفا على التشريعات الإسلاموية وعلى مصير كافة الشعوب التي اجتاحها العربان بالسيف وفرضوا عليها عقيدتهم الصحـراوية. فنجـد المشـرع الأكبر للـقوانين الـقرآنية كان ينقـاد لـنزوات وتقلبات تلك ـ الحميراء ـ أو الشقـراء الصغيرة، كما كان يناديها أو ينعتها تحببا وتوددا إليها، وينسب إليه قوله: « خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء » وفي روايات أخرى « الشقيراء »، كما سبق ذكـره . ولا أحد يدري حتى الآن كيف يسمح إله البدو الصحراوي أن يأخذ المتأسلمون نصف دينهم من امـرأة جعلها في مستوى الكلب من النجاسة، وخلقها ناقصة عقل ودين أو من فتاة طائشة، ولماذا؟. وهي من ناحيتها عـرفت كيف تستفيد مـن ذلك أفضل استفادة ممكنة، فكانت تتلاعب بعواطفه وتقسم بإله إبراهيم (إله اليهود) إذا كانت مستاءة أو غاضبة منه وتقسم بإله محمد (إله العـربان) إذا كانت راضية عنه*14*. وهكذا نرى الوحي الإلهي وقد انشغل إلى حد كبير بمشاكل عائشة وباقي زوجات النبي، وهي في جملتها مشاكل ناجمة عن الغـيرة والجنس وحب المال، الأمر الذي كان له تأثيرا لا يمكن تجاهله في التعاليم الإسلاموية، ووضع المرأة بين المتأسلمين.


❉-;- حـديـث الإفـك
إن النزوات العاطفية لعائشة، تلك الزوجة المراهقة التي وضعتها الظروف السياسية والاجتماعية في وضع لا تحسد عليه، يمكن أن يفهمها العقل البشري ويتقبل دوافعها، لأنها لا تخرج عن كونها رد فعل طبيعي لأية زوجة شابة وجميلة، فرضت عليها الأوضاع السياسية والاجتماعـية البـدوية أن تحيا مع كهل مولع بحب العظمة وإشباع رغباته الحسية. ولكن الشيء الذي لا يمكن لأي عقل أن يفهمه هو أن تكون نزوات هذه الزوجة مصدرا للتشريع بهدف الحد من حرية الـمـرأة وتقليص أهمية دورها في المجتمع، بل والنيل من كـرامتها وبخس حقوقها ككائن حي لا تقل قيمته بأي حال من الأحوال عن الرجل .

علينا هنا ألا نهتم بما يقوله علم النفس، وبما نتج عنه من عقاب المسيئين إلى صغار السن من الأطفال عقابا صارما في كافة الدول المتحضـرة، خاصة وأننا لسنا بإمكاننا محاكمة أحد، وأن نكتفي فقط بتصور حالة فتاة شابة تتدفق أنوثة وجمال وقد لازمتها تجربة جنسية ليس لها دخل فيها ولم ترغب في ممارستها، فعندما كانت طفلة لا تتجاوز السادسة من عمرها كانت تجد نفسها بين ذراعي رجل يكـبرها بأكثر من أربعين عاما لـ" يفاخذها "، أي يضع قضيبه بين فخذيها ويدلك به فرجها تدليكا خفيفا، على حد قول المصادر الإسلاموية المقدسة، ثم يعتليها وهي في التاسعة من عمرها، لتعيش معه في قفص ذهبي، مغلق تماما بمكيافيلية سياسية، ونهم جنسي منقطع النظير، من الطبيعي جدًا لهذه الزوجة أن تصبح لعوبا، فـتثـير الأقاويل حول سلوكها، وتلطخ سمعتها الألسن سـرا وجهـرا.

فعندما كانت عائشة في الـرابعة عشـر، تسببت في أول حادثة هـزت كيان الجماعة الإسلاموية في يثرب، إذ جـرت في العام السادس من الهجـرة (628م) غزوة بني المصطلق، وعادت قوات المتأسلمين ظافرة "غانمة" إلى يثرب في المساء، وفي صباح اليوم التالي، لم يصدق الناس أعينهم، عندما رأوا رجلا يقود بعـيرا عـليه أمـرأة مـلثمة، وسـرعان ما تبين لهم أنها عائشة على ظهـر جمل يقوده الشاب صفوان بن المعطل، الذي كان يتردد عـلى بيت النبي بانتظام ـ ولكن مع النبي ـ تبعا لأحاديث الرواة .

وكان من الطبيعي في موقف مثل هذا ـ قديما وحديثا ـ أن تذهب الأفكار كل مذهب وتنطلق الألسن في كل صوب، فكان مدعاة لمن وصفهم الاصطلاح الأسلامي بـ" المنافقين " أن يفصحوا عن آرائهم صـراحة قـائلين:
« والله مانجت منه وما نجا منها ».
« لـقـد فـجـر بها ورب الكعبة ».
« ما برئت منه وما برئ منها ».
وراح اليهودي عبد الله بن أبي بن سلول زعيم الخزرج المناوئين للنبي يُسَفِّـه المتأسلمين بقوله:
« إمرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها*15*»

كانت الفضيحة من العيار الثقيل فأصبحت حديثا دائما بين الناس، ينشغلون بها في جلساتهم في كل مكان وفي كل حين، تبعا لقول الزمخشري. أي أنها أصبت " فضيحة بجلاجل " حسب الـتعبـير الشائع.

وأخذت جميع الكتب الـتراثية تفاصيل الحدث على لسان عائشة نفسها، ولذلك لا يهمنا كثيرا تلك التفاصيل، خاصة وأنها لا تخلوا من الحشو الفارغ والتبريرات الواهية والتناقضات الواضحة. خلاصة القول التي تعكس الطبيعة البشرية بوجه عام في مثل هذه المواقف، هي أن محمد ارتاب فيها، لذلك سمح لها بأن تترك بيت الزوجية لـترتاح عند أبويها، فـذهبت غـير عـابئة بما سيحدث، ولم تسقط في لجة اليأس أو القنوط، ولم يساورها أدنى إحساس بالذنب. أما صلعم فقد وجد نفسه في وضع دقيق، ذلك أن القضية كانت تناله شخصيا، وتمس مباشرة الفكـرة الهشة أساسا، والتي يدافع عنها دفاعا مستميتا، فقد أعطـت لأعدائه اليثاربة سلاحا نفسيا خطيرا، فضلا عن أن عائشة أحب زوجاته إليه، وهي أبنة أبي بكر، صاحبه في أعلان الدعوة ونائبه المرشح لخلافته. لقد فجرت عائشة فضيحة من العيار الثقيل ووضعت النبي في مأزق سياسي يتطلب منه ممارسة أقصى درجات التأني والحكمة كي يجنب حركته الإسلاموية ضربة قوية قد تفكك أوصالها وتقضى عليها في مهدها.

وكما يحدث عادة من المشاهير وأصحاب السلطة والنفوذ عندما تنكشف إحدى فضائحهم، لزم صلعم بيته، بعيدا عن أعين الناس . وراح يدرس المشكلة كما تقول الروايات التراثية على مدى ثلاثين يوما، أو أكثر أو أقل، كان يأتي إليه خلالها كبار الصحابة فقط، لتداول الرأي معهم بهدف تطليقها أو الإمساك بها. ويتضح من تلك الروايات أن جميعهم إتخذوا موقفا سياسيا من المشكلة، فأكدوا إما على براءتها أو على ضرورة الإمساك بها حتى يبت الله في أمرها، بما فيهم عمر بن الخطاب رغم شخصيتة القاسية، ومواقفه الحادة من النساء بوجه عام، بينما علي بن أبي طالب الذي لم يكن يعرف فنون السياسة وألاعيبها، فكان يقول ويعمل ما يفكـر فيه ويؤمن به، كان هو الوحيد الذي أشار عليه بتطليقها والزواج بغيرها، وذلك « لمعرفته بسوابق أحوال عائشة من بريرة الجارية التي كانت تخدمها تبعا لما ذكرته الروايات التراثية » ، وقال لمحمد: « سل هذه الجارية عما لعائشة من الأحوال المريبة في حياتها البيتية، فإنها ستذكر لك ما يدل على أن وقوع الذي جاء في حديث الإفك منها غير مستبعد*16* »، بيد أن الجارية أنكرت التهمة أمام النبي بالرغم من أن عليا تحامل عليها وطالتها يده بالضرب كي تقول الصدق. بينما يكتفي أحـد أئـمـة الـمـلـفـقــين بالـقـول: « إن عـلـيا أشـار عليه بتطليقها وبأخذ غيرها ـ تلميحا لا تصريحا *17* ».

كان لابد أن يبت إله صلعم في أمرها، فتم استدعاء الوحي لتبرئتها، « فالمسألة من الخطورة بحيث أن أي حل لها يتطلب تدخل السماء*18* ». والسماء كانت دائما على استعداد للتدخل وحسم مثل هذه المسائل المصيرية. فقالت :
{إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم، لا تحسبوه شرا لكم، بل هو خير لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم، له عذاب عظيم} النور 11-14.
وذكرت الناس بضرورة الإتيان بأربعة شهود عيان لواقعة الزنى ومن لم يفعل ذلك يكون من الكاذبين :
{لولا جاءوا عليه [على حديث الإفك] بأربعة شهداء، فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك هم الكاذبون» النور 13.
ثم أدانت أصحاب الإفـك قائلة :
{إذ تلقُْونه بألسنتكم، وتقولون بأفواههم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هينا، وهو عند الله عظيم} النور 15.
وكانت عائشة تقرأ هذه الآية : {إذ تلقونه بألسنتكم من الولق*19*} [والـولـق هو الإسراع والاستمرار في الكذب*20*].

وتروي بعض المصادر التراثية أن محمدا أصدر أوامـره بمعاقبة من روجوا للحدث وفقا لمعيار ورد في نفس سورة النور في بداية الانتقال إلى يثرب، وهو الأمر التالي : {والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون} النور 4.

وكان على صلعم أن يعاقب كل من سمحت له الأوضاع السياسية بمعاقبته، مثل شاعره وكاتب وحيه حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش أخت زوجته زينب، وغـيرهما، ولكنه لم يتمكن مـن معاقبة اليهـودي عـبد الله بن أبي . ومع أن أغلب الملفقين من العملاء الذين يحتقرون العقل البشري برروا ذلك بأنه قد « أعد له في الآخرة عذابا عظيما، فلو حدَْ في الدنيا لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة، وتخفيفا عنه*21* »، إلاَّ أنه من الواضح والثابت أن محمدا لم يكن ليجرؤ على مس ابن أبي بأي شر، لقـوة نفوذه، وكان أي مساس به سوف يؤدي لا محالة إلى إشعال القتال العصبي بين الأطراف المختلفة في يثرب، وهذا ما أشار إليه ابن القيم مصحوبا بتبـريـرات واهية فقال : « إن النبي ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه مرارا بما يوجب قتله لمصلحة أعظم، وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام *22* ». إنها إذن سياسة المهادنة والمداهنة والتقية حتى تقوى الشوكة.

إن الدافع الذي قدمته عائشة وراء تأخـرها عن ركب الجيش الإسلاموي هو أن عقدا استعارته من أختها قد سقط من عنقها أثناء قضاء حاجتها، ولما اكتشفت ذلك عند وصولها إلى حيث الركب، رجعت لتبحث عنه في الظلام، وعندما رجعت كان الركب قد رحل، فبقت في مكانها حتى عثر عليها صفوان. إلى هنا والأمر يبدو وكأنه معقولا ويجب قبوله وتصديقه، ولكن دعونا نمعن النظر في الحدث بموضوعية وبقليل من العقل والحكمة، لنجد:

أولا: إن العقل والمنطق يقولان لنا أن شخصا في مثل هذا الموقف، ويعرف أنه في صحراء لا أمن ولا أمان فيها على الإطلاق، لابد أن يخطر أحدا ممن حوله بما حدث له، أو أن يصرخ أو يستغيث، ويفعل شيئا من شأنه تأمين نفسه على أقل تقدير، ولا يذهب وحده دون أن يرافقه أحد. ولماذا لم تطلب من أحد أن يتولى مهمة البحث عن العقد المفقود نيابة عنها؟ أليست هي أم المؤمنين وسيدة القـوم وزوجـة القـائد العام للقـوات الإسلاموية المسلحة؟؟!!.

ثانيا: في هذه الغـزوة بالذات حدث شيء له صلة وثيقة بعائشة وسلوكها. فبعد تحقيق نصر سهل على بني المصطلق، راح صلعم كعادته يوزع الغنائم والسبايا من النساء بين المتأسلمين، فكانت جويرة بنت الحارث بن ضرار زعيم بني المصطلق من نصيب أحد اليثاربة ويدعى ثابت بن قيس الشماس، أو في روايات أخرى لابن عم له، فكتبت جريرة على نفسها بأن تدفع لليثربي الذي صارت من نصـيبه ثمـن حـريتـها، فـرفـض اليـثربي لأنها حسـب وصف عـائشة « كانت امرأة حلوة ملاحة*23*، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه »، فذهبت إلى محمد تستعين به على ذلك . وكانت عائشة بلا شك تعرف مدى تأثير الجمال على بعلها ومدى شغفه بالنساء الجميلات، فلما رأت جـريرة تقف بالباب تريد النبي، قالت تصف انطباعها الأول عنها: « فكرهتها، وعرفت أنه [أي محمد] سيرى منها ما رأيت [أي جمالها] ».
نبي " عينه زائغـة " تماما مثل ورثته الأبرار.

وبالفعل عندما وقع نظره على موقع الجمال منها وعرَّفَتْهٌ جريرة بنفسها وطلبت منه المساعدة على كتابتها، إقترح عليها خيرا من ذلك، بأن يقضي عـنها الـتزاماتها ويتزوجها، فوافـقت السبية الأسـيرة . وقد سأل بعض العملاء : لماذا نظر النبي إليها، وتملى بحسنها؟ فـانطلق الملفقون الذين يستهينون بعقول ونفوس البشر، ولأنهم مع الله ورسوله دائما، ومن ثم يعرفون ماحدث بالضبط، يقولون : « لأنها كانت امرأة مملوكة، ولو كانت حرة ما ملأ عينه منها، لأنه لا يكره النظر إلى الأماء، وجائز أن يكون نظر إليها، لأنه نوى نكاحَها*24* »، فالمملوكة ليست إنسانة في اعتقادهم وأنه نوى نكاحَها!!. ونكحها محمد في نفس اليوم، وهو اليوم الذي حدثت فيه واقعة عائشة وصفوان، الأمر الذي فسـره الكثيرون على أنه كان انتقاما من محمد لزواجه في هذه الغزوة*25*. بطبيعة الحال لم ينتبه النبي لغياب زوجته الأثيرة لانشغاله مع جـريرة الملاحة التي دخلت للتو في زمرة أمهات المتأسلمين، واحتفالا بهذا الزواج النبوي "الكريم" أطلق المتأسلمون الأسرى الذين بحوزتهم من بني المصطلق، وقالت رويات أخرى إنهم أطلقوا سراح مئة أسير فقط .

ثالثا: تفيد الكتب التراثية المقدسة أيضا على لسان عائشة بأن ذلك العقد الميمون ضاع منها قبل ذلك في إحدى أسفار النبي، فقام الصعاليك بالبحث عنه مما تسبب في تأخر ركبهم عن مواصلة الرحيل، ونفذ ما معهم من ماء ولم يكن في المكان أي ماء يتوضأون به، فغضب والدها، وراح يطعـن بيده في خاصرتها، فشرع محمد لهم التيمم . مما جعل أسيد بن خضير يمتدحها بقوله : « جزاكِ الله خيرا! فـوالله ما نزل بكِ أمر قـط إلا جـعل الله لكِ مخرجا وجعل للمسلمين فيه بركة » . هكذا هو الأمر دائما ، إله تحت الطلب !!!.

رابعا: لم تقدم المـرويات الـتراثية تفسيرا مقنعا عن تخلف صفوان هـو الآخـر عن الـركب، مما وفـر له الفـرصة في العثور على عائشة متدثرة بردائها. فنرى البعض منها تقول إنه كان خلف العسكر ليلتقط ما يسقط من متاع المسلمين، ويأتي به إليهم، ولذلك تخلف، وتقول أخرى إنه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يـرحل الناس، وتذهب مـرويات ثالثة إلى الطعن في ذكوريته، دون أن توضح لنا أي منها كيف يمكن لفـرد واحد أن يلتقط ما يسقط من متاع المئات أو الألوف؟، وكيف يترك هؤلاء المئات أو الألوف خلفهم شخصا ثقيل النوم، كي يتعرض لهجـوم من وحـوش الصحـراء البشرية أو الحيوانية أثناء نومه الثقيل؟، ولماذا تحاول نفي صفة الذكـورة عنه، وذلك على لسان عائشة صاحبة الشأن، بأنه كان رجلا حصورا، فلا يأتي النساء*26*. وزاد بعض الملفقين بقولهم أنه لم يكن حصورا، أي محجما عن الزواج بمحض إرادته، بل كان عنينا*27*، أي عاجزا لا يقدر على الجماع . مع أن هذه الادعاءات تتعارض مع مـرويات أخرى تقول إن امـرأته اشتكـته ذات مـرة عند محمد بشأن مخالفة دينية، هي أنه كان يصـر على نكاحها وهي صائمة، أو بسبب ضربه إياها لامتناعها عـن جماعه، كما أن هناك أفادات تاريخية أخرى بأنه كان لديه إبنان . إذن الأمر برمته ليس إلا تلفيقا متواصلا واستهانة بعقول البشر منذ ذلك الوقت وحتى اليوم !!.

ثم حدث بعد ذلك أن بعث النبي بصفوان إلى القتال في غزوة تالية فقتل فيها.

يجب على أي إنسان قادر على استعمال عقلة ألا يستنكر على عائشة أن تفعل ذلك، لمجرد أنها زوجة صلعم وتحمل لقب أم المؤمنين ، أو أن ينفي التهمة عن صفوان لأي سبب كان، فالحادث بشـري بكل المقاييس، ويحدث كل لحظة حيث يتواجد البشر في أي زمان ومكان بمن فيهم أولئك البدو الحقـراء.

ولعلنا مازلنا نذكـر قصة الأمـيرة مشاعل بنت فهد "صاحبة السمو الملكي السعودي" التي اعدمت عام 1977 رجما، لأنها أحبت شابا وهي متزوجة من كهل عجوز، وقد تسببت في إثارة ضجة واسعة بعد عرض فيلم باسم "موت اميرة" في انجلترى يروي قـصتها، مما حمل السلطات السعودية على طرد السفير البريطاني لديها. كذلك ذكرت صحيفة الاندبندنت البريطانية في يوم 2009/7/21 أن بريطانيا منحت حق اللجوء إليها لاحدى الاميرات السعوديات بعد إنجابها طفلا غير شرعي من رجل بريطاني. وقالت الصحيفة البريطانية إنه قد سمح للأميرة المتزوجة بالإقامة في بريطانيا بعد أن قالت للقاضي الذي كان ينظر في طلبها إن علاقتها بالرجل البريطاني تعرضها لخطر إقامة الحد عليها بالموت رجما إذا ما عادت لوطنها، لأنها متزوجة من "كهل عجوز" ينتمي هو الآخـر للعائلة المالكة السعودية. وقد حظرت المحكمة نشر اسمها أو إسم زوجها.

هذه الحالات وغيرها لا بد وأن توضح وضع عائشة مع زوجها الذي يكبرها بأكثر من 45 عاما. وأنها لذلك كانت محـل غواية وإغـراء للكثيرين من الشباب . فتذكر المرويات التراثية المقدسة - مثلا - أن طلحة بن عبد الله هو الذي أنزلت في أمره {ما كان لكم أن تؤذوا رسـول الله ولا أن تنـكحـوا نسـاءه مـن بعده} الأحزاب 53، لأنه قال : « لئن مات محمد لأنكحـن عائشة ».

ويذكر الطبري في تفسير الآية أن رجلا كان يدخل على النبي قبل الحجاب، وقال : « لئن مات محمد لأنكحـن امرأة من نسائه ». كما يقول الطبري : « إن رجلا قال : لو قبض رسول الله نكحت عائشة »!، وعن ابن عباس قال : « إن رجلا من سادات قريش من العشرة الذين كانوا مع رسول الله على حـراء، قال ـ في نفسه ـ (هكذا ليس علنا) لو توفى رسول الله لنكحـت عائشة وهي بنت عمي، فقال مقاتل : هو طلحة بن عبد الله ». وتذكر كتب التراث أنه عندما نزلت آية الحجاب، نقل أحد الحاضرين عن طلحة قوله : « ما الذي يغنيه من حجابهن اليوم؟ فسيموت غدا، فننكحهن ». ولكن لم يُسْتَدَل من كتب الـتراث الإسلاموية عما أذا كان طلحة هذا قـد نفَّـذ رغـبته المعلـنة مـرارا في نكاحها، ونكحها بالفعل أم لا، مع أنهما كانا على علاقة حميمة دامت بينهما لأكثر من 24 عاما منذ موت صلعم وتولي علي بن أبي طالب الخلافة، فحاربت عليا في موقعة " الجمل " من أجل الإطاحـة به ووضـع طلحة في منصبه، إلا أنه قتل في تلك الموقعة.

إذن، وقبل أن ننتقل إلى أحوال أرملته بعد موته، لم يبقى أمامنا سوى التساؤل عن الكيفية التي يمكننا بها اعتبار هذا النبي المزعوم " أشرف خلق الله ".


❉-;- مـأسـاة "الأرمـلة اللـعـوب" عـائـشة
عندما توفى محمد، كانت عائشة في عنفوان شبابها، إذ قيل إنها كانت في الثامنة عشر، وقيل في العشرين من عمرها، وكانت شابة جميلة مدللة، لا تحركها إلا العاطفة، وحب التسلط، وجمع المال . فبعد وفاته بدأت تنجرف إلى ذكـر أدق علاقتها الخاصة به، الأمر الذي لم توضح الكتب التراثية سببا له، بالرغم من أن تلك الكتب زادت وأفاضت في الكلام عنها، وعن جمالها ونزواتها العاطفية والسياسية. فلقد تمكن الفقهاء من استدراجها للحديث عن علاقتها الجنسية مع النبي، في محاولاتهم التصدي لمشاكل البدو اليومية مع النساء، وساعدهم على ذلك استعدادها النفسي وميلها السلوكي الذي لا تحركه سوى العاطفة وحب التسلط وجمع المال . فقالت على سبيل المثال لا الحصر:
إن النبي كان يقبلها ويمص لسانها وهما صائمان .
وكان يداعبها قبل النكاح ويمص ثديها.
وكان يقبلها ثم يخرج للصلاة دون أن يتوضأ.
وكان يجامعها ولا ينزل فيغتسلان من وعاء واحد.
وأنه مع ذلك لم يرى عورتها ولم ترى عورته.
وأن الوحي أتاه وهي معه في لحاف واحد.
وأنه طلب منها أن تدنو منه ، فقالت : أنا حائض، فقال : وإن، اكشفي عن فخذيك، فكشفت فخذيها، فوضع خده وصدره على فخذها، فحنت عليه حتى دفأ ونام .
وكانت يأمرها ـ كما يأمر غيرها ـ وهي حائض أن تتزر [أي تغطي النصف الأسفل من جسدها] ثم يباشرها [ينكحها]، ثم يخـرج إليها رأس قضيبه، وهو قائم، لتغسله . وهذا كما هو واضح يتناقض تماما ما جاء في القرآن من أن المحيض أذى ويجب على المسلمين أن يعتزلوا النساء فيه ولا يقربوهن حتى يطَّهـرن (البقـرة 222).
كل هذا وتقول : ما رأيت فـرج رسول الله صلعم قـط!!!
وكان يتكئ في حجـرها وهي حائض، ثم يقـرأ القرآن .
وقالت إنه بعد نومه نوما عميقا كان يستيقظ ويؤدي الصلاة دو أن يجدد وضوءه . بينما يلتزم المتأسلمون علئ الأقل من غير البدو العربا, بتجديد وضوئهم بعد النوم حتى الآن، ويبرر الدجـَّال فعله هذا بقوله : « إن عيني تنام ولا ينام قلبي ». إلى آخره مما تحفل به المزابل التراثية المقدسة.

ومع أنه من الممكن أن تحدث مثل هذه الأشياء وغيرها بين البشـر، إلا أنه من الصعب تصور أنها تصدر من نبي، أو أن تُقبَل دواعي ذكرها على لسان أم المؤمنين بهذا الشكل الفج، وقد تكون حدثت جميعها بالفعل من نبي الأسلمة، وقد يكون قد حدث البعض منها والبعض الآخر من اختراع عائشة نفسها لتبرر بها سلوكها وسلوك الآخرين معها أو مع غيرها، خاصة وأن الجميع يعـرفون حق المعـرفة أن نبيهم قال صراحة : « خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء (عائشة) »، ولذلك لا يتردد الشيعة في نعتها بـ"الـعـاهـرة".

والشئ الأكـثر فجاجة وفجـورا وعهـرا هو قولها إن صلعم صرح لسهلة بنت سهيل بإرضاع شاب يدعى سالم، كان ابنا بالتبني لها ولزوجها أبي حزيفة بن عتبه، ويقيم معهما في بيت واحد، كي يحـرم عليها، فيذهب ما بوجه زوجها من غضب، وكان زوجها يدخل عليهما وهي ترتدي ثوبا مبتذلا ومعها سالم، فأرضعت سهلة سالم عشر رضعات وذهب ما بوجه زوجها. ولذلك كانت عائشة تأمر أخواتها وبنات أخواتها، وفي روايات أخـرى أختها أسماء بنت أبي بكر وبنات أخيها أن يرضعن من أحبت هي ـ أو أحب هو ـ أن يراها ويدخل عليها من الرجال . وهكذا نـرى أن النبي حـرم على الـرجال عـدم رؤية وجـه المـرأة الأجنبية أو مصافحتها أو لمسها، ولكنه أباح لهم مص ثدييها كي تحرم عليهم !!!»، وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد.

وعلى ذلك كان على من تحب عائشة ـ أو يحب هو ـ أن يدخل عليها في بيتها ويختلي بها، أن يتردد خمس مـرات على إحـدى أخواتها أو بنات أخـيها، لـترضعه خمس رضعات مشبعات [وقالت عائشة عشر رضعات ثم نسخت بخمس فقط] حتى يصبح ابن أخت لأم المؤمنين، فـتبيح له الدخول عـليها بعدما كان محـرما عـليه ذلك، وبطبيعة البشـر لا بد أن يرغب الرجال في هذا، فيتسابقون إليه وإلى حب الدخول عليها ومن ثم إطرائها وتعظيمها على الجميع بأن عندها نصف دينهم !!!.

ونسب العملاء الملفقون إلى عائشة قولها إن الآية القـرآنية التي تنص على رضاعة الكبار هذه كانت مكتوبة في ورقة وضعت تحت السرير، فدخلت دابة، أو ماعـز بالتحديد في روايات مختلفة، وأكلتها، أثناء انشغالهم بوفاة النبي، وبذلك أثبتت عائشة وعملاؤها الأبرار مـرة أخـرى أن الله لم يحفظ قرآن صلعم كما جاء على لسانه.

ولكي لا تكون عائشة وحدها في هذا المضمار المقدس، يذكر الإمام مالك بن أنس أن حفصة بنت عمر بن الخطاب وزوجة صلعم فعلت الشيء نفسه بعد موته. فقد أرسلت بعاصم بن عبد الله إلى أختها فاطمة لترضعه عشر رضعات ليدخل عليها، ففعلت، فكان يدخل عليها*28*. بينما امتنع زوجات صلعم الأخـريات عن هذا الأمـر لظنهن أنه كان مجرد رخصة خاصة من النبي لسهلة، أي أنه أمـر لم يثبت كفريضة، لكن أحمد بن حنبل يقول في مسنده : « إن عائشة كانت تراه عاما للمسلمين ... وإني أعتقد أنها أدرى الناس بالإفتـاء لأن محمد قال: خذوا نصف دينكم من هـذه الحميراء »*29*، ويعلق الـزرعي أبو عـبــد الله عـلى هـذا الأمـر بقـوله : « إن الظـن لا يعارض السنن الثابتة »*30*، ومنها رضاعة الكبير.

ولكن هنا يتبادر إلى الأذهان سؤالان، لم يستطع العملاء الملفقون الإجابة عليهما حتى الآن هما:
ما هو وضع الزوج نفسه إذا رضع ثدي زوجته، عشر أو خمس رضعات مشبعات؟، هل تحرم عليه لأنه أصبح بذلك ابنها بالرضاعة؟

ثم، وهذا هو الأهم، لماذا لم ترضع عائشة بثديَيْها أولئك الـرجال الذين يتوقون للانفـراد بها في بيتها، أليست هي " أم المؤمنين " وأحق من غيرها أن تفعله، أم أنها فعـلته ويخـفـيه عـنا العملاء الدجالون الملفـقون؟؟

وتأكيدا على إفادة الأرملة اللعوب، تقول : « إن النبي دخل عليها وعندها رجل " قاعـد " معها، [لم تذكر أسمه]، فاشتد ذلك عليه، ورأت الغضب في وجـهـه، فقالت له: يارسول الله إنه أخي في الـرضاعة، قال : « أنظرن أخـواتكن مـن الــرضاعة فإنما الـرضاعة مـن المجـاعـة »*31*.

وبذلك يثبت أن صلعم كان أكـرم الناس أجمعين. ويذكرنا بـ" جحا " عندما قالوا له : في بيتك دعارة يا جحا، فـقال : مادامـت بعـيـدة عـن "طيظي" ـ معذرة ـ خلاص!!!

ومع أن أولئك العـملاء الملفـقين يقدمون لنا ولغيرنا تبريرات مخـزية لتصـرفات شاذة، لا نجد له مثيلا في جميع الملل والأجناس، ولأن عائشة إحدى أهم الأثـيـرات من أمهات المؤمنين وأنها لا تكذب أبدا، كان من الضروري عليهم أن يمعنوا في الاستهانة بعقولنا كعادتهم لحماية مهنتهم، فمن المتفق عليه لغويا أن فعل " رضع " فعل خاص بالطـفل الذي يلـقم ثدي امـرأة ويرضع منه، وبالمقابل فإن فعل "أرضع" هو فعل خاص بالمرأة التي ُترْضِع طفلا من ثديها، هذا الفعل المحدد المعنى والغرض أصبح بقدرة أولئك العملاء على التلفيق والترقيع يعني " شـرب "، أي أن على المـرأة أن تحلب لبنا من ثديها في وعاء وتسقيه منه، هكذا تكون رضاعة الكبار التي شرعها النبي وأفادتنا بها عائشة أم المؤمنين، وفسره لنا العملاء الملفقين!!!. الذين لا يسيئون بذلك إلى أنفسهم فحسب ، الأمر الذي يمكن تجاهله، بل يسيئون أيضا إلى الإنسانية جمعاء . وإذا كان صلعمهم قد قال لهم : « خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء »، فإنهم قد أخذوا منها النصف الجنسي ، الذي يمارسونه في الخفاء ويودون ممارسته في العلن دون خلاف.

والخلاف بين العملاء يحتم علينا دائما أن نسمع منهم مرويات سيئة السبك والحبك، ويشع منها التلفيق والترقيع والكذب الفاضح والتبريرات الواهية، وتنضح بالفساد والإفساد، لأنها لا تصدر سوى من دجالين وأفاقين موتورين يروجون لبضاعة فاسدة ومفسِدة في كل مكان وزمان . وهنا لا يهمنا ما أذا كانت هذه المـرويات صادقة أم كاذبة، ولكن كل ما يهمنا هو أنها صدرت عن نفوس مريضة، وتعكس سلوكيات منحرفة، ومع ذلك أصبحت دستورا دينيا، علئ كافة المتأسلمين أن يقتدوا به دائما وأبدا.

هذا قليل من كثير عن نزوات عائشة العاطفية بعدما ترملت وهي مازالت شابة جميلة، ومن الواضح أن تلك النزوات كانت بهدف تنظيم وتشريع دخول الرجال إليها والاختلاء بها، خاصة أولئك الذين يسعون إلى نكاحها، أو الذين تشتهي منهم ذلك . كما أنها تؤدى إلى تبرير تصـرفاتها التي دخلت في طي الكتمان بتولي والدها ومن بعده عمر بن الخطاب رئاسة الدولة المحمدية، ثم ظهرت بعد ذلك لتعمل على تبرير تصرفات غيرها من الرجال والنساء الذين يتسافدون تسافد الحمير . أما نزواتها السياسية التي ظهرت على السطح في منتصف خلافة عثمان بن عفان الخليفة الثالث، سوف نتطرق إليها في موضع لاحق من هذا الكتاب .


❉-;- مـأسـاة صـفـية اليـهـودية
قدَّر أحمد بركات في كتابه " محمد واليهود نظرة جديدة " عدد اليهودية في يثرب بحوالي 40000 نسمة، استأصل العربان المتأسلمون شأفتهم بالقتل أو بالطـرد، ونهبوا أموالهم وسبوا نساءهم. وكانت خيـبر آخـر معقل لهم، فاجتاحها العـربان بعد سقوط حصنها، وقتلوا من فيها من الرجال اليهود ونهبوا ما بها من كنوز وأمتعة، وتبعا لروايات السيرة والأخبار فقد انكب المتأسلمون عقب دخولهم خــيبر على اغتصاب النساء علنا في الشوارع والأزقة، بما فيهن الحبالى، فـراح النبي " الرحمة " يناشدهم التوقف بقوله :
« لا يحل لامرء أن يسقي ماءه زرع غيره »*32*.

والمعنى هنا واضح تماما، فالحمل عبارة عـن زراعة ، غير المسموح فيها للمني من الرجل (الماء) أن يروي زرع الآخرين (الحمل)، بالرغم من أن نساؤهم حـرث لهم يأتوهن أينما وكيفما شاؤوا (الآية).

ووقعت صفية بنت حي بن أحطب أسيرة ضمن السبايا، بعد أن قتل النبي عشيرتها بني النضير، بمن فيهم زوجها كنانة بن أبي الحقيق سيد القوم وصاحب حصن خـيبر، وكان قـد قتل أباها وأخاها وعـمها في مذبحـة بني قـريظة، ويتـفـق الـرواة على أن صفية كانت أجمـل النساء في جـزيرة العربان، ولم يُرى بين النساء أضوأ منها. ويقول البعض أنها وقعت في سهم دحية الكلبي [من أصحاب النبي وكان يشبه تماما جبريل لمن ظهر لهم]، فاشتراها النبي منه بسبعة رؤوس، بينما يذكر البعض الآخر أن دحية هذا جاء إلى النبي وطلب منه أن يعطيه جارية من السبي، فقال له النبي: إذهب فخذ جارية، فأخذ صفية، ولكن سرعان ما جاء رجل آخـر إلى صلعم وقال له: يانبي الله أعطيت دحية الكلبي صفية بنت حي سيدة قريظة والنضير وهي لا تصلح إلا لك، قال النبي: أدعوه بها، فلما جاء بها نظر محمد إليها، وقال له خذ جارية من السبي غيرها، وتقول فئة ثالثة من الـرواة إن محمدا ألقى عليها رداءه، فكان ذلك إعلانا بأنه قد اصطفاها لنفسه، وكيلا تنصرف الأذهان إلى أن قتل زوجها كان بهدف الاستيلاء عليها، فقد زعموا أن النبي لم يعلم بجمالها إلا بعد قتل زوجها، وتتفق جميعها على أنه اصطفاها لنفسه، وبعث بها إلى أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك لتصنعها وتهيئها، أو تمشطها وتجملها، فظهرت عـروسا مجْلُوَّة، تأخذ العين بسحـرها، تبعا لقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ"*33*.

وجدت صفية نفسها، وهي لم تتجاوز السابعة عشرة من عمـرها، أسيرة مع نساء قومها لدي محمد وعصابته الإسلاموية، فاشتهاها النبي ولم ينتظر حتى تنقضي عِـدَّتُـها، فأراد نكاحها على بعد أميال قليلة من خيبر، فرفضت، ولكنه قبل أن يصل إلى يثرب، ودون أن يأبه لحزنها على قومها، عرَّس بها في الطريق، حيث أقيمت خيمة لهما، وظل النبي معها ثلاثة أيام يبني بها [ينكحها] تبعا لقول العملاء. وفي الليلة التي دخل بها النبي ظل أبو أيوب الأنصاري مستيقظا بطوف حول الخيمة، ولما خرج النبي في الصباح وسأله عن السبب، قال : لأنك لما دخـلت بهـذه المـرأة وذكرت أنك قتلت أباها وأخاها وزوجها وعامة عشيرتها، خفت لعمـر الله أن تغتالك*34*.

وكانت صفية اليهودية من الذكاء بحيث تمكنت من كسب ثقته فيها، قالت: « كان رسول الله من أبغض الناس إلي، قتل زوجي وأبي، فمازال يعتذر إلى ويقول: إن أباك ألب علي العـرب ... حتى ذهب ما بنفسي*35* ». ولما سألها عن السبب الذي جعلها ترفض اعتلاءه بها، قالت خفت عليك من اليهـود لـقـربهم منا. ويقـول الملفقون إنها بذلك صفت للنبي وزال ما بنفسها من بغض له، وكأنهم كانوا معه في مخدعه، ودخلوا إلى أعماق نفسها، ولم يكن لدي أي منهم قدرا من الشجاعة يسمح له بالقول إنها لم تجد مفرا من الإستسلام لمغتصبِها وإشباع غروره بسرد أحلامها به. وسعادتها بالزواج منه.

ويقول الدكتور القمني: « إن الرواة اختلفوا في أمر صفية، هل ظلت محظية ضمن جواري الرسول أم تزوجها لتصبح من أمهات المؤمنين، خاصة أنه بنى بها ولم تكتمل عدتها، ولكن تميل الأغلبية إلى أنه أعـتـقـها وتزوجـها*36* »، وأن عـتـقـها كان صـداقها.

وبصرف النظر عما إذا كان ما فعله محمد مع صفية اليهودية يتعارض بلا شك مع أبسط قواعد الأدب وحقوق الإنسان، فإنه يتعارض صـراحة مع قـول القـرآن :
{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مـؤمنة خـير من مشـركة ولـو أعـجـبتـكم} البقرة 221.
أو {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشـركة والـزانية لا ينكحها إلا زان أو مشـرك وحُرِّم ذلك على المؤمنين} النور 3.

ولتبرير ذلك يقول الـرواة إنه عندما تسامعت النساء بها، جئن ينظـرن إلى جمالها، ولمح النبي عائشة تفعل نفس الشيء وهي متنقبة وعلى حـذر، فتتبع خطواتها من بعـيد، وانتظـر حتى خرجت، وسألها ضاحكا: « كيف رأيت يا شقيراء؟ »، فأجفلت [إنفزعت]، وهاجت غـيرتها، ثم هـزت كتـفـها [علامة عدم المبالاة، والكلام دائما ليس من عندنا]، وقالـت : « رأيت يهـودية!! ».

وكالعادة يستخف العملاء بعقول البشر فيقولون أن محمد رد عليها قائلا: « لا تقولي ذلك، فإنها أسلمت وحسن إسلامها ». ولم يقل لها كيف حدث ذلك!!. وهنا لابد أن يتساءل المرء عما إذا كان أسلامها استقـر في وجدانها بالفعل وهي في هذه الحالة المأساوية أم أنه حدث مع جسدها بالنكاح النبوي "الشريف"، ولو أنها كانت متأسلمة حقيقة وذبح شخص ما ـ مهما كانت مكانته ـ كل من زوجها وأباها وأخاها وأهلها ذبح الخـراف، فهل كانت ستصفو له ويزول ما بنفسها من حقد، أم أنها لابد عندئذ أن تكـفُر بدينها وبوجودها وبكل البشـرية جمعاء؟ هل وضع أحدنا نفسه مكانها؟ وهل يدرك أحد منا مدى الكارثة التي حلت بها؟ ومدى الحقد الذي تملك ذاتها، وملأ وجدانها؟. إن أولئك العملاء يقعون دون علم في الميكيافيلية بأقذر معانيها عندما تصبح "الغاية تبرر الوسيلة"، مع أن ميكيافيلي كان أكثر رحمة منهم ومن نبيهم، ولم يكن يقصد بقوله هذا سوى الغايات النبيلة فقط، وليس إبادة قوم بأسرهم وسلب ممتلكاتهم وسبي نسائهم واصطفاء إحداهن لينكحها بعد ذلك ، ومع ذلك "أسلمت وحسن إسلامها"، وصفت نفسها مما فيها من حقد وأسى .

بطبيعة الحال التي لا يجهلها العملاء، لم تستطع صفية أن تندمج في تلك المنظومة الشاذة، فتقول بنت الشاطئ « إن النبي كان يحس غـربة صفية في داره بين أزواجه، فيتأهب للدفاع عنها كلما أتيحت له الفـرصة *37*». وكيف لها أن تندمج في تلك المنظومة الوحشية وقد أصابها منها ما أصابها. وكيف تصفو للنبي ومن معه ويزول ما بنفسها من بغض له ولهم وقد أبادوا أهلها عن بكرة أبيهم؟

لم تكد تمر بضعة أيام على اعتلاء النبي بصفية حتى تحدث مـحـاولة لاغـتياله بالسـم. فقد دخل عليها ومعه ضيوف بينهم بشـر بن معـرور، فقدمت لهم شاة مصلية [مشوية]، فتناول النبي الكتف وانتهش منها، وتناول بشـر عضما وانتهش منه، وما يكاد النبي يلوك نهشته من لحم الكتف حتى لفظه بسرعة وصاح بضيوفه أن يرفعوا أيديهم لأن كتف الشاة أخبرته أنه مسموم، ولم يقم بشر من مكانه، ومات من نهشته. أما صلعم فقد شعر بآثار السم الهاري تسري في بدنه، وراح يداويه مولى بني بياضة، ولكنه ظل ثلاث سنوات يعاني من أثر السم حتى كان وجعه الذي مات فيه. ولم تفيدنا الكتب التراثية بالسبب الذي جعل الوحي الإلهي يغيب عن النبي في تلك الأوقات العصيبة ولم يخبره قبل أن ينهش من اللحم المسموم، بدلا من أن تخبره كتف الشاة. ويظل يعاني من مفعول السم بقية حياته.
وفي أثناء مرضه الذي مات فيه جاءته أخت بشر لزيارته، فقال لها: هذا أوان انقطاع أبهري [الشريان المتعلق بالقلب] من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر*38*.

وتفيد بعض الكتب التراثية بأن قريبة يهودية لصفية إسمها زينب بنت الحارث هي التي أهدتها تلك الشاة المسمومة، لتقدمها للنبي، وتفيد أخـرى بأن الوليمة كانت في بين زينب نفسها، وتذهب البعض منها إلى أن النبي استدعى زينب هذه، فاعترفت بأنها سمت الشاه متعمدة، ولما سألها عما حملها على ذلك، قالت في تملق ذكي: « بلغتَ من قومي ما لا يخفى عليك،[إشارة إلى أنه قضى عليهم جميعا]، فقلت: إن كان نبيا فسيُخبَر، وإن كان ملكا استرحت منه »، فقيل إنه عفا عنها، [من المرجح لأنها اعترفت ضمنيا بنبوته عندما أخبرته كتف الشاه بالسم الهاري] وقيل إنه قتلها وصلبها، بينما تفيد البعض الآخرى بأنه سأل صفية لماذا فعلت ذلك؟ فقالت: « لقد قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي، ونلت من قومي ما نلت*39* » ويقول القاضي عياض: « واختلفت الآثار والعلماء، هل قتلها النبي أم لا ».

ومن القصص المضحكة المبكية في أحـداث خيبر قصة ذلك الـراعي الأسـود الذي أسلم ودخل المعـركة فـور إسلامه، فقتل بحجر، وجاء الرسول ووقـف أمام الشهـيد الذي أسلـم مـنذ لحظات، « ثم أعـرض عنه، فسأله الحضور: لماذا أعـرضت عنه؟ فقال: إن معه الآن زوجتيه من الحور العين ». كلام لا ينطلي إلا على البلهاء والمـرتزقة الصعاليك.

❉-;- مـأسـاة مـارية القـبـطـية
سبقت الإشارة إلى أن أغلبية كتب التراث والسيرة تثير قدرا كبيرا من الشكوك القوية حول مقدرة محمد على الإنجاب، وأن ما تنسبه البعض منها إليه وإلى زوجته الأولى خديجة من البنين أو البنات، مجرد هراء لا أساس له من الصحة، وأنهم كانوا من زوجيها السابقين عليه، فأصبحوا أبناءً له بحكم زواجه من أمهم.

ونظرا إلى أن المقوقس البزنطي صاحب الإسكندرية لم يكن يهمه مصر والمصريين ويريد أن يتقي شر العربان الجياع، ويعرف تمام المعرفة أن لدي نبيهم شبق شديد للنساء، فقد أرسل إليه في السنة السابعة للهجرة جاريتين قبطيتين، هما مارية وأختها سيرين وألف مثقال ذهب ... وأرسل برفقتهما شخص يقال إنه ابن عمهما، إسمه "مابور"، وذلك للعمل على خدمتهما. وكانت مارية جميلة جعدة بيضاء، وتذكر المـرويات التراثية أن صلعم أعجب بها وضرب عليها الحجاب كزوجاته، ولكنه وطأها بملك اليمين، أي أنه لم يتخذها زوجـة، وظلت من جـواريه اللاتي يزني بهن دون أن تبدي تلك المـرويات سببا لذلك، مع أنها أشادت بجمالها، وبحسن إسلامها. وأن عائشة حسب قولها، ما غارت من امرأة إلا دون ما غارت من مارية، لأن النبي كان عامة النهار والليل عندها حتى عني أو عناها*40* [أي حتى أصبح إما غير قادر على ممارسة الجنس أو أن مارية كرهت ممارسته]، وتذهب الدكتورة بنت الشاطئ إلى أن صلعم لم يعـتـقها من العبودية ويتزوجها إلا بعد أن أنجـبت إبراهـيم.

بينما تقول أم المؤمنين: « لما وُلِـد إبراهيم جاء به رسول الله صلعم إلي، فقال: أنظـري إلى شبهه بي، فقلت: ما أرى شـبها ».

وكان مابور القبطي بحكم واجبه يأتي إلى بيت مارية بالماء والحطب، فأشـاعـت عائشة أنه ينكحها، ولما عـلم النبي بذلك، أرسل على الفور عليا بن أبي طالب ليقتله [تقول بعض الروايات الأخرى إنه كان عمر بن الخطاب]. ولما وصل علي إليه وجـده فوق نخلة يؤبرها، فنظـر إلى عـورته من أسفل، وقالت بعض المرويات التراثية إنه كان يستحم عاريا في بركة، وعندما ناداه علي خرج من الماء مفزوعا خائفا، فلم يتمكن من سـتر عورته، وفي كلتا الروايتين وجـده علي مجبوبا [أي مخصيا]، وقيل في بعض المـرويات إنه كان مقطوع الجهاز التناسلي بكامله، فلم يقتله، وأخـبر النبي بما رأي فقال النبي: « أصبت، إن الشاهد يرى مالا يرى الغـائب ». وهكذا نجا مابور من القتل المحقَّق، وحظي إبراهيم بأبوة صلعم. ولكنه لم يتمتع بها طويلا إذ مـات بـعـد سنتين من ولادته، ولـو عـاش لكان صـديقا نبيـا، على حـد قول محمد!!

لابد لأي شخص يتمكن من استعمال عقله أن ينظـر إلى تلك الشائعة على أنها أمر طبيعي جدا، فهي نابعة عن معرفة حقيقية لدي عائشة وغيرها بأن صلعم عقيم لا ينجب. وأن مارية كامـرأة شابة وجميلة لابد وأن تنشد المتعة كـغـيرها من الـبشـر. وما دام سيدها يتسـرى بها وبغـيرها، فلا مانع لديها من أن تتسرى هي الأخـرى بغيره. ومن المستحسن لأي شخص ألاَّ يسأل عن السبب الذي حمل محمد على الأمـر بقتل مابور القبطي فـور عـلـمه بالإشاعة دون التحقق منها، لأنه سوف يجد روايات تبريرية متناقضة ولا تحترم العقل البشري، فتزيد إصابته باالاشمـئزاز والـغثيان.

وفي كل الأحوال فقد ضن جبريل بالوحي، ولم يتم استدعاؤه لتبرئة ماريا وإنقاذ مابور من القتل المحقق، لأنهما من غير أبناء البدو الوجهاء أو الصحابة المقـربين، فأخذ علي بن أبي طالب «كرم الله وجهه ورضي عنه ورضاه» على عاتقه هذه المهمة الإنسانية، واستحق لذلك الإشادة والتمجيد والتقديس من شيعته. بينما ينضم موقفه من تلك الحادثة إلى مواقف أخـرى تضمـرها عائشة له، حتى يتاح لها الانتقام منه.

وبالمناسبة يبرر العملاء الملفقون موت أبناء النبي الذكور، مستهينين كعادتهم بعقول البشر، بقولهم إنها حكمة من الله، لأن ابن النبي لابد وأن يكون نبيا ولو عاش ولد من أبناء الحبيب (صلعم) لكان نبيا بعده، ولو كان نبيا بعده ما كان هو (صلعم) خاتم الأنبياء والمـرسلين. هذا بجانب حكمة أخرى من الله هي البلاء الذي ابتلاه به بموت أبوه قبل أن يـراه وموت أمه وهو صغير وموت عمه الذي كان يحميه ثم موت زوجته الحنون*41*. وكأنهم كانوا يجب أن يعيشوا مدى الدهر لأنهم أهل سيد الخلق أجمعين، الذي ابتلينا به أجمعين. ولماذا هذا الإله الصحراوي يرزقة بالأولاد من الأساس، ثم يأخذهم منه كيلا يرثوا نبوته، فلا يكون خاتم الأنبياء والمرسلين؟؟، أليس في ذلك هـراء ما بعـده هـراء؟؟!!

من الطبيعي ألا يقولوا لنا أولئك الأسياد الجهلة لماذا يصبح أبناء النبي أنبياء من بعده، هل النبوة وراثة، كما هو الحال في ملك آل سعود وغـيـرهم من الحكام الذين ابتليت بهم المنطقة برمتها؟.

وحدث أن ضبطته زوجته حفصة بنت عـمر بن الخطاب وهو يزني بمارية في بيتها وفي يومها وفي فراشها، فعاهدها بأنه لن يقرب مارية بعد الآن، وطلب منها ألا تخبر أحدا ولا تفضحه، فاستحلفته، فقال: والله لا أمسها أبدا...، إلا أن حفصة ما لبثت أن أخبرت عائشة بما حدث، وعاد محمد إلى مضاجعة مارية من جديد بناء على لوم وتصريح من ربه:
{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك [السرايا] تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم، قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [أي التحلل من القسم]}التحريم 1ـ2.

أما بخصوص موقف حفصة وعائشة من هذ الحادث، فقد جاء القرآن يقول:
{وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه [حفصة] حديثا فلما نبأت به [عائشة] وأظهره الله عليه... فلما نبأها به قالت [حفصة] من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير، إن تتوبا [حفصية وعائشة] إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهـير} التحريم 3-4.

ومن المعـروف من المرويات التراثية المقدسة أن حفصة بنت عمر بن الخطاب طلبت أكثر من مرة الطلاق من النبي، ولم يتم ذلك لأسباب سياسية خالصة، وأنها طلبته في هذه المرة، مما أغضب النبي، فامتنع عن الدخول عليها وعلى شريكتها عائشة، ليجئ الوحي موافقا لقول عمر ليهددهما بقوله {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خـيرا منكن مسلمات مؤـمنات قانتات تائبات عـابدات سـائحات ثيبات وأبكارا} التحريم 5.

❉-;- مـلـهاة زيـنب بنـت جـحـش
أما قصة النبي مع ابنة عمته زينب بنت جحش من القصص البشرية العادية، ولكنها إله البدو الصحـراوي إنشغل بل والتهى بها إلى حـد كبير، مما جعلها تؤثر على التعليمات الدينية، وتسببت في إلغاء التبني في الإسلام، مع أن التبني من السلوكيات الإنسانية المجيدة بين الناس. وكذلك فـرض الحجاب على زوجاته، الأمر الذي أتُّخِذ ذريعة لتحجب الصحراويات وأمثالهن خلف أكياس سوداء.

فزينب هذه كانت جميلة وتعتقد أنها بنت حسب ونسب، ولذلك رفضت الـزواج من «أحد العبيد» هو زيد بن حارثة، ولكن النبي أرغمهما على الزواج بناء على الوحي القرآني: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} الأحزاب 36. (هنا يجب أن يلاحظ المرء أن قضاء الله الذي لا يمكن التأكد منه مصحوبا دائما بقضاء رسوله الذي يتفق مع أهوائه، وهذه هي الشماعة الدائمة التي يستعملها العملاء الدجالين في خداعهم وسلوكهم). وكيلا تضل زينب ضلالا مبينا، قبلت الزواج من زيد، ولكنها كانت تتعالى عليه لأنه كان عـبدا من عـبيد خديجة، فأهـدته إلى محمد، ولم يغفـر له عندها أن النبي أعتقه وتبناه فأصبح يعـرف بزيد بن محمد. فكانت تنغـص عليه حياته باستمرار.

ويذهب بعض الملفقين إلى أنها كانت تود الزواج من محمد قبل إرغامها على الزواج من زيد، وقد يكون هذا صحيحا لطبيعته، ولكن لماذا لم تعرض نفسها عليه كما فعلت الكثيرات غيرها، ولماذا قبلت الزواج من غيره بالرغم ذلك؟. يدعي الملفقون أن ذلك تم لغرض التشريع الإلهي، مما يؤكـد أن الإله البدوي الصحراوي يحتاج أولا إلى تجارب من هذا النوع لكي يشرع بينهم بأساليب لا يخفى تلفيقها على أحد ممن يقدرون على استعمال عقولهم.

بعد أن تم الزواج الإلهي، طلب زيد من صلعم أكثر من مرة أن يطلقها، لغـرورها وتعاليها عليه، فكان صلعم يطلب منه في كل مـرة أن يمسكها عليه، أي يبقي عليها، دون أن يتحدث معها أو يلومها على موقفها المـترفع من زوجها. لا بد أن محمدا في ذلك الوقت كان يفكـر في كيفية تبريره لطلاقها من زوجها، والزواج منها. أما زينت فقد عجلت بهذا الطلاق عندما تركت محمد يدخل عليها وهي عارية أو شبه عارية، فكان من الطبيعي أن تتحرك غـرائزه الشهوانية تجاهها، فيذهب من أمامها مرددا « سبحان مصرف القلوب » أو « مغـيرها » في روايات أخرى، بمعنى أن ربه قد صرف أو غير قلبه نحوها، ولذلك يجيء الوحي القرآني مؤيدا لطلاقها وتزويجها له: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه [المولى زيد] إمسك عليك زوجك [زينب] واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه [الحب لها] وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا [قضى حاجته منها] زوجناكما لكي لا تكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا*42*} الأحزاب 50. لذلك كانت زينب هذه تفتخر على زوجاته الأخريات بقولها: زوَّجَكُن أهاليكن، وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع سنوات.
ومن المفارقات العجيبة التي يلاحظها المـرء هنا، أن يُذْكـَر إسم زيد هذا في قرآن محمد، بينما لم يذكـر فيه قط إسم أي من صحابته المبشرين بجنته، بمن فيهم أبي بكـر صديقه مدى الحياة وحَمَاه، بالـرغم من أن الروايات الإسلاموية تدعي أنه رافقه في رحلة "الهجـرة" إلى يثرب، وعـرَّض حياته للخطـر من أجله.

نعـود إلى زواجه من زينب
عندما انتصب العـرس وانتشرت الوليمة وراح البدو الأجلاف المدعوون يلتهمون الطعام، وأخذهم الحديث والسـمر، فطالت الجلسة بهم، ولم ينتبهوا إلى أن نبيهم على أحـر من الجمر للاختلاء بعروسه الجديدة، مما جعله يحاول الانشغال عنهم ويخـرج ويدخل وهم مازالوا على حالهم، فكان لا بد أن يستدعى الوحي من السماء السابعة كي يفـرقهم وينقذه منهم، بقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه} ويبدو أن البعض منهم كانوا يطلبون من العـروس شيئا يمتعون به أنفسهم، اذ استطرد الوحي قائلا: {ولكن إذا دُعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلك يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن} الأحزاب 53، ولم تفصح لنا المرويات التراثية عن نوع ذلك المتاع الذي كان العـربان المتأسلمون يطلبونه من زوجات نبيهم الشابات الجميلات، والذي يدل على تلوث نفوسهم ونفوسهن*43*.

كان لابد أن يلوم البدو العربان نبيهم على تطليق زوجة ابنه من التبني لــيتزوجها، وهو أمـر كان مـرفوضا تماما بينهم، ولكن قريحتة تفتقت عن وحي أنقذه من الورطة فجاء يقول: {... وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} الأحزاب 4 و5. وبذلك سقطت عن زيد أبوة محمد له فحمل إسم أمه وأصبح يلقب بابن حارثة. وبذلك أيضا ألغيت حسنة من حسنات البشر في كل زمان ومكان، وهي التبني.

وهكذا نرى أن إله البدو الصحـراوي كان جاهزا دائما لتبرير مالا يمكن لنبيه تبريره أمام العـربان، وعلى أولئك العربان أن يقفلوا أفواهم طالما السيف الإسلاموي مسلط على رقابهم، أو لأن الأمـر لا يعنيهم بقليل أو كثير أو لأنهم سوف يستفيدون منه، كما استفاد ـ ومازال يستفيد ـ منه العملاء والدجالون دائما وأبدا. بطبيعة البـشـر الفطـرية كان بودنا أن يكون لنا إله غير هذا، كي يكون لنا ولغيرنا وللبشرية جمعاء أسوة حسنة في نبيه، وأن تمتد تلك الأسوة الحسنة على كل من تعامل معه ومن تعامل معنا من بعده. لقد كانت ولا زالت الأسوة الوحيدة التي أخذوها عنه هي انفصام الشخصية، والتعامل مع الآخـرين بوجهين، واستعمال العنف لفرض الأكاذيب والدجل.

والتساؤلات الأزلية الكبيرة الي لا يستطيع العملاء الإجابة عليها صراحة، هي :
❉-;- ما هو الهدف الحقيقي من ذكر كل هذه الأحداث المشينة وغيرها؟
❉-;- وهل هي تكون منظومة تاريخية أو دينية حقيقية تمكن المتأسلمين من الاستفادة منها في تنظيم وتعديل حياتهم أو إشباع نهم المقهورين منهم إلى الراحة النفسية في حياتهم؟
❉-;- ولماذا تبارى عملاء "السلف الصالح" إلى حد الهوس في ذكرها، حتى وإن كانت قد حدثت بالفعل؟
❉-;- وهل باستطاعة العملاء الجدد التأسي بها علنا، أم يمارسونها خفية، ويحاولون تبريهها بتبريرات واهية ولا تنطلي على أي إنسان يمكنه أن يستعمل ذرة من عقله؟

محاولة الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها سوف نجدها في الفصل العاشر من هذا الكتاب.

الهوامش:
*1* البهوتي: كشاف القناع، 23/5.
*2* إستبضع الشيء : جعله بضاعة والمخادنة: الصداقة أو المرافقة والشغار: أن يزوِّج أحدهما صاحبه بامرأة على أن يزوِّجه أخـرى بغـير مهـر والـرهط: زواج الـرجل بعـدد من الأولاد الصبية.
*3* يقـول الـوهابيون أنه النكاح «الميسَّر»، بينما يقول غيرهم إنه النكاح «على الماشي» من السير.
*4* Boy & Girl Friend.
*5* فتوى على لسان كبير الدجالـين الوهابيين عبد العزيز بن باز في باب (واسألوا أهل الذكر)، المجلة العربية، الرياض، عدد 232، جمادى الأولى 1417هـ. وأقرها مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره المنعقد في مكة في 12 إبريل 2006.
*6* صحيح البخاري .. كتاب النكاح .. باب نهي رسول الله صلعم عن نكاح المتعة، تجده في
http://hadith.al-islam.com/Display/D...Doc=0&Rec=7625
*7* أحـد الأقذار ممن يسمون أنفسهم بـ«الدعاة الجدد» لم يجد حـرجا من التأسي بنبيه، فأعـد فـيديو يحمل هذا اللفظ النبوي القذر، وقام بنشره على مواقع الإنترنت.
*8* د. منصور فهمي: أحوال المرأة في الإسلام، ترجمة هاشم صالح، منشورات الجمل، ط1، كولونيا-ألمانيا 1997.
*9*د. سلوى بالحاج صالح - العايب: دثيرين...ياخديجة، ص107، مصدر سابق.
*10* محمد بن سعد: الطبقات الكبرى، باب سودة، دار صادر وأيضا تاريخ الطبري، ذكر الخبر عن أزواج النبي صلعم، ج3.
*11* أنظر على سبيل المثال: كتاب الوشاح في فوائد النكاح وكتاب نواضـر الإيك في معـرفة النِيك للإمام جلال الين السيوطي، تحقيق وتعليق طلعت حسن عبد القوي، دار الكتاب العربي، دمشق، بدون تواريخ.
*12* لمـزيد من التفاصيل أنظـر: الحُجَّـة في بيان المحجـة لأبي القاسم الأصبهاني ج1، ص 488. وكـنز العمال للمتقي الهندي ج13، ص 274.
*13* سيرة بن هشام: طبعة جوتنجن-ألمانيا 1860، ص153.
*14* ابن سعد الطبقات، ج8، ص58، مصدر سابق
*15* السيرة الحلبية: ج2، ص 607.
*16* الرصافي، مصدر سابق، ص474.
*17* أبو عبد الله بن القيم الجوزي: زاد المعاد في هدي خير العباد، ج1، ص113، ط3، المطبعة المصرية 1973.
*18* مالك مسلماني: حديث الإفك http://www.muhammadanism.org
*19* السهيلي: ج1، ص49.
*20* المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ج2، ط3، ص1099.
*21* القـرطبي: مصدر سابق
*22* الجـوزي: زاد المعاد في هدي خير العباد، مصدر سابق
*23* الملاحة أبلغ من المليحة على لسان العرب.
*24* السهيلي: مصدر سابق، ص27.
*25* أنظر يوسف درة الحداد: أطوار الدعوة القرآنية، ص 843، هامش رقم2.
*26* ابن هشام: ج2، ص 306. والطبري: ج2، ص 115.
*27* السيرة الحلبية: ج2، ص 617.
*28* مُـوَطَّـأ الإمام مالك، ج 2، ص 603.
*29* مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج6، ص 269.
*30* زاد المعاد في هدي خير العباد للزرعي أبو عبد الله، ج5، ص 582. مصدر سابق
*31* صحيح البخاري: ج3، ص150، كتاب الشهادات، وصحيح مسلم: ج4، ص 170. باب إنما الرضاعة من المجاعة.
*32* ابن سيد الناس: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، ج1، ص173. دار الآفاق الجديدة، بيروت بدون تاريخ. وانظر أيضا ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، مصدر سابق، ج4، ص41.
*33*د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ): نساء النبي، ، ص107، مصدر سابق.
*34* أبو بكر البهيقي: دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، توثيق د. عبد المعطي قلعجي، ط1، ج4، ص 230، دار الريان للتراث، القاهرة 1988.
*35* ابن كثير: البداية والنهاية، ج4، ص201، مصدر سابق.
*36* د .سيد القمني: الأعمال (2)، الإسلاميات، ط1، ص453، مصدر سابق.
*37* مصدر سابق
*38* صحيح البخاري، باب مرض محمد ووفاته.
*39* ابن سعد: الطبقات الكبرى، باب ما سم به محمد.
*40* الدكتورة بنت الشاطئ في كتابها نساء النبي «مصدر سابق» وضعت بدلا من الكلمتين نقاطا، ربما لخجلها، ضاربة عرض الحائط بأمانة النقل ممن أخذت منهم تلك الأقوال عن عائشة.
*41* لمن يستعذب الاشمئزاز الرجوع إلى الشرح المفصل لهذه التفاهات وغيرها على صفحة «قلوب» السعودية: http: http://www.kloob.com/index.php?get=wafat
*42* وهكذا ينظر العربان إلى المرأة نظرة دونية حقيرة، إذ هي لمجرد قضاء الحاجة.
*43* كان ومازال «النكاح» هو المتعة النسائية الوحيدة في عـرف العربان.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 08-08-2014, 03:33 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 37,570
افتراضي الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 7 ياسين المصري الحوار المتمدن-الع


الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 7


الـدين الجـديد

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب من محمد النبي رسول الله إلى العتقاء إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فعبْدهُم حـر ومولاهم محمد. ومن كان منهم من قبيلة لم يرد إليها، ومن كان منهم من دم أصابوه أو مال أخذوه فهو لهم، وما كان لهم من دين في الناس رد إليهم ولا ظلم عليهم ولا عدوان وأن لهم على ذلك ذمة الله وذمة محمد والسلام عليكم.
رسالة صلعم إلى صعاليك جبل تهامة

ـ الجـمـاعة
ـ الصـعلـكة
ـ التقـية والصـعلـكة
ـ الإرهاب والقـتل
ـ الحـروب النـبوية

يقول خزعـل الماجد إن « التوحيد لم يبدأ يالإسلام، ولكنه انتهى بالإسلام*1* »، وهذه حقيقة، فالإسلام ليس ديانة توحيدية، بل وثنـية بامـتياز، فالثابت أن الإسلام خــرج من رحـم اليهودية، ثم اعتمد ـ ومازال يعتمد ـ على العبادات الوثنية التي كانت سائدة بين القرشيين في مكة التجارية قبل ظهـوره، وذلك بتقديس الكعبة والحجر الأسود ورمي الجـمرات وتقديم الأضاحي، وتقديس الأشخاص بداية من صلعم وأصحابة ونهاية بالمشايخ والأئمة والـوعـاظ وأولياء الله «الصالحين» وأولي الأمـر والدجالين وقطاع الطـرق وكل المنتفعين من وراء الدين. بل وتقديس البدو العربان أنفسهم بصفتهم « خير أمة أخرجت للناس »، وتقديس لغتهم أيضا بصفتها « لغة أهل الجنة الوحيدة ». وأصبح الإسلام ونبيه وسدنته هم الوثن الأكبر بين الأوثان جميعها، والرائد الأعظم من بين الديانات الأخرى في تشريع القتل والذبح والتعذيب والاضطهاد في كل مكان وزمان.

يقول "جورج سيل" في صدر ترجمته للقرآن في أوائل القرن الثامن عشر: « أخبرنا المؤرخون أن المدن الشهيرة المميَّزة على جميع المدن الأخرى في التجارة والآداب تنازعت فيما بينها، أيها كان لها شرف أن تكون مسقط رأس هوميروس ... وإن مثل هذا النزاع ليستحق الثناء ، لأنه يدل على رقي فكر رجال ذلك العصر، ولكن لما فحصت عن شخصية محمد فحصا دقيقا ألفيت الصورة فظيعة معيبة، حتى أنه من الغريب أن مكان منبته (يعني مكة) لم تسدل عليه سدول النسيان، إن أي قطر ليخجل من إنجاب مثل هذا المجرم، ومع ذلك فقد كان توقير العرب لهذا المخاتل الكبير عميقا، حتى إنهم لم يدعوا المكان الذي تنفس فيه أول ما تنفس يكتنفه ريبة أو غموض ».

ويتساءل سيل قائلا : « كيف استطاع مثل هذا المجرم، مثل هذا المخاتل الكبير، أن يخلق ديانة يدين بها اليوم ثلاثمائة مليون مؤمن، وبدلا من أن تأخذ في الزوال كما حدث لكثير من ديانات العالم، فإنها اليوم أقوى مما كانت، ويزداد معتقدوها يوما بعد يوم؟!. ».

وهذا التساؤل مازال قائما حتى اليوم، وهو تساؤل وجيه وله ما يبرره.

وفي محاولتنا للإجابة عليه، نجد أن هذا الدين اعتمد منذ بدايته على الركائـز السياسية التالية:

الصـعلكة

يقول علم النفس الجماعي أنه في البداية تتواجد الفكرة التي تكـوِّن الجماعة، وتبلور أهدافها، وتعطيها الإحساس بالذات الجماعية، ومن ثم تشكل الوعي والإحساس لدي أعضائها بأنهم الصفوة أو النخبة الممتازة، والتأكيد على الإنتماء إليها من خلال الترابط العاطفي، وتبادل الأدوار والعلاقات والمنافع بينهم، لذلك لابد من أن يلتزم العضو بتفويض أو تسليم الأنا ـ الفردي لديه للأنا ـ الجماعي، لأن هذا التفويض يشكل الأساس الجوهري لبقاء الجماعة متماسكة. وبذلك يتخلى عن جزء كبير من ذاته إذ لم يكن جميعها؛ مما يقلل من مستوى ذكائه ومن ثم مقدرته على الفكر السليم، إذ من الثابت علميا أن متوسط ذكاء الفـرد يقل إلى حـد كبير، بل وقد ينعدم داخـل الجماعة.

ولا بد أن تتأسس الجماعة على علاقة ثنائية الطرف بين الراعي والرعية، والكلمتان كما هو واضح تدلان على أصلهما البدوي الخاص. ومن هنا يرى المتأسلمون أن أعضاء الجماعة مثل الأغنام إذا لم يكن لها راع يحافظ عليها تهـلك. وفي مقابل تعالي الراعي يجب على الرعية أن تطيع وتخضع لما يفـرضه عليها بصفته ولي الأمـر والنهي، وذلك بشرط خادع وغير محدد هو: « ما دام يطيع الله ويطيع الرسول »، ولذلك فإن كل إخلال بطاعة الراعي ليست في الحقيقة، إلا إخلالا بطاعة الله ورسوله، ومن هنا تنبثق مقولة العقاب باعتبارها إحدى تقنيات السلطة الـرعوية الأكثر لفتا للانتباه*2*. وهذا ما يحرص عليه كافة العملاء المتأسلمين دائما وأبدا، بحجة درء الفتنة، وهم لا يعرفون أو لا يريدون معـرفة أنهم هم صانعي الفتنة على مـر التاريخ الإسلاموي، وأن الفتنة قائمة دائما بسببهم، ولكنها تخبو أحيانا وتظهـر أحيانا أخـرى.

إن الـراعي هو الذي يتزعم الـرعية ويقودها، ويحقق لها المنافع التي تلم شملها وتجمع أعضاءها، وهو الذي يضع قوانينها ويسن تشريعاتها، ويعاقب من ينتهكها. هو باختصار الذي يُجَسِّم فكرتها ويبلور أهدافها وبمنح أعضاءها الوعي والإحساس بالذات الجماعية أي يعمل بشتى الطرق على لمِّ شملها، وهو في ذلك يعتمد دائما على تدني مستوى ذكاء الـرعية أو انعدامه كلية.

وتصبح الجماعة " باثولوجية " ـ أي مريضة ومنحطة أو فاسدة ومفسدة ـ عندما ترى نفسها أفضل الجماعات على الإطلاق وأنه من المحتم عليها أن تتوسع وتنتشر وتبيح لنفسها الاستيلاء على ممتلكات الآخـرين أو قتلهم أو إرغامهم على الانضمام إليها كي يتقوا شـرَّها، وألا تقتصر مهمتها على المنع والتحريم فقط، بل تتعدى ذلك إلى إصدار الأحكام وتوقيع العقاب على المنشقين والخارجين عليها أو المنتقدين والرافضين لها، واستعمال أساليب الإرهاب والقتل ضدهم، وتفـيـد الـمصادر التاريخية وأيضا التراثية البدوية أن محمدا اعتمد في دعوته ومنذ بدايتها على مجموعة من هذا القبيل عـرفت بـإسم " الصعاليك "، وعقد تحالفا معها، وراح يشرع لها بإسم السماء، فحملت فيما بعد إسم " الجماعة الإسلاموية " والتي مازالت تمارس الصعلكة منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.
مـن هـم إذن أولـئك الصـعالـيك؟؟
ومـا هي عـلاقة مـحـمد صـلعـم بـهـم؟؟

الصعاليك مجموعة من قطاع الطـرق والمجـرمين والطائشين الحاقدين أشد الحقد على مجتمعهم، ومن ثم خلعتهم قبائلهم لسوء سلوكهم، ولذلك أطلق عليهم أيضا إسم " الخلعاء ". فالخليع سمي به لأنه خلعته عشيرته وتبرؤوا منه. وكانت العشائر تنادي في سوق الحج وسوق عكاظ وغيرهما: إننا خلعنا فلانا، فلا نأخذ أحدا بجناية تُجنى عليه، ولا نأخذ بجناياته التي يجنيها*3*، بمعنى أنهم غير مسؤولين عـما يُفعل به أو عـما يفـعـله. وعُـرِف الصعاليك أيضا بـ" ذؤبان العـرب "، فجاء في تاج العـروس « إن ذؤبان العـرب لصوصهم وصعاليكهم الذين يتلصصون ويتصعلكون لأنهم كالذئاب »*4*. ويقول الدكتور جواد علي: « قد انتشر الصعاليك في كل موضع من جـزيرة العـرب حتى صاروا قوة مـرعبة مُخَوِّفة لشدة بأسهم في القتال*5* » ويستطرد قائلا: « وقد كوَّن الصعاليك عصابات تنتقل من مكان إلى مكان، تسلب المارة وتغير على أحياء العـرب. وتكوَّن أكثر الصعاليك من الشبان الطائشين والخارجين على أعـراف قومهم، ومن الذين لا يبالون ولا يخشون أحدا، فصاروا قوة خُشِي منها وحسب لها حساب. وكانت مكة على ما يظهر من أهل الأخبار مكانا آوى إليه ذؤبان العـرب وخلعاؤهم وصعاليكهم حتى كثر عددهم بها لما وجدوه من حماية ومعونة »*6*. وعن فلسفتهم يقول جواد علي: « إن كل ما تقع أعينهم عليه هو مفيد لهم نافع ومن حقهم بحكم فقـرهم انتزاعه من مالكه، وإن لهم حق في سلب الآخـرين بسبب بخلهم والسبي مدفوع لهم من الله، والقتل عندهم كشـربة ماء، وكانوا يتسم بالقسوة ويفرحون عندما يقتلون الآباء ويتركون الآلام في نفوس السبايا من النساء والأطفال، ويمثلون بأجساد الناس »*7*. وجميع هذه الصفات وغيرها تبناها صلعم وأدخلها إلى دينه كمقومات أساسية، وركائز عـقائدية، لا تخفى عـلى كل ذي عـقل سليم.

وكان معـروفا عـن عـبدالمطلب وابنه الزبير (جد صلعم وعمه) أنهما كانا يأويان الصعاليك والفاسدين*8*. وجاء في الأغاني للأصفهاني أن « الذين كانوا يريدون استخدام الصعاليك الخلعاء كانوا يأتون إلى مكة بسبب تواجُد كثيرين هناك »*9*. ولذلك وضع " الصعاليك " أنفسهم في خدمة من يريد استخدامهم لتحقيق أهدافه، مقابل ترضيتهم وإعاشتهم، كما يفعل الجنود المرتزقة دائما وأبدا. ولما خُلِع الشاعر المعروف امرؤ القيس جمع جموعا من ذؤبان العـرب وصعاليكهم، وأخذ يُغير بهم على أحياء العـرب*10*. ولما غـزا زهير بن جناب الكلبي قبيلتي بكـر وتغلب أخذ من تجمَّع له من شُذاذ العـرب والقبائل وغيرهم فغزا بهم*11*. وأصبحت كلمة الصعاليك هوية لهم تتعدى انتماءهم لأهلهم وقبائلهم. بمعنى أن من ينتمي إليهم يعادي أهله وقبيلته، ولا مانع لديه من مهاجمتهم وقتلهم وسلب ممتلكاتهم تماما كالغـرباء، وهذا بالضبط ما يحاول العملاء المتأسلمون المتصعلكون دائما وأبدا فرضة على كافة الناس في مشارق الأرض ومغاربها.

إذنْ لم يكن محمد ليبحث عن الصعاليك عندما احتاج إليهم، فهم على مقـربة منه وفي حماية قبيلته التي يزعم العملاء الملفقون بأنها أشرف القبائل أجمعين. ومن المرجح بشكل قوي أن يكون محمد نفسه أحدهم، إذ تقول السيرة التراثية أنه تربي الفترة الأولى من حياته في كنف جده عبدالمطلب ـ حامي وآوي الصعاليك، وأن سلوكه يتفق تماما مع سلوكهم.

وتفيد كتب التراث بأن بعض من أولئك الصعاليك صاروا بتأسلُمهم قادة مهمِّين، منهم ـ على سبيل المثال ـ ساري بن زنيم الدائلي الكناني الذي أمَّـره عمـر بن الخطاب على جيش وسيَّره إلى بلاد فارس سنة 23هـ*12*. كما وأن كل متأسلم يعـرف بلا شك أبا ذر الغفاري الصحابي الشهير، لقد كان من عتاة الصعاليك في الجاهلية، يقطع الطـريق ويغير على النوق عند الفجـر*13*، بل كانت قبيلته (غفار) بكاملها من الصعاليك*14*. وبعد تأسلُمة زادت صعلكته إلى حد كبير إذ وجدت لها غطاء إلهيا يسوِّغها ويبررها، ولأنه صعلوك كبير وضليع في الزنا والسرقة، فقد سأل محمدا:
ـ « ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات بعد ذلك إلا دخل الجنة؟؟ » قال:
ـ « نعم »،
ـ فقال أبو ذر: « وإن زنى وإن سرق؟؟»
ـ قال محمد: « وإن زنى وإن سرق »
كررها ثلاث مـرات وفي المرة الرابعة
ـ قال « على رغم أنف أبي ذر ».
فصار أبو ذر يفعل ما يريد ثم يردد على « رغم أنف أبي ذر »*15*. إذنْ ما أحلى الصعلكة أسوة بصلعم رغم أنف العالم أجمع!!!

وتسبب دخول الصعاليك إلى الإسلام وممارسة الصعلكة على نطاق واسع تحت حماية وتعليمات إله البدو الصحراوي إلى أن قـريش طعنت في صحة القرآن والدين برمته. وحمل أبو طالب عم صلعم على أن يقول قبل موته: « كأني أنظـر إلى صعاليك العـرب ... قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا المـرء فخاض بهم غمرات الموت »*16*. ولذلك مات دون أن يتأسلم أو يعترف برسالة ابن أخـيه.

وكان في جبل تهامة جماعة من الصعاليك قال عنهم ابن منظور في لسان العـرب تحت كلمة " جُمَّاع ": « كان في جبل تهامة جُمَّاع غصبوا المارة، أي جماعات من قبائل شتَّى متفرقة ». ويقول ابن سعد: « كتب رسول الله صلعم لجُمَّاع كانوا في جبل تهامة قد غصبوا المارة من كنانة ومزينة والحكم والقارة (أفارقة) ومن اتبعهم من العبيد، فلما ظهـر صلعم وقدم منهم وفد على النبي صلعم فكتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي رسول الله إلى العتقاء إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فعبْدهُم حـر ومولاهم محمد. ومن كان منهم من قبيلة لم يرد إليها، ومن كان منهم من دم أصابوه أو مال أخذوه فهو لهم، وما كان لهم من دين في الناس رد إليهم ولا ظلم عليهم ولا عدوان وأن لهم على ذلك ذمة الله وذمة محمد والسلام عليكم »*17*. إذنْ أعتق صلعم صعاليك جبل تهامة وضمهم إلى حـركته ونصب نفسه واليا عليهم وحاميا لهم، بدلا من إدانتهم وتقديمهم إلى العدالة لما اقترفوه من جـرائم. والطيور على أشكالها تقع، إذ يبدو لمن يقرأ سيرته قـراءة متعمقة أنه نفسه كان صعلوكا في شبابه، خاصة في الفترة التي تجاهلها التاريخ الإسلاموي، منذ نشأته وحتى زواجه من خديجة وهو في الأربعين من عمره. وتأكيدا لقول الدكتور إسماعيل أحمد أدهم: « إن عبدالمطلب لم يكن جدا حقيقيا لصلعم وأنه لم ينحدر من صلب هاشم »، إذن من الواضح أن عبدالمطلب آواه كما آوى غيره من الصعاليك. وهذا لا يتعارض إطلاقا مع طلب خديجة الزواج منه، بل يدعمه، بهدف حماية قوافلها التجارية من هجمات الصعاليك الآخـرين. وهو أمـر ليس بجـديد أو نادر بين البـشر.

علاوة على ذلك، إذا تفحصنا ما جاء في كتب التراث بدقة، نجد أن فلسفة أولئك الصعاليك وسلوكهم في الحياة ينطبق تمام الانطباق على تصـرفات صلعم وفلسفته الإسلامويه وسلوك أتباعه المتأسلمين منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.

لا يسعنا إلا القول بأن محمد بدَّل كلمة "الصعلكة" بكلمة "الإسلام" بمعنى أن يسلم المرء أناه الذاتي وحياته بكاملة للعصابة التي تُعرف بـ"الجماعة".


الـتـقـية والصـعـلـكة

كان القرشيون في مكة حريصين أشد الحرص على تجارتهم الدينية وغـير الدينية، ويجمعون منها أموالا طائلة، مكنت البعض منهم على العيش في رفاهية مفرطة، بينما البعض الآخر مازال يعاني من الفقر والقهر. فحدث خلل في البنية الاجتماعية بين المكيين، واتسعت الهوة بين الأغنياء والفقراء منهم . فظهر الصعاليك وتعاقد معهم صلعم كرد فعل حتمي لتلك الاحوال المتردية التي يعيشها العربان، وذلك لوضع حدا صارما لها ويعيد إليهم كيانهم المفقود وإنسانيتهم الغائبة. وكي يحد من تهورهم الذي لا يفيد، لجأ صلعم في البداية إلى اسلوب التقية (النفاق والمسكنة حتى يتمكـن)، فتظاهـر بأنه يدعـو إلى مـكارم الأخـلاق، إذ قـال: « جـئت لأتمم مكارم الأخلاق »، وكأن "مكارم الأخلاق" كانت موجودة بينهم بالفعل . ويتضح من السور الأولى مثل : الماعون والعصر والضحى والبلد والفجر ... إلخ نقد المظاهر السلبية التي تفشت في المجتمع المكي، وركـزت بوجه خاص على نقد حب المال والتكبر وسوء معاملة اليتامى والمساكين وأبرزت أيضا فكرة تحـرير العبد كسلوك أخلاقي محبذ. وفي كل هذا وغيره محاولة إنقاذ قريش من الانحلال الذي يدفع إليه الـثراء الفاحش وتبعاته. وعادة ما يصاب العربان بالانحلال والتفسخ الأخلاقي والسلوكي كلما أصابوا ثراء فاحشا، كما اتضح من عائدات النفط. ويلاحـظ في كافة السـور المكية عدم ذكر لكلمة "النبي" على الإطلاق، مما يدل على أن الفكرة كانت إصلاحية في بدايتها، ولا تتعدى أسلوب الوعظ والإرشاد الذي كان يتلقاه صلعم من ورقة بن نوفل أو سرجيوس (بحيرا) النصراني أو غيرهما. فجاء القرآن يقول:
{واعف عنهم واصفح} المائدة 13
{لست عليهم بمصيطر} الغاشية 22
{واعرض عن المشركين} الأنعام 106
ولما أراد بعض من أصحابه قتل أحد رؤوس المكيين الذين عرفوا بعدائهم البين للدين الجديد، نهاهم عن القيام بذلك، وجاء الـقـرآن على الـفـور ليقول لهم {إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور} الحج 38. إذ لم تكن الاغـراءات السياسية تفرض نفسها في ذلك الوقت على أفكار محمد، نظرا لعدم توفر أي من الإمكانيات التي تساعده على تحقيقها. وهنا يتساءل المرء: إذا كان إله البدو يدافع عن الذين أمنوا وهم في مكة، فلماذا لم يستمر في الدفاع عنهم وهم في يثرب، لماذا أمـرهم بعد ذلك بالقتال في سبيله، والعمل على نصـرته كي ينصـرهم؟؟

ظلت دعوته السلمية في مكة ثلاثة عشر عاما دون أن تلقى قبولا سوى من 40 وقيل 150 شخصا، أغلبهم من العبيد والصعاليك والمنبوذين والمساكين لشعورهم بأنه يدافع عنهم وعن حقوقهم الإنسانية، ولم يتعرض محمد خلال تلك الفترة لمعتنقي الديانات الأخرى كاليهودية والنصرانية اللتين اعتمد عليهما. بل أشاد بهم وشهد أكثر من مرة بصحة كتابهم:
{ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة } الأحقاف 46.
{وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمِرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا} الشورى 15.
{ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب}غافر 53-54.
{ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا} الفرقان 35.
{ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ...} الجاثية 16.
{وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} المائدة 47.
{إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون (يجب أن تُكْتب «الصابئين» لكونها إسم إنَّ) والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} المائدة 69.

ولكنه هاجم عبادة الأوثان التي أتخذها العرب " شفعاء " لهم عند " الله "، إذ إراد أن تكون " الشفاعة " منه هو ومن خلال الشهادة بأن لا إله ألا الله وأنه نبيه ورسوله، والتسليم لهما تسليما تاما. وحدث الطفـرة الحاسمة بانتقاله إلى يثرب والذي عرف في التاريخ العربي الإسلاموي بـ" الهجرة "، بينما هو في حقيقة الأمر "لجوء سياسي" بهدف اتباع أساليب سياسية أخرى، هي شن الحـرب عـلى القـرشيين في مكة وقطع مصدر رزقهم وتهديدهم في حياتهم.

وفي أثناء هذه الفترة التي دامت 13 عاما، كان يتبع محمد مع القرشيين أسلوب التقية على النحو السابق الذكـر، وكان في نفس الوقت يجند الصعاليك الذين تأسلموا للسطو على ممتكاتهم وقوافلهم التجارية وهي في طريقها إلى الشام أو اليمن، فمثلا عندما أسلم أبو جندب بن سهيل لحق بأبي بصير الصعلوك، فجعل لا يخـرج من قـريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون ببعير خـرجت من قريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم*18*.

ويكشف الملفقون عن وجه الإسلام القبيح بوصفهم تلك الفترة المكية بأنها كانت فترة استضعاف بالنسبة للمتأسلمين، بمعنى أنهم « تمسكنوا حتى تمكنوا »، ويفـردون لـذلك فــقـها كامـلا تحـت إسـم " التقية "، بمعنى أن يتقي المتأسلم اعـداءه غير المتأسلمين حتى تقوى شوكته ثم ينقض عليهم كما فعل صلعم وعصابته، إذ لم يفغـر الإسلام فاهه ويظهر أنيابه الشرسة إلا بعد أن قويت شوكة الصعاليك المتأسلمين في يثرب، فراحوا يعتلون أجساد الآخرين وينهضون على أشلائهم، ويرتوون من دمائهم. وينعمون بممتلكاتهم ونسائهم. ويذهب أولئك الملفقون إلى أن دخول السياسة إلى الديانة الإسلامية بدأ باغتصاب الأمويين للسلطة ونقل مقرها إلى دمشق. وأنهم دسوا على النبي أحاديث كاذبة من خلال أبي هريرة وابن عباس وغيرهما بإيحاء من اليهود المنافقين. ولكن الحقيقة الدامغة هي أن السياسة بكل ألاعيبها وأكاذيبها وخبثها تتضح بشكل تام في الممارسات المحمدية منذ أعلن صلعم دعوته ونصب نفسه واليا على صعاليك تهامة وغيرهم، كما تتضح في القرآن ذاته، خاصة في الآيات اليـثربية.

فلقد بدأ العمل السياسي الحقيقي والمعلن، والتي يعتمد على فلسفة الصعاليك، عندما وجد صلعم مخـرجا لدي أخواله من بني النجار في يثرب [المدينة حاليا]، وعقد " تحالفا حربيا " سـريا مع وفد من الأوس والخزرج جاء إلى مكة ليؤدي مناسك الحج، وقد توسط في إتمام هذا التحالف السـري عـمه الوثني عباس بن عبد المطلب فيما يعرف في تاريخ العربان الإسلاموي بإسم " بيعتي العقبة الأولى والثانية ". وانضمت إليه عندئذ عدة قبائل متصعلكة وتقيم على تخوم يثرب وكانوا جميعا يحقدون على اليهود لثرائهم ويريدون التخلص منهم، فقال لهم النبي: " الدم، الدم، الهدم، الهدم، أنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم ". ولكن اليهود من ناحيتهم رأوا في قدومه إليهم تقوية لمكانة يثرب التجاري على حساب هيمنة مكة. لجأ صلعم إلى يثرب ثم طلب من بقية الصعاليك المتأسلمين في مكة اللحاق به، ولم تنسى تلك الروايات نسج خرافات حول انتقاله إليها يرافقة صديقه أبو بكر، بينما تذهب روايات أخرى إلى أن مرافقه شخص آخـر يُدْعَى ابن بكر الذي كان يدله على الطريق، واتخذ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ذلك اللجوء السياسي تقويما للعربان المتأسلمين فيما بعد سمي بـ" التقويم الهجـري ".

الإرهـاب والقـتـل

إرتبط الإرهاب والقتل بحياة القبائل البدوية ومن ثم بالديانة السماوية الأولى التي نشأت بينهم بإسم " اليهودية "، فنجد الإله الصحراوي " يهوذا أو يهوا " يغضب على بني إسرائيل لأنهم أعجبوا بنساء مؤاب وأحبوهن وسجدوا لآلهتهن، لذلك أمر نبيهم المدعو موسى أن يأخذ جميع قادة عبدة البعل ويصلبهم ويعلقهم تحت وطأة حرارة الشمس أمام الرب كي يتراجع عن غضبه (العدد 25/4). وبعد أن نفذ موسى هذه الأوامر، طلب منه الرب أن يقتل كل ذكر من سكان مديان ويسبي نساءهم وأطفالهم وينهب جميع بهائهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم وأن يحرق جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار، وأن يأخذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم (العدد 7/310ـ12). وعندما علم موسى أن رجاله من وكلاء الجيش ورؤساء الألوف والمئات القادمين من جند الحرب لم يقتلوا النساء وأبقوا على كل أنثى حية غضب منهم غضبا شديدا، وأمرهم بقتل كل طفل ذكر وكل امرأة ضاجعت رجلا، وسمح لهم بأن يحتفظوا بالعذارى لأنفسهم، فكان نصيبهم منهن 3200 عذراء (العدد310 /14ـ15).

وأرست العبرانية قاعدة العقاب الجماعي، فعدما اختلف شخص مع موسى لم يتردد الإله الصحراوي من أن يخسف بقومه الأرض، بعد أن طلب من موسى وهارون الابتعاد عنهم كي يفنيهم في لحظة، ولكنهما خرا على وجهيهما وسألوه في توسل: « يا إله أرواح جميع البشر، أتخسف على الجماعة كلها من أجل خطيئة رجل واحد؟ »، العدد21/16ـ22، بيد أنه لم يهتم بتوسلاتهما، « وحالما انتهى من كلامه انشقت الأرض تحتهم وفتحت فاها وابتلعتهم مع بيوتهم، كما ابتلعت رجال فورح مع كل ما يملكون، فاختفوا هم وكل ما يملكون أحياء في باطن الأرض التي انطبقت عليهم »، العدد31/16ـ33.
ثم أمرهم بعد ذلك أن يأخذوا على عاتقهم مهمة القتل الجماعي نيابة عنه قائلا:
« وتستأصلون جميع الشعوب الذين يسلمهم الرب إليكم، فلا تشفقوا عليهم » التثنية 7/16 .
« فاقضوا قضاء على سكان تلك المدينة وعلى بهائهم واقتلوهم بحد السيف، واجمعوا كل أمتعتها وكوموها في وسط ساحتها واحـرقـوا المـدينة مع كل أمتعتها فتصبح خرابا إلى الأبد لا يبنى بعد » التثنية 13/ 15ـ 16.

ومع ذلك ظلت اليهودية ديانة خاصة بالعبرانيين وحدهم بصفتهم شعب الله المختار، كما جاء في التوراة، والمفضلين من قبله على العالمين، كما جاء في القرآن. ولم يحاولوا فرضها بالقوة على الشعوب الأخرى، ولم تذهب أكاذيبهم التوراتية إلى أن موسى قد أسس دولة لهم، بل سحبهم فقط إلى تخوم «أرض الميعاد»، وأن تلك الدولة المزعومة لم تتكون إلا على أيدي النبي سليمان المزعوم، فكان نبي وملك في نفس الوقت، ولذلك اتخذه محمد قدوة له، وأصبح الدخول في "الإسلام" أو التأسلم لا يعني سوى الخضوع و"الاستسلام" لشخصه وللأشخاص الذين يأتون مـن بـعده بصفتهم " ألي الأمر " أو ورثته. لذلك يغتالون خصومهم منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.

بدأ الإرهاب المبرمج في الإسلام بتصفية الخصوم جسديا كل على حدة، فتقدم لنا الروايات التراثية الإسلاموية بفخر شديد ودفاع مجيد عددا من الاغتيالات التي تمت بأمر من محمد لمن هجاه أو انتقد سلوكه النبوي الفريد من نوعه، فقد كانت تسكن في يثرب منذ زمن بعيد ثلاث قبائل يهودية رئيسية هي: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظ، وقد هادنهم النبي في بداية هجرته إليهم حتى تقوى شوكته تحت تعريف " تمسكن حتى تتمكن " أو "التقية " في الفقه الإسلاموي، وعندما تحقق له ذلك، شن سلسلة من الاغتيالات للمعارضين من اليهود وغيرهم، فبدأت ـ على سبيل المثال ـ بـذبح الشاعر اليهودي كعب بن الأشرف زعيم بني قريظة، حيث أرسل إليه محمد بن مسلمة ومعه أبو نائلة أخ كعب من الـرضاعة ومعهما رجالا آخرين، فذبحوه وحزوا رأسه، وجاءوا بها إلى النبي ووضعوها بين يديه، فهلل وجهه وانشرح صدره*19*.

ثم قام أتباع صلعم من الصعاليك باغتيال سلام بن أبي الحقيق أمام زوجته، وقد كان من كبار زعماء بني النضير، ثم عادوا إلى يثرب ليزفوا لولي نعمتهم خبر اغتياله.

كما اغتالوا الشاعـرة عصماء بنت مروان، التي تضاربت الروايات التراثية كالعادة حول أسباب قتلها، وربما لأنها كانت من النساء الاتي هجون النبي بأشعارهن، وقد قتلها إرضاء للنبي رجل أعمى يدعى عمير بن عدي، إذ دخل عليها أثناء الليل وكان ينام بجانبها عدد من أولادها، بينما ترضع أحدهم، فجسها بيده وانتزع الطفل وألقاه بعيدا عنها، ثم غرس سيفه في صدرها حتى أنفذه من ظهرها، وذهب إلى المسجد وصلى الصبح وراء النبي ثم أخبره بما حصل، فأثنى عليه ثناء جميلا، ثم أقبل على الناس وقال: « من أحب أن ينظر إلى رجل كان في نصرة الله ورسوله، فلينظر إلى عمير بن عدي*20* ».

كما كلف سالم بن عمير باغتيال أبي عفك اليهودي بيثرب، وكان قد بلغ من العمر 120 سنة، وكان يهجو محمد بالشعر، ويحـرض على عداوته، ففي ليلة حارة كان نائما بفناء منزلة، وعلم سالم بذلك، فأتى إليه ووضع سيفه على كبده فقتله*21*.

ولما بلغه أن كعب بن الأشرف يهجوه ويحـرض قريشا عليه، أرسل خمسة من رجاله، منهم أبو نائلة أخو كعب من الرضاعة لقتله، ورافقهم محمد جزءا من الطريق، ثم قال: انطلقوا على إسم الله، اللهم أعنهم، ثم رجع إلى بيته. وكانت ليلة مقمرة، فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصن كعب، وكان حديث العهد بعرس، فناداه أبو نائلة، فوثب في ملحفته خارجا آمنا إذ عرف صوته، فغدروا به وقتلوه وأخذوا رأسه، ثم عادو راجعين مكبرين، فلما سمع محمد تكبيرهم كبَْر وعرف أنهم قتلوه، ثم انتهوا إليه وهو قائم يصلي فقال: أفلحت الوجوه، قالوا: وجهك يارسول الله، ورموا برأسه بين يديه*22*.

وأنه حـرض رجل أعمى على قتل زوجته لأنها كانت تنتقد صلعم، ولم يتحمل نبي الرحمة انتقاداتها، فتسبب في تيتيم أولادها، وحرمانهم من أمومتها. وتقول الرواية أن أعمى كانت له أم ولد تشتم صلعم وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجـرها فلا تنزجـر. فلما كانت ذات ليلة أخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك من بالدم. وفي الصباح جمع صلعم الناس، وقال: أنشد الله رجلا فعل ما فعل، لي عليه حق، إلا قام. فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي صلعم، وقال: كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجـر، ولي منها ابنان مثل اللؤلوتين. فقال صلعم: ألا اشهدوا أن دمها هدر، في ستين داهية. إنه نبي الرحمة بالفعل. وعندما قتل عمه [وأخوه من الرضاعة] حمزة في غزوة أحد، غضب غضبا شديدا وأقسم أن ينتقم من قريش بقتل سبعين نفرا منهم.

ولما غزا*23* قبيلة بني قريظة اليهودية وحاصرهم، قبلوا الاستسلام بشرط أن يبقيهم أحياء بشفاعة من قبيلة الأوس، ولكنه بعد ذلك فوض سعد بن معاذ للحكم في أمرهم، فقضى سعد بقتل رجالهم وتقسيم أموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم، فاستحسن صلعم هذا الحكم، فأمر ببني قريظة، فأدخلوا إليه وضربت أعناقهم، وكانوا بين 600 و700 نفر*24*. وقام بقطع نخيلهم وتدمير مزروعاتهم، ونهب ممتلكاتهم ... إلى آخـره.

كذلك أرسل عبد الله بن عتيك ومعه أربعة رجال لقتل عدوِّه (اليهودي) أبَيّ بن أبي رافع، فلما هدأت الأصوات جاءوا إلى منزله وصعدوا درجة له وقدموا عبد الله بن عتيك لأنه كان يتكلم باليهودية، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية ففتحت له امرأته، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف فسكتت، فدخلوا عليه فعـلوه بأسيافهم وقتلوه*25*.

كما أرسل عبد الله بن جحش ومعه ثمانية من المهاجرين لسلب بعير لقريش كانت تحمل مواد غذائية في آخر يوم من رجب، وكان القتال فيه حراما. ولما عيَّره القـرشيون، أتى بقـرآن يُسَوِّغ له عمل ذلك {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قـل قتال فيه كبير} البقرة 217*26*.

ثم اغتالوا خالد بن سفيان سيد قبيل هزيل بحجة أنه قرر حشد جيش للزحف على يثرب، فانتدب النبي لهذه المهمة عبد الله بن أنيس وزوده بمعلومات عن أوصافه. ولما وصل الصحابي إلى حمى هزيل إلتقى بخالد بن سفيان وبادره بالسلام وتظاهر بأنه جاء للتطوع في الجيش المتجه إلى حرب المسلمين، ثم غافله أثناء الطريق وسدد إليه ضربة بسيفه فإرداه قتيل، ولاذ بالفرار إلى المدينة، حيث بارك النبي صنيعه، وكافأه لقاء ذلك.

كما اغتالوا أم قرفة وهي فاطمة بنت ربيعة الفزاري، وقرفة هو إسم أكبر أبنائها وقد قتله المتأسلمون في أحد غزواتهم، وقتل باقي أولادها في حروب أبي بكر المعروفة بحروب الردة. وتقول كتب الرواة عن هذه المرأة إنها كانت مضرب الأمثال بين العرب في العزة والصلابة. فبعث النبي إليها يزيد بن حارث على رأس مجموعة من القتلة، فكانوا يكمنون في النهار ويسيرون في الليل متبعين في ذلك نفس التكتيك القتالي الذي اعتادت علي تنفيذه غزوات وسرايا النبي للإطباق على القوم وهم نيام. إنقض الرجال على قوم أم قرفة فقتلوا بعضهم وأسروا أم قرفة. وأصدر زيد حكمه عليها بالقتل بحجة أنها كانت تسب النبي، وكان قتلها غاية في البشاعة والوحشية والهمجية، إذ أمر زيد بربط قدميها في طرفي حبلين، وربط الطرفين الآخرين في جملين، وأطلقهما في اتجاهين مختلفين، فشقت أم قرفة إلى نصفين، وقطع رأسها، فأمر النبي بالطواف بها في دروب وأزقة المدينة*27*.

ويقول الواقدي أن النبي أمر بقتل ستة رجال وأربع نسوة، وذنب النسوة وبعض الرجال أنهم هجوه، فأباح دمهم مع أنهم تعلقوا بأستار الكعبة، على أساس أن الكعبة كانت حرما آمنا لكل العربان قبل يهدم صلعم هذا الأساس، فلا يؤذى من يدخلها حتى وإن كان قاتلا، وجاء القرآن ليؤكد ذلك في الفترة المكية بقوله عن أول بيت للناس، وهو الكعبة، في سورة آل عمران الآية 97: «فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا...».
والقائمة طويلة.
ألم يكن نبي الـرحمة المـزعوم هذا صعلوكا وقاطع طـريق وقاتلا بالفعل؟؟؟؟

الـحـروب الـنبـوية

لم يُعْـرف دين على وجه الأرض حتى الآن يأمر معتنقيه بالحـرب والقتل وإخـراج الناس جميعا من بيوتهم " في سبيل الله " إلا دين الإسلام وحده. ومع أن أحدا في العالم أجمع لا يعرف ما هو " سبيل الله " هذا، ولن يعرفه قط ، إلا أنه عندما شعر محمد وعصابته بقوتهم تدريجيا من خلال التصفية الجسدية لخصومهم وعمليات السلب والنهب وقطع الطريق وسبي النساء والأطفال من القوافل التجارية التي تسيرها قريش إلى بلاد الشام أو من القبائل المجاورة ليثرب، راح يشرع لشريعة الغاب التي مازلنا نعاني منها، ومازال العالم أجمع يعاني منها حتى اليوم. فبعد احتمائه بالأوس والخزرج ومن ثم قويت شوكته، نزلت أول سورة، هي سورة البقرة تقول في الآية 190: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكن ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}، ويلاحظ هنا التحفظ في القتال بعدم الاعتداء لأن الله لا يحب المعتدين. ولكن هذا التحفظ سرعان ما تلاشى أمام الآية 91: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم [وجدتموهم] واخرجوهم من حبث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل}. وبدأ " الله الصحراوي " يلغي أو ينسخ ما قاله في مكة من قبل ، فجاء القرآن يقول: {إن الدين عند الله الإسلام} آل عمران 19.
{ومن يبتغ غير الإسلام فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} آل عمران 85.
وإن أراد الله أن يهدي إنسانا فيشرح قلبه للإسلام (الأنعام 125)، فهو الدين الحق ولابد أن يلغي كل الأديان ويظهر على الدين كله (الصف 9).

واتهم الوحي القرآني اليهود والنصارى بتحربف كتبهم المقدسة، التي أشاد بها من قبل، وهي تهمة عبثية تفكرنا بالذئب والحمل التي درسناها في المرحلة الابتدائية.

وبدى إله البدو العـربان متوحشا كما هو شأنه دائما، فقال: {جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يُقتِلوا أو يُصلِبوا أو تُقَطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} المائدة 33.

ولم يقتصر الأمر على قتل أهل الكتاب الذين مجدهم القرآن من قبل، بل تعداه إلى نهب ممتلكاتهم وسلب أراضيهم وسبي نسائهم وأولادهم:
{وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} الأحزاب 26و27.

ثم جاءت الضـربة القاضية للذين أوتوا الكتاب (اليهود والنصارى) في سورة التوبة 29ـ 32 التي يقال أنها آخـر ما أنزل من القرآن، وكانت مفقودة، وعُثِر عليها من فم أحد البدو الأعراب الذين هم أشد كفرا ونفاقا، فقال:
{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرين[أي أذلاء]}.

وحلل للجماعة الإسلامية النهب:
{ويسألونك عن الأنفال [أملاك الغير التي يتركونها خوفا من القتال] قل الأنفال لله ورسوله، واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ... فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} الأنفال 1، 41، 69.

ولم تشهد أي من الديانات إلها عاجـزا مثل إله الإسلام، إذ يطلب من معتنقيه أن ينصـروه كي ينصـرهم ويثبت أقدامهم، ويأمرهم بقتل الآخـرين وسلب أموالهم ونهب ممتلكاتهم وسبي نسائهم وأولادهم في سبيل نصـرته. لقد أوجد نبي البدو إلها على شاكلة إله أبناء عمومتهم العبرانيين، والذي لا تتفق معالمه إلا مع طبائع البدو، فتمكن من تأسيس أكبر عصابة للقتل والسلب والنهب وقطع الطريق، مازالت تعمل بفاعلية حتى يومنا هذا، ومازالت تلك العصابة قادرة على خداع البشر وابتزازهم وتجنيد عملاء لها من بينهم في كل مكان من العالم. أليست هذه جميعها صناعة بشرية لا صلة لها بأي إله يمكن الاعتقاد في وجوده. وأي إله هذا الذي يسن السنن لقتل البشر ونهب ممتلكاتهم وسبي نسائهم بهدف اعتلائهن، وهتك أعراضهن وإذلال أرواحهن إلى أبد الآبدين، ويقول لنا إن المقصود بذلك هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور؟.

إن المتأسلمين مازالوا يتباهون بهذه الجـرائم المحمدية وغيرها، ويعملون قدر استطاعتهم على التأسي بها، في الوقت الذي أجمع فيه العالم المتحضـر على تقديم كافة المجـرمين إلى المحاكمة الدولية لمحاسبتهم على الشنائع التي ارتكبوها في حق الإنسانية، وقد يجمع في يوم ما على ذلك بالنسبة لمحمد وعصابته.

الـغـنـائم

تم توظيف الملاك العبراني المدعو جــبريل لتوصيل الـرسائل الإلهية البدوية من السماء إلى الأرض لمدة 23 سنة، فكانت رسائله تتغـير وتتبدل تبعا لمقتضيات الأمـور المتغيرة من المجتمع المكي إلى المجتمع اليثربي. وكان على إلههم أن يتناقض في أقواله وينسخ الكثير منها أو ينساها، فيأتي بأفضل منها، وهذا يمكن فهـمه، أو مثلها، وهذا مالا يمكن فهمه، فما العلة من نسخها أو نسيانها ثم الإتيان بمثلها؟، وكيف ينسى هذا الإله البدوي الصحراوي، وقد قال إنه عنده أم الكتاب أو أن ما يقوله مُسَجَّل في لوح محفوظ؟؟ وأنه قوق ذلك عليم قديـر ... إلخ. إنها أقوال بـشرية، سواء كانت من محمد أو غـيره. وقد جاءت بما يتفق مع الـظروف الموضوعية المتسارعة في تغييرها، وقد تحولت تلك الظـروف إلى السياسة وما يتبعها من عمليات الغـزو والسلب والنهب والسبي بعد الانتقال إلى يثرب، فجاءت التشريعات القرآنية لتأكد على أهمية «الغنائم» التي لعبت دائما دورا محوريا في حياة البدو في صحرائهم القاحلة.

كانت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في شبه جزيرة العربان متفاوتة إلى حد كبير، ففي مكة كان الأثرياء يزدادون ثراء والـفقراء يزدادون فقرا وعددا كل يوم، إذ اقتصرت منافع الحج على أثرياء مكة وحدهم، وكانت يثرب مدينة ثرية وتكاد تنعم بالاكتفاء الذاتي من منتجاتها، ولكن كان أغلب سكانها من التجار والصناع اليهود الأثرياء، ويعيش بجانبهم قبائل أخرى فقـيرة، تقتات من الزراعة أو تقديم الخدمات الاجتماعية. بينما القبائل الجائعة مثل غفار وأسلم ومزينة وجهينة وغيرها كثير، فقد تصعلكت بالكامل واتبعت أساليب قطع الطريق والقتل والسبي والسرقة.

وبالرغم من أن تبادل المنافع كان ولازال هو الذي يجمع البشـر معا في سلام ووئام، إلا أن المنافع أصبحت لدي البدو المتأسلمين "غنائم". كما كان عليه الحال بين بدو القبائل، فلا يخفى على أحد أن كلمة "غنيمة" كلمة بدوية صحراوية بكل المقاييس، إذ اشتقت من "غنم" و "أغنام"، وهي من أهم الحيوانات المستحبة في بلادهم، وتتميز بسلوك يختلف عن باقي الحيوانات الأخرى، الأمر الذي يجعلها تحتاج إلى رعاية من نوع خاص. وكان من الطبيعي في مجتمع بدوي صحراوي أن تسقط رعاية الغنم تلك بسهولة على العربان، فجاء الحديث يقول: « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ». ولكن هذه المساءلة تحدث أمام إله البدو الصحراوي أو ممن نصبوا أنفسهم أولياء أو خلفاء له، تحت إسم جامع شامل هو " العلماء " طبعا بلا علم على الإطلاق.

ولكن للتفريق اللغوي سميت "غنائم" أو "مغانم" لتعب الدور الأساسي وربما الوحيد في انطلاق البدو الجياع من مكامنهم المقفـرة في الصحـراء إلى غـزو البلاد الخصبة المجاورة لهم والبعيدة عنهم واستيطانهم فيها، وسلب خيراتها وسبي نسائها، تحت شعارات براقة وخادعة مثل « نشر الدعوة، وتقديم أنفسهم لهم عـلى أنهـم خـير أمـة أخرجـت للناس، ليخرجوهم من الظلمات إلى النور..»، ذلك النور الذي لم يراه أحد حتى الآن، بل على العكس تماما، فلقد عم الظلام على أيديهم كل أرجاء المعمورة كما هو واضح للعيان، وبعد أن إشباع نهم السلب والنهب وسبي البنين والبنات واستقرار لهم الاحتلال الإستيطاني للبلدان الموطوءة، تأتي الغنائم المستدامة وهي الخراج أو الزكاة أو الجزية ليدفعها مواطنوها عن يد وهم صاغرين أزلاء حقراء. وفي وقت ما اضطروا إلى التوقف عن هذا السفه كما توقف العالم أجمع عنه، واكتفوا بما تدره عليهم فريضة السياحة الدينية " الحج أو العمرة" في أوقات معلومات أو طوال العام ، وعادوا مرة أخرى ينكمشون في مكامنهم الصحراوية وينغمسون ثانية في ظلماتها الدامسة، بعد أن تركوا لنا تركة طاغـية من الظلام.

نبقى لبعض الوقت معهم في كمائنهم لنرى لنحاول تتبع آثر الغنائم في تعميق الفكرة وترسيخها لديهم ولدي المتأسلمين في كافة بقاع الأرض!!

لا شك أن إله البدو كان يدرك أهمية الغنائم بالنسبة للعربان، فقد عاشوا دائما وأبدا من أجلها، وقاتلوا وقتـلوا دائما وأبدا في سبيل اغتنامها، وخرجوا من كمائنهم مكتسحين الشعوب الأخرى بسيوفهم بهدف ابتغائها، فحياتهم البدوية بكاملها قامت على سلب ونهم الغنائم وليس على تبادل المنافع، وهو الأمر المعتاد بين البشر. كان لا بد إذن أن تدخل الغنيمة كجزء أساسي في الكيان المادي للجماعة الإسلاموية الناشئة وفي نهجها السياسي وفكرها الاقتصادي، فراح إلههم يشرعها بينهم. وحدث أن تعجل بعض الصحابة أمـرها عندما التقوا برجل من بني سليم وهو يسوق غنمه، فسلم عليهم، ولكنهم قالوا: ما سلم علينا إلا تقية [أي كي يقي نفسه منا]، وقتلوه وسلبوا غنمه، فجاء القرآن يلومهم برفق قائلا: {يا أيها الذين آمنوا أذا ضربتم في سبيل الله [سافرتم للجهاد] فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عـرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كـثـيرة كذلك كنتم من قبل [مثلما كنتم قبل الإسلام] فَمَنَّ الله عليكم} النساء 94. إذنْ بدأ إله البدو الصحراوي في وضع عمليات الصعلكة تحت لوائه وتنظيمها.

ولأن الغنيمة كانت تشغل حـيزا كـبيرا من فكر البدو الصعاليك وتجمعهم تحت شعار الدين الجـديد، فقد تخلف الكـثيرون منهم عن مرافقة النبي عندما قرر الذهاب إلى مكة للعمـرة في أول مرة بعد انتقاله إلى يثرب، وأراد من تلك الزيارة استعراض قوته الضاربة الجديدة أمام الـقـرشيين، وكانت حجتهم في ذلك هي انشغالهم بأهالـيهم وأموالهم، بينما الحقيقة أنهم لم يتبينوا من تلك الـزيارة أية غنائم لهم. وبالفعل انتهت الـزيارة بما يعـرف بـ«صلح الحديبة» الذي تم تحت الشجرة مع القرشيين في مكة، وهو صلح تكتيكي ونصر معنوي، خلا من الغنائم، ومن ثم وعد النبي مرافقيه أن يعوضهم سـريعا عن غنائم أهل مكة بغنائم يهود خيبر. وكان من الواضح أن أولئك البدو سيطلبون الذهاب معه عند غزو خيبر طمعا في الغنيمة، ولكن الوحي حال بينهم وبين ذلك في قوله: {سيقول لك المحلفون من الأعـراب [الذين تخلفوا عن الذهاب معك إلى مكة] شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفـر لنا} الفتح 11، وأنهم سيقـولون: {إذا انطلقتم إلى مغانم [خيبر] لتأخذوها ذرونا [دعونا] نتبعكم}. ومع أن الخطة السياسية كانت معروفة ومعدَّة سلفا، إلا أن إله البدو الصحراوي لا بد أن يؤكد الوعد المحمدي بوعد من عنده كي تطمئن النفوس المتعطشة للدماء والغنائم فقال: {وأثابهم [أي وعدهم بالثواب] فتحا قريبا ومغانم كثيرة [مغانم خـيبر] تأخذونها} وعندما أخـذوها ذكـرهم مـرة ثانية بوعـده قائلا: {وعدكم الله مغانم كثـيرة تأخذونها فعجل لكم هذه [مغانم خيبر] وكف أيدي الناس عنكم [أيدي أهل خيبر] ولتكون [تلك الغنائم العاجلة] آية للمؤمنين}، الفتح 15ـ20.

ومع أن محمد وجماعته أبادوا اليهود وشتتوا من لم تطولهم الإبادة بعد محاصرتهم وقطع نخيلهم وتحريقها وترويعهم، وغنموا أموالهم وسبوا ذراريهم [أبنائهم] ونسائهم، إلا أن محمد عندما تمكن من دخول مكة غازيا منع استباحة وسلب أموالها أو سبي نسائها، أي أنه حرم أعوانه من الغنيمة عند استيلائه عليها، مما اضطره إلى اقتراض المال من الأثرياء فيها وتوزيعه على الفـقـراء في جيشه تعويضا لهم عن الغنيمة المنتظـرة دائما.

ويقول الجابري الذي عـالج الـتراث البدوي بتحفـظ وحرص شديدين: « هكذا صارت " الغنيمة " حاضرة في غزوات النبي (ص) وسراياه، يأخذها المسلمون ويوظفونها ليس فقط في تجهيز الجيوش بل أيضا في تحفيز النفوس على الجهاد*28* ».

ولكن لا بد وكما هو الحال دائما وأبدا، أن تكون الغنيمة سببا أساسيا في نشوء خلافات بين جماعة المتأسلمين في حياة صلعم، كما أصبحت سببا لـذلك أيضا بعـد مماته. ففي السنة الثامنة للهجرة انتصر المتأسلمون بعدما أوشكوا على الهزيمة في موقعة " حنين "، وبعد جمع الغنائم تلكأ النبي في توزيعها على غير العادة، بحجة أنه يجب أن ينتهي أولا من تعقب فلول الفارين، وكانت الغنائم مغرية من حيث الكم والكيف، إذ كانت تشمل عددا كبيرا من النساء والذراري وستة آلاف بعـير وما لا يحصى من الغنم، فخيَّر النبي المهزومين بين أبنائهم ونسائهم وبين أموالهم، فاختاروا الأبناء والنساء فأطلقهم، ووزع الأموال على المهاجرين والمتأسلمين الجدد [أي المؤلفة قلوبهم، بمثابة رشوة لهم] دون الأنصار، تبعا لما أورده الطبري*29*. مما أحدث « شيئا ما » في نفوس الأنصار « سيفصح عن نفسه بمجرد ما يعلن عن وفاة النبي عندما يجتمعون في سقيفة بني ساعدة*30* ».

بطبيعة الحال إلـتزم الخلفاء بنفس النهج، ومن ثم بقيت تلك الغنيمة التي شرعها الله للبدو العربان قائمة حتى يومنا هذا ولو اتخذت أساليب الاسحـواذ عليها أشكالا بدت وكأنها مختلفة عما كانت عليه أيام محمد، فهي مازالت تنحصر في عمليات السطو والقتل والسلب والنهب من دون السبي، وأصبحت تهدف إلى الحصول على الأموال والممتلكات النفيسة في المقام الأول، خاصة من الكفار الذين هم على غير دين الإسلام، بل وتعدى الأمر في مصر مثلا إلى استحلال أموال الأقرباء الذين ارغموا على الغربة والعمل لدي أولئك الكفار المزعومين.

جـنة الـبـدو العـربان

رأينا فيما سبق كيف أن البيئة التي يعيش فيها البدو العـربان فـرضت عليهم نمطا خاصا من الحياة، يمكن وصفه بـ" الجحيم "، فكان لا بد أن يحلموا بالجنة ليتمتعوا بنعيمها. وأصبح الـترهيب من جهنم ونارها والترغيب في الجنة ونعيمها مصدرا هاما من مصادر توجيه السلوك والتربية والحياة اليومية في دينهم الجديد، مع أن القرآن يقول {وإن منكم إلا واردها، كان على ربك حتما مقضيا، ثم ننجي الذين اتقوا} مريم 91ـ92. أي أن كل المتأسلمين سيدخلون جهنم بالتأكيد، ثم سينجي ربهم الأتقياء منهم ويخرجهم منها ليضعهم في الجنة. بينما سيبقى غـيـر الأتقياء منهم والكافرون مخلدين في نار جهنم.

ومن الملاحظ أن كلمة الجنة ذكرت في القرآن 66 مرة بصيغة المفرد، كما جاء مثلا في سور البقرة 2، ومريم 63، والنازعات 40ـ41، ولكننا نفاجأ بالقرآن يتحدث عن جنات بصيغة الجمع 69 مرة، مثلما ورد في البقرة 25 ولقمان 8 والطور 17، هذا إلى جانب الإشارت الأخرى إلى الجنة بتعبيرات مثل دار السلام ودار الآخرة ودار المتقين ... إلى آخره. فهل عند ربهم جنة واحدة أم جنات كثيرة، وما هو الفرق بينها، إذ ذكـر القـرآن أنها درجات. فهل يمكن تصورها على أنها كالهوتيلات مثلا، منها ما هو بلا نجمة أو يبدأ بنجمة واحدة وينتهي إلى خمس أو سبع نجوم؟.

ولكن أكثر الأسماء شيوعا للجنة في القرآن " جنة عدن "، التي تجسد الحلم الجميل والشوق الدفين في وجـدان البدو الصحراويين، خاصة وأنها ذكـرت أولا في كتب اليهود والمسيحيين على أنها كانت مسكن آدم وحواء قبل طردهما إلى الأرض الملعونة [سفر التكوين 3 /23ـ 24و15 /2ـ 8].

وأطنب القرآن ونبي الأسلام في وصف جمال الجنة ونعيمها بشكل حسي أو جنسي خاص وشديد التشويق، إذ أن من يدخلونها سوف يكونون {على سرر موضونة [منسوجة بالذهب ومشبكة بالدر]، متكئين عليها متقابلين، يطوف عليهم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق وكأس [من خمر] معين، لا يصدَّعون عنها [لا يحدث لهم منها صداع*31*] ولا ينزفون [لا تغتال عقولهم]، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، وحور عين، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء بما كانوا يعملون} الواقعة 15-24*32*، وجاء الدجال ابن عباس ومن بعده العملاء يتبارون في وصفها من الداخل إلى حد يحمل المرء على أن يتخيل نفسه في تلك الجنة ليستمتع بأنهارها وثمارها ونسائها وغلمانها بلا انقطاع، ولكن هذا يتعارض مع حديث رواه الدجال أبو هريرة عن محمد يقول فيه: « قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرأوا ما شئتم: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}. ومن الثابت أن هذا الحديث مأخوذ من الإنجيل، حيث ورد في رسالة كورنثوس الأولى 9/2 قول الوحي المقدس: « ما لم ترى عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان: ما أعده الله للذين يحبونه ».

ولقد ساهمت الجنة المزعومة في نشوء جماعات متأسلمة سـرية على مـر التاريخ، كانت مهمة الكثير منها اغتيال الخصوم المخالـفـين لها في الـرأي أو في العقـيدة، وسلب أو نهب ممتلكاتهم، بأساليب انتحارية يقوم بها الرعاع نيابة عنها. وقد بدأ تشكل تلك الجماعات السرية في وقت مبكر جدا من ظهور التأسلم، فكان الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وقرروا اغتيالهم، ولكن عبدالرحمن بن ملجم تمكن من قتل علي ولم يتمكن زملاؤه من قتل الآخرين. ثم ظهرت مجموعات أخري كثيرة، يذكر التاريخ مـنها القـرامـطة والأشاعـرة والمعـتزلة والحشاشين والقاعدة في العصر الـراهن بقيادة المجاهد في سبيل الله أسامة بن لادن. وجمعيها تعتمد على الجانب الإجـرامي للإسلام "الجهاد في سبيل الله"، والوعـد بجنات النعيم.

إذن لا عجب أن يصف المتأسلمون نبيهم بـ" الكـريم " جدا، لأنه أباح لهم من الشذوذ مالم يبحـه أي مخلوق على ظهـر الأرض!!!

تولـيف القـرآن

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
عبد الله بن الـزبعـري
تلـعـب بالـنبـوة هـاشـمي بلا وحـي أتاه ولا كـتـاب
الوليد بن يزيد

رأينا فيما سبق كيف أن الإسلام دين تمت فبركته على أيدي محمد وعصابته، تم تولى الاستمرار في فـبركته حتى يومنا هذا كافة العملاء والمرتزقة في كل بقاع الأرض، بهدف تحقيق مصالحهم الشخصية فقط. وكان القـرآن جزءا أساسيا من هذه الفـبركة الطاغـية، فمن المفـروض على أي متأسلم أن يعتقد بنزول القرآن من السماء متقطعا ومتفرقا على مدى 23 عاما، وأن الملاك العـبراني جبريل قام بهذه المهمة طيلة هذه المدة، ولكن من الثابت ـ كما ذكرنا سابقا ـ أن صياغته جاءت منسجمة تماما مع واقع البدو العربان وأهداف صلعم السياسية بحيث يأمر وينهي ويهدد ويرغب ويرهِّب ويحث على القتال والقتل والتعذيب تبعا لمقتضيات الأحوال وضروريات السياسة، وانشغل جـزء كبير منه بالغنائم وبشـؤون صلعم الزوجية وعلاقته وعلاقة البدو العربان بالنساء، وبرر لهم الكذب والخداع وعمليات السلب والنهب وسبي الأطفال والنساء واغتصابهن بوصفهن ملكات يمين.

ونظرا إلى أن القرآن جاء متقطعا ومتفـرقا، طوال تلك الفترة الزمنية الطويلة، فقد تضمن الكثير من التناقضات والخرافات والأخطاء اللغـوية والتاريخية وغـيرها في أكـثر من موضع، وقد سبق ذكـر أمثلة منها. وبالإضافة إلى أن كتابته كانت صعبة، فأن عملية جمعه في مصحف كانت أصعب، إلا أن العملاء الدجالـين استماتوا ومازالوا يستميتون في البحث عن تبريرات واهية لذلك.
ونفهم مـن القـرآن نفسه أن أدوات الكتابة كانت معروفة لدي البدو العربان، فجاء ذكر للقرطاس (الأنعام 7 و91) والورق والصحف (عبس 13ـ14 و الأعلى 18ـ19 والمدثر 52 وغيرها) والأقلام والمداد[الحبر] (العلق 4 والقلم 1والكهف 109 وغيرها) والسجلات (الأنعام 104)، وذكر القرآن أيضا أن هناك كتاب «أو لـوح» مسطور [لم يقل لنا أحد حتى الآن ما هو هذا الكتاب وما مضمونه وأين هـو؟] في رق*33* منشور (الطور 2ـ3)، وجميعها آيات مكية.

والسؤال هنا هو: مادموا يعـرفون كل هذه الأدوات، لماذا لم يستعملونها؟؟ كما وأن من المتبع في أي مجتمع تجاري أن يلتزم الناس بكتابة العقود وتدوين الحسابات ... إلى آخره، ولكن كتب التراث التي يقدسها كل متأسلم تشير إلى أن صلعم أمر بكتابة القرآن على الـرقاع واللخاف والعسف وقطع الأديم*34*وأكتاف الناس وأقتابهم وصدورهم، ولا ندري حتى الآن السبب في ذلك، خاصة وأن جـيرانهم العـراقيين كتبوا تعليماتهم الدينية على ألواح من الطين، والمصريين كتبوا أدق نواحي حياتهم على ورق مصنوع من نبات البردي أو على اللوحات الجدرانية الحجرية منذ آلاف السنين، وأنهم جميعا كانوا على معـرفة بالكتابة وبالقرءة قبل أن يظهر الإسلام!!. ولذلك نفى محمد دروزة هذه العملية بصفتها عملية بدائية، بينما قال محمد صبيح ببعض من " خفة الدم " إن كتابة القرآن على هذه الوسائل البدائية لا بد أن تُكَـوِّن « مصحفا يحتاج إلى عشرين بعيرا لحمـله، ولم نعـلم من أنباء الهجـرة أن قافـلة من الأحـجار فـرت قبل النبي، أو مع النبي، ومعها هذا الحمل الغريب*35* ». ولأن الأمر برمته كما يبدو كان كلاما في كلام، فقد تركنا في حيرة وتكهنات ولت وعجن وتبريرات خادعة وأكاذيب ساطعة، وأساليب رادعة ـ أو قاتلة ـ لمن يسول له عـقـله المساس بها.

ويفهم من كتب الـتراث الإسلاموي أن صلعم القرشي سمح لتابعيه بكتابة ما ينزل عليه من الوحي القرآني بلغة قومه، إلا أنه لم يشـرف بنفسه أو بغـيره على عملية تدوينه، ولم يتأكد بنفسه أو بغيره مما إذا كان تدوينه كاملا أم ناقصا، وما إذا كان صحيحا أم خاطئا. بمعنى هل اتفقت كتابته بالتمام والكمال مع ما يدعي أنه يوحى إليه أم لا. ويبدو أن الأمـر برمـته كان مجـرد هُـراء فلم يؤخذ بالجـدية المـطـلوبة. إضافة ـ كما أسلفنا ـ إلى صعوبة كتابة اللهجة العربية القرشية في ذلك الوقت، وأن البدو العربان ما كانوا يتغلبون، قديما أو حديثا، على أي من المصاعب التي لا تجلب لهم الغنائم، وتدر عليهم الأموال والسبايا ملكات اليمـين.

كان إذن القرآن هو أول من حاول العربان كتابته بلهجة قريش التي أطلقوا عليها " العربية "، وذلك بطلب من صلعم القرشي، لجعلها لغة كاملة يمكن استعمالها تكلما وكتابة. وكانت لغة الكتابة والقراءة والتحدث في ذلك الوقت هي اللغة السريانية المستعملة في منطقة الهلال الخصيب وهي لغة مشتقة من اللغة الآرامية، وقد انتشرت على مساحة كبيرة من المنطقة، وكتب بهما لأول مرة كل من توراة العبرانيين وإنجيل المسيحيين، ودخلت إلى شبه الجزيرة مع اليهود والنصارى الهاربين من الاضطهاد أو المرافقين للقوافل التجارية*36*، وكلا اللغتين مازالتا تستعملان من قبل طائفتي الكلدانيين والسريانيين في العراق وسوريا حتى اليوم. وفي مكة اشتقت من السريانية لغة الكتابة بالخط «المسند» أو بـ" قلم حمير " الذي جاءهم من اليمن مع القوافل التجارية، ثم دخل إليها " قلم " آخر « أسهل وألين في الكتابة من القلم المسند أخذوه من القلم النبطي المتأخر، وذلك قبيل الإسلام*37* »، أما فيما يختص بالكلام، فقد انبثقت من السريانية عدة لهجات كلامية منها العبرانية والنبطية والعربية والحبشية، ولم تكن تستعمل أي منها في الكتابة، مثل أية لهجة من اللهجات الحالية كالمصرية أو العراقية أو المغربية أو غيرها. وقد انحصر استعمال اللهجة العربية في قبيلة قريش دون غيرها من القبائل البدوية الأخرى، وكانوا فخورين بها إلى حد كبير. وتكون " القلم العربي " من تلك اللهجة، ومن ثم كتب به القرآن. وكان من الطبيعي أن تحتوي لهجة قريش العربية على مفردات سريانية وعبرانية وحبشية وقبطية وغيرها، جاء الكثير منها في قـرآن صلعم. ولم يكن يعرف القرشيون معناها أو أنهم كانوا يستعملونها في لهجتهم اليومية بمعنى آخر، فأصبحت قراءته صعبة على المتأسلمين منذ بداية الإسلام. وقد أقر النبي خمس قراءات مختلفة له ـ وقيل سبع ـ دون أن يدلهم على قراءته الصحيحة التي من المفترض أنه تلقاها من ربه كنبي أو رسول، لماذا لم يطلعة ربه هذا ولو لمرة واحدة على اللوح المحفوظ المزعوم، كي يتم حسم الأمر مرة واحدة وللأبد؟؟؟.

ومما لا شك فيه أن تحويل لهجة كلامية إلى لغة كتابية، خاصة في تلك اللهجات الموصومة بالسامية، لم يكن بالأمر السهل، فعندما اتفق العـربان على شكل معين للحروف الأبجدية لم يكن معـروفا لديهم كيفية تنقيطها أو تشكيلها، ولذلك كُتِب القرآن في بدايته غير منقوط أو مشَكّل، فيما يعرف بـ" الرسم العثماني ".

وتستمـر كتب التراث في الاستهانة بعقول البشـر، فتذكـر أنه كان من السهل على الكثيرين من أصحابه حفـظ القـرآن من دون كتابته، ولكن حدث أثناء خلافة أبي بكـر أن قتل الكثيرون ممن يحفظونه في موقعة اليمامة، الأمـر الذي حتم ضرورة جمعه في مصحف ممن حفظوه أو دونوه كاجتهادت فـردية. وأهواء شخصية، فتذكـر تلك الكتب أن أبا بكر ترك مصحفا بعد وفاته لخليفته عمـر الذي تركه بدوره لدي ابنته حفصة، دون ذكر الأسباب، ولماذا لم يطبعوه وينشروه في بقاع الأرض التي احتلوها وأجبروا أهلها على التأسلم. فعندما توسعت الإمبراطورية العربية وانتشر البدو الجياع في البلاد المحتلة وصل إلى علم خليفتهم عثمان بن عفان أن الخلاف اشتعل بينهم بشأن القرآن، وأنهم يقتتلون فيما بينهم في صحة قراءته، فهم في دمشق وحمص يقولون إن قراءتهم هي الأفضل، لأنهم أخذوها عن المقداد. وفي الكوفة يقولون إن قراءتهم هي الأفضل لأنهم أخذوها عن عبد الله بن مسعود الصحابي الكبير الذي لم يتمتع بوزن اجتماعي يذكر، بينما أهل البصرة الذين يعادون الكوفة إدعوا أن قراءتهم هي الأصح لأنها عن أبي موسى الأشعري، وكانوا يسمون مصحفه " لباب القلوب ". فطلب عثمان من حفصة أن تسلمه لبعض الوقت المصحف الذي كانت تحتفظ به والذي جمع أيام أبي بكر من أجل الاستفادة منه في تحرير النص، كا طلب ذلك من الآخـرين، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، ما هو المقصود من تحـرير النص؟ ولماذا أحرق عثمان النصوص الأصلية؟ هل كانت تلك النصوص مخالفـة لما حرره عثمان بإسمه؟

شكل عثمان لجنة لـ" تحـرير النص " أو لتدوين القرآن ـ اختلفت الآراء في عـدد وأسماء أعضائها ـ وكانت برئاسة زيد بن ثابت، وهو يثربي، كان عمره 11 سنة عندما وصل محمد إلى مدينته لاجئا.

وكان من الطبيعي أن تواجه اللجنة مشاكل عديدة أهمها:
1. كيفة مضاهات النص المدون في مصحف أبي بكر مع أقوال حفظة القرآن الذين مازالوا على قيد الحياة، ومدى الثقة التي يجب أن يحظى بها كل منهم فيما يقوله أو فيما كتبه، فظهرت اختلافات كثيرة، واتضح وجود سور بأكملها لم تكن مدونه، فاضطرت اللجنة ـ على سبيل المثال ـ إلى إضافة سورة التـوبة بكاملها عن أحـد البـدو الأعراب الذين هم أشـد كفـرا ونفاقا.

2. كيفية ترتيب الآيات القرآنية خاصة وأنها نزلت متفرقة على مدى 23 سنة، وبعضها نزل في مكة والبعض الآخر في يثرب. ويبدو أنهم لم يتفقوا على ذلك فجاءت الآيات مبعثرة وغير مترابطة.

3. كيفية ترتيب السور، خاصة وأن أسباب نزولها لم تعـد معـروفة لأحد.

4. الاتفاق على قـراءة واحدة، فقد كانت قراءته تختلف باختلاف اللهجات المستعملة في منطقة الحجاز، وقد أقر صلعم منها خمس أو سبع قراءات إرضاءً للقبائل المختلفة، تبعا لما جاء في الـروايات التراثية. ولكن عثمان أمرهم بتثبيت القراءة على لهجة قبيلة قريش في حالة الاختلاف، ثم تركوا ما دونوه بلا تنقيط أو تشكيل كما أسلفنا.

ولأن اللجنة لم تكن مؤهلة لمثل هذا العمل، وأن الأمـر برمته لم يؤخذ منذ بدايته بالجدية الدينية المطلوبة، بل بالعزم السياسي المرغوب دائما وأبدا، فقد جمعوا ودونوا ما يتفق مع أهوائهم ويحلوا لطباعهم، في كتاب أصبح يعرف بـ" مصحف عثمان وليس محمد "، هو المصحف الذي بين أيدينا اليوم. وبالعزم السياسي نفسه جمع عثمان المصاحف الأخرى وحرقها، في عملية طمس للحقائق معـروفة جيدا وسائدة دائما في تاريخ البشـرية جمعاء.

ومع أن إله البدو الإسلاموي تحدى المشركين بقوله: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} النساء 82. فإذا تدبره أحد سوف يجد بالفعل فيه اختلافا كثيرا، وسوف يرى أنه لا يقنع سـوى الـبلهاء أو الجهلاء، فعلى سبيل المثال لا الحصر:
❉-;---;-- إن مؤلفه لم يكن على علم بما قاله من قبل، لأنه كان ينسخ (يمحي) أقواله أو ينسها، ليأتي بمثلها أو أحسن منها، مجـرد هـزيان إلهي صلعمي، فماذ يفعل، حتى وإن كان إلها، ففترة نزول الوحي استمرت على امتداد 23 عماما، لذلك لم يعرف مثلا:
هل أرسل إلى مريم عددا من الملائكة (آل عمران 45) أم أنه أرسل إليها روحه فتمثل لها بشرا سويا (مريم 17 وما بعدها).؟
وهل عذب قوم عاد في أيام نحسات (فصلت 16) أم في يوم نحس مستمر (القمر 16)؟ وهل خلق السماوات والإرض في ستة أيام ثم استوى على العرش (يونس 3) أم خلق الأرض في يومين ... وجعل فيها رواسي من فوقها ... في أربعة أيام ... ثم استوى إلى السماء وهي دخان ... فقضاهن سبع سموات في يومين (فصلت 9-12) وبذلك يكون قد خلقهما في ثمانية أيام؟ وهل كانت السموات والأرض معا ففرقهما (الأنبياء 30) أم أنه استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض إئتنا طوعا .... (فصلت 11)؟ وخلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن (الطلاق 12)، وجعل السماء سقفا محفوظا (الأنبياء 32)، وأمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه (الحج 65). ولكن أيهما خلق أولا؟ ما جاء في سورة فصلت الآية من 9ـ12 التي سبق ذكرها أم ما جاء في النازعات 27ـ32 والذي يفهم منها أنه بنى السماء ورفع سمكها وسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها أولا والأرض بعد ذلك دحاها [سواها] و أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها؟ وكيف يتحدث موسى عن الإنجيل الذي أتى بعده بأكثر من ألف سنة ويدعي أن الرسول النبي الأمي [محمد] يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل (الأعراف 155-157)؟ وكيف تدخل الخمر وهي من الرجس (المائدة 90) الجنة التي وعد المتقون وبأنهار لذة للشاربين (محمد 15)؟ ولم نعـرف من القـرآن هل نجا فـرعون من الغـرق، لأنه عندما أدركه الموت قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين فنجاه الإله ببدنه (يونس 90ـ92)، أم أن هذا الإله أغـرق فـرعون ومن معه جميعا (الإسراء 101ـ103)؟ وهل كان إسماعيل جد العرب المزعوم رسولا نبيا؟ (مريم 54) أم كان إنسانا وحشيا كما وصفته التوراة العبرانية (تكوين 12/16). وما هو عقاب الزنا؟ هل هو الجلد لكل منهما مئة جلدة (النور 2) أم يقع العقاب على النساء الزانيات فقط من دون الرجال، بشرط استشهاد أربعة من البدو عليهن، فإن شهدوا فيتم حبسهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (النساء 15)، ويصبح الأمر أكثر غموضا في الآية 16 التي تقول {واللذان يأتيانها [الفاحشة] منكم فآذاهما فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما} فلم يقل لنا من هما المقصودان بإتيان الفاحشة هل هما رجل وامرأة أم رجل ورجل؟ وكيف يكون أسلوب إيذائهما ووسائل توبتهما وإصلاحهما التي تقتضي العفو عنهما؟

وذكر القرآن أن الذكور المتقين في جنات نعيم ينعمون بأشياء منها الزواج من الحور العين، ولم يقل لنا هل الإناث سيتزوجن أيضا بذكور من الحور العين أم سوف يكتفين بالمشاهدة فقط؟

وماذا كان جواب قوم لوط؟ هل طلبوا إخراجه ومن معه من قريتهم، فنجاه وأهله إلا امرأته (الأعراف 82ـ83) أم تحدوه وكان جوابهم ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (العنكبوت 28ـ29)؟ وهل نجا الله نوح وأهله من الكرب العظيم وجعل ذريته هم الباقين (الصافات 76ـ77) أم أن ابنه كان في معزل، فغرق رغم نداء موسى لربه قائلا إن ابني من أهلي (هود 42ـ45)؟. وهل يوم القيامة مقداره ألف سنة (السجدة 5) أم خمسون ألف سنة (المعارج 4)؟ وهل مصدر القرآن إلهي أم أنه قول رسول كريم (التكوير 19).

هـل يمـكن أن يكـون إلـه بمـثل هـذه السـذاجـة وهـذا الجـهل؟

لا بد أن يقف المرء أمام تلك الهفوات الإلهية والكثير غيرها وهو مشلول الفكر ميبس العقل مكتوف اليدين والقدمين، وهذا بالضبط ما يريده منا الأقذار وعملاؤهم الأبرار أو يقذفون بنا إلى الـموت عـلى أيدي من أسماهم د. سيد القمني بـ" كلاب جهنم " الجاهزة تحت إمـرتهم لاغتيال من تسول له نفسه المساس بهـذا الهـراء.

❉-;---;-- كان محمد معجبا بالشخصيات العبرانية، ولكنه على ما يبدو لم يكن على اطلاع صحيح أو كاف بخرافاتهم، فقـرن إسم هامان بفـرعون مصر المرجح تاريخيا أنه منفتاح رمسيس الثاني، بزعم العبرانيين أنه عدو موسى اللـدود، فجاء في القرآن أن {فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} القصص 8، كما اقـترنا معا مرة أخرى في الآية 38 من نفس السورة. ولكن الحقيقة التاريخية هي أنه لا صلة بين الإثنين على الإطلاق، فهامان هو أحد وزراء الفرس، وقد عرف بكرهه الشديد لليهود، ومن ثم اضطهدهم وحرض عليهم أثناء منفاهم في بلاد الـرافدين، وبذلك تفصل بينه وبين فرعون موسى المزعوم حوالي 1900 عام.

❉-;---;-- فضلا عما سبق ذكره، فإن كتاب البدو المقدس يحفل بالعديد من الأخطاء اللغوية والعلمية، ويمتلئ بالأكاذيب والحث على قتل الآخرين ونهب ممتلكاتهم وسبي نسائهم ... إلى آخره مما يندى له الجبين الإنساني، وينغمس بسببه العقل البشري في فيض من الأوحال. ومع ذلك يعمد العملاء والملفقون والدجالون إلى التهافت في تأويله من خلال الخدع الكلامية البلهاء، رافعين دائما سيوفهم فوق رقاب الجميع، لأنهم « يكنزون الأموال الطائلة من وراء حراسة الجهل والدفاع عنه وتجميل وجهه القبيح ... أما من يدفع ثمن ذلك فهو: الأمة المخدوعة التي تجعل من هذا الكـتاب العـتيق الـمتخـلف دستـورا لهـا أو أهم مصـدر لدستورها ـ عـلى الأقل ـ!*38* ».

إن قرآن صلعم، بل دينه بكاملة ما هما إلا " سوبرماركت " يجد فيهما المرء ما يريده من كافة المتشابهات والمتناقضات والغالي والرخيص والجيد والردئ، وهذا شأن كل المفبركات، وربما يكون سر بقائهما حتى الآن.

ومع أنه جاء في القرآن إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظين، فلم يحدث ذلك، فقد تشتت وتبدد على الـرقاع واللخاف والعسف وقطع الأديم وأكتاف العـربان وأقتابهم وصدورهم، وقام عثمان ابن عفان بحـرق سبع مصاحف منه مختلفة القـراءة لأنها لا تتفق مع أهوائه السياسية، وأجريت عليه تغييرات يتضح بعض منها في المثال التالي وهو مأخوذ من سورة الأحزاب آية 146 في نسخة سمرقند وهي أقدم نسخة للقرآن*39*، وقد كتبت بالخط الكوفي في العصر العباسي:
هذا ولم يستدل حتى الآن على أية نسخة أصلية لأي من مصاحف حفصة أو ابن مسعود أو حتى عثمان نفسه، والذي يدعي الملفقون أن النسخة المتادولة بين المتأسلمين الآن هي من مصحفه.

وفي الآونة الأخيرة ظهـر بحث علمي حديث يتناول تفسير القرآن بناء على لغة الكتابة التي كانت منتشرة في منطقة بلاد مابين النهرين (العـراق) وسوريا في الفترة التي دُوِّن فـيها الـقـرآن. في كتاب بعنوان " قـراءة آرامية سـريانية للقـرآن ـ مساهمة في تفسير لـغـة القـرآن " قام به أستاذ للغات السامية في جامعة برلين، وهو من أصل سوري، ويحمل إسما مستعارا هو " كريستوف لوكسنبرج "*40*، إذ يخشى على حياته من كلاب جهنم الذين أطلقهم العملاء على أمثاله ممن يستعملون عقولهم، فاغتالوا الدكتور فـرج فودة في أحد شوارع القاهـرة وألقوا بأستاذهم الجامعي الدكتور سليمان بشير من إحـدى نوافذ جامعة نابلس الفلسطينية وغـيرهما كـثيرون.

ركـز لوكسنبرج في بحثه على الألفاظ والتعبيرات الكثيرة الغامضة، التي جاءت في القـرآن ولم يفهما العملاء المتأسلمون أو أساءوا فهمها وفسروها بأساليب غير منطقية أو لا معقولة، بالـرغم من أن القـرآن نزل بلسان عـربي مـبين (واضـح). وعادة ما يتبعون تفسيراتهم لتلك الكلمات أو التعبيرات المظلمة بقولهم: والله أعلم أو والعلم عند الله ... إلخ. وقد اعتمد في تفسيره اللغوي على سياق تاريخي للغة العـربية، التي ـ كما أسلفنا ـ لم تكن قبل كتابة القرآن لغة كتابية بل مجـرد لهجـة قرشية إلى جانب لهجات أخـرى تسببت جميعها في تعدد أحـرف القرآن، واختلاف المتأسلمين حول قـراءته. وكانت اللغة الآرامية ـ السريانية اللغة الأم هي التي تقوم بوظيفة التواصل الكتابي في شبه جزيرة العـربان كما كانت تقوم بذلك في منطقة الهلال الخصيب منبعها الأصلي. لذلك وليس من الصعب على أي باحث أن يدرك حقيقة أن اللغة الأم هذه تشكل الأساس لما تسمى باللغة العـربية الفصحى التي استعملت لأول مـرة في كتابة القـرآن، ولم تظهـر في أي أدب عـرباوي مكتوب يستحق الذكر إلا بعد ما يزيد عن 150 عاما من ظهـور الإسلام. ومن هنا فإن أي شخص لا يراعي اللغة الآرامية السـريانية، لا يمكنه أن يقـدم تفسيرا كاملا وواضحا للقـرآن. وقد يؤكـد هذا حقيقة أن القـرآن نقل بالفعل من مـدونات دينية مختلفة كتبت في الأصل بلغة الأم هـذه إلى جانب اللغة العبرية، وعـرفها القرآن بـأنها « أم الكتاب» أو «اللـوح المحفوظ» ولذلك كان محمد يطلب من أتباعـه تعلم السريانية والعبرانية، وأن زيد بن ثابت تعلمها في 17 يوما بناء على طلبه، وظلت اللغة السريانية اللغة الـرسمية إلى جانب العـربية في امبراطورية العـربان الناشئة حتى عـهـد البدوي الأموي عبدالملك بن مـروان (685ـ705م).

أقدم هنا بعض الأمثلة لما جاء في هذا الـبحـث الجـاد:
1. كلنا يعـرف أن إله العـربان طـرد إبليس من الجنة لأنه رفض السجود لآدم، فاستأذن منه إبليس أن يسمح له أن يجـرب الناس إلى يوم الدين، فأذن له إله العـربان بقوله في الآية رقم 64 من سورة الإسراء {واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا}. وفسَّر العملاء وفي مقدمتهم الطبري (839ـ923م) الآية على النحو التالي:
(استفزز) بمعنى إفـزع بصوتك، وهذا يناقض المفهوم القـرآني القائل بأن إبليس {يوسوس في صدور الناس} الناس 5.

وجد لوكسنبرج بالرجوع إلى قاموس لسان العـرب لابن منظور (1232ـ1311م) أن كلمة استفزه بمعنى ختله حتى أوقعه في مهلكة، وهذا يتفق تماما مع سياق الآية. و(واجلب عليهم بخيلك ورجلك) بمعنى إهجم على الناس بجلبة لتخويفهم بالخيَّالة والمشاة، وهذا المفهوم يخالف أيضا المعنى القرآني.
وجد اعتمادا على اللسان أخلب بدلا من إجلب بمعنى احتل أو أنصب عليهم . وبذلك يستحيل الاحتيال على الناس بالهجوم عليهم بجلبة وبالخيالة والمشاة تبعا لشرح العملاء، فيرى لوكسنبرج أنه من الأنسب قراءة بحبلك بمعنى حبالك أو حيلك بدلا من خيلك، ودجلك بدلا من رجلك مما يتفق مع المنطق القرآني.
أما (وشاركهم في الأموال والأولاد) فيعجب العملاء من سماحة إلههم، إذ يطلب من إبليس أن يشارك الناس بالأموال والأولاد التي يرزقهم إياها. ولذلك يلجأون إلى التلفيق فيقولون بأن مشاركة إبليس الناس في المال الحـرام وأولاد الـزنى. هكذا.
وهنا يجد لوكسنبرج أن مصدر (سرك) بالسريانية مشتق منه الشرَك بالعربية أي الفخ والإغراء مستشهدا بحديث محمد: «أعوذ بك من شر الشيطان وشـرَكِه» والمفهوم الديني أن الشيطان يغري الناس بوعوده الكاذبة لهم بالمال والبنين وليس بمشاركته أياهم بهم، وهذا المفهوم يتضح من نهاية الآية: {وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا}*41*.

2. في سورة المدثر الآية 51 وردت كلمة (قسورة): {ما لهم عن التذكـرة معـرضين، كأنهم حمـر مستنفـرة، فـرت من قسورة}، هذه الكلمة البسيطة عجـز العملاء شرقا وغربا عن شرحها حتى الآن، وادعى البعض منهم أنها كلمة حبشية بمعنى الأسد لأن الحمير تفـر منه دائما، ولأن الأسد يقال له (أريا) بالسريانية، ثم جاء المفسرون الغربيون فلم يجدوا لهذه الكلمة أصلا في الحبشية، فظل المعنى الحقيقي لها غامضا، حتى وجد لوكسنبرج أن الكلمة في الواقع سريانية الأصل وقد اشتقت من قسر أو قصر. ويقلب السين والواو تصبح قوسرا أو قوصرا(أو قوسره أو قوصره). ويذكر لسان العرب بأن أهل البصرة في العراق يقولون للمرذول إبن قوصرة بمعنى القاصر أو الفاشل. أما المعنى بشهادة المراجع السريانية فهو الحمار الهرم المتهالك. والمقصود هنا أنهم يفر من شيء لا يستدعي الفرار كقولنا يهرب أو يخاف من خياله*42*.

3. في سورة البقـرة يشير إله العـربان إلى أنه أمات إنسانا لا يؤمن بيوم القيامة ثم بعثه بعد مئة عام، وقال له في الآية 259: { وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما}. والآية بشكلها الحالي تدع مجالا كبيرا للتلفيق والتخمين وسوء الفهم.
ويرى الباحث ضرورة شـرحها بمفهوم سـرياني يوافق النص القـرآني. فيقرأ طعامك على أنها طعم بشرح المراجع السريانية بمعنى العقل والفهم مشيرا إلى التعبير السرياني الأصل الشائع في اللغة العربية الدارجة القائل (حكي بلا طعم) أي بلا فهم وأيضا بمعنى الحال والشأن والأمر.
وكذلك كلمة شرابك وهي مرادفة لما قبلها. وأن كلمة يتسنه منسوبة إلى أصلها السرياني إشتنى بمعنى تغــيَّر.
كما أن حمارك يجب أن تكون جمارك بمعنى كمالك والمأخوذ منها في العربية كلمة الجمر أي اكتمال النار. والدليل الجملة التي بعدها وهي ولنجعلك آية للناس وليس لنجعل حمارك آية للناس.
ثم يشير الباحث إلى أن قراءة ننشزها خاطئة، والمفروض أن تكون ننشرها بدليل مرادفها السرياني (فشط) بمعنى نشر وبسط وأصلح وعدَّل، فيكون للآية معنى بقراءتها على النحو التالي: {أنظر إلى حالك وأمرك لم يتغـير وانظـر إلى كـمالك ولنجعلك آية للناس أنظر إلى العظام كيف نصلحها ثم نكسوها لحما}*43*.

من الواضح حتى الآن أن "عملاء التأسلم" يحاولون تجاهل هذا الكتاب، لأنه يهدم ـ بأسلوب علمي ـ الكثير من أركان دينهم، التي يدعون أنها ثابتة بالضرورة. إنهم بلا شك عاجزون عجزا تاما عن الرد عليه ردا مقنعا.
وفي الكتاب، الذي يضم أكثر من 300 صفحة، أمثلة أخـرى كثيرة، وهو منشور في موقع google باللغة الألمانية والإنجليزية لمن يريد قراءته.

الهوامش:
*1* خزعـل الماجـد: مجلة آفاق عربية، ص 36، بيروت 1979.
*2* ماجد السمرائي ومحمد الجويلي: الزعيم السياسي في المخيال الإسلامي، ص79 و84، المؤسسة الوطنية للبحث العلمي، تونس، بدون تاريخ.
*3* تاج العـروس ج 18 ص .92
*4* نفس المصدر ج1 ص248.
*5* د. جواد على: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج9 ص 616 مصدر سابق.
*6* نفس المصدر، ج9 ص 618.
*7* د. جواد على: المفصل، ج9 من ص 602 حتى 618 مصدر سابق
*8* د. جواد على: المفصل مصدر سابق، ج9 ص621، والأغاني للأصفهاني ج11 ص 382، وابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة ج رقم 2013.
*9* الأغاني للأصفهاني ج21 ص 62.
*10* نفس المصدر، ج9 ص 617.
*11* الأغاني ج21 ص 96.
*12* أبن حجـر العسقلاني: الإصابة ... مصدر سابق رقم 2036.
*13* إبن سعد الطبقات الكبرى ج4 ص162.
*14* نفس المصدر ج4 ص 87.
*15* صحيح مسلم باب «من مات ولم يشرك بالله شيئا».
*16* السهيلي: الروض الآنف ج2 ص175.
*17* إبن سعد الطبقات مصدر سابق ج1 ص155.
*18* صحيح البخاري ج3 ص 183.
*19* صحيح البخاري، حديث رقم 2510.
*20* برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية، باب سرية عمير بن عدي لقتل عصماء، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ.
*21* نفس المصدر، باب سرية سالم بن عمير إلى أبي كفك.
*22* نفس المصدر، باب سرية أبي نائلة إلى كعب بن الأشرف.
*23* الغزوة هي التي اشترك فيها محمد بنفسه والسرية هي التي تمت بأمر منه ولم يشارك فيها.
*24* نفس المصدر، باب غزوة بني قريظة.
*25* نفس المصدر، باب سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع.
*26* نفس المصدر، باب سرية عبد الله بن جحش.
*27* لمزيد من التفاصيل عن هذه الاغتيالات وغيرها راجع كتاب هادي العلوي: الاغتيال السياسي في الإسلام، دار المدى، 2001.
*28* د. محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي، ط1، ص113، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990.
*29* الطبري: تاريخ الملوك، ج2، ص173.
*30* الجابري: العقل السياسي...، ص121، مصدر سابق.
*31* يبدو أنهم كانوا يشربون أنواعا رديئة من الخمر.
*32* راجع تفسير محمد فريد وجدي، ص714، مصدر سابق.
*33* الـرق هو الجلد الرقيق وقد اشتهرت بإنتاجه أماكن مختلفة في الحجاز واليمن بترقيق الجلد ودباغته، وأجوده ما كان من جلد الغزال.
*34* الـرقاع: جمع رقعة، قد تكون من الجلد أو الورق أو غيرهما، واللخاف: جمع لخفة، وهي الحجارة الرقيقة أو صفائح الحجارة، والعسف: جمع عسيف، وهو جريد النخل، والأقتاب: جمع قتب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب البدوي عليه، وقطع الأديم: هي قطع الحلد.
*35* محمد صبيح: بحث جديد عن القرآن، ص 87-88.
*36* راجع كتاب اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية للسيد إقليميس يوسف داود، طبع في الموصل سنة 1896،
*37* د. جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج8، ص152، مصدر سابق.
*38* صلاح الدين محسن: إرتعاشات تنويرية، مصدر سابق.
*39* الاختلافات بالكامل موجودة على صفحة الإنترنت: http://www.geocities.com/izhar_alhaq/samarkand
*40* Christoph Luxenberg: Die syro-aramä-;---;--ische Leseart des Koran: Entschlüsselung der Koransprache (Das Arabische Buch, Berlin 2000).
*41* نفس المصدر ص 216-220.
*42* نفس المصدر ص 45-46.
*43* نفس المصدر ص 176-183.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 08-08-2014, 03:34 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 37,570
افتراضي الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 6 ياسين المصري الحوار المتمدن-الع


الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 6


الصحـوة الثـانية:
الـفـكـرة
« إحـذروا الأنبياء الـدجـالين الـذين يأتون إليكم لابسين ثياب الحملان، ولكنهم من الـداخل ذئاب خـاطـفة! ». متى 15/7.
❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

« كلما ازدادت الفكـرة هشاشة،
كلما ازداد إرهاب أصحابها في الدفاع عنها » نبيل فياض
❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

ـ مـصدر الفـكـرة ومـحـتـواها
ـ سـيد الـخلـق أجـمـعـين
ـ الـدين الـجـديد

تذكـر الدكتورة باتريشيا كـرون في كتاب " الهاجـريين*1* "، وتقصد بهـم أبناء إسماعيل من هاجـر وزوجها المـزعوم أبراهام: أنه في نص عقـيدة يعقوب Doctrina Jacobi، وهو عـبارة عن رسالة يونانية معادية لليهود سببها الاضطهاد الهـراقـلي. وموجـودة على شكل حـوار بين اليهود في قـرطاجة عام 634م، جاء في إحـدى نقاط الجدل إشارة إلى حوادث تجـري أنـئـذٍ في فلسطين وذلك على شكل رسالة من يهودي فلسطيني، إسمه إبراهيم، يقول فيها:

« لقد ظهـر نبي كاذب بين السراسين (العـربان) ... فذهبت أنا إبراهيم إلى رجـل عجـوز مطلع على الأسفار المقدسة وأحلت إليه المسألة. وسألته :
« ما رأيك، أيها السيد والمعلم، بالنبي الذي ظهر بين السراسين؟ »
أجـاب، وهو يتـأوه للـغاية :
« إنه دجَّـال. وهل يأتي الأنبياء بسيف ومـركبة حـربية؟. إن هذه الأحداث اليوم هي حقا أعمال فوضى ... لكن إذهب، يا سيد إبراهيم، واستعلم عن النبي الذي ظهر ». وهكذا قمـت، أنا إبراهيم، بتحرياتي، وأخبرني أولئك الذين التقوه « ليس ثمة من حـقيقـة يمكـن أن توجـد عند النبي المـزعوم، سوى إراقة الدماء، أما ما يقوله حـول امتـلاكـه لمـفاتيح الجـنـة، فـهو أمـر غـير قابل للتصديق ».

إذن تشكك الـرسالة في نبوة صلعم لسبب معقول جدا، وهو أن الأنبياء لا يأتون بسيف ومـركبة حـربية، ولا يوجد عنده أية حقيقة سوى إراقة الدماء. فهو نبي دجَّـال وكـذَّاب لبس ثوب الحمل في البداية، ثم تذأُّب بشكل سافـر فيما بعـد.

ليس هذا فحسب، بل جاءت أيضا بالكثـير الذي يبعث على اليقـين بأنه نبي دجال بالفعل، وأنه أتى بفكـرة دينية هـزيلة وهشـة ومفبركة، ولا يَعْتـد بها أحـد إلا بقدر ما تحققه له من فائدة شخصية. لذلك لابد من حمايتها دائما وأبدا بالسيف والمـركبات الحـربية وإراقة الدماء.

كذلك ورد في مقالة بعنوان " الهرطقات المئة " ليوحنا الدمشقي (647م)، يعدد فيه مئة بدعة نشأت في المسيحية في عصره، وقد ختمها بـ" هرطقة الإسماعيليين ؛ التي سميت فيما بعد بـ" الإسلام ". يقول : « محمد نبي كذَّاب قابل راهبا آريوسيا فاخترع بدعته ... »، وهو يعني بذلك الراهب " بحيرا ".

ومن ناحية أخـرى، فإن الأبحاث الأثرية في سوريا وفلسطين، والتي تعود إلى العصر المحمدي تشير إشارة قوية إلى أن الفكرة نشأت أساسا في جنوب سوريا وفلسطين، وإلى إمكانية عدم وجود محمد كشخصية تاريخية، بل مجرد شخصية خيالية أسطورية، ابتدعها المتأسلمون على مر العصور، بناء على فكرة حملها معهم العربان أثناء غزوهم للبلاد المجاورة لهم.

فالدكتور الألماني محمد كاليش، الذي تأسلم وهو في الخامسة عشرة من عمره ويعمل أستاذا للدراسات الإسلامية بجامعة مونستر، يقول في بداية دراسة له بعنوان «لاهوت إسلامي بدون محمد تاريخي، ملاحظات حول تحديات الوسائل التاريخية للفكر الإسلامي»:

Islamische Theologie ohne historische Muhammad-Anmerkungen zu den Herausforderungen der historischen Mithoden für das islamische Denken.

يقول :
« لوقت قريب كنت على قناعة ثابتة بأن محمد شخصية تاريخية وكنت أنطلق من أن الموروث الإسلامي وإن كان غير جدير بالثقة بخصوص محمد، فقد تضمن في خطوطه العامة الحقيقة لسيرته التاريخية، وهذا أمر لم أشك به، بيد أني تراجعت عن هذا الموقف ». وهو بذلك ينضم إلى الكثيرين في العالم من العلماء الجادين في البحث العلمي لنشأة االأسلمة. ويتفق كاليش معهم في أنه « من الصعب الرجوع إلى محمد تاريخي محتمل، بل إلى إيمان تيولوجي (ديني) أنتجته مراحل صيرورة متأخرة ».

ومن ناحية أخرى، لـو كـان " الإسلام" هـو دين " الحـق " كما يزعمون في قـرآنهم، فلماذا دارت ـ ومازالت تدور ـ الشكوك والخلافات والاختلافات حوله حتى الآن؟ هل يختلف اثنان ـ مثلا ـ على أن الشمس " حـقـيقـة " واضحة للعيان؟.

لقد بدت هشاشة الفكـرة، كديانة جديدة، للعـربان أنفسهم من البداية، فأحاطت بها الشكوك الـقوية عند نشأتها، وظلت تحيط بها وبشخصياتها وأحداثها حتى يومنا هذا. الأمـر الذي يحمل معتنقيها على ضـرورة الدفاع المُميت والمستميت عنها دائما وأبدا.

ولكنها بلا شك تكتسب صلابتها المنقطعة النظير من استغلالها سياسيا لتحقيق مآرب ونزوات كل من يتمسح بها ويبتز الآخرين تحت غطائها. الأمر الذي يحتم وصفها بأنها " فكرة تحايلية ـ سياسية " بامتياز!!.

وللتأكد من ذلك لا بد من التعرف على:

أولا: مصدرها ومحتواها وكيفية نشـرها،
وثانيا: الـداعي إليها ومدى الـتزامه بها،
وثالثا: تأثير زوجاته وأصحابه فيها.

❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

مـصـدر الـفـكـرة ومـحـتواها

كان من المحتم أن تفضى الصحـوة الأولى التي مر بها العـربان السـراسين في مكة إلى نشوء الصحـوة الثانية لإكسابهم هـويَّة، فكانت عبارة عن حـركة دينية ـ سياسية أطلق عليها إسم " الإسلام ". فمن الثابت أن أية حركة سياسية أو إجتماعية ـ مهما كانت ـ هي في النهاية إبنة الظـروف الموضوعية المحيطة بها والتي أدت إلى نشوئها، وهي البيئة التي نشأت فيها والأشخاص الذين قاموا بها، والمجتمع الذي ترعرعت ونمت فيه، لذلك إعتمدت فكرة الديانتين اليهودية والإسلاموية في أساسهما على الـعقـلية البـدوية التي أفـرزت شخصيات دينية، تبنت ديانات صحـراوية متعصبة تتعارض مع ما في الديانات الأخـرى التي نشأت في المجتمعات الــزراعية والتجارية من تعددية وتسامح ومساواة. ولقد تمكن البدو العـربان من فـرض نسختهم الصحـراوية الملفقـة بالعنف عـلى بقية شعوب المنطقة الحضارية التي احتلوها، ثم أوجدوا بين تلك الشعـوب عملاء لهم راحوا يجتهدون في " اللت والعجن " تبعا للتعبير الـريفي المصري، والإكثار من اللغط والكذب والتناقض والاستهانة بعقـول البشـر والاستمرار في تلفيقها من أجـل ترسيخ محتواها الهـش، وما زالوا يلـتون ويعجنون لترسيخه حتى اليوم، فيحاولون ترقيعه وسد ثغراته المشينة والتي لا يصدقها عقل سوي، وقـد عمدوا منذ البداية ـ وبدعم قوي من الحكام العجـزة الفاسدين ـ مغتصبي السلطة ـ إلى إستعمال أساليب الإرهاب والعنف والقتل لمن لا يؤمن بالفكرة، أو يعارضهم فيما يذهبـون إلـيـه بشأنها المُخـزي الحـقير.

ولقد نشأت الفكرة أولا من قبل البدو العبرانيين بهدف اصطناع ثقافة دينية ـ تاريخية من شأنها إكسابهم هوية خاصة بهم. ولم يكن أمامهم شيء يمكنهم استيعابه سوى الأساطـير السومـرية والبابلية والكنعانية والمصرية والفارسية السائدة في المنطقة آنذاك، فأخذوا منها ما أمكنهم تحويله إلى خـرافات دينية وتاريخية، كانت مطـلوبة لديهم بشدة لجمع شملهم وضم صفـوفهم ومحاولة إصلاح شؤونهم. وحـدث نفس الشيء مع نظـرائهم البـدو العـربان القاطنين في الجنـوب منهم. وما كان ليحدث مثل هذا مع غـيرهم على الإطلاق. ودوَّن الإثنان خـرافاتهم في كتب تم تقديسها وعدم أعمال العقل في مضمونها أو التساؤل عن صحتها، أي أصبحت من الأمـور التي يجب التسليم بها.

عـرفنا فيما سبق أن البدو العبرانيين كانوا يقطنون العربية الصـخرية في شمال شبه الجزيرة، ومحاطون بشعوب زراعية حضارية، راسخة في الحضارة في بلاد الرافدين والشام " الهلال الخصيب " ومصر، وحين تحولوا من الحالة الـرعـوية إلى بيع أنفسهم للجيوش المتحاربة، واحتكوا بالشعوب الحضارية المستقـرة، تحولوا إلى الديانة اليهودية التوحيدة التي تحمل جوهر ديانة بلاد الرافدين والهلال الخصيب بكاملها والتي تؤمن بالحسيات والماديات المرئية في الحياة الدنيا فقط وهي ديانة متشائمة جدا إزاء مصـير الإنسان، إذ تأخذ باسطورة كلكامش الرافدية التي تقول: « لقد قدرت الآلهة الفناء للإنسان .. واستأثرت بخلود الحياة .. فإملأ بطنك بملذات الطعام .. وابتهج ما شئت ليل نهار .. فهذا هو نصيبنا من الدنيا »، لذلك اعتمدت دون جدوى على رب سماوي جبار وعدد كبير من الأنبياء وانتظار لا نهاية له للمسيح المنقذ، ولقد أخطأ المؤرخون عندما اعتقدوا أن اليهودية تأثرت في مجملها بالديانة التوحيدية المصرية التي وردت إليهم بناء على الادعاء التوراتي، بأن مؤسسها النبي موسى المزعوم كان قد عاش في مصر أيام الملك إخناتون (1293ـ 1185ق.م) صاحب فكـرة التوحيد الإلهي. ولم يلاحظوا أن اليهودية خالية تماما من جـوهر الـديانة التوحـيـدية المصـرية التي تؤمـن بالخـلـود في الحـياة الآخـرة " الحياة الأبدية " ووجـود عالم " يشبه الجنة " لا يدخله من البشر إلاَّ الأتقياء فقط، والتي تبنتها المسيحية فيما بعد. وجاء الديانة المحمدية لتحاول التوفيق بين الديانتين كما يتضح من قول مأثور ومتداول على ألسنة المتأسلمين، ينسب إلى علي بن أبي طالب، هو « إعملك لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا »، بمعنى الجمع بين الديانتين بصورة متجاورة مع البقاء على جوهر كل منهما دون حذف أو اختصار، الأمر الذي أوجد تناقضا صارخا وتضاربا مشينا في سلوك المسلم أثناء حياته، وأصابه بانفصام مزمن في شخصيته، إذ أصبح الأمر بالنسبة له مجرد تصفية حسابات في النهاية، يتم خلالها الوزن بين حسناته وسيئاته، واضعا في اعتباره دائما أن الحسنات يذهبن السيئات، إذا لم يبادر إلى التوبة والمغفـرة من ربه عقب كل فاحشة يرتكبها، حتى يتثنى له ارتكاب أخـرى وهكذا.

ومن الواضح أن البدو العبرانيين بعد فترة طويلة من اعتقادهم في الآلهة الكنعانية ذوي الأصول الـرافدية، وجدوا في التوحيد الإلهي ثقافة جمعية بالنسبة لهم، وهوية يجتمعون تحت لوائها، ولكي يصدقها الجميع عمدوا في البداية إلى تشخيص ديانتهم، أي ربطها بأشخاص على علاقة وطيدة ومباشرة بإله واحد أحد في السماء، بدلا من التجسيد الأسطوري للعديد من الآلهة، واستقروا على تسميته "يهـوا أو يهوذا"، الذي اتخذوه إلها قوميا خاصا بهم، وادعـوا بأن الأشخاص الذين علي علاقة وطيدة به إما أنهم "أنبياء" أو "رسل"، وقد تم اختيارهم بمعـرفته كي ينقلون رسائله مباشرة إلى البشر أو يتنبأون بما يريده منهم، ولأن هذا الإله صحـراوي ويتعامل مع بشـر صحـراويين، مُعْدَِمين لا يعـرفون غير العنف والدم في حياتهم، كان لا بد له من استعمال الإرهاب الممنهج، الذي ينقله رسله أو ملائكته على لسانه أو يتنبأ به أنبياؤه في كلمات اعتبروها مقدسة ولا تفهم بغـير لغتهم القـومية (العـبرية)، الأمر الذي أتبعه إله أبناء عمومتهم البدو العـربان فيما بعد.
ففي كتب موسى الخمسة المسماة بالتوراة، وصف يهوا العبرانيين اليهود:
بأنهم شعب من الـقـتلة (سفر صامويل 15:3/1)،
وأنهم إخـوان القتلة (الخروج 32/ 27-28)،
وأكلة لحـوم البشـر (اللاويين 26/ 29)،
ولـصوص وحـرامية (الخروج 3/ 22)،
وتجار عبيد (اللاويين 25/ 44-46)،
واتهمهم:
باغـتصاب النساء واحتقـار الأطفال (اللاويين 27/ 2-8)،
وبالجشع والتهالك على جمع المال (الخروج 25/ 3، 33/ 5)،
وبتعذيب الحيوانات (الخروج 29/ 36).
ووصف نفسه بأنه إله غيور (الخروج 20/ 5)،
فهـو لا يكـره كل شعـوب الأرض فحسب، بل يكـره شعبه اليهـودي أيضا (الخروج 33/ 20). ومع كل هذا، غـرس في نفوسهم نعـرة الـغـرور والغطرسة لأنهم " شعبه المختار "، فأمـرهم بعدم قتل أنفسهم والتحـول إلى قتل الآخرين وسلب ممتلكاتهم وسبي نسائهم وحرق مـدنهم وقـراهم.

ويذهب الكاتب الألماني ميشائيل كلونوفسكي*2* إلى أن العبرانيين كانوا أثناء حياة البداوة والتنقل والـترحال مجموعة من الـرعـاع الـحقـراء الذين يحبون المشاجـرات والانتقام الدموي والسلب والنهب والتضحية بالبشـر، ويتعلقون بالخـرافات والتعصب والشذوذ الجنسي والدعـارة والشنائع بشتى أنواعها، حتى أنهم جعـلوا جـدهم الأول إبراهيم يبتز أمـوالا وممتلكات من فـرعون مصر الجديد بإرغام زوجته الحبيبة " سارة " على ممارسة الدعارة معه بادعائها أنها أخت إبراهيم وليست زوجته، وبذلك تم الضغط عـليه لإعطائهما أعـداد كـبيرة مـن الـمـواشي والـفـضة والـذهب، فعاد إلى أرض كنعان وهو « يملك ثروة طائلة من المواشي والفضة والذهب*3* » (الخروج 12/ 11ـ20 و13/ 2) ويقول الكاتب إن هذه السلوكيات لابد وأن تكون متأصل في الجينات الوراثية للعبرانيين، إذ أنها أصبحت فيما بعد أسوأ من ذي قبل. ولو أن هذا الكاتب قد قـرأ عـن أولاد عمومتهم البدو الـعـربان وتاريخهم بشيء من الـموضوعية لـقـال عـنهم الشئ نفسه.

ولأن الشنائع كانت متفشية دائما بين البدو العـبرانيين، مما عـرضهم باستمرار للتشتيت والنفي، فقد كانوا يتوقعون دائما ظهـور نبي ـ ملك من بينهم كي ينقذهم ويصلح شئونهم، ويمسح ذنوبهم، ويقيم لهم مملكتهم. وعندما ظهـر المسيح في أوشليم قالوا أنه دجال ولقيط [ابن حـرام] ويسـير في الطرقات دون حـراسة، فصلبوه حتى قضي عليه وألصقوا جـريمة قتله بالرومان، وعندما حاول محمد استرضاءهم عنه كنبي إدعى في قـرآنه أنهم « ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم »، بينما الحقيقة أنهم كانوا يريدون بطلا عسكريا دمويا يخلصهم من الاحتلال الـروماني ويعيد المشتتين منهم إلى أرض كنعان على غـرار ملوكهم المـزعومين مثل سليمان وداود وغيرهما. وخاطبهم المسيح بقوله: « إنكم أبناء أبيكم إبليس، وترغبون أن تعملوا شهوات أبيكم، فهو من البدء كان قاتلا للناس، ولم يثبت في الحق! وعندما ينطق بالكذب فهو ينضح بما فيه، لأنه كذاب وأبو الكذب!*4* ». وسواء قتله العبرانيون، أو " شبه لهم " كما يذهب قـرآن صلعم، فإن المسيحيين يعتقدون أنه ضحى بنفسه من أجل خلاصهم وخلاص البشر من شـرورهم.

وجاء الإسلام ولم يأتي بجـديد فـقـد ورث عن أخته الكـبرى "اليهودية" معظم مفاهيمها الشاذة وخـرافاتها التي لا ريب في عـقمها، ونشـر بين أتباعه نسخة عـربانية صحراوية من تلك الخـرافات العـبرانية المتهالكة، ولكن بعد إضافة لمسات وثنية وحنفية وصابئية ومجوسية يتطلبها الـوضع الخاص للسادة الـقـرشيين في مكة. كما حاول (عبثا) معالجة الأوضاع السلوكية المتردية بين البدو العـربان بوجه عام، مثل الـربا وبخث الميزان وشـرب الخمـر والـزنا والكذب والنفاق والـرياء والسرقة والقتل، ووضع المرأة في مجتمع ذكوري يسوده النهم الجنس... إلى آخره، ثم تبنى نفس النهج الذي ورد في الكتب التـوراتية العـبرانية، من تكوين الخلق وخلق آدم ثم حواء من ضلعه الأيمن لتسليته، وبالمناسبة كلمة «حـواء» من أصل كلداني وتعني " الأفعى "، وخـرافة طوفان نوح التي أخذت من الأساطير السومارية والبابلية، وظهور إبرهيم وسلالته، وخـرافة المدعو يوسف، ومغامراته النسائية في مصر، وجعله أول خبير اقتصادي عـبراني ينقذ مصـر من القحط والهلاك، وأخيرا وليس آخـرا خـرافة موسى وخـروجه من مصـر، يجـر معه ستمائة ألف من الـرجال عدا النساء والأطفال والحيوانات والأمتعة المنهوبة والأموال المسروقة من المصـريين . وضـربه البـحر بعصاه السحـرية التي لا مثيل لها، فانشق ليعـبروه بسلام، ثم انطبق جـداري الماء الرهيب على جيش فرعون، فأغـرقه، وتاه موسى بأكثر من مليون نسمة في صحراء سيناء أربعين عاما!!. ومع ذلك لم يستدل على أي وجود لإبراهيم أو موسى أو يوسف أو غيرهم حتى الآن في الوثائق المصرية القديمة وهي بالآلاف، وتسجل أدق حياة المصريين اليومية.

وفي حين كانت الأساطير الـرافدية والمصرية والكنعانية وغيرها تعطي أسماء للألهة التي يتم تجسيدها على هيئة تماثيل ورسومات جـدارية، فـإن العـبرانيين في كتبهم الأولى كانوا يصفون إلههم بكلمة " الرب " أو " إيل El = الإله "، ثم ما لبثوا أن أعطوا له إسم " يهوا أو يهوذا "، وهو إله النار والبراكين الذي ظهر في سيناء لنبيهم موسى أثناء خروجهم المزعـوم من مصر، ولم يجسدوه على الأرض بأي شكل من الأشكال، ليبقى مجرد صورة ذهنية في مخيلة البشر، مما يمَكِّـن كهنتهم من نسج القصص والروايات الوهمية عنه وعلى لسانه كما يشاءون. ويصدرون الأوامر بإسمه، وينصبون أنفسهم نوابًا له على سطح الأرض، ثم يأتي البدو العـربان ويتبنون نفس النهج في دينهم، بعد أن تحولت كلمة " الإله " إلى " الله ".

وعندما وصل اليهود المضطهدون والنصرانيون المنشقون على المسيحية (الهـراطقة) إلى العـربية الصحراوية لم يحمل "إلههم" إسما محددا، فكان يدعى "سيد السماوات" أو "إيل عليون" أي الإله الأعلى. ومع اقتراب القـرن الخامس الميلادي أصبح يعـرف بين البدو العـربان بأسم "الـرحمن". وظل يحمل هذه الصفة في بعض القبائل حتى ظهور الديانة الإسلاموية، فنجد أن مسيلمة خصم محمد قد تبناه كإسم لـربه، بينما تحولت كلمة "إيل El" الكنعانية وهي تعني "إله Elah" و "الإله Al-Elah" في لهجة العربان إلى كلمة "الله Allah" بحذف الألف الوسطى، ليكون إسم علم عند الصابئة والأحناف من البدو الـعـربان في مكة ومنطقة الحجاز قبل وبعد الإسلام، ولكن من الواضح أنه ليس إسما بل صفة كأن تقول العالم أو الـوزير من دون ذكـر إسمه، كـذلك أطـلق الـمتأسلـمون عـليه صفـات قـــــــالوا إنها "أسماء الله الحسنى" بناء على الآية القرآنية : {ولله الآسماء الحسنى فادعوه بها} الأعراف 180، مثل: الرحمن، الـرحيم، السميع، العليم، الـوهاب، العلي، القدير إلى آخر ال 99 إسما. لكنها حملت بالمثل صفات ليست بالحسنى عـلى الإطلاق مثل المضل، المـذل، المتكـبر، القـهـار، الجبـار والمنتقم وتجاهلوا تماما أهم الصفات التي يمكن أن تشتق كغيرها من أقوال قالها عن نفسه مثل الرامي {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} الأنفال 17، والقاتل {فلم تفتلهم ولكن الله قتلهم} الأنفال 17، واللاعن {إن الله لعن الكافرين} الأحزاب 64، والماكر {قل الله أسرع مكر} يونس 21، والكائد {إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا} الطارق 15، وأيضا المستهزئ والمضيل والساخر والغاوي ...إلى آخره*5*.
أنا حـقـيـقة لا أدري أي إلـه هـذا !!!

بتحول الديانتين العـبرانية والإسلامية إلى إله في السماء أعلى أو «أكـبر» مما على الأرض، وواحد أحد، لا شريك له، ولا تدركه الأبصار، دخلت الآلهة الأسطورية إلى مسميات مختلفة للملائكة، أو أحيلت للتقاعد، ولم يعد يعمل بها، أو يعتمد عليها، فأصبح الإله إيل الكنعاني إسماعيل وإسرائيل اللذين سبق وتعرفنا عليهما، وجبرائيل*6* أو [جبريل عند العـرب] وتعني "الإله الجبار" ورافائيل وعـزرائيل وميكائيل أو ميخائيل، وما زالت توجد حتى الآن قرية صغيرة في فلسطين تحمل إسم "بيت إيل" على بعـد ستة كيلومترات شمال أورشليم، وزوجته "إيلات" التي يطلق إسمها على الميناء البحـري الإسرائيلي على خليج العقبة، ودخلت إلى العـربان قبل الأسلمة كأحدى آلهتم الثلاث "اللات والعزة ومنات" وهن بنات الإله "سين" في السماء . وسين هو إله القـمـر لدي شعـوب المنطـقة في الشمال أو "ياسين" في اليمن، ومنه أسم الأنثى "سيناء" الذي أطلق على شبه الجـزيرة في مصر، وجاء القسم به في القـرآن {ياسين والقـرآن الحكيم ...}، وقد بنى اليمنيون الكعبة كمعبد له قبل أن يتفق الصائبة والأحناف على مجـرد وصفه بكلمة "الله"، مع الاستمرار في تقديس معبده.

أما إله الخصب "بـعـل Baal" الكنـعـاني الذي نسبت إلـيه مـديـنـة "بعلبك" أو "بعل ـ بك" في لبنان ، بمعنى "بيت بعـل"، فقـد وصل إلى البدو العربان مع القوافل التجارية وأصبح إسمه "هـبل"، وهي كلمة كلدانية أصلها "هـ + بعـل"، والهاء أداة تعريف ولم يكن الكدانـيون ينطـقـون العـين *7*، وأخذ مكانا مميزا بين الأصنام الأخـري حـول الكعبة، ولكنه دخل بإسمه الكنعاني إلى اللغة العربية بمعنى المالك أو السيد أو الـزوج، ولعل ذلك من أثار الـزواج عن طريق التملك بين البدو العربان. ولذلك يرمز إلى المركز السيادي المتعالي الذي يتمتع به الزوج في المجتمع القبلي*8*. وجاء ذكر له في الـقرآن بنفس المعنى:
{لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعـولتهن أحق بردهن} البقرة 228.
{وإن امـرأة خافـت من بعـلها نشـوزا أو إعراضا} النساء 128.
{قالت ياويلتي ألـد وأنا عجـوز وهذا بعلي شيخا} هود 72
{ولا يبدين زينتهن إلا لبعـولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعـولتهن} النور 31.

وقد قـرر القـرآن أيضا أن بعـل هذا، كان أحد الآلهة التي عبدها البدو العربان من دون الله في قوله: {أتدعون بعـلا وتذرون أحسن الخالـقين} الصافات 125.

وهناك آلهة أخـرى خرجت من بلاد الرافدين مثل عشتار أو اشتار [النجمة] ومرت بالكنعانيين لتأخذ إسم الزهرة باليمن وسماها المصريون إيزيس والرومان فينوس وانتقلت إلى البدو بأسم العـزة، وكان الإسم الحـقيـقي لعـم صـلعـم "أبو لهـب" هو عبد العـزة . والإله "يم" الكنعاني هو إله مياه البحار والأنهار ودخل نفس الإسم والمعنى في لغة البدو العربان، كما ظل إله العالم السفلي "موت" لدي السوماريين والبابليين والكنعانيين هو نفسه في لغتهم.

إن الخرافات والتناقضات الموجودة في الإسلام وفي سيرة نبي الأسلمة وارتباطها الوثيق بمثيلتها في الديانة اليهـودية حملت الكثيرين من المؤرخين الأجانب منذ وقت طويل على البحث عن وثائق خارج كتب الـتراث الإسلاموية، وتوصل الكثيرون منهم إلى نتائج مذهلة أهمها:

* أن محمدا ولد في عام 552 وليس في عام 570م أو غـيره، وأن مماراساته لم تتم في مكة ولكن على بعد مئات الكيلومترات منها في الشمال من شبه الجزيرة، حيث كان على علاقة وثيقة براهب نصـراني يدعى بحــيرا النسطوري. وكان بحـيرا هذا قد انشق على الكنيسة في أوشليم وهـرب منها ليقيم في صومعة بالـقـرب من مدينة دمشق في سوريا، فأخذ منه الكـثير من الخـرافات النصـرانية التي تعتمد على مثيلتها العـبرانية. وفـر محمد مع بعض من أعـوانه المنشقـين إلى يثرب (المدينة)، حيث قويت شوكته وتمكن من نشـر فكـرته بحد السيف بين القبائل البدوية من خلال عمليات السلب والنهب والقتل والسبي. وأن بداية نشـر دعوته لم تكن في مكة، ومن ثم لم يفـر «يهاجـر» منها، كما هو معـروف في الــتراث الإسلاموي، بل غـزاها بعد أن قويت شوكته لأهمتها التجارية والعقائدية عند البدو العـربان، وجعلها منافسة لأورشليم القدس.

* كما يفهم من مصادر أخـرى تاريخية غير الإسلاموية أن البدو السـراسنة العـربان بوجه عام لم يفهموا شـروط الــرسائل الإلهية ولم يعـرفوا علامات النبوة، لأنه لم يبعث فيهم نبي قط، ولذلك فإن رجلا من رهـبان النصارى إسمه سرجيوس أو (بحـيرا) ـ المشار إليه سابقا ـ كان قد طُـرِد من الكنيسة في الشام، لاعتقاده في نسطوريوس والتدين به، فوصل إلى مكة ليجد فيها مجموعـتين من العبادات، الأولى شبيهة إلى حد كبير باليهودية والأخرى تتمسك بعبادة الأصنام، فلم يزل سرجيوس يتلطف ويحتال بشخص أسماه نسطوريوس . وسمي فيما بعد في التراث الإسلاموي بـ"محمد"، وكان يخـلو به ويكـثر من مجالسته ومحادثته إلى أن أبعده عن عبادة الأصنام ثم صـيره داعيا وتلميذا له يدعوا إلى دين نسطوريوس النصـراني، وكان محمد يسميه عند أصحابه "جبريل" مرة و"الروح الأمين" مرة أخرى . ولهذا السبب جاء في القرآن المكي إشادة بالمسيحـية النصرانية والدفاع عنها وتزكية أهلها والشهادة لهم أنهم أقرب مودة ورحمة، وأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (المائدة 82)، قبل مهاجمتهم والتخلص منهم تماما إما بالقتل أو الطـرد في الفــترة الـيثربية، لعـدم اعـترافهم بنبـوة محمـد. ولقد أشار القرآن في أكثر من موضع إلى أن الـقـرشيين اتهموا محمد بأنه يتلقى ما يسميه بالوحي الإلهي من آخـرين. وبطبيعة الأحـوال البشرية لا يوجد دخان من دون نار، كما يقـول المثل الشعبي، ولا تنشأ النار من العدم.

* ويشكك البعض من تلك المصادر في وجود محمد نفسه، واعتباره شخصية وهمية، وأن فكـرة الإسلام ولدت في مكة على أيدي المنشقين النصارى، الذين هـربوا إليها من جنوب غرب بادية الشام، بقيادة ورقة بن نوفل، والراهب "بحيرا"، ثم نشأت وترعـرعت في يـثرب، وأخذت صورتها الحالية من قبل العملاء والـمـرتزقة في الشعوب الحضارية التي اعتلاها البدو العربان بعد ما يزيد عن مئتي عام من ظهـورها.

* ويرى جميع المؤرخـين الأجانب أن البدو الغزاة لم يكونوا مسلمين، بمعنى أن الإسلام لم يكن دافعهم إلى غزو البلاد الخصبة المجاورة لهم، بل الغنائم وحدها، وعندما استوطنوا تلك البلاد كانوا يحملون الفكـرة معهم، فـراحوا ينسجون معالمها على مـر الـزمن، بمساعدة العملاء والمـرتزقة من الشعوب المغـلوبة على أنها دين جديد أسموه «الإسلام»، ولذلك احـتـوت على كثير من التناقضات والخـرافات والتـبريرات الواهية، التي فــرضت عـلى الـناس بالقـوة*9*.

* كما يعتقدون بأن القرآن ليس من إنتاج محمد وأنه لم يكتب في البداية باللغة العربية، بل كان مجرد تجميع لبعض المواد اليهودية والمسيحية التي تتفق مع الهـرطقة النسطورية، وقد كتبت بالسريانية في وقت مبكر، وتمت صياغتها بما يتفق وأحوال البدو العرب*10*.

ومما يؤكـد هذا وغـيره حـقـيقة ـ لا ريب فـيها ـ هي أن كل معـلـومة في الدين الإسلاموي برمته مشكوك فيها بالضرورة، ولا بد أن يدور حولها كثير من الادعاءات والتكهنات والتلفيقات والتبريرات المتناقضة واللامعقولة. ولم يحدث أن اتفق رجال الدين الإسلاموي على أي حـدث في تاريخـه. إلا أنه لا بد وأن يأتي يوم ما يضطر فيه المتأسلمون على الاعـتراف بتلك الحقيقة، وربما بصورة أكثر وضوحا مما حدث لليهودية والمسيحية في الـقـرن التاسع عشر.

ومن الجدير بالإشارة إلى أن أولئك المؤرخين غـير المتأسلمين والذين يطلق عليهم صفة " المستشرقين "، ويـرفع المتأسلمون من شأنهم تارة أو يخفضونه تارة أخـرى تبعا لأهوائهم، ما هم إلا علماء أكاديميون بالفعل، ويبحثون عن الحقيقة، ويتعاملون مع مادتهم بجدية وموضوعية وحيادية تامة، كما يتعامل أقرانهم معها لإنتاج الطيارة والسيارة والصاروخ والدبابة والتليفـزيون والأقمار الصناعية والكمبيوتر وغير ذلك مما يعجز العربان عن إنتاجه. إنهم يريدون جميعا خدمة الإنسان ـ ماديا ومعنويا ـ في أي مكان وزمان ولا هدف لهم غـير ذلك.

لكن مشكلة أولئك المتخصصين ـ كغيرهم ـ هي عدم وجود أية وثائق حقيقية تحت أيديهم لهذا التاريخ، وأن أهم ما يساعدهم وغيرهم هو أن تسمح الدولة المتسعودة بالتنقيب عن أية آثار من الممكن وجودها في منطقة الحجاز وشمالها لتشكف الغموض عن تلك الحقـبة من الـزمان.

هذه الأبحاث التي تعتمد على المصادر غير الإسلاموية وعلى المكتشفات الأثرية والأدلة المادية ما زالت في تجري على قدم وساق في الجامعات الأوربية ، ولم تكتمل بعد . على أي حال نعود إلى ما يتوفـر لدينا الآن من مـراجع تراثية إسلاموية لنرى ما فيها من هزيان يقدسه المتأسلمون، ويعتبرونها دينا لهم.

❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--


سـيد الخـلـق أجـمـعـين

« لقيني جـبريل بقِـدْرٍ فأكلـت منها، وأعـطيت قـوة أربعـين رجـلا في الـجـماع*11* »

سواء كان محمد شخصية تاريخية حقيقية أم لا، فإن الـمـرويات الـتراثية العبثية تثبت أن العملاء في كافة بلاد المتأسلمين شكلوا صورة له ولفكـرته تتفق تماما مع ميولهم النفسية ورغـباتهم الدنيوية وتنسجم إجمالا مع سلـوك وطـباع الـبدو الـعـربان الـذين يعتلونهم، وربطوها ربطا عنيفا بإله يقبع في السماء بعيدا عن حياة البشر. ولذلك كان لا بد أن يصاحبها منذ نشأتها وحتى اليوم شكوك كبيرة وتناقضات مـريرة ودفاع دمـوي من قبل أولئك العملاء، خاصة وأنهم يقتاتون من تسويق «الفكـرة» ولهم في «الداعي» إليها أسوة حسنة. فصلعمهم هذا كان تاجـرا محترفا في الأساس وكل البشـر من قـبله ومن بعـده يتاجـرون بصـورة أو بأخـرى.

إذنْ نحاول فيما يلي التعـرف على " داعي الفكـرة ودواعيها "، ونرى مدى الـتزامه بها، وتمسكه بتعاليمها التي جاء بها من السماء السبع وفـرضها على الناس أجمعين، وهل كان سيد نفسه ليكون سيد الخلق أجمعين، ومن ثم يكون أسوة حسنة لـهم، أم أنه كان غير هذا؟؟.

❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

❉-;---;-- مـولـد الـنـبي «المـصـطـفى»

في البداية لا بد من الإشارة إلى أن إسم " محـمد " لم يرد قـط في قـرآن الفـترة المكية التي دامت 13عاما، مما يدل على أن صلعما لم يكن إسمه محمدا. ولذا يقول الدكتور إسماعيل أحمد أدهم*12*: « تناولت في بحث مستفيض مسألة الأنساب عند الـعـرب وكشفت أن أصـوله ليست أقوى من أصـول الحـديث وأعقـبت هذا ببحث مسهب عن نسب الرسـول وأظهرت أنه مختلق وأن إسم الـرسـول كان "قـثما" أو " قـثامة " وأن إسم والده حُوِّل من "عـبد اللات" إلى "عـبد الله"... وبَـيَّـنْـت بكـثير من الدلائل أن عبد المطلب لم يكن شخصا تاريخيا بل إسم صنم من أصنام مكـة وأن عبد المطلب لم يكن جدا حقيقيا للـرسول وأنه لم ينحدر من صلب هاشم*13* ». وعندما نقلب فيما توفـر لنا من كتب التاريخ الـتراثـية، نجد في السيرة الحلبية أن عبد المطلب جد صلعم سماه عندما وُلِـد " قُـثْم " بمعنى مجْمع الخير*14*، هكذا!. وكان إسم " محمد " غـير معـروف عند البدو العربان، ولم يطلقوه على أبنائهم إلا في القرن السادس الميلادي، طمعا في أن يكون أحدهم هو النبي المنتظر، الذي إما أن يكون الكهان أوالـعـرافون أو الدجالون الـذين ينتشرون دائما وأبدا في أرجاء شبه الجـزيرة قد تكهنوا به أو بناء على أقوال اليهـود أو اعتقاد النصارى بمجيء المسيح مرة ثانية، أو ذيوع دعـوة النبوة والتوحيد من قبل بعض المصلحين الذين يتوقون إلى إنقاذ البدو العـربان من التشـرزم والتناحـر وشتى صنوف الفساد والانحطاط. وتم تغيير الإسم الذي أطلقه عليه جده عندما قالت أمه آمنة بنت وهب إنها أُخبِرت في المنام أن اسمه محمدا، مما يشير إلى أنها قد راودها الأمل كـغيرها من الأمهات في أن يكـون هو النبي المنتظـر.

ويذهب المستشار محمد العشماوي إلى أن أحد المستشرقين من كتاب السيرة النبوية [لم يذكر إسمه] قال إن اسم محمد كان اسما نبويا، أي اتخذه النبي لنفسه عندما بدأ رسالته*15*، بمعنى أنه كان إسما حـركـيا، وليس حـقيقيا.

وتفيد الأبحاث الأوروبية التي تعتمد على مصادر غير إسلاموية على أن الإسم أخِـذ من المسيحية . وهو صفة للمسيح رسول الله كما جاء في أكثر من سورة في القرآن*16*. فكان المسيحيون يقولون : مقدَّس أو محمَّد رسول الله، بمعنى له الحمد*17*.

كما تروي تلك الكتب في عنعنة طـويلة ومملة كالعـادة قصة عـن أبيه عبد اللات (عـبد الله فيما بعد) تقـول أنه كان في بناء له وعـليه أثـر الطـين، فمـر بامرأة من بني خثعم وقيل من بني عدوي [قبيلة عمر بن الخطاب]، وادعى ابن عباس أنها كانت " عـرَّافة " من بني أسد ـ قبيلة ورقة بن نوفل ـ، وعرَّفها الواقدي بإسم " قتيلة " أخت ورقة بن نوفل، وأن تلك المـرأة دعـته إلى نفسها لـمـا رأته بين عـينيه، أو دعـته لتستبضع منه (أي تنجب منه) ولـزمت طـرف ثوبه (أي جـذبته منه) قائلة له: إن وقعت بي (أي نكحْتَني) فلك مائة من الإبل. فقال لها: حـتى أغـسل عـني هذا الطـين الذي عـلي وأرجع إليك، فدخل على آمنة ووقع بها (أي نكحها)، فحملت برسول الله (صلعم) الطيب المبارك، ثم رجع إلى الخثعمية أو العـدوية أو الأسـدية هذه، وقال لها: هل لك فيما قلت؟ قالت: لا، قال: لماذا؟ قالت: لأنك مررت بي وبين عينيك نور ثم رجعت إلي وقد انتزعته آمنة ... ويتباهى أو يتبارى رواة السيرة في سرد هذه القصة المخـزية كغيرها، بهدف التدليل على نبوة محمد المشكوك في صحتها دائما وأبدا.

إذنْ يتضح من تلك الروايات أنه كانت هناك امـرأتان: واحدة وقفت في طريق والد محمد وطلبت منه أن ينكحها لتستبضع منه وتعطيه مائة من الإبل لما رأته من نور بين عينيه، ولكنه آثـر أن تنـتزع هـذا النـور آمنة التي تزوجها منذ أيام قلائل، ثم يعـود إلى المـرأة (الغريبة) ليزني بها.

أما آمنة التي انتزعـت " هذا النور " فتقول: « ما رأيت من حمل أخف منه ولا أعظم بركة منه » وفي روايات أخرى قالت: « ... فوالله ما رأيت من حمل قـط كان أخف عـلي ولا أيسر منه...»، أو أنها قالت: «حملت به فما حملت قـط أخف منه فـرأيت في النوم حين حملت به أنه خـرج مني نور ...*18* ». وبأقل قدر من الذكاء يفهم من هذا أن أم محمد تقارن بين حملها له بحملها لآخرين من قبله. فهل كانت مـتزوجة بأحد قبل زواجها بوالد صلعم؟ وهل كان لصلعم أخوة؟ سواء أشقاء أو غـير أشقاء؟، لم تذكر المرويات الإسلاموية أي شئ عن ذلك!!!.

ومن ناحية أخـري فإن أية قـراءة مـوضـوعية لتلك الكـتب الـتراث الإسلاموية المقدسة تثـير قـدرا كبيرا من الشك حول ولادة هذا النبي «الـمزعوم»، إذ يُفهَم منها أنه ليس ابن عبد اللات (عبد الله) كما هو متفق عليه بعنف بين كافة المتأسلمين، فقد جاء فيها أن عبد الله أخذ آمنة بنت وهب التي كانت تعيش في بيت عمها وهيب بن عبد مناف وأخذ جده عبد المطلب هالة بنت وهيب وتزوجا في يوم واحد، فـولـدت آمنة محمد وولدت هالة حمزة، وبذلك من المفترض أن يكون محمد وحمزة في عمر واحد أو أن يكون محمد أكبر سنا من حمزة، أي وُلِد قبله لأن أبيه عبد الله لم يمكث مع أمه سوى أشهـر قلائل على أكثر المـرويات ثم مات، بمعنى أن تكون أمه قد حملت به خلال هذه الأشهـر الثلاث. ولكن أغلب الرواة ذكروا أن حمزة كان يكـبر محمد بأربع سنوات والقليل منهم قال سنتين. وأجمعوا على أن النبي مات وعمره ثلاث وستون سنة ومات بعد حمزة بثمان سنوات، فيكون عـمـره يوم مـوت حمزة 55 سنة، وحـمـزة مات في السنة الثالثة للهجــرة في غـزوة أحـد وعمـره 59 سنه أي أنه يكبر محمد بأربع سنوات*19*. فهل دامت فترة حمل محمد أربع سنوات؟. خصوصا وأن الـرواة يتفقون على أن أباه عبد الله بن عبد المطلب مات وعنده 25 سنة وكانت أمه حامل به، قيل قبل شهـرين من ولادته وقيل أكثر أو أقل، فالاختلافات والخلافات قائمة دائما وأبدا في هذا التاريخ الديني المبتور من أساسة. إذا لا بد أن يكون الحمل من محمد جاء بعد أربع سنوات من الحمل بحمـزة أي بعد مـوت أبيه بسنوات عـديدة أو أنه مكث في بطن أمـه أربع سنوات.

وفي محاولات العملاء العبثية لسد مثل هذه الثغـرات، نقـرأ في الكتب التراثية المنفِّرة عن تلك الـمرأة التي حملت رغم غياب زوجها عنها سنتين، فجيء بها إلى عمر بن الخطاب. وأمر عـمر برجمها، ولكن لأن الأمـر برمـته مجـرد أهـواء شخـصـية اخـتزلت برمـتـهـا في كـلـمة " إجتهاد "، فقد تدخل معاذ بن جبل، وقال لعمر: إن يكن لك سلطان عليها، فلا سبيل لك على ما في بطنها. تبرير نصف أخلاقي أخذ به عمر وأمر بحبسها حتى تضع، فوضعت غلاما، فلما رآه أبوه قال: إبني ورب الكعبة!! فبلغ ذلك عـمـر، فقال: عجـزت النساء أن يلدن مثل معاذ [بالمعنى البلدي: ما جابته ولادة]، لولا معاذ لهلك عـمر*20*. هكذا ببساطة!!، ودخل في أدمغة الجميع بأن الحمل دام سنتين، فترة غياب الزوج. ولا ينسى العملاء المرتزقة والمتطفلين أن يتباهوا بذكر هذه الواقعة للتدليل على عدل عمر وديموقراطيته التي لا مثيل لها في العالم أجمع، ولا مانع لديهم من إضافة بعض التحسينات من نسج الخيال لزوم التحايل وغسل الأدمغة أو تحجيرها لضرورة المحافظة على مهنتهم.

كذلك نجد المرأة التي هلك عنها زوجها فقضت عدة أربعة أشهر وعشرة أيام قبل أن تتزوج ثانية. ومكثت عند زوجـها الجـديد أربعة أشهـر ونصفا فقط ثم ولدت ولدا، وعندما أخبر زوجها عمر بن الخطاب أراد الأخـير أن يعطي العيش لخبازه، فاستدعى نساءً « من نساء الجاهلية على حد قول مالك »، فأخـبرته إحداهن بأن هذه المـرأة هلك عنها زوجها حين حملت منه، ويبس الولد وهلك في بطنها، فلما أصابها [أي نكحها] زوجها الثاني، وأصاب الولد الماء تحرك في بطنها وكبر*21*!!!.
وذكـرت كتب الـتراث أن مالك نفسه وأشخاص آخـرين مكثوا في بطـون أمهاتهم سنتين، ولكن السيوطي زاد فترة الحمل إلى ثلاث سنوات بالنسبة لسيده مالك الذي أخبره في تراثياته أن جارة له ولدت ثلاثة أولاد في 12 سنة بحمل 4 سنوات.

أما إمام الدجـالين القرطبي فيتحفنا في تفسيره لسورة الطـلاق، الآية 4 بقوله إن المتوفي عنها زوجـها وتشك أنها حامل عليها أن تنتظر خمسة أعوام أو سبعة في انتظار الوضع، ودخل آخـرون المباراة، فـزاد ابن العربي بجواز انتظارها عشر سنوات. وقال أشهب: لا تحل أبدا حتى تنقطع عنها الريبة. وعلق ابن العربي على هذا بقوله: « وهو الصحيح، لأنه إذا جاز أن يبقى الولد في بطنها خمسة أعوام جاز أن يبقى عشرة وأكثر من ذلك »*22*.
وهكـذا يكـون الجـهـل المقـدس بأجـلى مـعانيـه!!.

وإذا بدى الأمر لأحـدنا عـلى أنه " هـزيان أو هلوسات أو هـراء "، فهذه مشكلته هو وعليه أن يتحمل عواقبها وحده، فهذه خصوصيات صنعها الله لخير أبنائه من البدو العـربان.

وأخيرا يقول الدجالون المتأسلمون إنه طالما يؤمن اليهود بأن نبيهم موسي قد انتُشِل من النهر، والمسيحيون يؤمنون بأن نبيهم وُلِد من عذراء دون أن يمسسها بشر، فلماذا لا نؤمن نحن بأن نبينا وُلِد بعد أربع سنوات من الحمل به؟؟!!. ومع أن عـلـوم الطـب الحديث قد وضعت مثل هذه الخرافات في مزابل التاريخ، إلا أنها مازالت تدخل ضمن اجتهادات العملاء الدجالين والملفقين والمـطبلـين والـمـزمـرين، ومازالت تصدقها العقول المتحجـرة وتوافق عليها وتعتقد فيها حتى اليوم.

كما يفهم كل ذي عـقل متفتح من تلك الـروايات الطويلة والمملة أن قـريش (قبيلة صلعم) شككت في نسب محمد أمام عـمه عباس، وقالت أنه لا أصل له، وبدلا من أن يدافع عباس عن ابن أخيه أمام قريش راح يبلغه بذلك، مما أغضب صلعم غضبا شديدا وأخذ يردد أكثر من مرة بأن الله حين خلق البيوت جعله من خير بيوتهم فهو خيرهم أبا وخيرهم نفسا، أو عندما خلق الخلق جعله في خير خلقه ... إلى آخره*23* من هذه الخـرافات والأوهام التي لايصدقها سوى الجهلة أو المـرتزقة. ونسوا عن عـمد أن الحكمة الشعبية تقول: لا يشكـر في نفسه إلا إبليس.

ولأن الافكار تتداعى، وخـرافات وأوهام البدو العربان تنهال على رؤوسنا وتطاردنا في كل مكان وزمان، نذكر أنه عندما مات عبد العزيز بن سعود " ملك البدو العربان أحفاد صلعم " في عام 1953م، ادعـت سيدات كثيرات في العربية الصحراوية أنهن أنجبن منه أولادا أو بناتا، وظل هذا الادعاء قائما لسنوات عديدة بعد موته، فكان لابد لأولاده الكبار المعتمدين أن يحددوا من منهم أبناءه ومن غير ذلك، وبطبيعة الجهل الصحراوي المقدس لجأوا إلى " العملاء الدجالين " الذين أصدروا فتوى قالوا فيها « إن الحمل يمكن أن يدوم ثلاث أو أربع سنوات، تيمنا بالسلف الصالح »، هكذا والمتضرر يذهب إلى الجحيم. حتى وإن كان تحليل الحمض النووي قد اكتشف آنذاك فسوف لا يعـتد به، لأنه من صناعة الكفار، شأنه في ذلك شأن كافة الاكتشافات العلمية الأخرى (لمزيد من الاستمتاع بالجهل الإسلاموي المقدس أنظر الفصل التاسع).

نعود مـرة أخرى إلى مولد المصطفى صلعم لنجد من البديهي أن يسأل البعض:
لماذا إذن قبله عبد المطلـب حـفيدا له إذا كان يعـرف أنه ابـن رجـل آخـر غـير ابنه عبد الله؟.
هذا السؤال وجيه وله ما يـبرره، خاصة ونحن مع البدو الـعـربان لا نكف عن ترديد كلمات جوفاء مثل « الأصل العـريق والنسب الشريف ... إلخ ». وللأجابة عليه نعود إلى ظلام الـتراث الإسلاموي الدامس نتلمس فيه بقدر المستطاع إجابة شافـية كافـية.

كان البدو العربان السراسين لظروفهم الموضوعية آنذاك (وحتى الآن) لا يهتمون إلا بالولد دونما اعتبار إن كان مولودا من عـاهرة أو زانية. فتاريخهم المجيد يقول لنا أن أربعة من الرجال هم العاص وأبو لهب وأمية بن خلف وأبو سفيان بن حـرب تنازعوا على بنوة عمرو «بن العاص» رغم معرفتهم بأن أمه عاهـرة وقد تناوبوا عـليها الأربعة في وقت واحـد. ففي جلسة عاصفة لمعاوية بن أبي سفيان وغـريمه حسن بن علي بن أبي طالب (حفيد صلعم) التفت الأخـير إلى عمرو بن العاص وقال له « أما أنت يا عـمـرو بن العاص الشاني اللعين الأبتر، فإنما أنت كلب أول أمرك إن أمك بغية[عاهرة أو قحبة]، وإنك ولدت على فراش مشترك، فتحاكمت فيك رجال قريش، منهم أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة وعثمان بن الحرث والنضر بن الحرث والعاص بن وائل، كلهم يزعم أنك ابنه فغلبهم عليك ألأمهم حسبا وأخبثهم منصبا وأعظمهم بغـيـة... ». كذلك عـيَّر عمـرو بنسبه كل من عـلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعمار بن ياسر وغيرهم من عصابة الصعاليك المحمدية.

وتذكر بعض كتب الـتراث الـوثنية التـقـديس إنه عـندما سئلت أم عـمرو: « لماذا اخـترت العاص؟ قالت: لأنه ينفق على بناتي، بينما تذكر أخـرى إن الحق في بنوته كان للعاص لغلبة الشبه بينهما »*24*. وبالمناسبة سوف تكون لنا عودة إلى عـمرو بن العاص هذا لكونه من أخبث وأردأ وأحـط الشخصيات التي ظهرت في تاريخ العـربان الإسلاموي، والتي أثرت في مساره بشكل سيء حتى يومنا هذا.

بطبيعة الحال كان لابد للدجالين أن يشيروا إلى هذه القضية، فنسب الدجال أبو هريرة إلى صلعم قوله: « ثلاث من الكفر بالله شق الجيب والنياحة والطعن في النسب*25* »، وقد يصدق الدجال أحيانا، لأن هذا الطعن في النسب يطال صلعم شخصيا.

بقى أن نذكر قول عمر بن الخطاب في دفاعه عن حـد الرجم بأنه حق وقد هم بكتابته في المصحف، وأنه سأل أبي بن كعب فقال له إنه استقرأ آية الرجم من رسول الله صلعم « لأنهم يتسافدون تسافد الحمر*26* »، أي أنهم ينزون أو يثبون على بعضهم البعض من الخلف مثل الحـمير.

هذه إذنْ صورة المجتمع البدوي الصحراوي قبل وبعد الأسلمة، وحقيقة نبيه " المصطفى أشرف خلق الله أجمعين "، مجـرد ابن حـرام.

ومادام العملاء بصدد مولد هذا المصطفى، فلابد أن تتفتق قرائحهم ويجتهون في تلفيق عدد من المعجزات التي حدثت قبل ولادته وبعدها لإثبات نبوته، في محاولة يائسة لإزالة الشك الدائر حولها باستمـرار، وطالما عندهم وقت وليس عندهم عمل، فلا بد أن يحلو لهم التلفيق والتزويق، لأن فيهما دفاعا عن وجودهم، وترسيخا لسطوتهم.

من هذه المعجـزات على سبيل المثال:
أن أمه عندما حملت به رأت نورا يخـرج من فـرجها (كسِّها).
وأنه ولد مختونا، لذلك لم يختن كطفل. ولأنه ولد مختونا، فقد أصبح الختان واجبا على كل متأسلم، دون تحديد لموعده، مع العلم بأن الختان لم يذكـر في الـقـرآن قـط، سواء أكان للـرجال أو للنساء.، وأنه مجـرد عادة فرعونية قديمة أخذها العبرانيون، ثم انتقلت إلى أشقائهم البدو العربان.

وأضافوا إلى ختانه، أنه ولد مسرورا، أي مقطوع الحبل السري، مع العلم بأن من يقطع حبله السري في رحم أمه وقبل أن يصرخ صرخته الأولى يموت قبل ولادته، فالحبل السري هو الذي يمد الطفل بالأكسوجين والغذاء والماء إلى أن يولد.

وأنه ولد وكان بصره شاخصا إلى السماء، مادام سيصبح نبيا فيما بعد.

وفي الليلة التي ولد فيها ارتجس أيوان كسرى، وسقطت منه 14 شرفة، وخمدت نار الفرس التي لم تخمد منذ ألف عام، وغاصت بحـيرة ساوة. وهنا يتساءل الدكـتور كامل النجار بحق: « إذا كان الله قد أرسل محمدا لأهل مكة والجزيرة العربية في المكان الأول، ...، لماذا ارتجس إيوان كسرى في العراق وخمدت نار المجوس في بلاد الفرس ولم يحدث شيء في مكة وجوارها؟*27* ».

وأنه عندما كان في حضانه حليمة السعدية جاءه ملكان وشقا صدره وفتحا قلبه ونظفاه من العلقة السوداء. ولم يقولوا لنا: أين هي هذه العلقة السوداء سواء التي أزيلت عن قلب محمد أو التي توجد في قلوب الناس؟؟. مجـرد كلام فارغ يصدقة الجهلاء!!!
وأن ميْسرة أحد عبيد خديجة بنت خويلد رأي سحابة تظلله من أشعة الشمس الحارقة خلال رحلتيهما التجارية لحسابها إلى الشام، وفي رواية أخـرى قال أنهما مَلِكان.

وأن ريقه وبوله يشفيان من الأمـراض، وعـرقه أطيب من الطيب، ومن شـرب دمه عصم نفسه من النار. وأنه لم يكن له ضـراط قط. وأن منيه طاهـرا بحيث كانت عائشة تفـركه من ثوبه ثم يذهب فيصلي فيه. أما غائطه (برازه أو خـراؤه) فكانت تنشق الأرض وتبتلعه، وتفوح لذلك رائحة طيبة، فقد أسند الواقدي خبرا عن عائشة أنها قالت لصلعم: إنك تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئا من الأذى!! فقال: ياعائشة، أو ما علمت أن الأرض تبتلع ما يخـرج من الأنبياء، فلا يرى منه شيء!!*28*. وكله هلوسات بدوية صحـراوية في هزيان عملاء سنة محمدية أو شيعة عـلـوية.

وإضاف القرآن إلى تلك المعجزات المحمدية رحلة الإسراء وأكملها العملاء برحلة المعـراج، التي لم تذكـر في القـرآن، إذ أنه امتطى مخلوقا خـرافيا عجيبا اسمه " الـبراق "، وانطلق إلى " المسجد الأقصى " في أورشاليم القدس، وهناك ربط براقة بالحائط الغربي للمسجد، حيث كان الأنبياء من قبله يـربطون دوابهم، ودخل المسجد وصلى بالأنبياء جميعا قبل أن يعـرج به إلى السموات العلا، ليتفقدها الواحـدة بعد الأخـرى، حتى وصل إلى سـدرة المنتهى.

وقد تسببت هذه المعجـزة عندما إعلنها محمد، على غير ما نصحته به عائشة أو غـيرها، في اتهام القرشيين له بالكـذب، وحملت الكثيرين من أتباعه القليلين على الارتداد عن دينه، فجاءه الوحي لإنقاذه من ورطة الكـذب الفاضح بقوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} الإسراء 59، بمعنى أن ربه عمل هذه الحكاية لإحداث بلبلة بين الناس، دون إبداء الأسباب، مجـرد تسلية إلهية ولعب بمشاعـر الناس. وانبرى رفيقه " الصديق " أبوبكر لتأكيدها. لكن عائشة قالت فيما بعد إنه لم يغادر فراشه وإنها حدثت بالروح وليس بالجسد. ولعلها لم تكن تدري أن الأرواح لا تحتاج إلى حيوان خـرافي مُجَنَّح كي يطير بها.

ومع أن المتأسلمين مازالوا يحتفلون بهذه الخـرافة، ومازالت تتلى على آذاننا في كل مكان وزمان وتدرس لنا في معاهدنا العـلمـية، فإن أحـدا منهم لا يدري

أولا: أن المسجد الأقصى القائم الآن في أورشاليم بناه الأموي عبد الملك بن مروان في عام 72 بعد الهجـرة أي بعد موت محمد بأكثر من 60 سنة، ليصرف المتأسلمين عن الذهاب إلى مكة للحج أو العمـرة. (أنظر فصل: الصعاليك خارج كمائنهم).

ثانيا: ذهب بعض المؤرخين إلى أن المسجد الحرام في مكة كان يسمى المسجد الأدنى، وأن المسجد المقصود (الأقصى) كان في منطقة الجعرانه القريبة من مكة.

وعندما يعرف أحدهم ذلك يلجأ إلى المراوغة والتلفيق المعمول به فيقول أنه في السماء، ولا ينسى أن يمهر كلامه بالقـول: والله أعـلم، ولكن لا أحدا منهما يعلم شيئا.

وثالثا: من يقـرأ أساطـير البابليين والفـرس واليونايين القدماء ويطلع على خـرافات اليهود يجد العـديد من القصص المشابهة تماما والتي عـرفت جميعها بالإسراء و المعـراج، وذلك لربط أنبيائهم بالإله الأعلى وبأماكن معينة تحظى بالـقـداسة بين الناس.

إن الاحتمال الأرجح لهذه القصة الخـرافـية، هو أنها جـزء من المحاولات المضنية والعديدة التي قام بها صلعم من أجل انتزاع اعـتراف اليهود بدعـوته الجـديدة.

وبطبيعة الحال لم يتمكن نبي البدو من الادعاء بأنه حظي خلال الرحلة برؤية وجه ربه، كما ادعت توراة العبرانيين بالنسبة لنبيهم موسي، حتى لا يضطـر لتقديم وصف لذلك الوجه. ومع ذلك يخبرنا قرآنه في آيتين أن المؤمنين سيسعدون برؤية وجه الله يوم القيامة، وأنه سيلقي عليهم السلام (القيامة 22ـ23)، وأن وجوههم يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة (الأحزاب 44)، ألم يكن من الأحـرى بهذا الإله المزعوم أن يُري وجهه لـ"نبيه المصطفى" من دون البشر جميعا؟؟.

❉-;---;-- إعـداده للـنـبوة

إن النظـرة الموضوعية لتاريخ البشـر تدلنا ـ بما لا يقبل الشك ـ أن المخاضات التي تؤدي إلى التغيير تأتي من الأرض وليس من السماء وتكتسح الأرض ولا تلمس السماء، هذا إذا كانت هناك سماء يقبع فيها إله بالفعل. ولكن الكثـير من تلك المخاضات جـرى تحت إسم السماء وبغطاء منها كي يكتب لها البقاء، ولا تزول كما حدث للشيوعية والاشتراكية والنازية وغـيرها، والتي ظهـرت في بداية القرن العشرين ولم تدوم طويلا. وأن المخاض الذي أدى إلى ظهور الإسلام في المجتمع المكي لم يكن سوى عملا فرضته ظـروف المجتمع الصحـراوي وبيئته، وتم التخطيط له بعناية على أيدي مجموعة من الغـيورين على أحوال ذلك المجتمع، والمطلعين على الديانات السائدة في المنطقة والمحيطة بهم، وفي مقدمتهم القس أو الـراهب ورقة بن نوفل، والراهب بحيرا النسطوري المخلوع من الكنيسة لهـرطـقـته، ومن ثم تجنيد صلعم وعصابته للقيام به.

ومن الملاحظ أن المصادر التاريخية التراثية لم تذكر أي شيء عن محمد منذ ولادته وحتى زواجه من خديجة بنت خويلد عندما كان عمره 25 سنة، سوى أنه عاش شبابه في زهد وطهـر، فلم ينغمس في الملـذات كحال أقـرانه من الشباب، والحقيقة أننا لا ندري لماذا انغمس في تلك الملذات على كِبر وبعد أن تأمَّر على الناس؟؟، وأنه كان معدما فقـيرا مما اضطـره إلى رعى الغنم للغير، ولقب بـ" الصادق، الأمين " و " النبي الكريم "، مع أن صفة الكريم لا تنطبق على المعدم الفقير. ولما كبر راح يعتكف في غار حـراء مثلما كان يفعل جده عبد المطلب وآخـرون. وتقفذ الـروايات ـ مـرة واحدة ـ من مولده إلى أول لقاء له بخديجة بنت خويلد بن أسد أحد أحفاد قصي بن كلاب.

ويفهم من التفاصيل الطويلة والمملة في تلك الكتب الـتراثية والوثنية التقديس أن خديجة هذه كانت من بني أسد القرشيين [قـريش البطاح] الذين كانوا يسكنون بباطن مكة، بالوادي، في بيوت مستقـرة لامتهانهم التجارة، وأنها تزوجت مـرتين قبل أن تطلب الـزواج من محمد، وتؤكـد المـروايات الـتراثية على أنها كانت شـريفة وثرية ولكن في مجمل التفاصيل يتضح لنا أنها كانت أيضا على علم ومعرفة بمفهوم التوحيد الإلهي والملائكة والنبوة لصلتها الوثيقة بابن عمها «الـقـس أو الـراهـب» ورقة بن نوفل بن أسد، وأنها لذلك لعبت دورا أساسيا في إعـداد محمد للنبوة وساندته ماديا ومعنويا {ألم يجدك يتيما فآوي، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى} الضحى 6ـ 8، وتؤكد كتب التفاسير على أن الله هدى محمد بالإسلام وأغناه بمال خديجة الثرية، ويتضح من قـراءة تلك الكتب أن الـرواة والمـؤرخين تعمدوا عدم التعمق في شخصيتها ومحاولة حجـب دورها في إعـداده للـنبوة، « ولكنها مع ذلك أصبحت جـزءا مـن "أسطورة" نشأة نبوة محمد وحيثية من حيثياتها التي لا يمكن عزلها عنها، والتي لا تكتسب أهمية أيضا إلا في علاقة بها »*29*. أما شخصية الـراهب ورقـة فقد تجاهلوها تماما، باستثناء أنه عقد قرانهما وتنبأ بنبـوة محمد، وبشـر خـديجـة بها.

كان ورقة أحد أهم الذين عرفوا بالحكمة والتأمل والـنزوع إلى التوحيد الإلهي في مكة، وشكلوا فيما بينهم وحدة فكرية واحدة، أطلـقوا عـلى أنفسهم إسم "الحنفاء"، ونظـرا إلى أنه لم يكن لـ"حنفيتهم" تاريخ، فقد نسبوها إلى النبي العبراني إبراهيم، وآمنوا بإله واحد أحد لا شـريك له هو " الله "، أي الإله المأخوذة من الإسم الكنعاني إيل، كما سبق ذكره، واعـتزلوا عبادة الأوثان وامتنعوا عن أكل ذبائحها وحـرموا على أنفسهم الخمـر والميسـر والأزلام*30*، فجاء القرآن فيما بعد يقول بدوره: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} المائدة 90. وكانوا يقـرون بـ" البعث ". وتشير بعض الـروايات الـتراثية إلى « أن ورقة تنصر واستحكم في نصـرانيته » دون أن توضح متى وأين حـدث ذلك وعلى يد من؟، خاصة وأنه لم يظهـر في سلوكه ما يفيد ذلك، ولكنه كان يعـرف القـراءة والكتابة، فكان يكتب من الإنجيل المكتوب بالأرامية أو السريانية آنذاك ما شاء أن يكتب »*31*.

لا شك أن وجود ورقة على قمة الحنفاء في مكة ولصلته الوثيقة بابنة عمه خديجة أوجد مناخا عقائديا عاشت فيه، فكانت على دراية باهتماته الدينية والفكرية التي جعلتها تنجذب إليه، خصوصا وأننا لا نجد في كتب الرواة ما يشير إلى ارتباطها بالعقائد العامة السائدة في قريش أو التحمس لها بوجه خاص*32*.

وتشدِّد الروايات التراثية على أن خصال محمد الإخلاقية كانت على قمة الاعتبارات التي حملت خديجة على توظيفه ليرأس تجارتها إلى الشام واليمن وهو في " الخامسة والعشرين "، وإعطائه ضعف ما كانت تعطيه لغـيره*33*، ثم قـررت ـ على غير ما هو سائد في المجتمع المكي ـ أن تتزوجه، فـ" عرضت نفسها عليه " عقب عـودته من أول رحلة تجارية إلى الشام قام بها لحسابها، وحقق لها مائة ضعف مما كان يحققه الآخـرون من ربح. وتعلق الدكتورة سلوى بالحاج على ذلك بقولها: « إن في موقف خديجة هذا جرأة كبيرة تدل على أنها كانت سيدة نفسها وصاحبة الـقرار فيما يتعلق بحياتها ومستقبلها*34* ». والحقيقة أنه لا غضاضة في ذلك، بل هو ما يتبع بين الحيوانات ومن باب أولى أن يتبع أيضا بين البشر.

من الملاحظ كذلك أن الغياب الكامل للأخبار الـتراثية قد أطبق على الـفـترة بين زواج محمد من خديجة والبعث، وهي فترة هامة لكونها فترة الإعداد الجدي للنبوة، وقد دامت خمس عشـرة سنة تبعا للـروايات، خصوصا فيما يتعلق بدورها في دعمه ماديا ومعنويا. إذ لابد أن يصبح محمد بزواجها منه جزءا من علاقتها الروحية بابن عمها ورقة وانجذابها إلى اهتماماته العقائدية والفكرية، خاصة بعد أن وفـرت لمحمد الاستقرار العاطفي والأمن المادي وولدت له البنين والبنات*35*. مما وفر له الوقت والطاقة للتفكير والتأمل. وتذكر المرويات أن "ميسرة" عبد خديجة الذي رافق محمد في أول رحلة تجارية إلى الشام حكى لها بعد عودتهما أن الـراهب بحـيرا النصراني تنبأ لمحمد بالنبـوة، وأن الملائكة كانت تظلله من الشمس*36*، فأسرعت إلى ورقة لتبلغه بذلك، وعـلـق ورقة قائلا: « لئن كان ذلك حقا ياخديجة إن محمد لنبي هذه الأمة وقد عـرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي يُنتظـر هذا زمانه*37* ».

ولما جاءه الملاك جبريل بالوحي إلى صلعم في غار حراء، لم يصدق ما حدث له، فأسرع مذعورا إلى خديجة لتدثره [تغطيه]، وللتدليل هنا على صحة نبوته يتحفنا الملفقون الأوائل بقصة صبيانية وربما تكون مخـزية أيضا، إذ طلبت منه أن يخـبـرها عندما يـرى جـبريل وهو يجلس على فخذيها الواحد بعد الآخـر، فكان يراه، ولكنه اختفى (لخجله) عـندما أجلسته في حجـرها (بين فخذيها)، وراحت تخلع ملابسها، وتضع رأسه بين نهديها، تبعا لبعض الروايات الأخرى، عندئذ قالت له أبشر يابن العم إنه ملاك وليس شيطان، لأنه كما هو واضح قد انكسف منهما، ولكنه لم ينكسف من عائشة بعد ذلك، فكان يأتيه وهي معها في لحاف واحد، إنه إذن ملاك لا يخجل من الزوجات المـراهقات!!!. انطلقت به خـديجة إلى ورقة فقال: « هذا الناموس [صاحب السر أو صاحب الوحي، والمراد به جبريل] الذي أنزل على موسى بن عمران*38* ». بينما تقول روايات ثانية إنها ذهبت إليه بمفـردها، أو ثالثة إنها أرسلت أبا بكر، ولكنها تتفق ـ جزئيا ـ مع ما قاله لها*39*.

وعندما مات ورقة في بداية البعثة ولم يعـرف عنه أنه اعتنق عقيدة صلعم، انقطع الوحي بعد سورة القلم لمدة تقـرب من ثلاث سنوات، فمر النبي الجديد بأزمة حادة، وصل به اليأس خلالها إلى حد التفكـير في الانتحار بالقفـز من شواهق الجبال، ومع ذلك، فإن كتب التاريخ تؤكد أولا على ظهور جبريل في اللحظة الحـرجة ليصده عن ذلك، وثانيا على استمرار دور خديجة في النقاش معه ودعمها المعنوي له. وأخيرا وجد محمد من يحل محل ورقة في إمداده بالوحي من السماء، الأمـر لم يخفى على القريشيين، فاتهموه أكثر من مرة ـ وباعـتراف القرآن في إماكن كثيرة ـ بأن أحدا يلقنه ما يدعي أنه وحي إلهي. وفي هذا الشأن ذكرت كتب التراث الإسلاموية عددا ممن كانوا يلقنونه الوحي الذي زعم أنه ينزل عليه من السماء أهمهم الراهب " بحيرا " النسطوري، وكان بحيرا قد انشق على الكنيسة المسيحية، وهرب من فلسطين وبنى له صومعة في بصـرى بالقرب من دمشق. وتذكر المرويات التراثية أنه تنبأ أيضا بنبوة محمد عندما رآه لأول مرة وكان برفقة عمه أبي طالب في رحلة تجارية إلى الشام وكان عمره آنذاك خمس سنوات وقيل تسع أو أكثر، كما ذكرت أن خديجة ذهبت إليه كما ذهبت إلى ورقة عندما نزل عليه الوحي لأول مـرة. وكـما هو واضح فإن الأمـر برمته يتركـز على إثبات نبوة مـزعومة، تدور حولها الشكوك دائما وأبدا.

وفي السنة الثالثة للبعث "المزعوم" جهـر بدعوته بناء على أمـر ربه، فظهـرت خديجة على الساحة العلنية لتدشن مـرحلة جديدة من الدعـوة الإسلاموية، إذ توضأت وصلت أمام الكعبة بجانبه ومعهما غلام مـراهق*40*، هو عـلي بن أبي طالب، ولكن المرويات التراثية لم تكشف لنا عما إذا كانت صلاتهم مثلما يصلي المتأسلمون الآن أم لا، خاصة وأن القـرآن نفسه لم يحدد عدد الصلوات اليومية وموعـد وكيفية آدائها، وهل كانوا يتجهـون في صلاتهم هذه نحـو أورشليم القدس كما فعل محمد فيما بعد لمدة 18 شهـرا عقب لجوئه إلى يثرب بهدف مداهنة اليهـود فيها أم لا. طبعا سيقول الجهلاء أنهم كانوا يصلون كما نصلي الآن، وهم معذورون، لأنهم لا يعـرفون أن الصلاة لم تُفـرض على المتأسلمين إلا في العام العاشـر من ظهور التأسلم.

وكان المكيون يطالبونه بأن يأتي لهم بمعجزة تثبت نبوته كما فعل أنبياء اليهود والنصارى من قبله، فعجـز تماما، واستدعى الوحي القرآني لإنقاذه من الورطة دون جدوي، فقال في البداية أن صلعم بشر مثلهم يوحى إليه من ربه، ثم بعد ذلك ابتدع قصة الإسراء والمعراج التي سبق ذكـرها. حيث أتى بالصلاة بعد تخفيفها من خمسين صلاة في اليوم إلى خمس صلوات فقط، من خلال رحلة مكوكية قام بها بين العرش الإلهي وموسي العبراني. وكأن إله البدو العربان ليست لديه أية معرفة بطبيعة البشر الذين من المفترض أنه خلقهم. فأي إنسان لديه الحد الأدنى من الذكاء لا يستطيع أن يتصور، أن شخصا ما يصنع جهاز كمبيوتر مثلا ولا يعرف كل أجزائه، وكيفية وطبيعة عملها تمام المعرفة!!!. ومرة أخرى وليست الأخيرة يثور اللغط والكذب والتبريرات الواهية، منذ ذلك الوقت حتى هذه اللحظة. ويتجاهل العملاء الجهلاء أن القصة برمتها عبارة عن أسطورة خـرافية أخذها العبرانيون عن الـفـرس.

ومع نهاية العام السادس وبداية العام السابع من بدء الدعوة قررت جميع القبائل القرشية مقاطعة بني هاشم وبني المطلب بمن فيهم من مسلمين ووثنيين، ودونوا ذلك في صحيفة علقت بالكعبة. فما كان من بني هاشم وبني المطلب جميعا أن غادروا منازلهم في مكة ولجؤوا إلى الشعاب الكائنة في الشرق منها، ليعيشوا في جبالها القاحلة بدافع الحمية القبيلية. وكانت خديجة مع المغادرين. واستغلت مكانتها المادية في توفير المؤن للمحاصرين، والتصدي بنفسها لمن يحاول منع وصول البضائع إليهم. ومع ذلك فقد اختفت أخبار تجارتها ولم يعرف مصيرها منذ ذلك الوقت.

استمر الحصار شديدا حتى السنة العاشرة للدعوة، وعرف المحاصرون في ذلك الوقت الجوع، ومع ذلك لم يزعنوا لقريش ولم يخذلوا محمدا بدافع قوي من انتمائهم القبلي. وبعد فك الحصار وعودتهم إلى بيوتهم لم تعش خديجة طويلا، فقد ماتت بعد موت أبي طالب عم النبي بشهر وخمسة أيام في بعض الروايات، وخمس وخمسين ليلة في البعض الآخر، بل ثمة ما يقول أنها ثلاثة أيام فقط. وقد كان موتها بمثابة نكبة على محمد، خاصة وأنه اقترن بموت عمه، فوصفت تلك السنة بسنة " الحزن ".
الهوامش:
*1*باتريشيا كـرون ومايكل كـوك: الهاجريون، ترجمة نبيل فياض، مصدر سابق.
*2*Michael Kolonvsky: Der biblische Moses als Relegionsgruende? http://www.mkolonsky.de.
*3*مـن المفارقات العجيبة أن أحد المحاميـن المصـرييـن، مـن العاطليـن عـن العمل أو ممن يبحثون عـن الشهـرة، أراد في الوقت الحاضـر رفع «دعوة» قضائية ضد دولة إسـرائيل لمطالبتها بـرد تلك الثـروة الطائلة إلى مصـر أو تعـويضها عنها، على اعتبار أنها ذهبت إليهم وحدهم ولم تذهب بالمثل إلى البدو العـربان، رغم الادعاء المعـروف بأن إبـراهيم هـذا كان الجد الأكبر للعبـرانييـن والعـربان عـلى حد سواء. ولا ندري لماذا لم يطالب أيضا بما سلبه ونهبه أو سـرقه المدعو موسى، النبي المشـتـرك بينهما، فضلا عما ارتكبه العـربان أنفسهم تحت راية دينهم في حق الشعوب التي اغتصبوها وسلبوها ونهبوها حتي وقت قـريب؟؟
*4*إنجيل يوحنا 44/8 .
*5*حاليا توجد محاولات من عملاء الأزهـر في مصر لإزالة الصفات الغـير حسنى عـن «إلههم»، متجاهلين بذلك ما قاله هو عن نفسه!!.
*6*إسم جـبرا مازال مستعملا بين الفلسطينيين والعراقيين - أشهرهم جبرا إبراهيم جبرا ، الكاتب الفلسطيني المعـروف.
*7*أبكار السقاف: الدين في شبه الجزيرة العربية، ط1، ص27، الانتشار العربي، بيروت 2004.
*8*خليل عبد الكريم: الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية، ط2، ص 34-35، دار مصر المحروسة، القاهرة 2004.
*9*باتريشيا كرون ومايكل كـوك: الهاجريون، ترجمة نبيل فياض، مصدر سابق.
*10*Wilhelm Maria Maas: Der Koran-ein christliches Lektionar?,Novalis 11.12.2003, und Hans-Caspar von Bothmer u.o: Neue Wege der Koranforschung, magazin forschung 1.1999,.
*11*إبن سعد: الطبقات، ج8، ص 139 .
*12*مصري أعلن إلحاده في عام 1937 ويقال إنه انتحر في عام 1940 وكان عمره 29 عاما .
*13*د. إسماعيل أحمد أدهم: الرسالة الأولى من مصادر التاريخ الإسلامي، ط1، ص5.
*14*علي بن برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية، مجلد1، ص 131، دار المعرفة ببيروت، بدون تاريخ.
*15*المستشار محمد سعيد العشماوي: الخلافة الإسلامية، ط2، ص83، سيناء للنشر، القاهرة 1992.
*16*النساء ، آية 171: « إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله » كذلك في آل عمران 3/45 والمائدة 5/75.
*17*آرثر جِفري : بحثا عن محمد التاريخي ، ترجمة مالك مسلماني http://www.muhammadanism.org
*18*الخصائص الكبرى للسيوطي، الجزد الأول، ص 132-135.
*19*عيون الأثر في المغازي والسير لابن سيد الناس، باب تسميته محمد وأحمد. وأيضا السيرة الحلبية للإمام برهان الدين الحلبي، باب ذكر حمل أمه صلعم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
*20*منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للشيخ العلامة علي المتقي الهندي، باب معاذ بن جبل.
*21*رواه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب القضاء بإلحاق الولد بأبيه رقم 21.
*22*تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
*23*البداية والنهاية لابن كثير، باب تزويج عبد المطلب ابنه عبد الله، ج2، ص316.
*24*الاحتجاج لأبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، باب احتجاج الإمام الحسن في مجلس معاوية. وأيضا السيرة الحلبية، مصدر سابق.
*25*الجامع الصغير للسيوطي، حديث رقم 3437 المستدرك للحاكم من حديث أبي هريرة.
*26*الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، باب في ناسخه ومنسوخه.
*27*د. كامل النجار: قراءة نقدية للإسلام، الفصل الثالث.
*28*لمزيد من هذا الهـراء الإسلاموي وغيره إقرآ مقال رشيد احمامي بعنوان: الفضلات النبوية المقدسة في موقع http://www.muhammadanism.org بتاريخ 15 أكتوبر 2006.
*29*د. سلوى بالحاج صالح - العايب: دثيرين...ياخديجة، ص 11-13، مصدر سابق.
*30* الـزلم هو السهم الذي كان العرب قبل الإسلام يتحـرون به بين الأقـدام على فعل الشيء أو الإحجـام عنه. أنظر لسان العرب لابن منظور، ج6، ص 75.
*31* يقول جواد علي إن الحنفاء جميعا كانوا عارفين بالقراءة والكتابة أي كانوا من «النخبة الثقافية»، مصدر سابق، ج6، ص 106.
*32* د. سلوى بالحاج صالح-العايب: دثيرين...ياخديجة، ص51، مصدر سابق
*33* طبقات ابن سعد، ج8، ص16، مصدر سابق.
*34* نفس المصدر، ص57.
*35* أثبت الكاتب صالح الورداني في مقال نشر في مجلة روز اليوسف المصرية بتاريخ 1997/6/23، عدد 3602، ص97 أن الأبناء الستة هم أبناء خديجة من زوجيها السابقين وليسوا أبناءها من محمد.
*36* سيرة ابن هشام: ج1، ص199.
*37* نفس المصدر، ص203.
*38* تاريخ الطبري، (عن عائشة بنت أبي بكر)، ج2، ص298.
*39* ابن هشام. مصدر سابق، ج1، ص238.
*40* تاريخ الطبري، مصدر سابق، ص312.



__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 08-08-2014, 03:35 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 37,570
افتراضي الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 5 ياسين المصري الحوار المتمدن-الع


الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 5


الصـحـوة الأولى:
التجـارة والـدين

أيها الغُـرِّ قد خُصِصْتَ بعقلٍ فاسْألـنَّهُ، فكلُّ عـقـلٍ نبيُّ
أبو العلاء المعـري
❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---

ـ أثر الـبيـئـة
ـ الظـروف الـموضوعـية
ـ الحـج
أثر الـبيـئـة

إن الظـروف الموضوعـية الـمـتراكمة عـبر التاريخ التي مـر بها الأعــراب تختلف اختلافا جوهـريا عن الشعوب الأخـرى في أمور كثيرة، فرضتها عليهم طبيعة شبه الجـزيرة التي يسكنونها. « فقد أرغمتهم على نمط من الحياة البدوية التي تعتمد على رعي الإبل والأغنام والتنقل الدائم من مكان إلى آخر بحثا عن العشب والكلأ في صحراء مليئة بالمخاطر والمخاوف، إذ فيها غير قليل من الوحوش والسباع والأفاعي والحشرات، وفيها القفار الجرداء الزاخرة بالحنادق والمهاوي ورياح السموم، وفيها حنادس الليل الـرهيب التي تلقي في أعـماقهم بالخيالات والخرافات والأوهام، مما جعلهم يتربصون ببعضهم البعض في صراعات دموية لا تنتهي، فقامت حياتهم على سفك الدماء الذي تحول إلى مصدر رزق لهم. وأصبح الغـزو وقطع الطـريق والسلب والنهب والقتل وسبي النساء والأطفال مـن أهـم الـوسائل اليومية التي تعينهم على العيش *1* »، وكان الغزو « يتم في معظم الأحوال في غفلة من المعتدى عليهم، فدائما يأخذون عـلى غـرة وبمكائد محبكة وسيناريوهات تمتلئ بالخداع والخبث والجبن أيضا*2* ». ولقد دفعهم جـدب الحياة وقسوتها إلى تأصيل الـبخـل في نفوسهم وسلـوكـهم، ومن ثم أشادوا بالكـرم لانعدامه بينهم، واحتياجـهم الشـديد إلـيه. وعـندما ظـهـر فـيهم شخـص واحـد ـ قبل الأسلمة ـ واتَّـصف بالكـرم هو حاتم الطائي إلتقطوه وعملوا منه أسطـورة يتندرون بها وعمموها عـلى أنفسهم جميعا لإخفاء ظاهـرة البخل المتفشية بينهم، تماما عندما يُحَـرَّم الحب مثلا في مجتمع ما، ويظهـر فيه حـبيبان، فإن قصتـهما تصبح من الــتراث الأسطـوري لهذا المجتمع. ويقـول ابن كـثير عنه: « كانت لحاتم مآثر وأمور عجيبة، وأخبار مستغـربة في كرمه يطول ذكرها، ولكن لم يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، وإنما قصد بها السمعة والذكر*3* ».

ومع أن كتب التراث العُرْبانية المقدسة تبالغ في الإشادة بكرمهم، ومن ثم ذهب بعـض المؤرخين المحدثين مذهبها، دون مـعرفة حقيقية بهم، فقالوا: « ومازال الكـرم والسخاء من الفضائل العـربية الكبرى حتى الآن*4* »، إلا أن القـرآن جاء ليحضهم في أكثر من موضع على إنفاق أموالهم في سبيل الله، وحمل بشدة على البخل المتأصل في نفوسهم مع اكـتنازهم للذهب والفضة، وكان ذلك سببا رئيسيا في ظهور مجموعات تقطع الطـريق وتسرق وتنهب وتقتل وتسبي عـرفت بالصعاليك، التي تحالف معها صلعم لتحقيق مآربه.

كما أنه ليس من الصعب على المرء أن يدرك حقيقة أن كـرمهم المزعـوم لم يكن سوى بدافع إتقاء الشـر المتوقع دائما من الآخـرين في صحـراء قاحلة ومقفـرة، كما أن كـرمهم ـ إن وُجِـد ـ في هذه الأيام التي فحش فيها ثراؤهم ليس إلا بدافع المصلحة المادية وتوطيد العلاقات التجارية وتجنيد العملاء عـلى طـريقة: " إطعم الفـم تستحي العـين "، الشائعة بين البشر، خاصة إذا كانت العين لا تستحي أبدا، مع شيوع آفات اجتماعية كثيرة في حياتهم وتأصلها في نفوسهم منذ زمن بعيد، مثل شرب الخمر واستباحة النساء والدعارة والقمار والكـذب والغـدر وعدم الاطمئنان إلى الآخرين بما فيهم أقـرب الأقـرباء. وكان من الطبيعي أن تجبر تلك البيئة المقفرة المهلكة البعض منهم على الهجـرة في دفعات سلمية بين الحين والآخر إلى حـيث الخصـب والنماء في العـراق والشام وفلسطين ومصر واليمن، دون أن يكون لهم أي أثر يذكـر أو مساهمة بأي جهد في الحياة العامة، باستثناء من هاجـر منهم إلى الشام، حيث أتاحت لهم الظروف الموضوعية المستجدة بعد ظهور الأسلمة أن يساعدوا الأمـويـين في اغتصاب سلطة الخلافة الإسلاموية ونقل مـقـرها إلى دمشق، بحسب الموروث الإسلاموي.

ومن ناحية أخـرى يقول الدكتور جواد علي: « إن العربي إزدرى الـزراعة وازدرى شأن من يعمل بها، واحـتقـر الحـرف والصناعات، لأنها من عمل الأعاجم والعبيد. ورأي العربي أن من العار أن يصاهر أهـل الصناعات والحرف والـزراعة، لأنهم دون منزلته بكثير، والـعـربي عندما جهل الزراعة حاربها وازدراها، وازدرى شأن من يشتغل بها*5* ». ويبدو أن هذا الازدراء للزراعة وأهلها متأصل في البدو بوجه عام، فإخوانهم العبرانيون ذكروا في خـرافاتهم المقدسة أنه كان لآدم إبنان أحدهما يسمى "قايين أو قابيل عند الـعـربان" وكان يعمل في فلاحة الأرض، والآخر " هابيل " وكان راعيا للغنم. وحدث أن قدم قايين من ثمار الأرض قربانا للرب، وقدم هابيل له أيضا أفضل غنمه وأسمنها، فتقبل الرب " الصحراوي " قربان هابيل " راعي الغنم " ولم يقبل قربان قايين " الفلاح " ولم يرضى عنه لأسباب لم يوضحها الكتاب العبراني المقدس، « فاغـتاظ قايـين من أخيه هابيل وقتله، فحلت لعنة الـرب عليه، وطرده من حضرته وشرده في الأرض » سفر التكوين 4/1 ـ 16.

ومن الجدير بالملاحظة أن الكتب الإسلاموية التراثية ـ بما فيها القـرآن ـ ما كانت لتتحدث عن الكـذب والنفاق والرياء والربا والسـرقة والقتل والـــزنا والقـذارة بوجه عام، مالم تكن هذه الخصال وغـيرها متفشية بالفعل في تلك التجمعات القبـلـية البدوية ومتأصلة بشكل وبائى في سلـوك أفرادها. فهل أزالت تلك الكتب رغم قدسيتها هـذه الأوبئة السلوكية من أعماق أولئك البشر؟، هل أخرجتهم حقيقة من الظلمات إلى النور كما يزعمون؟، هذا ما سوف نتطـرق إليه لاحقا على الصفحات التالية.

❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---

الظـروف الـموضوعـية

جاء في سجل أرمني نُسِب إلى الأسقف سيبيوس Beshop Sebeos يعود تاريخة إلى عام 660 م: « أن نبيا مزعوم يدعى محمد أسس جالية جمعت كل الإسماعيليين (أي البدو العربان المقيمون في صحراء النفود جنوب منطقة الهلال الخصيب (أنظر الخريطة ص 55))، وأقنعهم بأنهم ينحدرون جـميعا مـن نسل إسماعيل بن إبراهيم. ووهب كل أتباعه الحق بالأرض المقـدسة والموعـودة ، كأبناء عـمـومتهم اليـهود من نسل ابنه إسحاق*6* » .

ومن ناحية أخرى يذهب الباحث جروم Groom وغيره كثيرون إلى أن مكة لم تكن موجودة في ذلك الوقت، وأنها لا يمكن أن تقع على طريق القوافل التجارية المحازي لشاطئ البحر الأحمر، إذ يتجاوزها بأكثر من مئة ميل*7*. وتضيف كرون في كتاب «التجارة المكية وظهور الإسلام» سببا آخر، هو أن « مكة كانت مكانا مقفرا ومجدبا، والمكان المقفر لا يصلح أن يكون محطة، أو أنه يصلح على أقل تقدير عندما يكون على مسافات قصيرة من بيئات خضراء وغنية*8* »، وقالت أنه من الأحرى لتلك القوافل أن تتوقف في الطائف حيث يتوفر الماء والغذاء. ويتفق ـ تقريبا ـ جميع المستشرقين على أن الفكرة الإسلاموية نشأت بين الإسماعيليين أو الهاجريين في جنوب سوريا، ولكنهم لم يتوصلوا حتى الآن إلى معرفة الكيفية التي وصلت بها إلى مكة، ومتى كان ذلك، بل ومتى ظهرت مكة كأهم المدن المقدسة لدي الهاجريين أو الإسماعيليين .

لا شك أن الكثيرين من الباحثين يجتهدون في الكشف عن حيثيات تلك الفترة الغامضة من التاريخ الإسلاموي. وحتى يتمكنون من ذلك، سوف نحاول فيما يلي من صفحات قراءة تلك الفترة الغامضة على النحو التالي:

لو لم تتهيأ ظـروف موضوعية معينة فرضها الموقع الجغـرافي لشبه الجزيرة، ومن ثم عـرف بدو العـربية الصحراوية كيف يستغلونها أفضل استغلال، لظلوا كالبدو الذين نراهم اليوم في أي بقعة من الصحـراء، ولكن بعدما ينكهكم القتال والسبي وترهقهم عمليات السلب والنهب .

وقد تهيأت الظـروف الموضوعـية لحدوث صحوة لأول مـرة في تاريخهم على ثلاث مراحل:

الـمرحـلة الأولى: الطـريق التجـاري

البداية الحاسمة في حياة العربان نشوء أهم الطـرق البـرية التجارية العالمية في وقت مبكـر عبـر صحـرائهم وبمحازاة البحر الأحمر ليربط قارة أوروبا وبلاد الشام في الشمال باليمن والحبشة وجنوب ـ شرق آسيا، وقد اكتسب هذا الطريق الصحراوي أهمية تجارية كبيرة لعدة أسباب منها *9*:

1. إن المواصلات البحرية لم تكن وسيلة مفضلة لدي التجار في ذلك الوقت، وذلك بسبب العوائق الطبيعية والتطور التقني المحدود.

2. وقوع البحر الأحمر تحت سيطرة البطالمة في مصر، الذين كانوا يهددون التجارة وطـرقها البحـرية.

3. عدم صلاحية مياه البحر الأحمر للملاحة، وذلك بسبب مجموعة من المعوقات الطبيعية والشعاب التي كانت تهدد الملاحة، وانحصار التجارة البحـربة مع مصر والحبشة فقط.
4. عدم وجـود أمن بحـري، وانتشار الـقـرصنة في الـبحـر الأحـمـر.

ومن خلال هذا الطريق أصبح اليمن مـركـزا تجاريا عالميا كـبيرا، تعتمد عـليه كل من القارتين الأسيوية والأوروبية في تبادلاتهما التجارية. وكان من الضروري في طـريق مثل هذا أن تنشأ عليه تجمعات سكنية، تقام فيها نقاط حـراسة لحماية الـقـوافل الـتجارية من هجمات البدو العربان والصعاليك الحاقدين على مجتمعهم والمتمردين عليه، ومحطات اسـتراحة للتوقف عندها لالتقاط الأنفاس من عناء الطريق، وكان من الطبيعي أيضا الاستـعانة ببعض من أولـئك الـعــربان والصعاليك في حـراستـة وتقـديم الخـدمات للـقـوافـل لـمعـرفتـهم ـ بصورة أفضل من غيرهم ـ كيفية التعامل مع بني جلدتهم. فتحـولوا لأول مـرة في حياتهم وبحكم العمل الجديد من حياة البداوة والصعلكة إلى حياة الاستقرار، من ثم تعـرفوا عـلى أسالـيب الـتجارية ومساوماتها وألاعـيـبها وفـنـونها حتى أصبحوا أساتذة فيها.

يبدو أن الإسماعيليين بقيادة محمد ـ أو أسلافهم ـ بقيادة أحد أجداده، قد ارتحلوا جنوبا في وقت ما، هربا من الاضطهاد الديني، عبر هذا الطريق التجاري، وقطنوا في ذات الموقع الذي سمي بكة أو مكة، وجعلوا منها مكانا آمنا، وأقاموا فيه الأسواق التجارية لخدمة القبائل المجاورة، وبنوا فيه كعبتهم على غـرار الكعبات الأخرى المنتشرة في شبه الجزيرة وعلى طول طريق القوافل، وجلبوا الآلهة إليها لجذب التجار والغرباء. وبذلك أصبحت محطة من تلك المحطات في واد فسيح يقع في منتصف هذا الطريق ويستحب التوقف فيها للاستراحة وتبادل المنافع بين الـتجار الوافـدين بقـوافـلهم وبضائعهم في أوقات معينة من العام وبين القبائل البدوية المجاورة لتخـوم الوادي، واصطلح على تسميتها بكة، في إشارة إلى ما ينشأ عن ذلك من تزاحم وتدافع الناس لنيل ما يبتغون من البضائع والمنافع. وحيث يتواجد البشـر خاصة في ذلك الوادي المقفـر الـغــير ذي زرع، كان من الطبيعي أن يكون للعبادات شأنا كبيرا بينهم، فأقيمت الكعبة. وكان في البداية عبارة عن بناء بدائي من الحجارة المتراصة وبلا سقف. وتذهب بعض القراءات التاريخية إلى أنه كان مخصصا أساسا كإطار لحماية الحجر الأسود المقدس لاعتقاد البدو العـربان أنه سقط من الـعـرش الإلهي في السماء، وربطوه فيما بعد بإبراهيم وابنه إسماعيل من خلال الأساطير الإسلاموية، كما تم حفر بئر عـرف بإسم "زمزم" لأمداد الناس بالماء، وقد دارت حول هذا البئر كثير من الخـرافات قبل ظهـور الإسلام وتم ترسيخها بعد ظهـوره. وكي يتوفر الأمن اللازم لتبادل المنافع التجارية، حـُـرِّمت في المكان كافة أنواع التناحـر والتنازع والحـروب بين القبائل الــبدوية، وإكسابه قدسية من نوع خاص.

وفي بداية القـرن السادس الميلادي سقـط اليمن تحت سيطـرة الأحباش ثم الـفـرس، مما أدى إلى انهيار مـركزه التجاري وتقـلُّص نفوذ الممالك الشمالية لوقوعها تحت الاحتلال المباشر للفـرس والـروم قبل االأسلمة بفترة قصيرة، فأغـلقت كافة الطـرق الـبرية الـمـؤدية إلى الخليج الفارسي بسبب الحـروب الدائمة بينهما، ولم يبقى سوى طـريق مكة مفتوحا للقوافل التجارية لمناعته الصحراوية، وتزايد اشتراك البدو في حـراسته، فازدهـرت نقاط الحراسة ومحطات الاستراحة الواقعة عليه، واكتسبت أهمية تجارية لا مثيل لها. ومع ازدهار التجارة ونمو التبادل التجاري الأقليمي والدولي، استفاد العـربان استفادة كبيـرة من عائدات خدمات التي تؤديها تلك المحطات التجارية ومن الحراسة وتأمين مـرور الـقـوافـل التجارية، وفي مقدمتهم سكان مكة، فراحوا يتصارعون فيما بينهم للفـوز بالسيطرة عليها.

وفي غضون ذلك حدث اضطهاد من قبل الفـرس والـروم للمسيحيين واليهود الهـراطقة في شمال شبه الجـزيرة وجنوبها، ففـر الكثيرون منهم إلى منطقة الحجاز، وعلى وجه الخصوص يثرب، حيث ظلت تلك المدينة تتمتع بالاستقلال لمـوقعها الجغـرافي ووعـورة الـطـرق المؤدية إليها. كما فـروا كذلك إلى «بكة» لما تتمتع به من ازدهار تجاري يقتضي توفـر الحرية الـدينية والأمن فيها*10*.

الـمرحلة الثانية: مكـة والكـعـبة

بمرور الزمن ـ وعلى العكس من الكعبات الأخرى المنتشرة في شبه جزيرة العربان ـ ترسخت قدسية مكة وكعبتها في نفوس التجار وعملائهم من البدو لارتباطها المباشر والوثيق بمكاسبهم المادية والمعنوية وبحياتهم ووجودهم بشكل عام. فأخذت آلهتهم التي تحتل مكانة كبيرة في نفوسهم أماكنها حـول الكعبة، وكانت تلك الآلهة في مجملها إما نابعة من البيئة التي يقطنها العربان، أو واردة إليهم من الشعوب الأخرى المتاخمة لهم في الشمال والجنوب، إذ عبدوا الشمس والقمر والكواكب والأشجار والأحجار والصخور الغريبة ومنها الحجـر الأسود الذي مازال مقدسا حتى اليوم في بناء الكـعبة وهو مقذوب ناري صاغوا حوله الأساطير والخرافات، واعتبروه عالما لأرواح السلف المقدس. بل يعتبر أكـثر جلالا لكونه يصل الأرض مع السماء، فقد سقط من العرش الإلهي في السماء على حـد زعمهم. كـما كانت عـبادة الأسلاف وتقديسهم من أهم الـعبادات لـدي القبائل البدوية، إذ نسجوا حـولهم قصصا مـن الأعـمال الـبطولية والشجاعة والعــدل والكرم وكل ما يندر بينهم ويتوقون إليه.

بينما تشير الاكتشافات الأثرية الحديثة إلى أن اليمنيين هم الذين أنشأوا " ايل مقة " أي معبد الإله القمر بلغة الجنوب أو " بكة "، كما جاء في القرآن، والتي أصبحت " مكة " عند عـربان الصحـراء، ولم يحـدد بعد تاريخ إنشائها في منصف الـطـريق كمحطة لاسـتراحة القـوافل التجارية التي تمخـر عباب الصحراء القادمة من الشمال أو الجنوب، فكانت ملتقى حيويا، تتوقف فيه للراحة والتزود بالماء والطعام وقسط من الروحانيات واللهو والمتعة. وأصبحت بمرور الوقت نقطة جذب قوية لبدو الصحـراء، يأتون إليها لبيع منتجاتهم إو لـشراء احتياجاتهم أو الاستقرار بها للمشاركة فيما تقدمه للتجار والزوار من خدمات. وبدأ فيها أول أحتكاك ثقافي بين الـبدو العربان والغرباء المرافقين لتلك القوافل والذين كانوا يحملون معهم معتقداتهم الدينية والثقافية. ولإعطاء المكان قدسية بنى اليمنيون فيه الكعبة كمعبد لخدمة تلك المعتقدات.

ذكـرت الكعبة في قـرآن صلعم بإسم " البيت العتيق " و " البيت المعمور "*11*، ولذلك من غير المعروف ما إذا كان المقصود به كعبة مكة أم غيرها، إذ أنه كانت هناك مبانٍ مشابهة ترتبط بها نفس الطقوس الدينية سميت جميعها بـ" بيوت الله " أو بـ" الكعبات " (لشكلها المكعب)، وقد انتشـرت في أرجاء شبه الجزيزة بين عـربان الصحراء، كتعبير عن خصوصية القبيلة، ودليلا على تعاظم مكانتها السياسية والاقتصادية. فبلغ عددها إحدى وعشرين كعبة، أشهرها بيت اللات وبيت رئام وذو الكعبات في شمال شبه الجزيرة لبني أياد وكعبة شداد الزيادي وكعبة عطفان وكعبة ذي غابة الملقبة بالقدس والكعبة اليمانية لبني خثعم المعروفة بـ" بيت ذي الخلصة "، وقد ظلت هـذه الكعبة قائمة في نجـران حتى أمـر الملك السعودي عبد العـزيز بهدمها في الثلاثينات من القرن العشرين، والكعبة الشامية في مكة لتفريقها عـن الكعبات في الجنوب، وقد عـرفت جميعها بيوت الله أو بالبيوت الحـرام، حيث حددت حولها منطقة يحـرم فيها أي دم ما عـدا دماء الـنذور والأضاحي في مواسم الـزيارات المتفق عليها. وأقاموا حولها التماثيل التي ترد إليها مع الـتجار الغـرباء أو التي تمثل أجداد القبائل العربية لجذب أفـرادها إليها بصفتهم أبطال حـرب، ماتوا فتحولوا في اعتقادهم إلى «ذكـرى مقدسة» للقبيلة. وكانت تلك المعتقدات في بدايتها وثنية، تحمل مـزيجا من الثقافات الـرافدية والكنعانية والأشورية والـمصـرية والـمجـوسية، وعندما وصلت إليهم الـديانة التوحيدية عبر العبرانيين المشتتين والنصارى المنشقين والهـراطقة المطـرودين من قبل الـرومان في الشمال، والـذين استقـر البعـض منهم في بلادهم وهم في طـريقهم إلى الحبشة واليمن، اعتنق البعض منهم اليهودية أو النصرانية.

ويعتقد الكثير من المؤرخين أن هذه الكعبة كانت إطارا للحجـر الأسود، وهو حجـر نيزكي أو أنه جـزء من صنم مقدس قديم، وقد دخل لأسباب سياسية بالرغم من وثنيته في صلب الديانة الإسلاموية مع إعلانها على أنها ديانة توحيدية. وبالترافق مع الاستيطان الأول للبدو العـربان في مكة اشترط ذلك توفـر الماء، فقام جد محمد تبعا للخـرافات الإسلاموية بحفـر بئر زمـزم الذي ربطه الملفقون بإبراهيم وإسماعيل. وكان هذا البئر أغنى الآبار بالمياه في مكة، ولكن التحليل الذي أجري لمياهه في القـرن التاسع عشر ونشر في «المجلة الطبية البريطانية» في شهـر يونيو 1892 بين أنها غير صالحة للشرب إذ تحتوي على كمية كبيرة من الأجسام الصلبة*12*.

« إن بقاء تقديس الكعبة والحجـر الأسود وبئر زمـزم تبين ارتباط الإسلام الشديد بالوثنية. كما تظهـر عجـزه عن تجاوز البيئة الوثنية التي نشأ فيها. إن الإسلام لم يتمكن من إنتاج ثقافة تتجاوز هذه الآثار الوثنية التي دخلت في منظومة عبادته أبان نشأته لأسباب سياسية. كما تبين التناقضات العميقة التي تميز الإسلام، فمن جهة يرتبط بالتوحيد الإلهي، ويتعالى معه للسماء، ويرفض الوسائط، ومن جهة ثانية يوقـر أشد درجات التوقير هذه التجليات الوثنية، والحجارة ومعابد الحجارة. إن هذه الثنائية توحيدية ـ وثنية، إذ تحكم مظهـر عباداته، فإنها تحكم بدورها كل منظومته، فتسمها بالتناقض، فتسم الشخصية الإسلامية بدورها بالتناقض*13* ».

لقد تسببت التجارة في نقل بعض العـربان من حياة البداوة والتنقل إلى حياة الاستقـرار في تجمعات سكانية. والتجارة بلا شك من أهم الشؤون الدنيوية التي لا تعترف بأية معوقات دينية أو أخلاقية، لأن الفيصل فيها هو المنفعة فقط. لذلك كانت الأصنام التي بلغ عددها 356 صنما من كل الأشكال والألوان تقبع حـول الكـعبة في انتـظار زائريها في تسامح منقطع النظـير. ووجد سكان مكة في زيارة الـزائرين لها فـوائدة تجارية كبيرة فسموها «الحج» وخصصوا له أياما معدودات أقاموا فيها الأسواق وتبادلوا من خلالها المنافع، وفيما عداها من زيارات سموها «عمرة»، فلا يجوز العمرة في أوقات الحج أو العكس، واعتـبروا ذلك فجورا كـبيرا. والهـدف من ذلك إطالة مـدة زيارة الزائرين لمكة لـتنشيط التجارة والأسواق التجارية فيها. وقد أبقى الإسلام فيما بعد على هذا النظام ولم يغـيره. واعـترف الـقـرآن بالأهمية التجارية للحج بقوله: {وأذن في الناس بالحج يأتونك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكرون إسم الله في أيام معدودات} الحج 28 ـ 29. ولم يحدد الـقـرآن مواعيد الحج، لارتباطها بالأسواق التجارية قبل الإسلام، وظلت كما هي من بعده. وبذلك ضمن العـربان وفـود أعـداد غـفيرة من البشر إليهم في سياحة دينية أصبحت بعد أسلمتهم حتمية «لمن استطاع إليه سبيلا».

الـمرحلة الثالثة: قـريش ومـكة

برزت أهمية مكة التجارية كـ" سوق " عالمي كبير ومستديم، لا تنظمه وتحكمه سوى المنافع المادية والمصالح التجارية، فكان لا بد من التصارع علي احتلالها من قبل كافة الأطراف التي ترى فيه مصلحتها ومنفعتها، سواء كانت أطراف داخلية أو خارجية، تماما كما يتم التصارع دائما على الأماكن والمدن التي تعتبر " كنزا " لدي الناس لقدسيتها أو لمواقعها الاستراتيجي أو الحيوي (مدينة القدس مثالا)، لهذا أصبحت مكة أفضل وأعظم كنز في ذلك الوقت، وفي كل الأوقات. [ما زالت، بالرغم من الطغيان المؤقت لعائدات النفط عليها].
ظلت إدارة مكة خاضعة لقبائل يمنية حتى بداية القرن الخامس الميلادي، عندما ظـهر على المسـرح السياسي شـخص مجهـول الأصــل والـهـوية يدعـى " قـصي بن كلاب " ولم يـقـل لـنـا أحـد لماذا " كلاب " بالذات، ولكن قيل إنه خـرج من إحدى القبائل التي تسكن الشعاب والجبال حول مكة، والأرجح أنه جاء من قبائل العربان التي كانت تقطن صحراء النفود في جنوب الهلال الخصيب. والتي كانت تسمى بـ" الهاجريين " نسبة إلى هاجر زوجة النبي العبراني أبراهام، أو بـ" الإشماعيليين " نسبة إلى إسماعيل بن النبي نفسه. ولأنه كان مجهول الأصل والهوية فقد إدعى أحفاده القرشيين ـ خاصة بعد ظهور الأسلمة ـ أنه من ذرية " فهـر " من سلالة " معد " بن " عدنان " من نسل إسماعيل، تبعا لنظام الأنساب الوهمي السابق الذكـر، الذي وضعوه لهم. وقد تمكن قصي بالحيلة والغـدر من اغتصاب مكة ومفاتيح الكعبة وانتزاعها من أيدي قبائل خـزاعة اليمنية، وطـرد الخـزاعيين جميعا منها، وأعاد بناء الكعبة التي بناها تبع اليمني، وسقَّـفَـها بالخشب، وأظهر الحجر الأسود الذي كانت قبيلة أياد قد دفنته في جبال مكة، وكان أول من استخدم الدين كوسيلة للكسب المادي، وأول من حول سكان مكة من سكان خيام متنقلة حول الكعبة إلى سكان مدينة صارت محج العـرب وقبلتهم*14*، وجمع تحت زعامته أشتات القبائل المبعثرة في شعاب مكة وبطحها والتي كانت مستضعفة ومشتتة وتسكن الشعاب ورؤوس الجبال وأطراف مكة، وأطلق على هذا التجمع إسم " قريش "، وأتاح لهم لأول مرة الاستقرار في بـيــوت مـن طـين حـول الكعـبـة في مكة، وعـرفت تلك الإجـراءات بـ" التقريش "، التي يقول عنها الدكـتور سيد القمني إنها نظام جاء كشكل اجتماعي أكثر تطورا بدرجة أعلى قليلا من الأنظمة القبلية المتشرزمة المتقاتلة بالجزيرة*15*، فقد جمع " التقريش " كل المتحالفين مع قصي في مصاهارت ومصالح مشتركة فيما بينهم، تماما مثل عملية " السعـودة " التي قام بها آل سعود في مملكة الجهل المقدس، مملكة أحفاد صلعم.

وذكـر ابن كـثير أن ابن هشام قال: سميت قـريش قـريشا من التـقـرُْش، وهو التكسب والتجارة، وقال الجوهري: الكسب والجمع، وقال البهـيـقي: إن معاوية قال لابن عباس: فلم سميت قريش قريشا؟ قال: لـدابة تكـون في البحـر، تكون أعـظم دابة يقال لها: الـقـرش*16*، لا تمر بشيء من الغـث والسمـين إلا أكلته .. فأنشده شعر الجمحي إذ يقول:

وقريش هي التي تسكن البحر بها سمــيت قـريش قــريشا
تأكــل الغــــث والســمـــين ولا تتركن لذي الجناحين ريشا
هـكــذا في البــلاد هي قـريش يأكـلـون البـلاد أكلا كميشا
ولــهــم آخـــر الــزمـــان نــبي يكـثر القتل فيهم والخموشا *17*

ويفهم من هذا أن القرشيين كان يجمعهم الجشع والنهم وحب التملك، وجاءهم أخيرا نبي [محمد صلعم] يكثر فيهم الـقـتـل والتجـريح.

وبالـرغم من وجـود كعبات كثيرة في شبه جزيرة العربان، وجميعها كانت تسمى " بيوت الله " ويحج إليها الناس أو يعتمرون، إلا أن موقع مكة الاستراتيجي من الناحية التجارية أدى إلى تفوق القبيلة القـرشية اقتصاديا*18*، وبالتالي تعاظم الدور الديني لكعبتها، فتعاظمت مكانة قريش السياسية. فاستقطبت الكثـيرين من البدو العـربان من أجل الحج كل عام أو للعمرة طوال العام والبيع والشـراء في أسواقها. وزاد القـرشيون من أهمية مكة التجارية، فأحاطوا الكعبة بالأصنام التي تمثل آلهة القبائل، وفئات التجار المختلفة، ومـزجوا التجارة والصقوس الدينية والترفيه معا وقفا لعبقرية صحراوية خاصة، مما صنع لهم مكانة مميزة فوق كل القبـائل، ومكـن قادتها من فـرض ضـريبة على كل تاجـر يدخل إلى مكة عـرفـت بالعشـر*19*. فأصبحت مكـة مدينة غنية، غارقة في المـرح والمجـون وأسباب الــترف والفسق والانحلال.

وعندما احتل الأحباش المسيحيون اليمن وأرادوا أن يظهروا ولاءهم للرومان ضد الفرس في نزاعهما، بالاستيلاء على الطريق التجاري وتشغيله لحسابهم، أرسلوا جيشا بقيادة أبرهة لاحتلال مكة في عام 540م الـمعـروف بـ" عام الفيل ". ولا ينسى كتاب التاريخ العربي الإسلاموي ومؤرخوه الـتركـيز على أن هدف حملة الأحباش هذه كان هدم الكعبة وتحويل الحج إلى كنائسهم في اليمن. إلا أن الدكـتور إسماعيل أدهم يقول: « إن تعليل تعـرض الأحباش للحجاز في طريقهم إلى فارس بأن القصد منه محاولة هدم الكعبة وصرف الناس عنها ليست إلا أسطورة نشأت بعد أن قام الإسلام وذاع وانتشـر بين العـرب*20* ». وفي هذه الحملة تعـرض الأحباش لأول هجـوم جـوي فـريد من نوعة في تاريخ البشـرية، إذ أرسل إله البدو إليهم {طـيرا أبابيل ترميهم بجـارة من سجيل فجعـلهم كعصف مأكول} الفيل 3ـ5. ويتجلى خيال كاتبي الــتراث في استهانتهم بعقول البشـر فينقل السهيلي عن النقاش: « أن الطـير كانت أنيابها كالسباع، وأكـفها كأكـف الكلاب »، ويذكـر البرقي عن البدوي الدجال ابن عباس ـ الذي يلقبه المتأسلمون بـ" حـبر الأمة " ـ قوله إن « أصغـر الحجارة كـرأس الإنسان، وكبارها كالإبل » ، ويقول ابن هشام « فأرسل الله عيهم طـيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس لا تصيب أحـدا إلا هلكم » و يختتم ابن هشام الأمـر بإعلان نتيجة حدث الفـيل بقوله : « ... فلما رد الله الحبشة عن مكة، وأصابهم ما أصابهم من النقمة، أعظمت العـرب قـريشا، وقالـوا: هم أهـل الله، قاتل الله عنـهم*21* ».

ولما تولى هاشم ابن قصي حكم مكة، عمل على إيصال التجارة المكية إلى أعلى درجاتها، فلم يكتفي بتحصيل رسوم على القوافـل التجارة العابرة لمكة فحسب، بل أخذ على عاتقه تسيير قوافل خاصة بالقرشيين في رحلتين أحدهما صيفية إلى الشمال والأخرى شتوية إلى الجنوب، وقد أشار إليهما الـقـرآن. كما أنه عقد اتفاقيات تجارية مع الممالك المختلفة في الشمال والجنوب، وعقد اتفاقيات أمنية مع القبائل البدوية على طول الطـريق شمالا وجنوبا لتأمين سـير القوافل الـقـرشية فيما يعـرف بـ«الإيلاف» التي ذكـرت أيضا في القـرآن. وبذلك « أصبحت مكة جمهورية صغـيرة تجارية*22* ».

أما عبد المطلب بن هاشم " جد صلعم " واسمه الحقيقي عبد مناف*23*، الذي تولى حكم مكة بعـد والـده، فيقـول عنه الدكتور القمني: « إنه كان يتميز بوعي سياسي بعيد النظـر، وحس قومي جعلاه يركـز على مـزج الدين بالتجارة فـانطلق يضع أسس فِهْم جـديد للاعتقاد، فِهْم يجمع الـقلـوب عند إله واحد، وكان أول من أعـلن أن الوحي يجيئه في المنام ليأمـره بأوامـر عـامة منها حفـر بئر زمـزم، ورفـض عـبـادة الأصنام، والعـودة إلى دين جـد قريش إبراهيم العـبراني ».

❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---❊-;---;-----;---

الحــج

تقول خـرافات العـربان الإسلاموية إن جـدَّهم وجـَدَّ إخوانهم العبرانيين اليهود المدعو " أبرهام أو إبراهيم كما يسمونه " عندما جاء إلى مكة مع ابنه إسماعيل، أمـره ربه بأن يرفع " قـواعد البيت العتيق " ويبني الكعبة المعروفة الآن، ويؤذِّن للناس بالحج إليها. ومـنـذ ذلك الـوقــت ـ الغـير معـروف ـ نشأ الحج، وظل شعيـرة وثنية بين العـربان حتى جاء نبي الإسلام، فأخذها بكل ممارساتها كشعيرة إسلاموية. ولقد لـعـب الحـج دورا رئيسيا في حـياة البدو الـعـربان في مكة، سواء قبل أو بعد الإسلام، لكونه مصدر رزق مستديم للعربان الجياع، ولا زال يشكل أيضا همـزة الوصل بين التجارة والدين.

ويفهم من كتب التراث الإسلاموية أن كلمة الحـج مأخـوذة أصلا من كلمة " الحـك "، إذ يقول الشهرستاني: « أنه كان يمارس في الحـج طـقس غـريب وهو الاحتكاك بالحجر الأسود*24* »، الذي يقدسه الحجاج حاليا. وتوصل الـدكـتور سيد القمني ـ تبعا لروايات إسلاموية ـ إلى أن سـر الاحتكاك بالحجـر الأسـود، الذي كان أبيضا، هو المس بدماء الحيض من النساء قبل الإسلام، لاعتقاد العـرب أنه سر الميلاد، فمن المرأة الدم ومن الرجل المني، ومن الإله الـروح*25*. بينما يقول الدجال ابن عباس عن النبي إن الحجـر نزل من الجنة، وفي روايات أخـرى قال إنه قطعة نزلت من العرش الإلهي، وكان أشد بياضا من اللبن أو من الثلج في روايات أخرى فسودته خطايا بني آدم، أو سودته خطايا أهل الشـرك. وكان البدو العـربان يقـبِّلونه قبل التأسلم، وظلوا يقـبِّلونه حتى الآن، وقد تردد عمر بن الخطاب في تقبيله لعلمه أنه حجـر لا يضـر ولا ينفع، ولولا محمد قـبَّله ما قـبّله. ولكن الحقيقة هي أنهما قبَّـلاه لرؤية سياسية تفرضها ضرورة كسب البدو الوثنيين الذين يتشككون في الإسلام. كما أن أحد كبار الدجالين في العصر الحديث قد أرغمه العـلم على الاقـتراب قليلا من الحقيقة، وأدرك أنه جـزء من أحد النيازك الهالكة، فقال: « تقبيل الـنيزك تقليد ثابت في الشـريعة الإسلامية لأن محمد فعل ذلك. ولا يجب التساؤل عن الحكمة من وراء هذا العمل لأن هذا التقليد تعبيـر عن التعبد رغم غموض الحكمة منه*26* »، والحكمة الغامضة والتي لا شك في أنها معـلومة لدي هذا الدجال وأمثاله هي أن هذا الحجـر الأسود وثن من أوثان الـبدو المقدسة قبل التأسلم وقدسه محمد بالمثل لـضـرورة سياسية لا أكـثر ولا أقـل.

كـذلك كان البدو العـربان قبل الإسلام يعبـدون الصنم الذكـر "إساف" الموضوع على الصفا والصنم الأنثى " نائلة " الموضوع على المروة، ويسعون بينهما سبعة أشواط ويتمسحون بهما، ويقصون شعورهم عندهما، في طقس هام من طقوس الحج. وعندما جاء الإسلام أقر ـ كما هو معروف ـ هذا السعي بين الصفا والمـروة بأشواطه السبعة، وتقول كتب التاريخ الإسلاموية إن الصنمين كانا معبودين ذكرا وأنثى وأنهما كانا شخصين حقيقيين، دخلا فناء الكعبة، وهناك فجـرا، فمسخهما الله صنمين. بينما الحقيقة هي أنهما لم يفجـرا وما كان من الضروري أن يفجرا يجـوار الكعبة، وإنما كانا يمارسان عبادة جنسية سادت في المنطقة آنذاك، خاصة في بلاد الشام والعراق، وبقية بلاد الهلال الخصيب بأكملها، وانتقلت مع تجار القوافل إلي مكة.

وتذهب تلك الكتب أيضا إلى أنه عندما طـرد "آدم" و "حـواء" من الجنة نزلا متفـرقين، دون أبداء الأسباب، فهبط آدم في الهند وحـواء في مكة، وظلا هائمين حتى التقيا على الجبل المعـروف بإسم "عــرفـة"، لأن آدم عــرف أو جامع حـواء عـليه، ويقـول خالد السعيد: « إن هناك مبادلة بين الحرفين الفاء في [عـرف] والباء في [عـرب] عند اليمنيين، فيستخدمون حتى اليوم كلمة عـرب بمعنى المباشرة الجنسية*27* »، ومن هنا تقدس الوقـوف بعـرفة، فكان من أهم مناسك الحج قبل الإسلام، حيث يتجه إليه الذكور والإناث زرافات ويتجمعون لممارسة طقس الجنس الجماعي طلبا للغيث والخصـب من الإله القـمـر، ويبيتون ليلتهم حتى يطلع عليهم النهار، ولذلك إطلق عليه أيضا الجمع " عــرفات ". وكان الحجاج قبل التأسلم يطوفون حول البيت الإلهي " الكـعبة " ذكـورا وإناثا عـراة تماما، وعندما جاء الإسلام جعـل للإحرام زيا غـير مخيط لا يستر غـير العـورة، وأبقى على طقس ممارسة الجنس الجماعي على عــرفات، بل وحث النبي عليه، ففي حجة الوداع خطب في أصحابه وأمرهم أن يحلوا ويجعلوها عمرة، ويتمتعوا بالحج، والمتعة هنا هي اللذة بإباحة محظورات الإحـرام، حـتى قـال قائل ـ كـما أخـرجه أبو داود في سـننه : « أننطلق وذكورنا تقطـر؟ فقال النبي: « إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة المتعة ». وكان المتأسلمون يحجون إلى الكعبة ويمارسون طقوس الحج كما كانوا يمارسونها في الجاهلية، وعندما فرض الحج في السنة التاسعة للهجرة، وجاء القرآن يقول : {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} آلـ عمران 97، لم يبين كيف تكون مناسك الحج، فظلوا يمارسونها كما هي إلى أن جاءت " السنة " بعد إكثر من قـرنين على ظهور الأسلمة لتعدل بعض شعائـره التي كانت قبل الإسلام*28*. ولم يكن الـعـربان يطوفون حول الكعبة عـرايا تماما من باب الانحلال الخلقي، ولكن لـفـرط تقديسهم للكعبة وحجـرها الأسود، فيهابون الطـواف وتقبيل الحجـر الأسود بثيابهم التي اقـترفوا فيها ذنوبا، وكان بعضهم يشتـري ثيابا من القرشيين لهذا الغرض باعتبارها مطهـرة (مجـرد تجارة).

ولما كانت مكـة مدينة عالمية ورائجة تجاريا قبل ظـهـور الأسلمة، فتستقبل سنويا أعـدادا غـفـيرة من الـتجار والزبائن والحجاج وغــيرهم مـن الغـرباء، فقد عــرفت أقدم تجارة عـرفتها البشـرية هي " الـدعـارة "، فتكونت فيها فئة من العاهرات [المومسات] الـمعـترف بهن ويعـرفن بـ" الـرايات الحمـراء " التي يضعنها على مداخل خيامهن أو بيوتهن كعلامة عـلى ممارسة الـدعـارة والـبــغاء باعتبارها مـتعة مـرخصة للـرجال وكجـزء من الـرواج أو الـترويج التجاري، فلما جاء الإسلامى أبقى عليها ولكنه أمـر العربان بألا يكرهوا بناتهم عليها، أبتغاء الكسب المادي [إذا أردن التحصن والعفة !!] ، فقال القـرآن: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عـرض الدنيا ومن يكـرههن فإن الله من بعد إكـراههن غـفـور رحـيم}النور 33، ومع هذا، فإن من يكـرههن على البغاء، فالله يغفر له ويرحمه بعد ذلك، هكذا، ويمعن المفسرون في الاستهانة بعقول البشر بتعـريف " فتياتكم " على أنها " جواريكم "*29*، هكذا بحيث لا تشمل بناتهم. وسمح النبي إلي جانب ذلك بزواج المتعة الموجود قبل التأسلم، خاصة للتمأسلمين أثناء ابتعادهم عن زوجاتهم ومشاركتهم في القتال، وهو زواج بأجــر ولفترة محددة. وقيل إن عمر بن الخطاب حــرَّم هاتين المتعـتين، بقـوله من على المـنبر: « متعتان كانتا عـلى عـهـد رسول الله وأنا أنهي عنهما وأعـاقـب عليهما : متعة الحج، ومتعة النساء »، ولم يوضح عمر ماذا يقصد بـ" متعة النساء "؟ هل هي الدعارة الشائعة في مكة والمدينة أم نكاح المتعة أم كلاهما؟، لذلك اختلف الفقهاء حول نكاح المتعة فذهب السنة إلى أنه ممنوع بينما لا زال الشيعة يعملون به وأصبح دعارة مقننة بينهم، ويأتي الطـرفان بأحاديث أو أحداث محمدية تؤكد وجهة نظـره. وعـلل الشيخ خليل عبد الكريم تحريم ابن الخطاب هذا بأنه نتيجـة لـتدفـق السبايا والجـواري والمجلـوبات من البلاد المفتـوحة والـمـوطوءة على يثرب حتى شبع الـرجال منهـن*30*. فأقـلعوا عن الـمتع الجنسية الأخـرى المكلـفـة.

إذا عـدنا إلى ما قبل الأسلمة بقليل، فسوف نجـد أنه إلى جانب ازدياد الأثرياء ثراء نشأت مجموعات متمردة من الشباب الذين أتخذوا من قطع الطريق والقتل وسلب ممتلكات الأغنياء وسبي نسائهم وأولادهم أسلوبا للعيش وطريقا للحياة. وقد عـرفت تلك المجموعات بإسم " الصعاليك " أو " الخلعاء " (سوف نتعـرَّف عليهم لاحقا) لأن قبائلهم خلعتهم منها وتبرأت منهم، وقد ولى محمد صلعم نفسه واليا عليهم، وتبنى فلسفتهم في الحياة تحت إسم " الإسلام "، ونظم عملياتهم تحت غطاء شرعي من إله السماء، فازدادت صعلكتهم وتضاعفت ملكات يمينهم، وفي المقابل غضوا الطرف عن الامتيازات الخاصه به والتي كانت تتعارض مع ما يلزمهم به. لقد عـرف كيف يجندهم ويغير مجـريات الأحداث لصالحه، تماما كما حدث ويحدث دائما في كل المجتمعات بظهور جماعات وطـوائف ومذاهب وقطاع طرق ودجالين وكذبة يعملون بإسمه الدين ورسمه بهدف الحصول على جزء مادي أو معنوي من الوليمة المستديمة. ومن هنا ظهرت الفكرة المحمدية الإسلاموية الهـزيلة في هذه البقعة من العالم دون غيرها.

ولو أن العـربان المتسعودين رفعوا غطاءهم الحديدي عن بلادهم وسمحوا بالتنقيب الأثري في المناطق الحجازية المقدسة، فلـربما اتضح الكثير من الحقيقة المخفية عمدا ومع سبق الإصـرار. تلك الحقيقة التي نحاول على الصفحات التالية كشف النقاب عن بعض من جوانبها، وذلك بما يتوفـر لدينا من معلومات وسط هذا الكم الهائل من الخـرافات والأكاذيب والتناقضات التي تشكل بالفعل متاهة دينية وتاريخية على حـد سـواء.
الهوامش:
*1*د. شوقي ضيف: العصر الجاهلي ـ ص122، ط 9، مصدر سابق .
*2*إبراهيم الزيني- حسن إسماعيل: شبه الجزيرة العربية بين أسباب الصعود وأسباب النزول، ص24-23، الشعاع للنشر، القاهرة 2005.
*3*عماد الدين أبو الفدا «ابن كثير» : البداية والنهاية في التاريخ ، مج 4 ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1966 .
*4*إبراهيم الزيني: شبه الجزيرة العربية ، مصدر سابق ، ص 40.
*5*د. جواد على: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج4، ص 606و607، مصدر سابق .
*6*باتريشيا كـرون ومايكل كـوك: الهاجريون، ترجمة نبيل فياض، ط 1، 1999.
*7*Groom, N. Frankincence and Myrrh, a Study of the Arabian Incence Trade, London, 1981.
*8*باتريشيا كـرون: تجارة مكة وظهـور الإسلام، ترجمة آمال محمد الـروبي، مصدر سابق.
*9*بإيجاز عن شاكر النابلسي: المال والهلال، دار الساقي، بيروت 2002، ص 20، 21 .
*10*باتريشيا كـرون: تجارة مكة وظهـور الإسلام، ترجمة : آمال محمد الروبي، مصدر سابق.
*11*البقـرة: 2/ 125-127، 191، 217 والمائدة: 5/2،95،97 والأنفال:8/34 والتوبة:9/7 والفتح: 48/25، 27 وقـريش:106/3.
*12*أنظـر Zwemer, op. cit, p43
*13*أنظر مقال مالك مسلماني بعنوان الكعبة في http://www.muhammadanism.org بتاريخ 1 أكتوبر 2004.
*14*د. جواد علي: المفصل في تاريخ العرب ، ج4، ص4-22، ط2، مصدر سابق
*15*د. سيد القمني: الأعمال (3) الإسلاميات ط1، ص96، المركز المصري لبحوث الحضارة، القاهرة 2001
*16*سمك القـرش وهو من الأسماك المتوحشة الخطـيرة.
*17*ابن كثير : البداية والنهاية، مصدر سابق، ط4، مجلد2، ص187
*18*يلاحظ من الرسم التوضيحي لقبيلة قـريش أن الفـرع الهاشمي كان أكثر تدينا من الفـرع الأموي، إذ أن الكثيرين منهم يحملون أسماء الآلهة الوثنية.
*19*أبو الحسن بن علي بن عبد الله المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر ، طبعة القاهرة 1966 .
*20*د. إسماعيل أحمد أدهم: قضايا ومناقشات، تحـريـر وتقديم د. أحمد إبراهيم الهـواري، ص115، دار المعارف، القاهرة 1986.
*21*د. سيد القمني: الإسلاميات، ط1، 2001، ص24-27، مصدر سابق.
*22*د. أحمد شلبي: السـيرة النبـوية العطـرة، مكـتبـة النهضة المصـرية، ط12، ج1، ص146 وما بعـدها، القاهـرة 1977.
*23*مناف إله صنم من أصنام الكعبة «المشـرفة».
*24*أبو القاسم الشهرستاني: الملل والنحل، ص 247.
*25*د. سيد القمني: الأسطـورة والــتراث، ط2، ص159-167، سينا للنشـر، القاهـرة 1999.
*26*محمد متولي الشعـراوي: آراء شـرعـية، الـنقـطة2، ص167.
*27*خـالـد السعـيد : الحـوار المتمدن http://www.rezgar.com
*28*إبراهيم فـوزي: تدوين السنة، مصدر سابق، ط2، ص 35.
*29*محمد فـريد وجـدي، المصحف المفسـر، ص 462، مطابع الشعب، القاهـرة 1377هـ .
*30*خلـيل عبـد الكـريم: مجتمع يـثرب، دار مصـر المحـروسة،
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 08-08-2014, 03:36 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 37,570
افتراضي الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 4 ياسين المصري الحوار المتمدن-الع


الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 4


العـرب
الحـقيـقـة والخـرافـة
كل شيء لا بد أن يرجع إلى أصله، ولا بد لـكل إناء أن ينضح بما فيه.
« إذنْ من ثمارهم تعـرفـونهم » متي 20/7
❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--
ـ مـجـاهل الصـحـراء
ـ الـتقسـيم الجـغـرافي
ـ وظـهـرت الخـرافات والأكاذيب
ـ الـتقسـيم العـرقي

❉-;---;-- إن كل حقيقة تحتاج دائما إلى شخص شجاع ليفصح عنها. ولكن هناك الأقـذار الذين لا يعـرفـون الـحقيقة ولا يريدون معـرفتها، وهناك الـجـبناء الذين يعـرفـونها ولا يمكنهم الإفصاح عنها، وهناك أنصاف الشجعان الذين أفصحوا عنها تلميحا أو تصريحا ثم تراجعـوا خـوفا وهـربا، وهناك الشجعان الذين قالوها صـراحة، فدفع البعض منهم حياته ثمنا لها.
❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--
مـجـاهـل الصـحـراء

لا بد أن يتساءل المرء في البداية عـن أصل الـعـرب:
من هم؟
ومن أين جاءوا؟
ولماذا سموا بـ" الـعـرب "؟
وكيف عاشوا في شبه الجزيرة الصحراوية؟

وسوف يكتشف على الفور أنه لا توجد ـ حتى الآن على الأقل ـ إجابة كافية أو شافية على تساؤلاته، وذلك لانعدام الوثائق أو المخطوطات التاريخية التي تتحدث عنهم. وأن كل ما قيل في هذا الصدد لا يعـدو كونه ضـربا من الأكاذيب والخـرافات، فشبه الجـزيرة التي يسكـنونها هي المنطقة الوحيدة في العالم التي لم يكن في الأمكان تشخيص أصل سكانها تشخيصا واضحا وقاطعا، ويرجع السبب في ذلك إلى طبيعتها الجغرافية والمناخية التي فرضت على سكانها نمطا خاصا من الحياة الـرعـوية البـدوية، حيث يتجمعون في قبائل متباعـدة، تضطـر للـرحيل من مكان إلى آخر حاملة معها خيامها وحيواناتها وأمتعتها المتواضعة بحثا عن العشب والكلأ في صحراء قاحلة مـترامية الأطـراف، دون أن يتركوا وراءهم أي أثر يذكـر، لذلك لم تعرف حياتهم الاستقرار ولم يُكَـوِّنوا وحدة سياسية واحدة تتبلور داخلها ثقافة عامة من نوع ما، بحيث تكسبهم هوية خاصة بهم، يمكنهم الاعـتزاز بها وتعريفهم على أساسها؛ ومن ثم يقومون بتدوينها كما فعل غـيرهم. ولذلك انعدم اهتمام الآخـريـن بهم أو التشوق إلى معرفتهم أو معرفة طبيعة حياتهم، على عكس الشعوب الزراعـية المستقرة في المناطق المتاخمة لهم كبلاد الهلال الخصيب (العراق وسوريا ولبنان وفلسطين) ومصـر واليمن، التي أقامت حضارات، مازالت آثارها باقية حتى اليوم. ومن هنا نجـد أن أي شخص يريد الحديث عن أولئك العربان (خاصة من المستعـربين)، سرعان ما يتركهم ويقفذ ـ مرغما ـ إلى تلك البلدان ذات الحضارات التاريخية وكأنها جـزء من بلادهم، أو أنها بلادهم الحقيقية ويكيل المديح لسكانها بصفتهم العـربان المعنيين.

لقد أثبتت الأبحاث الجيولوجية الحديثة أن شبه الجـزيرة التي يسكوننها كانت في العصر الجليدي (حوالي 15000 عام ق.م) امتدادا جغرافيا متصلا بالقارتين الأفريقية والأسيوية. وفي عصور متأخرة فصلت عنهما بمنخفض البحر الأحمر من الغرب (مضيق باب المندب) ومنخفض الخليج الفارسي من الشرق (مضيق هرموز)*1*، مثلما فصلت الأمريكيتان عن أوروبا وأفـريقيا بالمحيط الأطلسي وفصلت أفـريقيا عن أوروبا بالبحـر الأبيض المتوسط. وكانت آنذاك أرضا خصبة جدا، تتساقط عليها الأمطار بغزارة في جميع فصول السنة، فتجري فيها السيول والأنهار وتغطيها الغابات الكثيفة والأشجار الضخمة وبها العديد من حيوانات الغابات شبه الاستوائية، وبتغـير المناخ في العالم طُمِـرت جميعها تحت سطح الأرض وتحولت إلى نفط يستخرج منها الآن. وأصيبت، كما أصيبت مناطق أخرى على نفس المستوى الجغرافي، بالجفاف والتصحر وغـمـرتها الـرمال والصخور، فاضطر من لم يتمكن من تركها إلى الاكتفاء بممارسة رعي الإبل والأغنام والتأقلم مع حياة البداوة والقفـر، بينما ظلت المنطقة الجنوبية الغـربية منها سعيدة الحظ، إذ تتعرض للأمطار الموسمية الغـزيرة التي مازالت تسقـط على أواسط أفريقـيا حتى الآن، لذا سميت بـ"اليمن السعيد"، من اليُمْن .

كما أثبتت البحوث التي أجـريت على أصل الأجناس في أفريقيا أن "الكوشيين" كانوا أول من استوطن منطقة شاسعة في أفريقيا، شملت بلاد النوبة جنوب مصر والحبشة والسودان والصومال وامتدت إلى أسيا، فشملت وسط شبه الجزيرة حتى العراق وبلاد الفرس إلى حدود الهند.

وزعم البدو العـبرانيون " اليهود " في كتبهم الخـرافية المقدسة التي قسموا فيها الأجناس البشرية على هواهم*2* أن الكـوشـيين هـم أبنــاء "كوش بن حام بن نوح"، ووصفـوهم بـ " السود الحقراء الأقذار "، وادعوا أن "نمرود بن كوش" تمكن بقوته الخارقة من إقامة دولة كبيرة في بلاد الرافـدين أسموها " أرض نمـرود "، إذ أنه « ما لبث أن أصبح عاتيا في الأرض » سفر التكوين 10/7/21.

وأن كوش حسـب زعم الـبـدو الـعـربان أراد حــرق جـدهم الأكـبر "إبراهيم" الـذي كان يعـيـش في مـدينة "أور Ur" الـعـراقـية، ولكـن "إلههم" أمر "النار" أن تكون بردا وسلاما علي "إبراهيم" كما جاء في النص القرآني. لقد إختلط الأمر على إلههم أثناء فبركة قـرآنهم ففهم إسم مدينة UR علي أنه´-or-العـبرية التي تعنى النار. ومن ثم فبرك صلعم تلك القصة الخـرافية، وتحتم على المتأسلمين تصديقها والسيف على رقابهم.

وإذا تمكنا من إزاحة الخـرافات جانبا ـ لـبعض الـوقت ـ واتجـهنا نحـو الحقائق التاريخية الـمـوثقة والاكتشافات الأثرية الثابتة نجد أن الكوشيين كانت لهم دولتهم المستقلة على حـدود مصر الجنوبية وقد دامت لأكثر من ألفي عام بإسم " مملكة النيل "، وأنهم شيدوا حضارة تضاهي في عظمتها حضارة المصـريين القدماء. وقد تعرضت مملكتهم للغزو المصري مـرارا وتكـرارا مما أجبرهم عل نقل عاصمتها من مدينة كِـرما (2300 ـ 1500 ق.م) إلى مدينة نابتا (1500 ـ 300 ق.م) ثم إلى مدينة موروا في الجنوب (300 ق.م ـ 33 ب.م)، وأنهم ساعدوا قبائل البدو الأسيوية الهمجية المعروفة بإسم " الهكسوس " في غـزو مصـر، فمكنهم الغـزاة من حكمها ما بين عامي 1700 ـ 1500 ق.م.

ومن ناحية أخرى لاحظ الفاحصون للعظام البشـرية التي عـثر عليها في أجـزاء مـتفرقة من شبه الجـزيرة الصحـراوية على تشابه كبير بين جماجم العـربان وسكان السواحل الهندية وسكان شرق أفريقيا. ولذلك لم يكن هناك ضرورة للحـرج من الانتماء إلى الكوشيين، سواء من العـربان أو غـيرهم، وقد يكون سبب هذا الحـرج هو لونهم "الأسود" واحتقار البدو العبرانيين لهم. ولقد أدت الظروف الموضوعية التي أحاطت بالمتخلفين من الكوش في شبه الجزيرة إلى فصلهم عن أصلهم وفرضت عليهم نمطا خاصا من الحياة البدوية، ومن ثم حملتهم على اختيار طريق الخرافة الذي تبناه أبناء عمومتهم العبرانيون، لأنه أكثر الطرق تصديقا لدي العقول البشرية الهزيلة.

وظهـرت لأول مرة كلمة "عـرب" السريانية الأصل لتعنى " قاطني الكمائن الصحراوية "، بمنطوقات مختلفة في المخطوطات الأثـرية الأشـورية (السـريانية) التي تؤرخ لعصر الملك شلمنصر الثالث . وذلك لأنهم كانوا يخرجون من صحرائهم بين وقت وآخر للانقضاض على المدن والقرى المجاورة لهم في بلاد الهلال الخصيب (العراق وسوريا ولبنان وفلسطين) فيسلبونها وينهبونها ويقتلون من يعترض طريقهم ثم يعودون ثانية إلى صحرائهم للاحتماء بها.

وفي وصف لمعـركة وادي قـرقـر شمال مدينة حمص السورية عام 853 ق.م جاء في آخر قائمة بأسماء أعداء الملك ذِكْرٌ لكلمة " العـرب وجمالهم الألف "، قاصدا البـدو الذين كانوا يقيمون في بادية الشام تحت حكم أمير يلقب نفسه بلقب "ملك" يقال له "جنديبو" أو "جندب" وكانت علاقاته سيئة بالأشوريين، ثم ذكـرت مـرة أخـرى في عصـر الملك بيجلاث الثالث (745 ـ 627 ق.م) بصفتهم أعدائة مرة وحلفائه مـرة أخـرى، في إشارة واضحة إلى المـرتزقة من البدو العبرانيين الذين كانوا يبيعون أنفسهم للجيوش المتحاربة في المنطقة، ثم جاء في الكتابات البابلية تعـبير « ماتو أرابي » بمعنى « بلاد الأعـراب »، حيث أطلق على صحراء النفود الواقعة جنوب منطقة الهلال الخصيب، كذلك ذكرت عدة مرات بنفس المعنى في بعض الوثائق الفارسية القديمة المكتوبة باللغة الأخمينية. وقد استعملت كلمة « عربية » في نفس المخطوطات بمعنى « كمين » لوصف كافة المناطق الصحراوية التي تغلب فيها حياة البداوة سواء كانت في مصر وسيناء أو جنوب الهلال الخصيب وشبه الجزيرة العربية، وهي مناطق يضربها الجفاف والقحط وتسفعها أشعة الشمس الشديدة ومن غير المشوق أو الممتع العيش فيها [arid]، وتفـرض على سكانها حياة البداوة، وعُـرِف « العـربي أو البدوي » بأنه الشخص الذي يخرج من مكمنه في الصحراء للانقضاض على الآخرين والفتك بهم وسلب ممتلكاتهم وسبي نسائهم. ولم تكن هذه الكلمة تشير من قـريب أو بعـيد إلى أي أصل أو جنس عـرقي لهؤلاء الناس، إذ أنها لا تعدو كونها مجرد صفة لمجموعة من الناس يعيشـون تحت ظـروف بيئـية واجتماعية متشابهة.

تلك الظروف البيئية والاجتماعية المتشابهة فرضت على البدوي بجانب سعيه وراء الماء والعشب والكلأ وعدم ارتباطه بالمكان أو الزمان، وعدم القدرة على التعايش مع من لا يمت له بصلة، أن يكون أيضـا انعـزاليا وحذرا بطبيعته، ويخشى من الغزو والسبي ويخاف على دوابه ونسائه من مـزاحمة أو سيطـرة الآخـرين. وهذه الخصال مازالت واضحة بين العـربان المتسعودين حتى الآن، بمن فيهم أولئك الذين هجـروا حياة الداوة ويقيمون في منازل المـدن المتلاصقة.

❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

الـتقسيم الجغـرافي

تحدث فيما بعد المؤرخ ديوروس (90 ـ 30 ق.م) والجغرافي سترابون (63 ق.م ـ 21 ب.م) اليونانيين عن تلك المناطق الصحراوية الغامضة بصفتها الجغرافية دون التطرق أيضا إلى الجنس البشري الذي يقطنها داخـل الحفـر والكهوف، أو في بيـوت الشَّعْـر التي يتنقل بها من مكان إلى آخـر، ولو أنهما أشارا إلى بعض القبائل بالأسم فقط . وقسماها إلى ثلاث مناطق جغرافية:

الأولى : العـربية الصخـرية أو الحجرية Arabia Petraea وهي المنطقة التي تشمل شبه جزيرة سيناء والمرتفعات الجبلية المتصلة بها في شمال الحجاز وجنوب البحر الميت، وهي التي أقام فيـها الـنبطيـون الذين نزحـوا من بادية الشام وأنشأوا فـيـها مملـكة، كانت عاصمتها مدينة سلع "البتراء" الأثرية في الأردن، وقـد ظـلت دولتهم من القـرن الـثـالث ق.م إلى أوائل الـقـرن الثاني الميلادي.

والثانية : العـربية السعـيدة Arabia Felix نظرا لخصوبتها وهي اليمن وعمان. وقد قامت فيها دولا وحضارة امتدت لأكثر من ألف وخمسمائة عام. ولم يكن معروفا عن سكان هذه المنطقة إلا قليلا، لا يتجاوز إشارات قليلة وردت في العهد القديم وفي بعض الآثار المصرية والبابلية والأشورية، ثم ما كتبه العربان عنهم بعد الإسلام، وتختلط به الأساطير *3*.

والثالثة : الـعـربية الصحـراوية Arabia Deserta أو " الـبادية " أو " الـبرية المقفـرة " وأطلقا على سكانها إسم " البدو "، نظرا إلى أنهم لم يتجمعـوا قط في وحدة سياسية تجمع شملهم، فطبيعة أرضهم تدفعهم إلى التشتت والتفــرق والانقسام.

فلم تقم لهم ـ قبل الأسلمة المحمدية ـ دولة أو حضارة أو مدنية على الإطلاق، من شأنها أن تعطيهم هـوية وطنية من نوع ما كما أسلفنا. كذلك من الثابت تاريخيا أنه عندما قل مالهم لانقطاع الخـراج والجزية عنهم من الدول التي اعتلوها بعد الاكتساح الإسلاموي، وخفت وطأة الدين عليهم تفرقوا وتشتتوا مـرة أخـرى وعبدوا آلهتم القديمة [باستثناء منطقة الحجاز لاستمرار الحج إليها]، وقد أشار ابن خلدون إلى ذلك بقوله: « ثم إنهم بعد ذلك انقطعت منهم عن الدولة أجيال، نبذوا الدين، فنسوا السياسة، ورجعوا إلى قفرهم وجهلوا شأن عصبيتهم مع أهل الدولة وببعدهم عن الانقياد وإعطاء النصفة، فتوحشوا كما كانوا، ولم يبق لهم من إسم الملك إلا أنهم من جنس الخلفاء ومن جيلهم*4* ». وظلوا على هذا الحال إلى أن ظهر عبد العزيز بن سعود على المسرح السياسي، وتمكن بمساعدة المتأسلمين الوهابيين من جمعهم في دولة سميت بإسمه، هي السعودية حاليا.

وكان أولئك البدو يسمون أنفسهم بأسماء قبائلهم، فلم يجمعهم قط إسم عـرقي أو قـومي واحد، ولولا عثـورهم على موارد أجنبية أشارت إليهم بإسم " العـرب " السرياني الذي أطلق على سكان الصحراء بوجه عام، لما عرفوا به أبدا. خاصة وقد أطلق عليهم اليونانيون والرومانيون إسم "السراسنة أو السـراسين" بمعني " اللصوص السـراقين ".

والنص الوحيد الذي وردت فيه لأول مرة كلمة " العـرب " كإسم علم على قاطني شبه الجـزيرة من حضر وبدو، ونعت فيه لسانهم [قريش أساسا] باللسان العـربي جاء في القـرآن، فقد ذكر الدكتور جواد على عن ميللـر قوله إن « القرآن هو الذي خصص الكلمة وجعلها علما لقومية تشمل كل العـرب*5* ». ولم يكن ليحدث ذلك مالم يكن لدي القرشيين في مكة على وجه الخصوص حس متنامي بالقـومية قبل التأسلم، فوجدوا في لهجتهم السـريانية الأصل وفي الصفة التي أطـلـقـها عليهم الآخـرون وهي كلمة "عــرب" شيئا يمكنه أن يجمعهم معا ويكسبهم هوية واحدة كضـرورة من ضروريات التطور الاجتماعي والانتقال من حياة البداوة إلى حياة التجمع التجاري والخـدمي في قـرية بكة.

ومن الملاحظ أن البدو في المنطقة بأسـرها من المحيط إلى الخليج يعرَّفون أنفسهم بأنهم " عـرب " لا لانتمائهم للبدو المتسعوين في شبه الجزيرة، ولكن لأنهم أخذوا بالمثل نفس الكلمة.

والآن تسَعْوَد ساكنو الصحراء، فصاروا يعـرفون بـ" السعوديين " نسبة إلى قـبيـلة " آل سـعـود " التي تخضـعـهم لسيطـرتها، بينما طـغـت كلـمة " العـرب " ولغتهم العـربية وديانتهم الإسلاموية على شعوب المنطقة برمتها وأعمتهم جميعا، بعدما انتزعت هويتهم الوطنية من جذورها وحلت محلها هوية البداوة الصحراوية.

نعود إلى الخـرافات والأكاذيب من جـديد، ونحن نضطـر للعـودة إليهما دائما، لأن الـبدو العـربان فرضوها علينا منذ زمن بعيد، ومن ثم أصبحت جـزءا لا يتجـزأ من حياتنا.

❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

وظهـرت الخـرافات والأكاذيـب

بدأت إذن الخـرافة الكـبرى بظهـور مجموعة (أو قبيلة) من البدو الـرُّحَّل الجياع مجهولي الأصل والهـوية على الساحة السياسية في وقـت مبكـر لم يحـدد بصورة قاطعـة حتى الآن . ويقـول بعض الباحثين إنهم قدموا من شـرق شبه الجـزيرة أو من جنوب العراق عـبر صحراء النفود، بينما يقول البعض الآخر إنهم قدموا من صحـراء شرق أفريقيا أو مصر عبر سيناء أو باب المندب في جنوب شبه الجـزيرة، أو إنهم نزحوا من أرمينيا في آسيا ... حتى حلوا في العـربية الصخـرية وأناخوا فيها، وقـرروا في وقت ما عـدم العيش في " مكمنهم " أو ممارسة حياة الـرعي، وفضلوا عليهما غـزو المدن في فلسطين والشام ومصر ونهـبها، وبيع أنفسهم للجيـوش الفارسية والأشورية والبيزنطـية والرومانية المتناحـرة في شمال وجـنوب شبه الجـزيرة والارتزاق من مشاركتها في القتال الدائر رحاه فيما بينها، مما اقتضى منهم عبـور الفلافي والـوديان والأنهار للالـتحاق بتلك الجيـوش كمـرتزقة، ولذلك عـرفوا بـ" العـبرانيين ". ويقول فيليب حتى: « إن هذه الكلمة كلدانية الأصل وأنها ليست إسما عـرقيا وإنما تسمية أطلقت على جماعات من الرجال الأجانب والأشقياء المستعدين للانضمام إلى صفوف أي جيش لقاء أجر أو بدافع الحصول على الغنائم*6* ». ويتوصل لومير إلى أنهم من جماعة الهابيرو أو العابيرو، وهم الذين يعيشون على الارتزاق والعمل لدي الحكام سواء في الأعمال المدنية أو في الجيش مقابل أجور معينة*7*. وقد تمكن أولئك العبرانيون من الاستقـرار في فلسطين بعد عناء شديد في القرن الثالث عشر ق.م. وفي عام 587 ق.م استولى الأشوريون على بلاد الشام وفلسطين، وقام نبوخذنصر الثاني آخـر مـلـوك بابل (604 ـ 562 ق.م) بحصار مدينة أورشليم واحتلالها، وتركها فريسة للسلب والنهب، بعد أن أزال أسوارها وأحرق قصر الملك " صدقي " وهدم هيكل العبرانيين الذين أخذههم أسـرى إلى بابل في العـراق. وفي هذا الأسر بدأ كهنتهم في كتابة التوراة المعـروف بالعهد القديم من الإنجيل باللغتين الآرامية والسريانية اللتين كانتا منتشرتين فيما بين النهرين، ونسبوه إلى نبي لهم يدعى " موسى "، وهو إسم يعنى بالعبراني المنتشَل من الماء، أو أنه مصـري الأصل بمعنى " ولد " كما ذهب عالم النفس النمساوي فرويد*8*. ويقول تسمرلينج : « إن العهد القديم من التوراة يصور بابل ونبوخذنصر الثاني تصويرا بالغ السلبية والسوء، وفي ذلك ظلما لهما، إن نحن قومناهما بمعايير تاريخية عامة ولم نرهما بأعـين يهــودية، أي بذلك المنظار الذي يرى فيه المهـزوم هازمه، فلا يترك له أي وجه إيجابي*9* ». وهذا هو الوضع الطبيعي مع جميع الغـزاة، أما الغير طبيعي فهو ما يختص بالبدو العـربان مع الشعوب الأخرى التي هزموها واحتلوا بلادهم ومسحوا هويتها الوطنية وأزلوها على مر التاريخ بإسم الدين.

وقد لفت الأنظار إلى هذا الأمر الكاتب الأمريكي جون كولي في كتابه « التحالف ضد بابل .. الولايات المتحدة وإسرائيل والعراق »، الذي ترجمه ناصر عفيفي وصدر في عام 2006م عن مكتبة الشـروق الدولية في القاهرة . ففي تناوله للأسباب الكامنة وراء غـزو أمـريكا للعراق في عام 2003م، أشار الكاتب إلى ضـرورة قـراءة الأحـداث الجارية في ضوء خلفيات تاريخية منها الحـروب الصليبية على الشـرق قبل نحو تسعة قـرون والاستعمار الأوروبي لبلدان الشـرق الأسط في القرن التاسع عشر بناء على خطبة شهـيرة للـبابا أربان الثاني بفرنسا عام 1095م اعتبر فيها المسلمين « الجنس الكافر المحتقَـر بحـق، والمجـرد من القيم الإنسانية، وعبـدة الشيطان ». كما أشار جون كولي إلى فيلم " لا تسامح " الذي أخـرجه عام 1916م الأمريكي دافـيد وارك جـريفيث وصوَّر فيه « بابل عـلى أنها تجـسيد لكل الشــرور في العـقـل الأمـريكي »، وقـال كـــولي إن « مؤرخي الكتاب المقدس قدموا الـوقـود الذي جـعـل من العـراق بقعـة لصناعة الشـر بالاستناد إلى رؤية العهد القديم لبابل كمركز للفساد والظلام ». وقد أشار الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى ذلك بقوله : « إن العـراق تشكل مع إيران وكوريا الشمالية محور الشر».

نعـود مـرة أخـرى إلى مـوضوعـنا:
ما أن اشتهـر أولئك الـمـرتزقة وأصبح لهم نفوذ في المنطقة حتى استملحوا تعدد الأسماء ونسج الخـرافات حول أصلهم ونسلهم، فزعموا أنهم عبرانيون لأنهم أبناء " عابر " أحد أحفاد نوح، أو لأن جدهم المزعوم أبرم الذي أصبح إسمه أبراهام أو إبراهيم فيما بعد، كان قد عـبر الوديان والسهول في طريقه من مولده في مدينة " أور UR " جنوب شرق العراق مرورا بمدينة " حـران " في شمال شرق سوريا إلى أرض كنعان " فلسطين " في الجنوب، وأنهم أسرائيليون لأنهم بنو " إسرائيل " بمعنى " صرع إيل " وهو إسم أطلقه إله الكنعانيين " إيل ِEL " على نبيهم " يعقوب " عندما صارعه وهزمه، وهم يهود نسبة إلى آخر آلهتهم المدعو " يهوذا " الذي أوجدوه خلال خـروجهم الخـرافي من مصر مع نبيهم المدعو موسى، وأخيرا في عام 1781م أطلق المؤرخ النمساوي " أوجوست لوفيج شلوتسر August Ludwig Schloezer " إسم " الساميين " على الشعوب التي تدعي أنها منحدرة من صلب " سام بن نوح "، بما فيهم العربان، بينما الدلائل التاريخية والدراسات العلمية تؤكـد أنه لا عـلاقة عـلى الإطـلاق بين هذه المسميات من الناحية العــرقية أو الــروابط الـقـبلـية.

وتفيد الحـقائق العلمية بأنه عندما كان أي طـرف من الأطـراف المتصارعة في المنطقة ينتصر على الطـرف الآخرى، يعـمد على الفـور إلى تشتيت العبرانيين أو سبيهم، لعدم ولائهم لأحـد، وفي الأسْر الذي تم علي يدي نبوخذنصر الثاني آخـر مـلـوك بابل تمكنوا من استيعاب أساطير وتراث المنطـقة برمتها سـواء السـومـرية أوالبابلية أوالأشورية أوالكنعانية أوالمصرية أو الفارسية "المجوسية"، بهدف اكتساب هـوية، فـراحوا ينسجـون منها خرافات عديدة بدءا بخلق الكون وآدم ومرورا بطوفان نوح حتى جاء جـدهم ونبيهم الأكـبر أبرم، فعقـد ميثاقا وعهدا إلهيا، اختص به ابنه إسحق، من دون ابنه البكر إسماعيل، وبذلك جعلوا من إسحق مصدرا لنسلهم، بينما أخرجوا إسماعيل من مسرح الأحداث العـبرانية وحرموه من الميثاق والعهد الألهي، ليلتقطه الآخـرون من " بدو الـعـربية الصحـراوية "، ويجعـلون منه أصلا لهم . فكلمة "إسماعـيل" سـريانية الأصل وتعـني "الإله يسمع" والإله ـ كــما يتضح من الكلـمة ـ هو " إيل " الكنعاني، ولم تكن تلك الكلمة معـروفة بين بدو تلك المنطقة (منطقة العربان)، وجاءت إليهم مع المـرتزقة العبرانيين الذين طالما تعرضوا للطـرد والتشتيت أو الأسر من قبل القوى المتصارعة في الشمال، فكانوا يلجأون عادة إلى الجنوب حيث استوطنوا مدينة يـثرب [المدينة حاليا] ومناطق أخرى من شبه الجـزيرة*10* أو كانوا يرافقون القوافل التجارية التي تمخر عباب الصحراء في الطريق التجاري الوحيد الذي يمر بجوار البحر الأحمر عبر مكة إلى اليمن في الجنوب، ليربط بلاد الشام وأوروبا في الشمال مع الهند والصين. فكانوا على اتصال دائم باخوانهم في البادية الصحـراوية. أو أن القـرشيين أنفسهم حملوا معهم تلك الخـرافات العـبرانية إلى تلك المنطقة، إذ تعتقد الدكتورة باتريشيا كرون*11* أنهم كانوا ضمن الذين نزحوا من الشمال إلى الجنوب في وقت ما واستوطنوا مكة. وفي مكة توالت الخـرافات والأكاذيب .

❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

خـرافـة التـقسـيم العـرقي

عندما أفاق القرشيون من نومهم في مكة قبل غيرهم من بدو العـربية الصحراوية، لتعاملهم مع الأجانب الذين كانوا يـمرون بقوافـلهم التجارية عبر مدينتهم، وربما لانحدارهم من الشمال، ورأوا ضـرورة أن يكون لهم أصل وتاريخ، بهدف تحقيق هوية خاصة بهم، لم يجدوا أمامهم سوى خـرافات إخوانهم العبرانيين ينسجون منها نظاما هلاميا لنسبهم، ولم تظهر معالمه النهائية إلا في المصادر الإسلامية المتأخـرة والتي دونت بعـد أكـثر من مئة وخمسين عاما بعد ظهـور الأسلمة المحمدية، وقد أدخل المتأسلمون عليه تعديلات كثيرة في زمن صلعم وما تلاه من أزمنة، وتمت صياغته بما يتفق مع نظـرتهم التي اصطبغت بالصبغة الإسلاموية، فطالما لإبراهيم " العبراني " إبنان " إسحاق وإسماعيل " وأن العبرانيين أخذوا الأول جدا لهم بغرض تأسيس ديانتهم، فلماذا لا يأخذ العـربان الإبن الثاني لنفس الغـرض، ولا مانع من أن يجعلوا إبراهيم يأتي مـع إبـنـه إسماعـيل إلى مكة ويبنيان الكعبة لهم، ثم ـ ولغير سبب ـ يستقر الإبن في مكة كي ينحدر بدو العربية الصحراوية من نسله ضمن نظام أنساب وهمي قسموا فيه سكان شبه الجـزيرة إلى ثلاث طبقات أفقـية عـلى النحـو التالي:
1. العـرب البائدة
2. العـرب العاربة
3. العـرب المستعـربة أو المتعـربة

وزعموا أن العـرب البائدة هم قوم عاد وثمود وأرم وغيرهم، وقد انقرضوا كلهم قبل الأسلمة أو أوقع " الله " العقاب بهم وأبادهم عن بكرة أبيهم لأنهم عصوا أنبياءهم ولم يسيروا في الطريق السوي الذي أمـروهـم به، بينما يقـول الكعـبي ـ بأسلـوب دبلومـاسي مبطن ـ إن : « معلوماتنا عن هذه القبائل قليلة جدا، ويكتنفها في أغلب الأحيان الغموض*12* »، ولم يقل صراحة بأن هذه القبائل لم يكن لها وجود في الأساس، أو أنها ربما وجدت ولكنها ذابت في القبائل الأخرى، ولكن الخـرافات الإسلاموية أوجدتها كي يبيدها "إله العـربان الصحراوي" لأنها عصت أنبياءها، في إشارة واضحة للبدو القريشيين وغيرهم بضرورة طاعة صلعم، كيلا يلقـوا نفس المصير.

أما العـرب العاربة ـ حسب ادعائهم ـ فهم الراسخون في العـروبة وهم أول أجيالها وينسبـون إلى " قحطان " أو " يقطان " الذي ورد إسـمه في الخـرافات الـتوراتـية العـبرانية، والتي ادعى العبرانيون أنه " يقطان بن عابر بن شالح ... بن سام بن نوح " وكان موطنه في اليمن.

والعـرب المستعـربة أو المتعـرِّبة فينسبونهم إلى " عدنان " المنـحدر من صلب إسماعيل، ويدعون أنهم عـرب مستعـربة لأن جدهم إسماعيل عندما نزل مكة كان يتكلم العبرانية، فلما صاهر اليمنيين [العـرب العـاربة] تعلم منهم العـربية وهو ابن أربع عشرة سنة !!.

إلا أن الكعبي يقول : « لا نجد ذكرا لأي من عدنان وقحطان في أي نقش أو أثر يمني قديم، أو ثمودي أو صفوي وهي نقوش تعد بعشرات الألوف ». ويستطرد الكـعبي قائلا : « إن هذا النظام يقسم العرب أفقيا تقسيما ثلاثيا (عاربة ـ مستعربة ـ بائدة) ثم يقسمها عموديا إلى أقسام منفصلة (قبائل) وهذا يعني أن العـرب ليسوا شعبا واحدا وإنما جماعات إنسانية استمرت خلال العصـور الطويلة محتفظة بعناصـرها المكونة، دون تفاعل أو امـتزاج »، وذهب إلى أن هذا القول لا يمكن أن ينطبق على اليمن أو الشام والعراق الذي أمضى سكانها في حياة الاستقـرار والحضارة ما يزيد على العشـرين قرنا.

إذن يريد العـربان أن يفهموننا من خلال هذا التقسيم الخـرافي أنهم أخذوا لغتهم من غيرهم وأنهم استُعْـرِبوا ـ أي أصبحوا عـربا ـ وعليه لامانع من أن يسـري ذلك على الآخـرين الذين احتلوا بلادهم وركبوهم.

وتجدر الإشارة إلى أن كل ما نعـرفه من كتب التراث الإسلاموي العبثي عن نظام الأنساب هذا؛ يتعلق فقط بقبيلة قــريش في مكة [قبيلة صلعم] وبعض القبائل القليلة في منطقة الحجاز، بينما تضعف المعلومات عنـه بوضوح ثم تضطرب كلما ابتعدنا عن هذه المنطقة وتتلاشى تماما إذا وصلنا إلى اليمن أو العراق أو بلاد الشام، مثلما توصل إليه الكعبي. ولا تجد لهذه المعلومات أدنى صلة على الإطلاق في مصر أو شمال أفـريقـيا. ومع ذلك فـقد ترسخ هذا التقسيم العنصري الوهمي في نفـوس المتأسلمين في شبه الجـزيرة بمرور الوقت وأدى إلى نشـوء خـلافات ومنازعات لأسباب سياسية ـ قـوامها فـرَْق تسـد ـ بين هـاتين المـجموعتين المعـرفتين بـ"العدنانية (من عدنان) والقحطانية (من قحطان)" أو " القيسية واليمنية "، في زمـن الخليفة الأموي مروان بن الحـكم (64 ـ 65ع/68 ـ 684م) المحسـوب على العدنانيين . ولم يظهـر هذا الخلاف قـط في عصـور سابقة له . كما ترسخ بالمثل في نفوس مواطني الدول التي احتلها البدو العـربان تحت غطاء الأسلمة، فنشب النزاع بينهما بعد ذلك في خورستان، حيث استغله أبو مسلم الخرساني خير استغلال لصالح العباسيين، مما مكنهم من اغتصاب السلطة من الأمويين . ونشب مرة ثالثة في الأندلس فيما يعرف بـ" حـرب الطوائف " وكان من الأسباب الرئيسية في انهيار حكم المستعمرين المتأسلمين هناك.

ومن ناحية أخـرى لم يستدل حتى الآن على أي أثر لإبراهيم أو إسماعيل في أي مكان من المنطقة أو غـيرها، لكونهما من الشخصيات العـبرانية الخـرافية، التي أخذها قـرآن العـربان من أباطيل وافتراءات التوراة اليهودية الـمـزيفة*13*. وقد أشار الدكتور طه حسين إلى ذلك صراحة بقوله: « للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقـرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الإسمين في التـوراة والقـرآن لا يكفي لإثبات وجـودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العـرب المستعـربة فيها »، ورأى طه حسين أن هذه القصة نوعا من الحيلة لإثبات الصلة بين اليهود والعـرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقـرآن والتوراة من جهة أخرى*14*. بينما الحقيقة هي أنها كانت نوعا من المداهنة والـرياء، كي يعترف اليهود في يثرب بصلعم نبيا، الأمـر الذي لم يحدث، فكان سببا في الانقلاب عليهم ومحاربتهم وقتلهم أو إخراجهم من ديارهم، ثم جاء خليفته عمر بن الخطاب ليقطع دابرهم تماما من شبه جـزيرة العـربان.

وبعد ظهور االأسلمة المحمدية ظهـر تقسيم جديد لقاطني العـربية الصحـراوية، يفـرق بين أهـل الـمـدن، خـاصة مـكة ويـثرب بوصـفهـم " عـربا " متحضرين وبين القبائل التي أجـبرت على التأسلم ودفع الجـزية لبيت مال المتأسلمين بصفتهم " أعـراب " رعـاة الإبل والأغنام، وأهـل الكـفـر والنفاق، وأقـر القرآن هذه التفـرقة، وأفنى فقهاء الدين وملفقو التاريخ قـرائحهم في تأصيلها. تماما كما يفـرق الـمـرء بين سكان المدن وسكان القرى في مصر لأغـراض سياسية خالصة، متجاهلا حقيقة أن سكان المدن كانوا ريفيين في يوم ما، ومازال الكثيرون منهم يحملون الطبائع والمسالك الـريفية الأصيلة حتى اليوم، الأمـر الذي ينطبق تماما على الأعـراب وغـيرهم، لاعـتبار أن حـياة الـبداوة وحياة الـزراعة تسبق حياة الاستقـرار في تجمعات حضـرية في أي مكان وزمان.

وسوف يتضح لنا فيما بعد أن نشوء الطـريق التجاري بين الشام واليمن أدى إلى نشوء تجمعات بشرية من بدو الصحراء استقرت في مناطق معينة على الطريق، فكونوا نواة للحضر، وأصبحت مدننا تجارية فيما بعد، أشهـرها مكة، وكان لا بد لأهلها أن يسنوا تشـريعات ويؤسسوا تقاليدا من شأنها المحافظة على أمنهم وأمن تجارتهم، على عكس تلك التي تسود بين البدو الـرحل خارجها حـدودها. وبالـرغم من ذلك فإن الملفقين أخذوا سورة التوبة بكاملها عند جمع القرآن عن لسان " أعـرابي " ممن ينتمون لـ" أهل الـكــفــر والـنـفــاق ".

إن المنظومة التاريخية لقاطني العربية الصحراوية بوجه عام تشير بوضوح إلى أنهم مـروا بـ" صحوات " اجتماعية مختلفة، غـيرت من مسالكهم الحياتية ودفعتهم إلى اكتساح البلدان المجاورة لهم، ومع ذلك بقيت كما هي الطباع البدوية الصحراوية المتأصلة في نفوسهم، والطاغية على مفاهيمهم، والمسيطرة على مسالكهم الحياتية. ثم خـرجت عليهم عائدات النفط السخية لتساعدهم على فرض نفوذهم المادي والروحاني على الأمة الإسلاموية المـزعومة من جـديد، ومن ثم تحويل رعاياها إلى عبيد يخضعون لهم ولأشد أنواع الصعلكة والإنحطاط في العالم.
الهوامش:
*1*د. جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1 ، ص 30. دار العلم للملايين، بيروت 1978.
*2*جعلوا لكل جنس من الأجناس البشرية إبنا لنوح، وأخذوا لأنفسهم إسم «سام».
*3*د. شوقي ضيف: العصر الجاهلي، ط9، ص 27، دار المعارف، القاهرة، بدون تاريخ .
*4*عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، ج1، ص201. مصدر سابق.
*5*د. جواد على: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج2 ، ص 330، مصدر سابق.
*6*فيليب حتى: تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، ج1، ص 173.
*7*اندريه لومير: تاريخ الشعب العبري، ترجمة انطوان الهاشم، بيروت، 1999، ص 10.
*8*سيجموند فـرويد: مـوسى والتوحـيد، ترجمة جورج طـرابيشي، ط 4، دار الطليعة للطبع والنشر، بيروت 1986
*9*بيتر تسمرلينج: النهايات - الهوس القيامي الألفي، ترجمة ميشيل كيلو، مراجعة زياد مني
*10*كان في اليمن ولعهد قـريب جالية يهودية كبيرة.
*11*باتريشيا كـرون: تجارة مكة وظهـور الإسلام، ترجمة آمال محمد الـروبي، مـراجعة محمد إبراهيم بكر، المجلس الأعلى للثقافة، ط 1، 2005
*12*عبد الحكيم الكعبي: الأنساب العربية حقيقة .. أم وهم؟ مجلة العربي عدد يناير 2001 . الكويت .
*13*طارق خالد الحجي: كشف حقيقة اليهودية، مجلة العربي، عدد 1، الكويت 1999.
*14*د. طه حسين: في الشعر الجاهلي، ص38. دار المعارف للطباعة والنشر، تونس بدون تاريخ.


__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 08-08-2014, 03:38 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 37,570
افتراضي الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 3 ياسين المصري الحوار المتمدن-الع


الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 3


إشـكالية تاريخ الـعـربان الإسـلامـوي

« إذا أردنا أن نتـكـلم مع شعب ما نتعلم لـغـتـه، أما إذا أردنا أن نفهم هذا الشعب يجب علينا أن نقـرأ تاريخـه ». محمد حسنين هيكل

❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

ـ مـحـاولة للـفـهم
ـ خـلـط الدين بالتاريخ السياسي
ـ «حـدثوا عـني ولا حـرج»
ـ مـهـنة الـكلام
ـ مـاذا قـيل عن العـربان ؟

مـحاولة للفـهـم

كثيرا ما يتساءل غـير المتأسلمين، خاصة الأوروبيون منهم : لماذا يكـرهنا العـربان المتأسلمون جميعا؛ بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في بلادنا وينعمون بخيراتنا؟ وهم يكـررون هذا السؤال دائما لأنهم لا يفهمون العـربان، وهم لا يفهمونهم لأنهم لم يقـرأوا تاريخهم الديني قـراءة موضوعـية ونزيهة. فدين العـربان وتاريخهم الإسلاموي يشكلان ثقافتهم وتقاليدهم وسلوكهم وكل حياتهم . وإذا أراد أي إنسان أن يفهمهم ويفهم تقاليدهم وسلوكهم وحياتهم بالكامل، عـليه أن يقـرأ أولا هذا التاريخ، قراءة حـيـادية، وبدون أحكام عاطـفـية مسبقة. عليه أن يتوغَّـل كـثيرا أو قـليلا في متاهتهم التاريخية والفقـهية التي لا نهاية لها.

ولكن من الواضح تماما أن المتأسلمين أنفسهم في كافة بقاع الأرض لا يفهمون العـربان الذين يتباهون بهم ولا يفهمون دينهم الذي ينتحرون من أجله، ولا يقـرأون تراثهم الذي يحدد مصائرهم في الحياة، ولا يريدون الخوض في تلك المتاهة التاريخية والفقهية التي يصول ويجول فيها كم هائل من العملاء والدجالين وقطاع الطـرق والمرتزقة. فيكتفي المتأسلمون بأخـذ ثقافـتهم الدينية من أفواههم . يرتاحون إلى الثقافة السمعية المغـرضة والمضللة، التي تجعلهم يكـرهون أنفسهم ويكـرهون الآخـرين، وتعمل على إفساد حياتهم وتلويث سلوكهم، فيصابون بمـرض الفصام السلوكي المزمن.

ومما لا شك فيه أن أية محاولة تؤدي إلى فهم البدو العـربان الذين عَـرَّفـوا أنفسـهم بإسم " العـرب "، سوف تجعلنا ـ نحن المصريين ومن هم على شاكلتنا ـ نفهم أنفسنا بصفتنا "مستـعـربين" من قبلهم، خاضعين لجهلهم مصدقين لأكاذيبهم منذ قـرابة 1500 عام. « فقـد اعـتلونا، ولم يفـرضـوا علـينا الجـهل المقـدس فحـسب، بل فـرضـوا علينا ما هو أدهي من ذلك بكـثير، إذ فـرضـوا علينا ألا نقـول بأنه فـرض علينا..!! وإنما نقـول بأننا نحـن الذين أحـببنا هذا الجهل المقـدس وآمـنا به لأنه أخـرجنا مـن الظـلـمات إلى الـنور..!!*1* ».

لـقـد وضعـونا في مـزبلتهم وجعلونا نستحب العيش فيها، ونتباهى بالانتماء إليها والاغــترار بها منذ زمن بعيد، وهذا الأمر يقتضي منا قراءة واضحة وصريحة لتاريخهم، الذي هو تاريخنا منذ أكثر من 1400 عام وربط الماضي بالحاضر، قدر المستطاع . إنها لا بد وأن تكون محاولة شاقة بهدف معـرفتهم ومعـرفة من نحن منهم، وأين نقـف في تلك الـمنظـومة التاريخية الحقيرة التي فُـرِضت علينا، وتشكل ثقافتنا، وتحدد معالم وجودنا. وما هي الكيفية التي قد يكون عليها مستقبلنا. إنها إذن محاولة تتطلب منا الاستماتة في تبيانها، لأنها ليست سهلة، فسوف تحملنا على الغوص في بحار من الرمال التي تغمر صحرائهم القـفـراء، كما تجبرنا على تلمس مكانا لأقدامنا في مجاهل "الـتراث" الذي ابتدعه عملاؤهم، وجعلونا نقـدسه . وسوف تعرضنا ـ بلا شك ـ للجهلاء الذين غُـيِّـب وعيهم وأزيلت عقولهم وأصبحوا أدوات ساحقة ماحقة في أيدي المـرتزقة من الـدين والـمنتفعين من الــترويج له.

ولكن ـ وبصـرف النظـر عن ردود الأفعال العشوائية أو العمياء السائدة في ثقافتنا المريضة ـ فإننا سوف نصطـدم في البداية بعقبتين أساسيتين:

الأولى : الـتاريخ نفـسه

التاريخ، سواء كان سياسيا أو دينيا، يصنعه عادة الأقوياء المنتصـرون ويـقـره الضعفاء المهـزومون. فهو في حقـيقته ليس إلا صناعـة بشـرية تـفـرضـها المصالـح السياسـية التي يعـتمد الأقـوياء ـ اعتمادا تاما ـ في تحقيقها على استخدام القـوة والقـوة وحدها سواء كانت مادية أو معنوية. وهم بذلك وحدهم الذين يصنعون التاريخ ويكـتبون أحـداثه التي تخدم مصالحهم، بعيدا عن الأديان أو العقائد أو المبادئ أو الأخلاق أو غـير ذلك من الأماني والأوهام، وهم وحدهم الذين جبلوا على إقحام هذه الأمـور في التاريخ منذ نشأته وحتى اليوم بهدف تـبريـر أحداثه ووقائعه وشخصياته، ومن ثم تحويلها إلى قضايا مسلم بها. ولذلك يتعمدون تجاهل أو تدمير الوثائق والدلائل التي تدينهم أو التي لا تتفق مع أغراضهم ـ إن وجدت ـ، الأمر الذي يلقي على التاريخ ظلالا كثيفة من الغموض والإبهام، خاصة وأنه لا يقوم على حقائق انتهى أمـرها، وتم التسليم بها، بمعنى أن أحداثـه ليست مـبـررة لـذاتها، ولكنها تشكل منظومة تاريخية يجـب أن نعـود إلى قـراءتها ودراستها دائما بهدف التوصل ـ في يوم ما ـ إلى حـقيقـة أسبابها ودوافعها والنتائج التي أسفرت عنها؛ أو جـزء منها أو عـدم التوصل إليها على الإطلاق.

إن التاريخ يتعامل مع الأحداث والوقائع والشخصيات في زمان ومكان وجودها، ويتولى نقلها مـرة واحـدة من الـذاكرة التاريخية لـدي البشر إلى الـتدوين الـتاريخي كما هي، مدعومة بما يتوفـر من الوثائق والأدلة. ثم يقوم المؤرخـون بمحاولة تتبع أسباب حـدوثها ودوافعها الحـقيقية، ورصد نتائجها الآنية والمستقبلية. ولـذلك من الـمفـترض ألا يؤلف أحد تاريخا من بنات أفكاره، وأن كل ما يفعله المـؤرخـون هو مجـرد قـراءة التاريخ وليس تأليفه، لأن التاريخ يسجل مـرة واحدة فقط، وتعاد قــراءته عشرات بل مئات المـرات برؤى مختـلـفة، وفي هذا تكمن قيمته الـعـلـمية وفائدته العملية للبشـر. وغالبا ما نسمع من يقول بأن "التاريخ يعيد نفسه"، والواقع أنه يعيد نفسه بالفعل لأننا لا نتعلم منه، أو لأنه تاريخ مبتور وموتور ومغـرِض كما هو الحال في تاريخ البدو العـربان الذي يتحكم في منطقة الشـرق الأوسط برمتها.
فعلى سبيل المثال :

لا ينكـر أحد في العالم حقيقة حدوث غـزوة مانهاتن في نيويورك، في 11/9/2001، والتي قيل إن إسلامويين قاموا بتنفيذها*2*، وتم فيها هدم برجي التجارة العالمية وقتل أكثر من 3500 شخص!!؟؟.

وبصـرف النظـر عـن دوافـعها ومـرتكبيها، فإنها تسببت في قيام الأمريكيين بالاستيلاء عـلى أفغانسان في عام 2001م وعـلى العراق في عام 2003م ، واسقطوا نظامي حكمهما واحتلوا أرضيهما، وأبادوا ما أمكنهم إبادته من شعبيهما، ودمـروا ما أمكنهم تدمـيره مـن عمـرانهما وأصولهما. هذه حـقيقـة تاريخية سوف تظل باقية إلى أبد الآبدين، وقـد يلحق بها ـ بين حـين وآخـر ـ بعـض الـوثائق والأدلة المكتشفة، مثلها مثل كافة الأحـداث التاريخية الأخـرى، ولكن الأسباب والدوافع الكامنة وراءها، وأيضا النتائج التي أسفـرت عنها عـلى الـمدي القـريب أو البعيد سوف تظل دائما وأبدا موضوعا يتبارى الـمـؤرخـون في الكشف عنه مادام هناك بشــر على سطح الأرض . وسوف يبقى قـدر كـبير من الألتباس والغموض والتناقض قائما حول هذه الحقيقة التاريخية مادامـت الـعقائد الـدينية أو المبادئ الأخـلاقية تدخلت لـتبريرها. فهل ترك الأمريكان بلادهم وذهبوا آلاف الأميال وجاءوا إلى أفغانستان أو العـراق أو غــيرهما، كي يَقـتُـلوا ويُقـتَـلوا من أجـل نشـر الـديموقـراطية والحـرية والعـدالة الاجـتماعـية؟، وبأمـر إلـهي مـن ربهـم الأعـلى ـ كما ادعـوا ـ، أم أنهم جاءوا لأغـراض أخـرى؟؟؟. فنحن نسمع رئيسهم "جـورج دبلـيو بوش" يتشدق بقوله : « لـطالما كانت الحـرية والخـوف ، والعدالة والوحـشية في الحـرب، ولكـننا نعلم أن الـرب ليس على الحياد بينهما*3* »، ويقول كذلك إن « الحـرية التي نناضل من أجلها ليست هـدية أمريكا إلى العالم، بل هي هدية الرب إلى البشرية*4* » . وفي نفس الخطاب يتملق رعاياه ويقتبس مباشرة من أحـد أقـدم الـتراتيل الإنجيلية قـوله : « [قـوة ، قـوة خارقة] في صلاح ومثالية وإيمان الشعب الأمـريكى ». أعـد النظـر عـزيزي القارئ في عبارة : « صـلاح ومثالية وإيمان الشعب الأمـريكي »، ألـيست شـبيهة تـمـاما بعـبارة : « شعب الله المختار » العبرانية أو عـبارة : « خـير أمـة أخـرجت للناس » العـربانية؟؟.

ونظرا إلى أننا أمام آلهة تعاني من مرض العنصرية، فقد جاء قـرآن المتأسلمين أن الله " فضل " بني إسرائيل على العالمين (البـقـرة 47). والتفضيل أقوى من الاختيار، فقد يضطر المرء، تحت ظروف معينة، إلى اختيار شيء لا يفضله، بينما يفضل دائما، وبمحض إرادته، ما يحب ويهـوى.

إنها إذنْ اللـوثة العـقائدية التي تصيب مـن يريد تحقـيق مآربه عـلى جثث الآخـرين، ويستغل قـوته وتفـوقه في السيطـرة عـلى غـيره، فيعـمد إلى احتلال البلاد وقـتل العباد، فإذا صدقه عامة الناس وجـرى على جـريه بعض الـمؤرخين وأشباههم من العملاء، تصبح الحـقيقة مبررة لـذاتها ومسَلَّم بها، فتضيع الأسباب والدوافع الحقيقية للصـراعات السياسية المكـوِّنة للتاريخ، وتتوارى خلف ستار كثيف من الخـداع والكـذب . ويصبح التاريخ عـندئذ مادة تحايلية مضللة وخادعـة للناس، وأداة لـنثر بذور التخـلـف والانحطاط بينهم .
وهذا هو شأن تاريخ العربان الإسلاموي منذ نشأته وحتى يومنا هذا، ولكن الأمل سيظل معقودا بعزم وإصرار لدي كافة العقلاء في العالم على تغيير مساره الذي تعاني منه البشـرية جمعاء، ويقـف عـقبة كأداء أمام دول المنطقة في طـريق التقـدم والحضارة والـرقي المادي والمعـنـوي معا.
والثانية : قارئ التاريخ "المـؤرخ"

من ناحية أخـرى يجب على المؤرخ أن يتوخى في قراءته قدرا كبيرا من الموضوعية التاريخية والتزاهة العلمية، الأمـر الذي يتطلب منه امتلاك ثقافة مميزة وتحـررا من الـهـوى القومي أو الحماس الديني أو السعي وراء الكسب المادي أو المعنوي، أو غير ذلك من الدوافع التي تجعله يلـوِّن التاريخ أو يعبث به، فهو أولا وأخيرا يجب أن يقرأ التاريخ لا لمصلحته الشخصية أو لمصلحة الساسة، ولكنه يقـرأه كضرورة حياتية تخـدم الأجيال الحالية والمقبلة عـلى حـد سواء. عليه أن يقدم أبحاثا عـلمية يعالج فيها الوقائع والأحداث والشخصيات التاريخية التي وجدت في يوم ما على سطح الأرض بناء على وثائق وأدلة مادية ملموسة، وهو في ذلك، يجب أن، يختلف اختـلافـا أساسـيا عـن رجـل الـدين الـذي يُفـتَرَض أنـه يتناول ـ عادة ـ النواحي الإلهية والشخصيات الـربَّانية، التي هبطت من السماء لتعشش في أذهان البشـر. ومن ثم يتعـامل مع الحاجات الــروحـانية لـدي الـناس بمثـالية غـير مـوجـودة بينهم، ولكن ـ وبلا شك ـ يتوق الكـثيرون منهم إليها.

وعـلى صعيد تاريخ العربان الإسلاموي الذي مازال يؤثر في المنطقة وفي العالم بأسره منذ أكـثر من ألـف وربعمائة عام، نجد أنه ظـل لأكـثر من مائة وخمسين عاما بعد ظهـور الأسلمة المحمدية يعتمد على النقل الشفهي فقط ودون أسانيد مدونة أو وثائق تاريخية ثابتة، مثلما كان عليه الحال بين العـربان قبل ظهـورها. حيث كانت القـوى الدافعة الرئيسية عند الـبدو العـربان حـرصهم على سمعتهم وحفظهم لـمآثر أجـدادهم، لا سيما أعـمالهم البطـولية. وكانت الأحـداث والوقائع التاريخية تروى في مجالس القبائل على ألسنة رؤسائها وشعرائها بهدف التسلية والتهـذيب الخـلقي والتفاخـر وحث الحاضـرين على مواصلة أعمال السطـو على القبائل الأخـرى وقتل رجالها وسلب أو نهب ممتلكاتها وسبي أولادها ونسائها، ولم يعـرفوا في حياتهم الـتدوين التاريخي، إذ فـرضت عليهم طبيعة البيئة التي يعيشون فيها التنقل من مكان إلى آخـر دون أن يتركوا أي أثر وراءهم، فبقت أحداثهم ووقائعهم وشخصياتهم التاريخية كامنة في ذاكرتهم يتناقلونها من جيل إلى آخـر عن طـريق السـرد الشفهي، لذلك لم تكن تخلو من المبالغات والإفـراط في استعمال الخيال والتخيل واختلاق الأحـداث التي تخـدم أغـرضهم السياسية في المقـام الأول . وجاء المؤرخون وأشباههم ليتمادوا في هذا الأمر إلى حد الهزيان والهلوسة كما يتضح لنا فيما يلي من صفحات.

لقد بدأ التاريخ في عصور مـوغـلة في القـدم عندما أدرك المزارعـون في مجتمعاتهم المستقـرة دون غـيرهم أن لديهم ذاكـرة تاريخـية يمكنها رصد وتخـزين واجـترار الظـواهر الطبيعية والاجتماعية التي تحدث بين حين وآخـر بينهم أو من حـولهم، وأن البعض منها يسبب النفع لهم ويخدم مصالحهم الحياتية مثل سقوط المطـر وجـريان الأنـهار وسطـوع الشمس وطـلوع القـمـر، وما يحدثه ذلك من خصب ونماء، و البعض الآخـر يلحق الضـرر بهم وبمزروعاتهم ومواشيهم وممتلكاتهم ويهـدد حياتهم بأكملها مثل الجفاف والفيضانات والأعـاصير والـزلازل والـموت والـقتل وغـيرها من الظـواهر، ومن ثم حاولوا تفسيرها وفهم أسبابها ومعـرفة الدوافع الكامنة وراءها، ونظـرا إلى أنهم لم يجدوا تفسيرا مقنعا لها، فقد نسجوا حولها الأساطير، ونسبوها إلى آلهة تكمن وراءها لثـواب الـناس أو لعقابهم، وأصبحت القـراءة الأسطورية لتلك الأحداث وغـيرها جـزءا لا يتجزأ من حياتهم، ومصدرا هاما لـهـويتهم الـثـقافية والـعـقائديه. فأنشأوا بذلك حـضارات، مازال العالم ـ وسوف يظل دائما ـ يتنـدر بعـظمتها وروعـتها.

وأعطوا لتلك الآلهة أسماء ومُهِـمَّات تقوم بها، فالسوماريون في بلاد ما بين الـرافدين [دجلة والفرات] اعتبروا أن الشمس "الإلهة شمش" تمثل قـوة الـنور والحق والعـدل. وكوكب الـزهرة "الإلهة عشتار" هي نجمة الصباح والخصوبة والإنوثة والتكاثر والأمومة، والتي سميت بـ"العزة" لدي البدو العـربان، وإله القمر "سين" هو إله المشاعـر والحدس والتأثـيرات السحــرية، وقـد أقسم به إله الـبدو الـعـربان في سورة "ياسين". وكان جوهر الدين يتلخص في كلمة واحدة هي "الإخصاب"، الذي ينجم عن تلاقح عشتار مع روح الذكورة الممثلة بالإله "تموز" ابن المياه وجالبها، والذي مازال يحمل إسمه شهر إبريل في بلاد الهلال الخصيب (العراق وسوريا وفلسطين). هذا الإله أصبح إسمه "بعل" لدي الكنعانيين في الشام وانتقل إلى العـربان بمعنى السيد والزوج، ودخل إلى قرآنهم بنفس الإسم والمعنى، وقد ورد إلى مكة كصنم احتل مكانة مميزة بين أصنام الكعبة قبل الإسلام بإسم "هُبَل"، على اعتبار أنه إله الرعي المرادف لـ"راعي الغنم هابيل" إبن آدم .

وكان الناس في منطقة الهلال الخصيب يقدمون القـرابين للإلهة عشتار على مـدار العام والصلوات للإله الأكبر أو الأعلى رب السماء "إيل" من أجل أن تهبط عشتار إلى الأعماق وتنقذ تموز وتعيده من جديد إلى الأرض ليخصبها في مطلع الربيع. وقد وجد هذا التثليث الإلهي عند قدماء المصريين في: جب "الأب" وأوزيريس*5* "الإبن" وإيزيس "الأخت والزوجة" وفي المسيحية: الأب والإبن والـروح الـقـدس وعـند الـبدو العربان: الــلات والـعـزة ومناة.

❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

خـلـط الـدين بالتاريخ الـسياسي

بدأ إقحام الـديـن في التاريخ السياسي للبشـر بظهـور مجـموعة من البدو " العـبرانيين " مجهولي الهوية ومعدومي الثقافة على الساحة السياسية في شمال شبه الجزيرة لـيـؤثـروا في العالم أجمع، فقد عمدوا في غـفلة من الـذاكرة التاريخية إلى فـبركة أساطير بلاد الرافدين والشام ومصر واليمن وبلاد الفرس وتحويلها إلى تاريخ ديني خاص بهم، بهدف إكسابهم هـوية وثقـافة معينة، فانبثقت بذلك الـقـراءة الدينية للتاريخ التي تقدم العظة والعبرة من خلال التلقين الديني والأخلاقي للبدو العبرانيين، وحثهم على قتال الآخرين المخالفين لهم ولديانتهم، وقد أخذها عنهم إخوانهم بدو الصحراء القابعون في الجنوب، وأجـروا عليها بعض التعديلات وأضافوا إليها مزيدا من الخرافات والأكاذيب والشعائر الوثنية السائدة بينهم وتتفق مع طبيعة حياتهم، ثم عمَّمُوها ونشـروها بسيوفهم وحـرابهم على البلدان المجاورة لهم تحت إسم " الإسلام "، وتلقفها العملاء الدجالون والمتزلفون في هذه البلدان للارتزاق من ورائها، فكان لابد لهم أن يدافعوا عنها بشتى الطـرق والأساليب.

لا شك أن المصالح المادية تستحكم دائما وأبدا بنفوس البشـر، لذلك ظهرت في وقت متأخـر الـقـراءات العنصرية لتـبرير التحركات الاستعمارية لبعض الدول، وتأكيد أحقيتها في احتـلال دول أخـرى، أو لتبرير رسالة الرجل الأبيض في مواجهة الملونين من الناس، فاستعملها المغامرون وقطاع الطـرق والمجـرمون الأوروبيون في إبادة الهنود الحمر في أمريكا، ومحاولة إبادة السـود في جنوب أفريقيا. كذلك ظهـرت الـقـراءة الـعـرقية ذات الطابع النازي أو الفاشي لتبرير الادعاء بالتفـوق الـعـرقي لفئة عنصرية معينة على الأعـراق الأخـرى. ومن الثابت أن اليهـود والعـربان مازالوا يستعملون هذه الـقـراءة حتى اليوم تحت شعاري "شعب الله المختار" و "خير أمة أخرجت للناس"، ومن ثم انبثق منهما ما يعرف بـ"الصهيونية" و"العـروبة، أو الأمة أو الجماعة الإسلامية ... إلى آخـره"، وجميعها مصطلحات سياسية ـ دينـية.

إن الحركات السياسية المشابهة في أي مكان من العالم تستعمل دائما تلك الشعارات التي تثير نعـرة الغـرور والغطـرسة لدي الشعوب؛ فمثلا تمكن « هتـلـر » في ألمانيا النازية من بلشفة الشعب الألماني بشعار "ألمانيا فوق الجميع"، وركـز على مقولة "الشعب الآري" النقي، ووضع معايير له، وعمد إلى إبادة ما عـداها. ومع أنه لم ينسب شعاراته إلى إله ما، إلا أن أحـدا لم يسأل نفسه لماذا تكون ألمانيا وحـدها فوق الجميع؟ ولماذا يجب أن يكون الألمان شعبا نقيا دون غيرهم؟. وهكذا فالعـبرنيـون " شعب الله المختار " والبدو العـربان " خـير أمة أخرجت للناس "، والأمريكان " قوة، قوة خارقة في صلاح ومثالية وإيمان الشعـب الأمريكى". وأيضا دون أن يسأل أحـد نفسه: لماذا وكيف؟؟. إنها إذن شعارات تُنْسَب إلى آلهة عـنصـرية بهـدف إثارة النعرات السياسية وخلق الإحساس بالقـوة والغـرور والغطـرسة تجاه الآخـرين، ومن ثم السيطرة عليهم وابتزازهم وسلب خـيرات بلادهم.

بالطبع فإن نجاح أمثال أولئك القراصنة المخبولين في تنفيذ مخططاتهم العنصرية الشوفانية، سوف يجعل منهم أنبياء وفي أقل تقدير أولياء الله الصالحين الذين يجب أن يتأسَّى (يقتدي) بهم المـرتزقة وقطاع الطـرق ويخضع لهم البلـهاء والجهـلة والمستضعـفون في الأرض.

ومن ناحية أخرى ربما يكون من السابق لأوانه القول بأن حركة المجتمعات البشرية وتطورها أديا إلى تثبيت مبدأ الـديموقراطية والمجتمع المـدني ومحـاولة الالتزام بهما في الوقت الحاضر، إذ أن الـقـراءة الشعبية التي تبرز دور الشعب بما فيه من أقليات وطوائف وأعـراق مختلفة في صنع التاريخ وتشكيل أحـداثه، لم تكتمل فصلوها ولم تتضح معالمها وترسخ قواعـدها حتى في الدول التي تتبناها وتتشدق بها ليلا ونهارا. وجاءت "العـولـمة" في الوقت الحاضر لتفسح المجال للمصالح الاقتصادية بوجه عام على حساب الـمد الديموقـراطي في كـثير من الدول، ولكنها ـ في نفس الوقت ـ أزاحـت العقائد الدينية جانبا، الأمـر الذي سوف يفضي إلى إعادة تشكيل التاريخ وكتابته من جـديد، خـاصة في هـذه المنطـقة الموبوءة بديانة " التأسلم والأسلمة " وترتيب أحداثه ومعـرفة الكـثـير من دوافعـها الحقيقية. خاصة وأن تاريخها لم يصل بعد إلى أن يكون علما بالفعل يمكن الاستفادة منه بمعزل عن المذاهب الدينية التي تتحكم فيها بشدة، إذ مازالت الشعارات الدينية الجوفاء ومفـردات الوعـظ والإرشاد تستخدَم ضمن المواد التحايلية التي تهدف إلى بلشفة المقهـورين من البشـر والتحايل عليهم وتضليلهم، ومن ثم الاستفادة من ورائهم.

من المفترض أن أي دين ما هو إلا علاقة شخصية بين الفـرد وربه، ومن المفترض أيضا ألاَّ يتدخل الآخرون في هذه العلاقة، بينما السياسة تقوم بتنظيم العلاقات بين الأفـراد في المجتمع الواحد وبين المجتمعات المختلفة وبعضها البعض، لذلك فهي الصـراع من أجـل التسلط عـلي الناس، أو الاستفادة من ورائهم، وفي أفضل معانيها هي محاولة لمنعهم من الانحطاط أو الانجراف نحو الانتحار في سعيهم الدائم والدؤوب لتحقيق أهدافهم الحياتية. ولكن نظـرا إلى أن التعامل مع الآخرين ليس سهلا، فقد تم إدخـال الأديان إليه كمحاولة بشـرية لتنظيمه وضبطه بمبادئ إلهية راسخة، إلا أن تلك المحاولة أثبتت الخـبرة التاريخية فشلها فشلا زريعا، لتعارضها مع ميول النفس البشرية وأهوائها، وتحقيق احتياجاتها المادية أو المعنوية، فقـد أُستُـغِـلت الأديان في بعض الأوقات والدين الإسلاموي في كل الأوقات لتـبرير الأحداث السياسية وتمـريرها، بجعلها من المسلمات التي لا يمكن التصدي لها، أو الاعتراض عليها لكونها من قضاء الله المـزعوم وقدره المحتوم. بينما الإنسان بوجه عام وفي كل مكان من العالم؛ مازال يبحث بلا هوادة عن السلام والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

« حـدثوا عـني ولا حـرج »

لقد امتلأت الملايين من صفحات الكتب بأقوال على لسان نبي الأسلمة صلعم، ويضاف إليها كل يوم أقوالا أخرى، مع أن الكثير منها متناقض ولا يمكن أن يقـبله عـقل سوي، وسواء كانت هذه الأقوال حقيقية أو مختلقة، فإنها ما زالت تتحكم في سلوك المتأسلمين، وتحدد معالم حياتهم بكاملها.

كانت النقطة الفارقة في تاريخ البدو الإسلاموي ما جاء على لسان رواة السيرة بأنه عندما ظـهـرت الأسلمة منع محمد صلعم تدوين أحاديثه وكافة أحداثه باستثناد القـرآن، فقال: « لا تكتبوا عني غـير الـقـرآن، ومن كتب عني غـير القـرآن فليمحـه، وحدثوا عني ولا حـرج، ومن كـذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقـعده من النار*6* » بمعنى أن يقولوا على لسانه ما شاءوا بلا خـجـل أو حـياء، بشرط ألا يكذبوا على لسانه. مع أنهم نسبوا إليه أيضا في " حـَجـَّة الـوداع " وهي الحجة الأولى والأخيرة له خلال عشـر سنوات قضاها في يثرب (المدينة حاليا)، قوله المتناقض: « قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة رسوله »، هـل كان يعتـقد بأن سنته هذه يجب أن تتناقها الأجيال المتعاقبة بالتواتر الشفهي فقط، ولذلك أمر بعدم تدوينها؟؟!!، وبرر العملاء الملفقون عـدم سماحه بكتابة سنته؛ لخـوفه من أن تطغى عـلى القـرآن، الأمـر الذي حدث بالفعل أو كاد، ومع ذلك لم يتم تدوين أو جمع القرآن نفسه على الوجه الأكمل، كما سنرى فيما بعد. وبقيت أحداث صلعم وأحاديثه (سنته) تتداول على الألسنة لأكـثر من مئة وخمسين عاما، ولم يُدَوَّن شيء منها، وراح المتأسلمون بجميع مذاهبهم وتوجهاتهم وانتماءاتهم وأشكالهم وألوانهم يتحدثون عنه بلا حـرج، كما طلب منهم. ولكنهم على ما يبدو فضلوا ـ أو اضطروا إلى ـ الكـذب عليه وعلينا منذ ذلك الوقت وحتى الآن، حتى يتبـوأوا بذلك مقاعدهم الأثـيرة من النار، فعمدوا إلى " فــبركة " سيرته وسنته، بل وديانته بالكامل، وغـرسوا فيها قدرا لا حدود له من التخـريف والتحـريف والهزيان والهلوسات، وقدموا لنا صورة عنه وعن إلهه تفوق الصور المشينة التي قدمها العبرانيون لآلهتهم وأنبيائهم الملوك. وقد استملح العملاء المتأسلمون تلك الصورة لأنهم وجدوا فيها أنفسهم بكل ميولها ونوازعها ورغـباتها الدنيئة، فجعلوا منه " أسوة حسنة "، كما سيتضح لنا على الصفحات التالية.

ومن الثابت تاريخيا أنه لم يسمح بالتدوين الجزئي للسنة الذي يعتمد علي قدر قليل من الـتراث الفعلي للعربان إلا في أواخر العصر الأموي وبالأحـرى في عهد عمر بن عبد العزيز (717 ـ 720م)، بهدف تجميل الصورة المتردية للعـربان الأمويين في أعـيـن المتأسلمين، ووضع حد للكذب المتفشي على صلعم وغيره ممن عاصـروه وناصـروه، ولم يكتمل تدوينها إلا في القرن التاسع بعد ما يزيد على 200 عام من وفاة النبي. ولكن « قام جامعوا السنة بجمع ما يتفق مع أهوائهم من الأحاديث الرائجة في السوق بدعوى صحة إسنادها*7* ». ويقول محمد ابن سيرين المتوفي عام 110ع : « كان الناس لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد*8* »، و" الفتنة " التي يقصدها هي مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان وولاية علي بن أبي طالب وخـروج معاوية عـليه وقـتله. ومن ثم محاولة تبريـر ذلك مـن خلال أحاديث أبي هريرة الصلعمية الكاذبة.

إلا أن الكـذب التاريخي بدأ بين القريشيين قبل ظهور الأسلمة المحمدية في مكة، بهدف إيجاد أصل وهوية لهم، ثم انتقل إلى المتأسلمين، وظل مـرافقا لهم حتى الآن.
أما كتابة المؤلفات التاريخية بالمفهوم الحقيقي فلم تبدأ إلا في العـراق مع استيلاء العـربان العباسيين على الحكم، وبتشجيع منهم بهدف تبرير أحقيتهم في الخلافة الإسلاموية أكــثر من غيرهم، بصفتهم " أهل بيت النبي ". فكان كتاب « المغازي للـواقدي » الذي يعد أقدم كتب التاريخ التي وصلت إلينا، وهو لا يتضمن ـ كما يتضح من عنوانه ـ سوى الـروايات التي رويت شفهيا عن حروب صلعم. وقد توفى مؤلفه أبو عبدالله محمد بن عـمر الملقب بالواقدي (توفى في عام 207ع ـ 822 م) بعدما لبث سنوات عديدة يتقلد منصبا مـرموقا في بلاط العباسيين. فاشتهـر بالوضع واتهم بالكـذب والـنـفاق.

كما أن بداية التاريخ العام المكتوب من وجهة نظر دينية، فتعود إلى أحمد بن يعقوب المسمى بـ" اليعقوبي "، وكان ينتمي إلى طبقة أمناء السـر العاملين في خدمة دولة العربان العباسيين، وعاش حتى عام 284ع ـ 897 م، وتناول في كتابه بدء الخليقة تبعا لما ورد عنها في توراة العـبرانيين اليهـود، وتاريخ العـربان في الـعصر السابق على ظهور الأسلمة والعصر الإسلاموي حتى عام 259ع ـ 872 م من منظـور ديني إسلاموي. وقد لاحـظ الـمؤرخون أنه تغلب عـليه الـنزعة المعادية للأمويين والموالية للشيعة والعباسيين، كما تميزت رواياته بالإفراط في التملق والنفاق والمبالغة في اختلاق الأحداث.

وكان التدويـن التاريخي بطبيعة الأحـوال يتم نقلا عـن الـرواة الذين لم يعيشوا أحداث التاريخ بأنفسهم، ولكنهم أخذوها بالتواتر (النقل الشفهي) خلال أجيال عديدة، تماما مثلما جمع البخاري (توفى 256ع ـ 870 م) الأحاديث الصلعمية وقام آخرون بالشيء نفسه، ومع أنها أحاديث كاذبة وغير موثقة وفيها الكثير من التناقض والتعارض مع قرآن صلعم، فقد سميت بـ" صحيح البخاري ومسلم ومالك ... "، وهي صحيحة بالفعل في كشف الدجل الإسلاموي لا أكثر. فقد راحوا جميعا يتحدثون عن نبيهم بلا حـرج، وينسبون أقوالهم إلى آخرين من المستحيل التأكد حتى وجودهم في يوم ما.

وكنتيجة لذلك، وفي محـاولة يائسـة مـن المتأسلمين، ظهر ما يعرف بـ" الإسناد " الذي ابتدعه العملاء في وقت مبكـر كإجراء ترقيعي ضد الخداع الشفهي والتباين السردي. وهو متابعة الحديث من خلال الأشخاص المسْنَد إليهم حتى الوصول إلى الشخص الذي نقله عن صلعم مباشرة والتأكد مما إذا كانوا أشخاصا حقيقيين وذي ثقة أم لا. ومع أن عملية الإسناد هذة جعلت البخاري في منتصف القرن التاسع الميلادي (بعد 250 عام من موت صلعم) ينتقي 7397 حديثا من 600000 حديث كانت شائعة بين المتأسلمين، إلا أنه اضطر إلى تقسيم ما انتقاه من الأحاديث الصلعمية إلى حسن وردئ ومشكوك فيه ... إلخ. وهكذا لم يتمكن البخاري المنعوت بـ" الصحيح " من إثبات صحة هذا الكم الهائل من أقوال صلعم، ولم يتمكن غيره حتى يومنا هذا من تنقية الكتب التراثية الحبلى بالمغالطات والمبالغات واختلاق الأحداث والأكاذيب والتناقضات والتلفيقات وغـيرها. وقد ابتدع العملاء ما يسمى بـ" الاجتهاد " وهو نقيض " الإسناد "، تماما كـ" لعـب الـقمار " الذي يكسب دائما، فإذا أصاب المُجْتَهِد فـله أجـران وإذا أخطأ فله أجـر. الأمر الذي أطلق العنان للقـرائح الـذهنية والإمكانيات اللغوية بهدف لوي الحقائق أو طمسها، والإفـراط في الخيالات والتخيلات والنقل وتفسير التفاسير وتبرير الأقوال ونقيضها في وقت واحد، مما أدى ذلك إلى لعبكة الأحداث وملء المكتبات بملايين الكتب التي تحملها في بطونها. وبذلك تم خلق " متاهـة " فقهية وتاريخية لا يعرف مداخلها ومخارجها إلا " العملاء " الذين يصولون ويجولون ويتبارون فيها وحدهم كل يوم تحـت مسمى جـامع شامل هـو " العـلماء "، إنهم فعلا عـلماء في إخفاء العلم الحقيقي بهذا الدين وتاريخه عـن عـامة الناس.

وهكذا تسبب التأخير المتعمد ـ أو الناتج عن الجهل ـ في التدوين الكتابي والوثائقي لتاريخ البدو العربان في إضفاء قدر كبير من الغموض والإبهام عليه، فأصبح مادة مستباحة لكل من هب ودب من الدجالين والأفاقين وأدعياء العلم والمعرفة وقطاع الطـرق والمـرتزقة من الدين، لـيضيفون إليه ما يشاءون ويغمضون أعينيهم عما يشاءون، ويساهمون بقدر كبير في تعـقيد المتاهة الفقية والتاريخية لهذا الدين، خاصة وأن كُـتَّابَه الأوائل لم يجدوا أمامهم أية أسانيد أو وثائق يمكنهم الاعتماد عليها، فكان اعتمادهم بداية وبلا شك على القـرآن، فوجدوا فيه اختلافات وتناقضات كبيرة وكثيرة، وتكـرار ممل وأساطـير خـرافية من كل صوب، فلجأوا إلى الأحاديث أو الأحداث التي نسبت إلى النبي صلعـم بواسطة سلسلة متواترة من الرواة في " عنعنة " طويلة ومملة، ولا يمكن التأكد من صحتها، مما ترك مجالا واسعا لخيالهم وتخيلاتهم، فتفتقت قرائحهم عن أقوال وأحداث نسبوها بدورها إلى النبي ومعاصريه، رغم تناقضها أو تحيزها، وامتلائها بالآراء الشخصية والقصص المختلقة والملفقة، التي لا تتفق مع العقل ولا تنسجم مع المنطق. وأصبح همهم الأول هو مـزج الدين بقـوة وعنف بالسياسة لتحقيق مصالحهم الشخصية، تماما كما يفعلون الآن. فجعلوا من أحداث تلك الروايات ووقائعها وشخصياتها حقائق مسلم بها ومبررة لذاتها، ولا داعي للبحث عن صحتها أو عواقبها أو أسبابها ودوافعها. وهنا يحاول المستشار محمد سعيد العشماوي الفصل عبثا بين الدين والتاريخ، فيقـول: « أصبح التاريخ الإسلامي يرتبط عند بعض الناس بالإسلام دينا، وهو فهم خاطئ وخلط سيء، لأن تاريخ الدين غير الدين نفسه، وقد يشذ التاريخ أو يسوء أو يضطرب أو يتخذ مسارا مخالفا للدين ذاته*9* ». إذ يتجاهل العشماوي أن الدين الإسلاموي كما هو الحال مع الدين العبراني إتخذ مسارا سياسيا قبل أن يلجأ صـلعم إلى يثـرب من خلال "التقية" في مكـة والتي رافـقها عـمليات سلب ونهـب وقـتل وسبي من أتباعه "الصعاليك"، ثم من خلال معاهدتي العقبة الأولى والثانية بوساطة من عمه العباس، واللتان مهدتا للجوئه السياسي إلى أخواله في يثرب، لينطلق منها مع عصابته في صنع التاريخ، فأصبح التاريخ الإسلاموي منذ تلك اللحظة هو الدين الإسلاموي نفسه، لا فرق بينهما على الإطلاق، فالسياسة هي التي فرضته وعملت على انتشارة وتشكيل تعاليمه. إن قـراءة للتاريخ الإسلاموي على نحو ما قاله العشماوي تجـرده ـ دون تواريخ العالم بأسـره ـ من نسقه الانتقائي الذي يقدمه بالضـرورة أي تاريخ للبشـر في توجهاتهم نحو معـرفة الواقع الذي يعيشونه، ومحاولة استشـراق آفاق المستقبل الذي يبتغونه. فالحقيقة هي أن الدين الإسلاموي شذَّ أو ساء باستخدام السياسة، والسياسة شذَّت وساءت باعتمادها عليه. فتكـوَّن نتيجة لذلك تاريخ مبتور وموبوء بالأفكار الدينية الإسلاموية الشاذة والسيئة، والأحداث السياسية الهابطة والمشينة، فكان هذا سببا رئيسيا فيما نعاني منه الآن، وما سوف تعاني منه الأجيال القادمة.

وكان لابد لتاريخ مبتور وموبوء مثل هذا أن تأتي قراءته مبتورة وموبوءة بالمثل، وتخضع لمعايير ذاتية تحددها الأهواء الشخصية أو الحماس الديني، الذي بلغ ذروته في هذا العصر، وأصبح " هوسا " حقيقيا، أو ـ وهذا هو الأهم والأعم ـ استغلالها للسعي إلى تحقيق المنافع المادية والمعنوية. وفي سبيل ذلك لابد من تقديس الأشخاص وأقوالهم تقديسا أعمي، سواء الأحياء منهم أو الأموات، والوصول بهم إلى مصاف الآلهة أو الملائكة على أقل تقـدير، والإسـراف الممل في الإشادة بمناقبهم ومسالكهم والتباهي بإنجازاتهم، دون الاهتمام بمشاكل الحاضـر، وكأن هذا وحده كفيل بالتغلب على تلك المشاكل وحلها. كما غلبت على تلك القـراءات السـمة الدينية المثالية التي تتبنى البحث عن العظة والعبرة في تاريخ العربان الإسلاموي بهدف التلقين الديني والأخلاقي فحسب، والتي أثبتت فشلها مـنذ زمن بعيد، خاصة وأن « التاريخ ـ بوجه عام ـ يعلمنا أن العـظة والعـبرة الوحيدة في التاريخ هي أن أحدا لا يتعظ أو يعتبر من قراءته مالم يكن الهدف منها موجها بشكل محـوري وأساسي نحو فهم عناصر ومقومات الحاضر من خلال تحليل أحداث الماضي وتفسيرها، ومن ثم إرجاعها إلى مسبباتها ودوافعها الحقيقية ورصد الظروف الموضوعية التي أحاطت بها وأوجدتها ومن ثم تفهم معناها*10* ». وهذا بالضبط ما سنحاول عمله على الصفحات التالية.

ولكن قبل هذا يجب أولا الاطلاع على ثلاثة نماذج نمطية مما كتبه المؤرخون وهي تمثل ثلاثة إتجاهات رئيسية لا يمكن الاستفادة منها، إذ فيها الكثير من الهـزيان والتناقض والاستهانة بعقول البشر، والـرغبة في شرزمة العوام المتأسلمين بين المذاهب الإسلاموية المختلفة:

1. يحـيا الأمـويون يمـوت العـباسيون!!

نجد الثعالبي*11* في قراءته لتاريخ العربان الإسلاموي وقد تحيز بشكل صارخ للأمـويـين ضد العـباسيين الـذين يتهـمهم دون تحـفـظ « بالأنانية وحب الذات »، والعمل على تفكيك الوحدة الإسلامية، عـلى حد قـوله وفهـمه. وهم في نظره « طلاب تـراث وملك، لا طلاب إصلاح، وما القناع الذي على وجوههم إلا لأخفاء مقاصدهم عن الناس ». أما الأمويون فيقول عنهم إنهم: « أنشأوا على أنقاض حكومة الخلفاء الراشدين هيئة أكثر تشكلا بالطبيعة البشـرية، وأوسع قابلية للتطـور، فانتقلت بالمسلمين من طـور البداوة والسـذاجة إلى طـور الحضارة والإنتظام ». بـيـد أنه اضـطـر إلى الاعـتراف بما ارتكـبه الأميون من « هفوات سياسية » أهمها في نظـره « سوء معاملة المسلمين الأعاجم [الموالي] في البلدان التي استولوا عليها واحتلوها »، ولم يستنكـف عن تـبرير سياستهم الجـائرة هـذه بقـوله: « إلا أن عذرهم في ذلك واضح، تبرره سياسة الفتح والاستيلاء وهو تطوير المفتوحين وفصلهم عن ماضيهم ».

ونحن نتساءل هل هذا كلام يعـقل؟ هل هذه قـراءة تاريخية موضوعية ونزيهـة؟ هل كانت حكومة الخلفاء الأوائل لا تتفق مع الطبيعة البشرية، مع وصفهم بـ" الـراشدين "؟، وهـل البداوة طـور من أطـوار حياة البشـر أم أنها نمـط من أنماط الحـياة، تفـرضه عـليهم الظروف الموضوعية التي يعيشون فيها؟. وهل العربان الذين يعيشون الآن في المدن "المتسعودة" لم يكونوا بدوا في يوم من الأيام، ومازالوا يفتخـرون ببداوتهم ويتوقـون إليها؟؟. كما أنه يريد إفهامنا بأن الأمـويين العـربان الـذين خـرجـوا لـتـوهـم مـن « طـور البــداوة والسـذاجة » إلى « طـور الحضارة والانتظام »، كانوا يهدفون بسياستهم الظالمة والغاشمة لغـير العـربان من المتأسلمين في العـراق والشام وبلاد الفرس ومصر إلى تطويرهم وفصلهم عن ماضيهم الحضاري العريق الذي لم يكن له مثيل في العالم أجمع، مع أن كل إنسان يعـرف حق المعـرفة أن تلك السياسة مخالفة تماما لما جاء في قـرآن الـفـترة المكية من أنه لا فضل لـعـربي على عجمي إلا بالتقوى وأن المسلمين أخوة. وأنها لذلك كانت سببا رئيسيا في انهيـار دولة بني أمية وقيام دولة بني العباس على أنقاضها!!.

ولعله أدرك مدى اهـتراء أقـواله هذه، فحاول أن يدفع عن نفسه تهمة التحيز والابتعاد عـن الـموضوعـية التاريخية والـنـزاهة العلـمـية، فـقال: « لسنا ندافع عن سياسة الأمويين، ولكننا نريد إنصافهم، ونقول ما نعتقـده صـدقا، ولا أجـمل من المؤرخ إذا كانت حليته الصدق والإنصاف ». إذن هو يقول " ما يعتقده صدقا " ولكنه لم يبرهن عـلى صدق اعـتقاده، لأنه يهـزي.

ومن ناحية أخـرى، وقبل أن نترك هذا " الهزيان " المتفشي كالوباء في هذه المنطقة من العالم، نسأل هذا المؤرخ وأمثاله عن الكيفية التي يتحلى بها وبأقل قدر من الصدق والإنصاف وهو في نفس الوقت يحاول تبرير سياسة ظالمة لحكام ظلمة وفاسدين ومفسدين، دائما وأبدا تحت غطاء كثيف وعنيف من الدين؟.

2. يحـيا العـباسـيون يمـوت الأمـويون!!

وعـلى العكس مـن الثعالبي نرى أحمد عبد الحفيظ وقد ذهب إلى أن « نقد الذات وتصحيح الأخطاء وإعادة تقييم الأوضاع كان هو الفريضة الحقيقية التي غابت عن التاريخ الإسلامي منذ انتصار الأمويين على الإمام علي بن أبي طالب في معركة الفتنة الكبرى واغتصابهم لسلطة الخلافة وتحويلها إلى مُلْك عضود، واعتمادهم التصرف في أموال المسلمين وكأنها أموال خاصة بهم، يخضع التصرف فيها لمطلق إرادتهم»، وقال: « إن الأمويين اعتمدوا في هذا السبيل عدة أساليب منها الغـواية والإغـراء والابتزاز والتهديد*12* ». وقد صدق في العبارة الأولى مع تغافله لفـترة ما قبل انتصار الأمويين المزعوم والذي صاحبه بالمثل عدة أساليب منها ما ذكره مضافا إليه الإرهاب والقتل.

أما سيد أمير على فقد فضل اتخاذ موقف متحيز تماما للعباسيين، فرأى أن « استيلاءهم على الخلافة الإسلامية كانت ثورة لم يشهد التاريخ أعظم منها لا في العصر الحديث ولا القديم، وذلك أنه كان لها تأثير عملي في الأعلان الديموقراطي للمساواة والإخاء الإنسانيين »، ومع ذلك يقول إن « الخليفة العباسي كان مصـدر السلـطات جميعها، وعنه تصدر جميع الأوامر المتعلقة بإدارة الدولة*13* ». وبصـرف النظـر عن المبالغة العقيمة التي لا تهدف سوى إلى إثارة الرعاع، فإننا نسأله عن الكيفية التي ينسجم فيها القول بأن الخليفة العباسي كان مصدر السلطات جميعها ... إلى آخـره مع التأثير العملي لأي إعلان ديموقراطي للمساواة والإخاء الإنسانيين المـزعومين؟؟، بيد أن هذا القول يرضي كافة حكام المنطقة الموبوءة بالتأسلم، لأنهم دائما مصدر للسلطات جميعها تأسيا بنبيهم. هذا بالإضافة إلى الخطأ الشائع الاستعمال لمفهوم كلمة " الـثـورة " في قـراءة تاريخ المنطقة برمتها.

3. يحـيا العـثمانيون يمـوت الآخـرون!!

وأذا ألقينا نظـرة سريعة عـلى بعـض القراءات الحديثة نسبيا التي تناولت تاريخ العثمانيين، وهم أتراك مستعمـرون، اغتصبوا السلطة مثلهم مثل الأعـراب الأمويين والعباسيين، وساروا على نهجهم في ترويج الانحطاط وأشاعة الفساد والتخلف في المنطقة بأسرها، وقتلوا بإسم الأسلمة المحمدية أكثر من ثلاثة ملايين شخص أغلبهم من الأرمن، نجد أنفسنا أمام " هـزيان " أقل ما يقال عنه أنه هـزيان الـمـرض المُـزمن، الـذي يجـمع بـين الـهـوى الـقـومي والحـمـــاس، بـل " الـهـوس " الديني معا، إذ يقول الصلابي: « لقد كانت المصالح الفرنسية ترى في دعم محمد علي ليتحقق لها أطماعها المستقبلية وتقوية محافلها الماسونية، وإضعاف الدولة العثمانية، وزرع خنجرها في قلب الدولة العثمانية، ولذلك أنشأت لمحمد علي أسطولا بحريا متقدما وترسانة بحرية في دمياط، والقناطر الخيرية لتنظيم عملية الري في مصر ». والواقع أنه عندما يتمكن المرء من استعمال عقله لا يرى أية غضاضة في أن يعمل الحاكم على تقـوية البـلد الذي يحكمه ويحاول تنظيم عـملية الـري فيه بمساعدة من فرنسا أو غيرها، حتى وإن أدى ذلك إلى إضعاف أو زوال إمبراطورية استعمارية متغطـرسة، إذ كان من الأحرى بها أن تقوم بهذا العمل، ولكن المؤرخ يستطرد في هـزيانه قائلا: « هل كان هـذا حبا في شخـص محمد عـلي؟ أو حبا في مصر؟ إنما لتنفيذ المخطط الصليبي الذي فشلت الحملة الفرنسية في تنفيذه بسبب اضطرارها للخروج ». ولا يكتفي المؤرخ بهذا، بل يمعن في هزيانه وهلوساته، فيعمد إلى تلوين الحقائق التاريخية والعبث بها، إذ يقول: « لقد قام محمد علي بدور مشبوه في نقل مصـر من انتمائها الإسلامي الشامل إلى شيء آخـر يؤدي بها في النهاية إلى الخــروج من شـريعة الله*14* »، هكذا ببساطة مفـرطة، لا يصدقها سوى البسطاء ولا يتعلق بها إلا الأغبياء. فالسيد الصلابي لم يقل لنا ماذا أقام العثمانيون الأتراك من مشاريع تنموية في مصر أو غيرها، بل ولم يقل لنا ماذا فعل البدو العـربان أنفسهم في مصـر أو غيرها من البلاد التي احتلوها ومصوا دماءها واغتصبوا أو سبوا نساءها وبناتها وأجـبروا أهلها على اعتناق دينهم ولغتهم تحت شعـار " إخـراجهم من الظلمات إلى النور ". كل ما فعلوه هو أنهم شجعوا سكان تلك البلاد على بناء المساجـد التي أصبحـت تقض مضاجع البشر ليلا ونهارا بـ" نعـيق بلال "، وإقامة الأضرحة التي يقتات منها المستشيخون من الكسالى والبلطجية والأفاقين وتجار الدعـارة.

هذا قـليل من كثـير، فمن نصدق ياترى !!، وماذا نصـدق؟؟، وما جـدوى مثل هذا الكلام طالما نعيش في حاضر مـزر تماما وأمام مستقبل دامس الظلام؟؟!!.

إن التحليل الموضوعي لظاهـرة الهزيان التاريخي هذه: هو أننا نتعامل مع تاريخ مفبرك من أساسه وغير محدد المعالم ومفتوح لكل ما هب ودب، ونظرا إلى أن حاضرنا يسير من سيء إلى أسوأ باستمرار، فإننا نتعلق دائما بالماضي البعيد أو القـريب، للبحث فيه عن شخصيات أسطورية ـ مثالية كي نجعل منها أبطالا نعلق عليه أمالنا وأحلامنا. وبطبيعة الحال نجد دائما من يحاول تجميل ذلك الماضي، وإبراز أولئك الأبطال الوهميين بهدف صـرف الأنظار عن السوء الذي حل بنا، وهو بذلك يساهم بقدر كبير ومباشر في زيادة هذا السوء، وإدخالنا في منظومة لطم الخدود وشق الجيوب والبكاء على الأطلال، بدلا من العمل على إزالتها والبناء من جـديد.

❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

مـهـنة الكــلام

مـادام نبي الأسـلمة قد طـلـب من المتأسلـمين أن يتحـدثوا عـنه بلا حـرج أو كسوف، ومادام الكـلام لا يكلف شيئا، وأنه كـان ـ ومازال ـ عـند الـبدو العربان وجها من وجوه الذات وعنصرا من عناصر الشخصية، وليس من الضروري أن يعـبر عن معنى أو أن يكون وسيلة للتواصل مع الغـير أو نظاما لـتراكم المعارف والمعلومات أو سبيلا للنمو الذاتي والاجتماعي، فقد اقتصر دوره على الشعارات والمفـردات اللغـوية التي يجب ألا يقوم أحد بتدقيق معانيها. وانتقل هذا الـوباء إلى كل البلاد التي اعـتلـوها، وفـرضوا لغتهم عـلى شعـوبها. فأصبح تاريخها العـربي الإسلاموي منذ بدايته مادة كلامية مستباحة للقاصي والداني، يتسلى بها من يعـلم ومن لا يعـلم ويلعـب بها العاطلـون وغير العاطلين، ومن ثم يستغـرقون في الصـراعات السياسية الـدائرة حولهم دون بحث لدوافعها أو تقييم لأساليبها أو معرفة حقيقية لأهدافها، فيقدمون قراءات سطحية أو تحايلية مغـرضة كي يستخدمها الساسة العجـزة أو المنحـرفين كـوقـود لتحريك دعاواهم المضللة وتبرير شعاراتهم السياسية الخادعـة، فـيـلونون التاريخ ـ مثلا ـ بلـون اشـتراكي في عصر الاشـتراكية ولون رأسمالي في عصر الرأسمالية، إذ نجد مثلا محـمـود شلـتوت شـيـخ الأزهـر في عـصر عـبد الناصر وقـد أفـتى بأن « القوانين الاشتراكية لا تتعارض مع الإسلام ». « ونشطت العقول الـدينية والمؤسسات الإسلامية في مصر وغيرها من الدول، لتبرير سياسة الثورة الاشتراكية بتبيان انسجامها مع الإسلام*15* ». وعندما انقـض السادات عـلى اشـتراكية سلـفه وأعـاد الـرأسمالية تحـت شعار « ثورة التصحيح » في عام 1971م أفتى محمود الفحام الذي تولى المشيخة في الفترة من 1969 ـ 1973م بأن هذه « خطوة تأتي من أجـل كفالة الحـريات للـوطن والمواطنين وسيادة القانون وبناء الدولة الجديدة » الأمر الذي لم يتحقق حتى الآن ولن يتحقق ـ كما يبدو ـ في المستقبل المنظـور.

وطبعا، إذا التبست الأمـور السياسية عـلى الـعـملاء الـملفـقـين ـ وهي غـالبا ما تلتبس عـليهم ـ، وهوت مـطـرقة الحـاكم الغلـيظة على رؤوسهم، ـ وهي عادة ما تهوي عليها؛ إكـتـفوا بالـقـول القـرآني الشامـل الجامع: « أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وألي الأمـر منكم »؛ هكـذا دون استعـمال للعـقـل أبدا.

وبمرور الأجيال وتردي الأحوال ومع انتشار وسائل الإعلام المتطورة مثل التليفزيون والفضائيات والإنترنت وغـيرها، ودخولها كل بيت تقريبا، تضخمت وتورمـت طـبقة العـملاء، وظهـرت منهم مجموعة تطلق على نفسها " الدعاة الجُدُد "، وهم في غالبيتهم من غير رجال الدين المتخصصين، لينتفعون بدورهم من الدين ويتاجـرون فيه بالكلام، ماداموا يتحدثون عن نبيهم بلا حـرج. ومع أن هذه المجموعات وغـيرها موجودة ـ إلى حد ما ـ في كافة بلدان العالم، إلا أن أفـرادها في البلاد المتأسلمة يعـرِّفون أنفسهم بـ" العلماء " بدون علم ومن دون العلماء الحقيقيين، ووجدوا في هذه الديانة تجارة مربحة للغاية، ولا تحتاج إلى رأس مال سوى أتقان " فـن " الكلام في مجتمعات محبطة ومضللة ولا ولا تقرأ ولا تحسن الاستماع ولا تجيد الفهم، و« أخذوا يبسطون سطوتهم لمراقبة الحقيقة، ومع تضييق الخناق على الحقيقة تعاظمت سلطتهم ليصبحوا أقرب إلى الجنود منهم إلى العلماء*16* »، وهم في حقيقة الأمر ليسوا أقـرب إلى الجنود كما ذهب الدكتور صادق جلال العظم، بل أصبحوا جنودًا بالفعل، ولكن لا تحكهم ضوابط أو تعليمات، فتمكنوا من إكساب المؤسسة الدينية يدا غليظة تهوي بها على كيان كل من تسول له نفسه المساس بـما يزعمون أنه " الثابت من الدين بالضـرورة "، فتهدمة أو تقوضه، مع أنه لاتوجد في حياة المجتمعات البشـرية أية ثوابت على الإطلاق ـ لا دينية ولا سياسية ولا أخلاقية ـ، فالمجتمـعات البشـرية ليست أحجارا جامدة، بل هي في حـركة ديناميكية مستديمة غـيَّرت وتغـيِّر باستمرار الدين والتاريخ والعلم واللغة والأخلاق وغيرها.

إن مشكلة المؤرخين في بلادنا وأولئك العملاء تكمن في أنهم جميعا لا يجدون أمامهم تاريخا أو دينا موثقا ومدونا بدقة وأمانة ، بحيث يمكنهم الاعتماد عليه، فتحـولوا منذ اللحظة الأولى إلى " عـملاء " لأسيادهم البدو العربان، يروجـون لخـرافاتهم التي اقـترنت بنشر التأسلم على مـر القرون، مما أصابهم بالهوى القومي والحماس الديني من أجل الكسب المادي والمعنوي، وقد حدث لديهم إنفصام في الشخصية، حال بينهم وبين إدراك حقيقة أن واقع المجتمعات البشرية يتحرك ويتغير باستمرار، ولذلك لا يمكن إخضاعه لأية وصايا أو تعليمات مجهزة سلفا، أو انقضى أجلها وعـفى عـلـيها الـزمن، وكان من الواجب إلقائها منذ وقت طويل في مـزبلة التاريخ، مع أنها [ربما] كانت صالحة تماما في حينها، و[ربما] أدت واجبها آنذاك على الوجـه المطلوب، لأنها اتفقت حقيقة مع الظروف الموضوعية التي أحاطت بمجتمعـها في ذلك الوقـت.

ومن ناحية أخرى لا يعلمنا التاريخ ما يجب علينا عمله، من خلال أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه يعلمنا فقط ما يجب علينا تجنبه، فالواقع الذي نعيشه هو وحده الذي يملي علينا ما يجب علينا عمله كي نواجه مشاكله المستجدة بفاعلية ونجاح، وأن ما يجب علينا عمله يتوقف على قـرارنا الذي يجب أن يفـرضه الواقع. إذ « يمكن لمجتمع ما أن يأخذ من ماضيه ما يفيده في توجيهه وإرشاده، لأن التاريخ يحمل داخله نوعا من الإنذار المبكـر لمن يعرفون كيف ينصتون إليه ويحسنون قراءته*17* »، وهذا بالضبط ما سوف نحاول الـتعـرف عليه، بالرغم من أن إنجاز معرفة الماضي مـرة واحدة أو للمرة الأخيرة أمر صعب أو مستحيل، خاصة في تاريخ مبتور وموبوء ومصطنع بخصوصية شديدة جدا، ولكن لابد من تجديد الدعـوات دائما لقـراءة هذا التاريخ من حين لآخـر، وأن نستهوي النبش في الماضي كي يكسبنا بصيرة تاريخية نافذة إلى الحاضر والمستقبل على حد سواء. وعندما يقول الفيلسوف الألماني هيجل إن اللحظة التي يعيشها الإنسان محكومة دائما بصورة ما من الماضي، فإننا سوف نبحث هنا عن هذه الصورة وربطها بالحاضر الذي يعـرفه القاصي والداني، لعلنا نتمكن من تشخيص الداء ومعرفة الدواء. مع قناعتنا التامة بأن الباحث عن هذه الصورة في ركام التاريخ المستعرَب والـمتأسلم، كالـباحث عن إبرة في كـومة من الزبالة العـفـنة. فكل أحـداثه مشكـوك فيها، وكل أشخاصه تدور حولهم الأقاويل، بما فيهم محمد وعصابته. وكل ماقيل عنه أو عنهم لا يخلو من الأكاذيب والتناقضات والاستهانة بعقول البشر، ولذلك يمهـره السادة العـملاء دائما بعبارات مثل "والعلم عند الله" أو "والله أعلم"، (هنا نلاحظ تأكيدا لـ"علمهم" المزعوم بأن الله أعلم منهم). ولكن الحقيقة هي أننا جميعنا لا نعـرف حتى الآن : لماذا أخفى هذا الإله البدوي الصحـراوي عـلمه عنا، إن كان يعلم شيئا بالفعل ؟!. ولماذا تركنا لقمة صائغة لهؤلاء الملفقين والدجالين يتلاعبون به ويضغطون بإسمه على مشاعرنا ومقدراتنا. لذلك لا يسعنا إلا أن نترك "علم الله الخفي" ونجتهد في البحث عن الحقيقة، دون انتظار أي أجـر من أحد، ولكن فقط من أجل خلاص الأجيال القادمة من هذا الهراء البدوي المقدس الذي أطبق على وجودنا منذ ما يقرب من 1500 عام.
❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

ماذا قـيل عن العـربان؟

إن الحـقيقة دائما واضـحـة، ولكن العـقـول الـهـشة هي التي تعـجـز عـن أدراكـها.

❉-;---;-- بعض مما قاله الآخرون

من الطبيعي أن يكون للبدو العـربان من المناقب [المحاسن] والمثالب [العيوب] ما لغـيرهم من البشر، ولكن الغـير طبيعي هو أن تطغى المناقب بعنف على المثالب وتطمس معالمها بشدة، وتصل إلى حد التقـديس لهم ولدينهم ولغتهم وحياتهم وتاريخهم، بالـرغم من أن الكثير من هذه المناقب مصطنع وملفق ولا يتفق مع طبيعة البشر، وينضح منها الازدراء السافر لعقلية الإنسان، إلا أن العميل الذي سمح لنفسه ـ أو سُمِح له ـ أن يروج بضاعة فاسدة ومفسدة لا بد وأن يغلفها بغلاف ذهبي ويخفي عن زبائنه أوجهها القبيحه ويحسن صورتها في أنظارهم. وقد يضطر البعض ـ أحيانا ـ إلى قول الحقيقة أو جزء منها ، فبعض الناس لا يستطيعون العيش مدى حياتهم في كذب وخداع ونفاق ورياء، والبعض الآخر يستطيع ذلك.

جـاء في العـقد الفريد لابن عبد ربه أن كسرى قال للنعمان بن المنذر: « لم أرى للعـرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا، ولا حزم ولا قوة. ومع أن ما يدل على مهانتها وذلها وصغـر همتهما، محلتهم التي هم بها من الوحـوش النافرة والطير الحائرة ، يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضا من الحاجة. فقد خـرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذاتها، فأفضل طعام ظفـر به ناعـمهم لحـوم الإبل التي يعافها كثير من السباع، لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها. وإن قـري أحدهم ضيفا عدها مكـرمة. وإن أطـعم أكلة عـدها غنيمة تنطق بها أشعارهم وتفخر بذلك رجالهم »، وقال له :
« ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس، حتى تفخرون وتريدون أن تنزلوا فوق مراتب الناس». ثم قال عن قبائل العرب: «إنها كالذئاب العادية والوحوش النافرة، يأكل بعضها بعضا، ويغير بعضها على بعض، فرجالها موثوقون في حلق الأسـر، ونساؤها سبايا مـرادفات على حقائب الأبل*18* ».

وقد نقل إلينا الواقدي صورة مما قيل عن العرب، ففي مساجلة بين فلسطين بن هرقل وعمرو بن العاص، قال فلسطين:
« شيمتكم أيها الـعرب الغـدر والمـكـر »، فرد عليه عمرو بصراحة قائلا:
« نريد أن ... نأخذ ما في أيديكم من العمارة والأنهار عوضا عما نحن فيه من الشوك والحجارة والبلد القـفـر*19* ».

وجاء على لسان هـرقل قوله:
« هؤلاء العـرب خـرجوا من بلاد الجـدب والقحط وأكل الذرة والشعير إلى بلاد خصبة كثيرة الأشجار والثمار والفواكه، فاستحسنوا ما نظـروه من بلادنا وخصبنا، وليس ما يزجرهم شيء لـما فـيـه مـن الـعـزم والـقـوة وشـدة الحـرب*20* »، ووصفهم بأنهم
« أضعف الخلق، عـراة الأجساد، جياع الأكباد*21*». وجاء نفس الكلام على لسان وردان أحد قادة الروم، قال فيه عن العـرب:
« إن أكثرهم جياع، وعـبيـد، وعـراة، ومساكين، أخـرجهم إلينا قحط الحجاز وجوعُه وشدة الضـرر والبلاء*22* ».

أما هربيس الرومي بطريارق حمص فقد قال لجماعـته:
« إن العـرب مثلهم كمثل السبع إذا وجد فـريسة لم يرجع إلى غـيرها، وهم قد لحقهم الجوع في مدينتهم، وإذا أشبعناهم انصـرفوا عنا*23* ».
وفي خطاب توجه به بولص القائد الأعـلى لقـوات الـروم في مصر إلى الغـزاة العـرب، قال:
« قد علمنا أنكم كنتم في بلادكم، قبل أن تفتحوا البلاد، في قحط وجـوع، وتموتون هزالا، وقد ملكتم بلادا، وشبعتم لحما، وركبتم خيولا مسوَّمة وتقلدتم بسيوف مجوهرة، وسعدتم بعد فقركم وفاقتكم*24* ».

ونجد نفس الشئ في مروج الذهب، حيث قال المغيرة بن شعبة لـ"ذي الجناحين" ملك نهاوند: « إنا معشـر العـرب! كنا أذلة يطؤنا الناس، ولا نطؤهم، ونأكل الكلاب والجيف*25* ».

وقال عنهم ابن خلدون في قدمته الشهـيرة:
« إن العـرب لا يتغلبون ألا على البسائط وذلك أنهم بطبيعة التوحش الذي فيهم أهل انتهاب وعبث، ينتهبون ما قـدروا عـليه من غـير مغالبة ولا ركـوب خـطـر، ويفـرون إلى منتجعـهم بالقـفـر». وقال: «إن العـرب أذا تغلبوا على أوطان أسرع أليها الخـراب، والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم، فصارت لهم خلقا وجبلة»، واستطـرد قائلا :«وأيضا فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس، ... وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه، بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعـون انتهبوه»، وقال كـذلك: «إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة*26* ».
بطبيعة الحال انبرى طه حسين لهذه الأقوال بالتفـنيد والنقـد في كتابه « فلسفة ابن خلدون الاجتماعية » وقال :
« إنه غـمـط العـرب حقهم وشدد النكـير عليهم ».
ولم يوضح لنا عميد الأدب العربي ما هو " حـق العرب " هذا الذي يجب علي ابن خلدون وعلينا أن نقدمه لهم والذي كثيرا ما نتباهى به، ونجعل منه محك صدق في كل تعاملاتنا دائما وأبدا، يبدو أن طه حسين لم يكن يعرف حقيقة العـرب ولا يود معرفتها. أو أنه يعرفها ولكنه تعمد السير على نهج العوام في نفاقه لهم. فالعـربان كما سنرى فيما بعد ليس لهم حق على أحد، لأنهم لم يقدموا أي شيء لأحد على الإطلاق، بل على العكس تماما، قتلوا الآخـرين وسلبوا ونهبوا ممتلكاتهم واغتصبوا أولادهم وبناتهم ونساءهم، وكانوا دائما ومازالوا يأخذون فقط "أموال الحجاج مثالا"، مع أن ثروة النفـط الفاحشة مكنتهم لأول مـرة في حياتهم من العطاء، ولكنه عطاء مغرض، لا يخدم سوى أهدافهم السياسية الدنيئة التي سيتم رصد القليل منها لاحقا في هذا الكتاب.

وجاء في كتاب « الـعـرب، من هم وما قيل عنهم » لعمـر كحالة أن لامنسي قال:
« إن الـعـربي الذي يعـد مثلا أو نموذجا ماديا، ينظر إلى الأشياء نظرة مادية ضيقة، ولا يقيمها إلا بحسب ما تنتج من نفع. يتملك الطمع مشاعـره، وليس لديه مجال للخيال ولا للعواطف ولا يميل كثيرا إلى الدين ولا يكـترث بشيء إلا بقـدر ما ينتجه من فائدة عمليه يملأه الشعور بكـرامته الشخصية ». وقال كحالة:
« أن العـرب لا يدينون بالطاعة لرئيس أو حاكم، وكان عهد عمر بن الخـطاب عمرهم الذهبي لأنه شـغلهم عـن حـروبهم الــداخـلـية بحـروب خارجية، وأنه ـ رضي الله عنه ـ مُنِح فهما عـميقا مـمتازا لـنـفسـية العـرب »، ويستـطـرد قـائلا إن:
« البدوي يتصف بالفـردية ولذلك لم يرتق إلى مستوى الحيوان الاجتماعي ... ومما يدل على ذلك أن حـركة الفتح العـربي أفادت البدو بأن نزعتهم من بيئتهم المملة، فاندفعوا إلى الغزو والاكتساح، ولكنهم لم يشتركوا بشيء في تنظيم الدولة العـربية وإنالة الخلافة، فقام السوريون بتنظيم الخلافة الأموية، كما اشتغل الفارسيون بتأييد الخلافة العباسية والمصريون بالخلافة الفاطمية، وهكذا. وأن تلك الصفة الفـردية وحــدها تشـرح ما نراه في البدو من عدم الإخلاص للمصلحة العامة المشتركة، بل من جهل بهذه المصلحة العامة وما تحققه في خـلقه من خـلـو من عواطـف الشفقة والـرحمة، بل عواطف الإنسانية ».

وحديثا جاء في كتاب « عنوان المجد في تاريخ نجد » للمؤرخ الشهير الشيخ عثمان بن عبدالله بن بشر النجدي الحنبلي ـ هكذا ـ المؤلف من مجلدين كبيرين تضمنا حقائق لا تحصى ولا تعد عن عمليات السلب والنهب والقرصنة والقتل، جرت على أيدي المتسعوديين، قال عنها إنها مواقع حربية أو غزوات، كما هو الحال مع مثيلاتها الإسلاموية المحمدية من قبل، هذه أمثلة منها:
« ... فأغاروا على بلدة الزلفي فأخذوا عليهم أغـناما ورجعوا ».
« ... ونازلوا بلدة رغبة المعروفة فخان منهم ناس وأدخلوهم ثم خانوا
فيهم ونهبوا البلد وجميع ما فيها ... ».
« ... فآوقع بأهل الدلم وقتل من أهلها ثمانية رجال ونهبوا بها دكلكين
فيها أموال ».
« ... وقصد بلد نعجان وقطع فيها نخيلا ودمَّـر زرعا وقتل رجالا ».
« ... وأقام ... أياما محاصرا لهم ، يخرب في بلادهم ويقطع في
نخيلهم ... »
« ... وأخذ جميع ما معهم من الأموال والقماش والمتاع والإبل وغير
ذلك وقتل منهم قريب سبعين رجلا ...» ... إلى آخره.

ومما لا شك فيه أن هذا هو الأسلوب البدوي العربي الوحيد الذي يجب عليهم اتباعه في صـراعاتهم، فقد اتبعه نبيهم " الكـريم "، واتبعه عبد العزيز بن سعود في تكوين مملكته النفطية الحالية.

وقد جاء في كتاب « تاريخ الدولة السعودية » لمؤلفه أمين سعيد عن منطقة نجد التي تشكل قلب شبه الحزيرة العربية ، إنها
« كانت قبل النهضة المباركة [يقصد قبل تدفق الثراء النفطي الفاحش عليها] مقسمة إلى مشيخات وإمارات لا رابطة تربط بين شيوخها ولا تعاون ولا تآزر و الجار يفتك بجاره والأخ يقتل أخاه، الأموال منهوبة والأمن مفقود والفوضى عامة والبدع متفشية والخرافات منتشرة ». وهذا شأنهم دائما وأبدا.

وقد أطلق الروائي المصري العظيم: نجيب محفوظ إسم « الجرابيع » عليهم في روايته الخالدة « أولاد حارتنا »، إذ ظهر من بينهم « قاسم » الذي يرمز إلى النبي محمد، كي يعمل على إصلاح أحوالهم المتردية وحياتهم الفاسدة، فـزادها ترديا وفسادها.

بطبيعة الحال سوف نجد الكثيرين من العملاء المتطفـلين يقولون لنا إن المقصود بتلك الأقوال وغيرها هم « الأعـراب » الذين هم أشد كـفـرا ونفاقا وليس الـعـربان الذين هم خير الأمم على الإطلاق. وكأننا أمام جنس آخر من البشـر غير ذلك الذي اتسم حقيقة بالخسة والحقارة، كما يتضح مما قالوه عن أنفسهم.

❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--

❉-;---;-- بعـض مـما قالـوه عـن أنفـسهـم

عقب تدفق عائدات النفط أثار البدو العـربان بسلوكهم داخل بلادهم وخارجها موجة عارمة من السخط والاحتقار حول العالم، مما حمل جـريدة " الشـرق الأوسط " العـربية السعودية التي تصدر من لندن وتطبع بـ« الفاكس » وتوزع في جميع أنحاء العالم على عدم تجاهل تصرفاتهم. ففي عدد يوم 14/7/1978 كتب محـرر باب « صباح الخـير » عن ثلاث مشاهد مشينة ومهينة للعـرب، ختمها بالحكمة القائلة « إذا ابتليتم فاسـتتروا »، وفي عدد يوم 2/1/1979 كتب في نفس الباب تحت عنوان « درس في قـلة الـذوق » متسائلا :
« كيف أصبح إسم الـعـربي مـرادفا لغباء الـثروة؟ وهل هو فعلا كذلك؟ هل يستحق أن يصبح (استيريوتايب) قلة الـذوق في الملبس والمأكل والمعشـر؟ »، ويشـير إلى حقيقتهم بقوله :
« سؤال هدفه معـرفة ما إذا كان الـعـرب نسيج وحدهم في سوء التصرف والبطر والجهل؟ »، ويستطـرد نفس الكاتب في عدد يوم 13/3/1979 قائلا : « قد مضى زمن كان الـعـرب فيه أساتذة الدعاية كما كانوا رجال حـرب وقتال، وترك الـعـرب على جاهليتهم ذكريات الشجاعة والكرم والوفاء مع أن الصفة الغالبة على الجاهلية كانت اللصوصية، فالـغـزو أساسه أن يسرق القوي الضعيف أو يغـدر به، مع ذلك فقد غلف شعراؤهم والقلة من خطبائهم ذلك بهالة أسطورية، مع أن الحقيقة الناصعة التي لا جدال فيها أن الإسلام هو وحده الذي أعطى العـرب قيمة إنسانية، ولولا ذلك لبقى الـبـدو يغـزون ويسرقون، وأهل المدن يعبدون الأصنام ».

بالطبع لم يوضح لنا هذا الكاتب ما مدا القيمة الإنسانية التي أعطاها الإسلام للبدو الـعـربان، إن كان قد أعطاهم قيمة بالفعل، وكم من الوقت دامت تلك القيمة المـزعومة، فهم تحولوا بالإسلام من عبادة الأصنام إلى عبادة صلعم وألى الأمر منهم، ومن غـزو وسرقة وسبي بعضهم البعض إلى غزو الآخرين وسرقتهم وسبي نسائهم وبناتهم وبنينهم وجعلهم يتباهون بهم ويتماهون معهم.

ومع أن هذا الكاتب حاول أن يبدو كغيره من الكتاب وكأنه يتحدث عن عـربان آخرين غـير عـربان النفط الحقيقيين "أحفاد صلعم"، فقد اختفى إسمه بعد ذلك من على صفحات الجريدة العربية المتسعودة ولم يعد يقرأ له أحد أو يسمع عنه شيئا، ولم يقدم لنا إجابة ما عن تساؤلاته حول الـعـرب، ولم يروي لنا قصتهم.
وأخيرا أود الإشارة إلى صديقي البدوي المتسعود ـ رغم أنفه ـ والمتنوِّر «ع. ق.» الذي كان يردد دائما أثناء مناقشاتنا معا في شئون بلده قوله:
- نحن أنجس شعب في أطهر أرض.
فكنت أعقب عليه قائلا :
- كونكم أنجس شعب فهذا أمـر تأكدت منه الآن ولا أشك فيه على الإطلاق، أما أنكم في أطهر أرض، فهذا مالم أستطع التأكد منه قط .
ويقول:
- نحن شعب ينكح الأرض ويؤدي الـفـرض.
فأقـول له:
- الحقيقة أنني لا أفهم أن تكون أرضكم أطهر أرض وهي تُنْـكَـح في نفس الـوقـت من كل شخص.
وعندما سألته عما يشيع عنهم بين المتأسلمين في البلدان الأخـرى من كـرم وعدل وشجاعة ووفاء، وأنكم خير أمة أخـرجت للناس ... إلى آخره . رد قائلا باختصار ووضوح ودون تردد:
- قبل ظهور النفط في بلدنا وتصديره إلى الخارج لم يكن لدينا سوى صناعة الكلام وفـبركة هذه الخـرافات والأكاذيب وتصـديرها إليكم، فصدقـتموها، وتعلـقتم بها، هذه إذن مشكلتكم أنتم.
صحيح إنها مشكلتنا نحن، وهي من الأمراض المزمنة أو المستعصية التي أصابونا بها، وقد آن الأوان أن نحاول معالجتها بالخروج من زنزانتهم الصحراوية القذرة ورؤية نور الحياة مرة أخرى مهما كان الثمن.

علينا إذنْ أن نبدأ قصة " خـرافات وأكاذويب أولئك الذين ينعتـون أنفسهم بالـعـرب " من بدايتها.

❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--❊-;---;--
*1*صلاح الدين محسن: ارتعاشات تنويرية ودعوة لعهد تنويري جديد، والذي سجن بسببه ثلاث سنوات، 2000-2003: http://www.alkalema.us/tanwir أو http://servant13.net/tanwir/index.htm
*2*إعـترفت منظمة القاعـدة الإسلاموية الإرهـابية بذلك.
*3*خطابه إلى الكونجرس في 2001/9/20.
*4*خطاب الأمة في 2003/1/29.
*5*هو النبي «إدريس» عند البدو العربان.
*6*صحيح مسلم ، ج18 ، ص 229 .
*7*إبراهيم فوزي : تدوين السنة ، ط2 ، ص 77 ، رياض الريس للكتب والنشر لندن 1995 .
*8*مقدمة صحيح مسلم : مصدر سابق .
*9*المستشار محمد سعيد العشماوي: الخلافة الإسلامية، ط2، ص 5، سينا للنشر ، القاهرة 1992 .
*10*د. قاسم عبده قاسم : قراءة التاريخ ، مجلة العربي ، عدد 1999/1/1 ، الكويت .
*11*عبد العزيز الثعالبي: سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية ، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1995 .
*12*أحمد عبد الحفيظ: الفريضة الغائبة والمفاهيم المغلوطة، جريدة الأهرام في 2002/1/1.
*13*سيد أمير علي: مختصر تاريخ العرب، دار العلم للملايين، بيروت ط1، 1961.
*14*محمد الصلابي: الدولة العثمانية ، دار التوزيع والنشر الإسلامية ، القاهرة 2001 .
*15*د. صادق جلال العظم: نقد الفكر الديني، ط9، ص23، دار الطليعة - بيروت 2003.
*16*د. صادق جلال العظم: مصدر سابق.
*17*د. قاسم عبده قاسم: قراءة التاريخ ، مصدر سابق .
*18*أبو عمر بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد، ج2، ص 6 و7، دار الكتاب العربي، بيروت، بدون تاريخ.
*19*محمـد بن عـمـر الواقـدي: فتوح الشام، جزءان في مجـلـد واحـد،ج2، ص21، دار الجيل، بيروت، بدون تاريخ.
*20*نفس المصدر، ج1، ص 41.
*21*نفس المصدر، ج1، ص161.
*22*نفس المصدر، ج1، ص61.
*23*نفس المصدر، ج1، ص149 وج2، ص98.
*24*نفس المصدر، ج2، ص237.
*25*المسعود: مروج الذهب ومعادن الجوهر، 4 أجزاء في مجلدين، مج 2، ص323، تحقيق يوسف داغر، دار الأندلس، بيروت 1973.
*26*عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، ج1، ص 197-199، الدار التونسية للنشر 1989.

__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 08-08-2014, 03:38 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 37,570
افتراضي الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 2 ياسين المصري الحوار المتمدن-الع


الخديعة الكبرى العرب بين الحقيقة والوهم 2


" الصـدمـة "

في البداية كانت "الصدمة"، والخبرة تثبت أن الصدمات غالبا ما تأتي من حيث لا تحتسب !!
❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-
ـ «مـنار الهـدى»
ـ لـكل شيء وجـهان عـلى الأقـل
ـ "فـضيـلة" شـيخ العمـلاء

« مـنار الـهـدى »

في البداية أفردت فصلا كاملا لـلصدمة، لاعتقادي أن حدوثها كان ـ وما زال ـ ضـروريا لكل إنسان مهما كان. ومن الأحرى والأجدى أن تكون ضرورة مُلِحَّة جـدا للغافلين أو المغفَّلين من البشر لكي تخـرجهم من الظلمات إلى النور، فتنفتح عقولهم وتوقظ ضمائرهم، وتكشف الطـريق الحقيقي للحياة أمام أعينهم.

في أحـد أيام شهـر فـبراير عام 1981م نزل كاتب هـذه السطـور من الطائرة لأول مرة في مطار الـرياض الدولي. في ذلك اليـوم كان الجـو شتويا جميلا وبشكل لا يملك المــرء حـياله إلا أن تزداد نفسه بهجة وسـرورا، خاصة وأنه ترك أوروبا "بلاد الكـفـرة" وهي غارقة في جبال من الثـلوج، وأنه لم يهـدأ له بال أو يستقـر له حال منذ عقد العـزم على السفـر إلى تلك البلاد المحظوظة لينعم مع الآخـرين بنصيب من ثروة النفط التي غـمـرتها فجأة، ويشبع نهمه الروحاني إلى "كـرم وعـدل ومحبة وشجاعة خير أمة أخرجت للناس" جميعا. ولذلك تريد ركـوب الناس جـميـعا واعـتـلاءهم في كل زمان ومكان.

وما أن تخلص من الوجوه العابسة والملامح الكالحة والأعين الزائغة لرجال الأمن في المطار ووضع نفسه في السيارة الأمريكية الفاخـرة التي كانت في انتظاره، حتى أدار سائقها الباكستاني محـركها وانطلق بها في شـوارع الـمدينة، التي تسمى الرياض [جمع روضة]، وكأن عصابة من قطاع الطــرق تطارده بعنف وتضيق عليه الخناق بشدة. واتضح أنه ليس وحـده، فالشوارع تغـري الجميع بالـتهـور لـرحابتها واتساعها وإتقـان إعـدادها وخلوها من الناس والعمـران ، وبدت كأنها "رياض" بالفعل، حتى وإن كانت نادرة الخضـرة وخالية تماما من البشر في ذلك الوقـت.

كان صـوت جماعي يتدفـق بحماس منقطع النظـير من راديو السـيارة مـرددا دون توقـف النشيد الوطني:
بلادي ، بلادي ، مـنار الهـدى ومهــــد البطــولة عـبر الـمدى
علــيـها وفـيـها الســلام ابتـدا وفيــــهــا تـألــق فجـــر الـنـدا
بلادي ، بـلاد الإبا والشـــمــم ومعـنى المــروءة مـنــذ الـقدم
يعـانق فـيـها السماح الهـمــم وفيـها تصــون العـهـود الذمم
سـتبــقى بلادي مــنـار الأمـم لـتمـنع عــنــها دياجي الظــلم

ياله إذن من أحساس عظـيم، يتفق تماما مع توقعات المـرء التي تنهل من معين أبدي لا ينضب، وقد تشبعت به روحه منذ طفولته. لذلك لا بد وأن يتباهى بانتمائه إليهم والتماهي بهم، ولا يريد تصديق ما يقال عنهم من مثالب، إذ يعتبرها تلقائيا من قبيل الحقد عليهم أو الغيرة منهم، فهم دائما وأبدا وبإصـرار "خير أمة أخرجت للناس" بالرغم من أن النص القرآني يقول : " كنتم ... "، وكنتُ أود أن يقول : "أنتم ...أو ومازلتم ...". ومع أن أحـدًا لا يـعرف كيف كانوا ـ أو يكونون ـ خير أمة أخرجت للناس من دون الأمم الأخرى، إلا أن المتأسلمين في كافة بقاع الأرض يصدقون هذا الهزيان، ويجندون أنفسهم ويعبئون طاقاتهم للدفاع عنهم، لأنهم القدوة في الشجاعة والعـدل والكـرم، وبلدهم منار الهدى ومنار الأمم لتمنع عنها دياجي الظلم ... لما لا؟ فقد أخرجـوها من الظلمات إلى الـنـور ... إلى آخـره من الخـرافات والأكاذيب التي يتكاثف ترديدها بصورة عمياء، ويصدقها البلهـاء. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نتكلم دائما ـ ومنذ مئات السنين ـ عن شيء إسمه " التنـوير "؟. ومن أين يجيء الـتنوير وقد وضعونا في زنزانة حالكة الظلام، إطبقوا فيها على أنفاسنا وجمدوا نفوسنا ولوثوا عقولنا، ومسحوا بها هويتنا وأزالوا حضارتنا وأصابونا بمرض الفصام الوبائي المزمن. والأفظع من كل ذلك أنهم جعلونا نحب هذه الأوضاع ونتباهى بها.

❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-

"لـكل شـيء وجـهان عـلى الأقـل"
أينشتاين ـ عالم فيزيائي
-;-
بما أن لكل شيء وجهين على الأقل ، فلابد ألاَّ يصح إلاَّ الصحيح، ويتبدد السـراب في وقت ما، ويـزول الغمام تدريجيا، وينقشع الضباب شيئا فشيئا، ليظهر الوجه الحقيقي للبدو العربان، ويدرك المـرء أن حظه السيء الذي ألقى به في طـريقهم، لم يكن سيئا إلى حد كـبير، فكل إنسان يسقط بين أيديهم ويتمكن ـ ولو لـمـرة واحدة ـ من الضغط على مشاعـره المـبرمجة تجاههم منذ طفولته المبكـرة، ومن ثم يستعمل عـقله لبعض من الوقت، سـرعان ما يشعـر بأن "رياضهم" المزعومة ليست إلا "جحيما" بالفعل، وأن "خير أمة أخـرجت للناس" ليست سوى "أسوأ أمة وأحقرها على الإطلاق"، ولا يمكن أن تكون غـير ذلك، عندئذ سوف تتبدد كل توقعاته النبيلة تجاههم، ويزول من أمامه ستار الوهم؛ كاشفا عن وجوههم الحقيقية التي طالما أخفيت عنه عمدا ومع سبق الإصرار والترصد. وسوف تعـتريه " صدمة " يمتد مداها بين ما توقعه؛ وهو كثير جدًا وبين ما وقع له بالفعل؛ وهو رهيب للغاية، فينوء بها كاهله، ويكـره نفسه وأهله وبني جلدته ودينه وحياته بكاملها. وقد تنفعه الصدمة لأنه عـرف عنهم ما لم يتوفـر له معـرفته مـن قبل. وقد يدرك أخـيرا حقيقة أن لكل شيء وجهين على الأقل . فالثابت أن العـربان ـ سكان شبه الجـزيرة ـ قد برهنوا على مقدرة صحراوية فائقة وعبقـرية بدوية لا تتوفـر لغـيرهم في إخفاء الكـثير من وجوههم الحقيقية. وتفننوا ببراعة منقطعة النظير في إظهار الوجه الذي يُجَمِّل صورتهم في أذهان الآخـرين، على أساس المثل الشعبي، بأن " الولي البعيد سـره باتع ". لذلك انبرى الآخـرون في شـرق الأرض ومغاربها للدفاع عنهم وعن سمعتهم وسمعة بضاعتهم الفاسدة والمفسدة على حـد سواء.

هذه النتيجة الحتمية يدركها ويتوصل إليها كل ذي عقل سليم. فعلى سبيل المثال لا الحصـر، نجد الدكتور محمد رحـومة*1* وهو عميد سابق لكلية الدراسات العـربية والإسلامية بجامعة المنيا، يقـول :
« سعدت جداً بسفرى الى المملكة السعودية فى عام 1996م واعتبرتها هدية من إله الإسلام حتى أذهب واتنعم بالاماكن المقدسة وعشت ثلاثة سنوات كنت أعمل فى كلية الآداب لتعليم البنات بالرياض، وكان جدولى ست ساعات فقط فى الاسبوع للتدريس لطلاب الدراسات العليا مما أتاح لى الفرصة للتفرغ الكامل بحثا عن إستعادة ايمانى بالإسلام. ولما لم اجد شيئا بعينى على إسلامى عدت مهزوما الى مصر عام 1999م بعد أن فقدت ايمانى بالإسلام لما شاهدته هناك ولمسته عن قرب. تأملت السلوك البشرى للمسلين فى السعودية، فوجدتنى أنكر بشدة أن تكون هذه أرض أحفاد الرسول الذى كنت أحبه أكثر من عمرى.. أخيراً رجعت الى مصر عام 1999م بدون إله. لقد فقدت البقية الباقية من إسلامى حين رأيت العُنصرية والظُلم والقَهر الذي يُمارسه السعوديون بأسم الإسلام.. رأيت زملائى يطلقون لِحاهم ويتقربون إليهم من أجل (الريالات المقدسة)!! رأيت الأزهريين يخونون الأمانة، ويكتبون لطُلابهم السعوديين رسائل الماجستير والدكتوراه لِقاء مبالغ خيالية (لدى أسماء لبعضهم اذا لزم الأمر)*2* ».

إذن هذه تجـربة مماثلة، وليست نادرة، ونتيجة حتمية لكل إنسان تضعه الظـروف في طـريق أحفاد صلعم، وتتاح له فـرصة التعامل معهم مباشرة في عـقـر دارهم؛ فيعـرفهم على حقيقتهم، خاصة عندما يتمكن من استعمال عـقـله والتخلص من مشاعــره الخـادعة والمبرمجة منذ طفولته تجاههم.

❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-

" فـضـيلة " شـيخ الـعـمـلاء

وكي تكتمل فصول المهزلة نرى شيخ الأزهر*3* في القاهرة بعد مرور أكثر من 1400 عام على ظهور الأسلمة في بلاد العربان، وقد خرج عن دوره المحدد له بدقة، وتخلى مؤقتا عن مواقفه التوفيقية والتلفيقية المعروفة والمألوفة، وأقلع مرة واحدة عن الكلام المباح، ليقف أمام جمع غفـير من ممثلي الدول المنعوتة بالإسلاموية، ويعلن على العالم صراحة أن "الأمة الإسلامية أمة رعاع"، ويصـب جام غـضبه النادر على «المنافـقـين» فيها، ويطالب بمقاومة الظلم والنطق بكلمة الحق « إذا كانت هناك أمة إسلامية تنطق بكلمة، وليس أغلبها من المنافقين ». ويسأل الشيخ مستنكرا: « هل هذه أمة إسلامية؟ »، ويجيب بنفسه قائلا : « إنها أمة من الرعاع »، ويختتم خطابه بقوله :
« قد تضع أمة 20 شعارا بأنها أمة مسلمة، ولكن فيها الظلم وفيها الكـذب والغـرور، وفيها رذائل لا يستطيع الإنسان أن يتحدث عنها، ولذلك لا بد أن يكـون مصـيرها الاضمحـلال والضعـف ».

وهنا يضعنا شيخ الأزهـر المنعوت بالشريف في حـيرة : هل نحن ننتمي حقيقة إلى " خـير أمـة أخرجت للناس " أم إلى " أمة من الرعاع "؟؟ هذه الحيرة طالت، وحان الوقت لاستئصالها. وعـندما يسترد المـرء عـقله ويستعـيد وعـيه، وتتبدد مخاوفه يجـد أن الشيخ على حـق ـ تماما ـ فيما ذهـب إليه ، وأنه أقـر صـراحة ـ ربما دون أن يدري ـ بفشله وفشل الجيوش المجيشة في كافة بقاع الأرض من المشايخ والأئمة والوعاظ ورجال الدين وسدنته في آداء مهمتهم، وأن كلماتهم التي تصم السمع وتعـمي البصر ليلا ونهـارا تذهـب أدراج الرياح، وأن أمرهم بالمعروف ـ الغير معـروف ـ لم يعد يجـدي نفعا مع استحكام المنكر بأحوال المتأسلمين.

ومن الملاحظ في كلام شيخ الأزهر أنه لجأ إلى التعميم دون التخصيص، فشمل الدول الموصومة بالإسلام جميعها، ولم يخص دول المنطقة التي ينتمي إليها ويعيش ويعمل فيها، مع أن الإسلام نبع من إحداها، ومازالت تتحكم به في وعي ومشاعـر وحياة الملايين من البشـر في العالم بفضل استحواذها على الأماكن الوثنية الإسلاموية المقدسة وعائدات النفط المكرمة . وهو بذلك يتجاهل كعادته وعادة أمثاله العقيدة التي يقتات من الدفاع المستميت عنها، كما يتجاهل كافة الفوارق والاختلافات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بين تلك الدول وبعضها البعض، لا لشيء سوى أنها دخلت ـ أو بالأصح أجبِرت على الدخول ـ في دين الجماعة، فأصبحت حسب ادعائه وادعاء الكثيرين غيره ضمن أمة عربية أو إسلامية واحدة. ولكن التعميم ـ كما هو معروف ـ من أهم السمات الشائعة في الخطاب السياسي والديني بين البشر بهدف الهـروب من المسؤولية ومحاولة تحويل أنظار الناس عن مشاكلهم الحقيقية وتبرئة ذمة المسؤولين عنها.

كنت أود من " فضيلته " ـ إن كانت لديه فضيلة ما ـ أن يستمر في الحديث عن هذا الأمر ليوضح لنا الكثير مما يخفيه عنا هو وأمثاله، مـع أنـها أصبحت الـيـوم لا تـخـفى عـلى أحـد، إلا أن الحـديث عـنـها ـ بانفتاح ـ من شأنه أن يوصلنا إلى حل يخرجنا من النفق المظلم. ولكنه آثر قفـل فـمه، وكأن ما قاله كان مجرد زلة لسان، وانفلات كلمات. فهو يعـرف تمام المعـرفة أن التمادي في الحديث عن ذلك سوف يعرضه للأذى لأنه يضـر بمهنته ومهنة أتباعـه، وسوف يعمل عـلى هدم الأزهـر (الشريف جدا) فوق رؤوسـهم . بعـد انهيار أوثان مكة "المكرمة" والمدينة "المنورة". لذلك لا يبقى أمام المـرء سوى أن يتساءل بأسى:

أين ومتى كانت هناك أمة واحدة كي يتحدث عنها، وهو لا يرى من حـوله سوى دول أو دويلات هزيلة تدين إسميا بما يسمى بـ"الإسلام"، بمعنى أنها متأسلـمة بالوراثة لا أكـثر ولا أقـل، وأنها تتكلم بلـغة واحـدة ـ تقريبا ـ إسمها " العـربية "، ومع ذلك لا تفهم بعضها البعض، وينتابها الخوف والـريبة من بعضها البعض، وتسيطر عليها الأنانية وحب الذات؟

ومتى كانت هذه الأمة " المـزعـومة " خالية من الــرعاع والمنافقين والظلمة والكذابين والمغـرورين على كافة المستويات؟ أليس ذلك عملا بما فرضته التعاليم الإسلاموية البدوية الصحـراوية على تلك البلاد وغـرسته في نفوس العباد؟!.

ومتى كانت هذه الأمة "الـمزعـومة" خالية ونظيفة من الـرذائل التي لا يدري الـمرء: لـماذا لا يستطيع الحديث عنها؟ وكـيف يمكـن معالجتها ـ إذا أراد أحد ذلك ـ مالم يستطع كل إنسان أن يتحدث عنها صـراحة وعلانية ودون خـوف أو لـف ودوران؟ أم أننا أدْمَـنَّا دس رؤوسنا في الـرمال كالـنعام؟ وكـفانا شـر الحـقـائق ومـرَّها؟

ثم، وهذا هو الأهم، مالذي جعل هذه الأمة الـمزعومة " أمة من الرعاع والمنافقين والظَّـلَـمَة والكـذابين ..." إلى آخـر مـا تمكـن الشيخ من التوصل إليه والإصابة في التعبير عنه للمرة الأولى ـ وربما الأخيرة ـ في حياته، « فـمن المعـروف عن الدكتور محمد سيد الطنطاوي الذي تولى المشيخة عام 1996م مجاراته للسلطة السياسية في مواقفها وتـراجعه عن أى رأي وفـتوى كان قد أصدرها طالما لا تلقى قبولا لدي السلطة، الأمر الذي جعل التناقض يعـتري مواقف الأزهـر في السنوات الأخيرة*4* ».

ألا يساهم إذن هذا الشيخ وأمثاله من العملاء في جميع أنحاء العالم بقـدر وافـر من الوعـظ والإرشاد والمواقـف المتخازلة في التأكيد على حقيقة أن هذه الأمة الـمـزعـومة أمة من الـرعاع والـمنافـقــين ... إلخ؟.

بطبيعة الأحوال، ومع تدفق الأمـوال النفطية بسخـاء، يكون الوضع مختلفا تماما، عندما يحل "شيخ العملاء" ضيفا على أسياده في الرياض. أو يذهب إليهم للحج، حيث يحظى بلقاء يليق بالاحتياج إليه، ويتمتع بحج "سبعة نجوم" أو أكـثر حتى لا يُقضَى عليه مثل الآخـرين تحت أقـدام "الـرعـاع". ولـما لا؟ وهو "الأمام الأكـبر" لكل من يسوِّق بضاعتهم ويروِّج أفكارهم، وأن فـقـدانهم له يُعَـدُّ خسارة لا تـقــدر بثـمـن؟. وهكذا الأمر بالنسبة لأمثاله في كافة البلدان الموبوءة بدين الأسلمة والتأسلم .

لـندع ـ مـؤقـتا ـ هؤلاء المشايخ المنعوتين بـ"الفضيلة" يذهبون إلى حيث يشاءون، ويروِّجون بضاعتهم كما يشاءون، ونترك كـذلك الجيـوش الـمجيشة من العمـلاء الدجـالين والمنافقين تلهث وراءهم، سواء كانوا ممن تخـرج مـن الأزهر الموصوم بـ"الشريف" على طـريقة العـربان الوثنية في تقديس الأشخاص "الـراشدين والمبشرين بالجنة"، أو ممن يقتاتون من الأماكن "المكرمة" و"المشـرفة" و"المـنورة" إلى آخـره، وندلف مباشرة إلى لـب المشكلة وجـذورها، حـيث نحاول في الـبداية فهم أولئك البـدو الـعـربان، والتـعـرف على حقيقة دينهم الصحراوي، ثم الكشف، قدر المستطاع، عن علاقتهم بـ"جيوش العملاء" المجيَّشـة في كافة بقاع الأرض، لتتولى الدفاع عـنهم وعـن دينهم بالنيابة.

❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-❊-;-

*1*خـريج جامعة الأزهـر، وقد أعلن ترك الإسلام واعتناق المسيحية في عام 2009، ويدير الآن محطة تليفـزيون فضائية بإسم "الطـريق" تبث إرسالها من أمـريكا للمنتصـرين في الشرق الأوسط.
*2*الأقـبـاط الأحـرار يومي 28 و 31 أغسطس 2009:
.www.freecopts.net/arabic/ 2009-06-28-16-57-25/42-rokstories/564-2009-08-30-17-07-53
*3*د. محمد سيد طنطاوي في خطاب افتتاح المؤتمر الخامس عشـر للمجلس الإسلامي الأعـلى في 22 إبريل 2002 في القاهـرة .
*4*عمار علي حسن: الدور السياسي للأزهر، ضروروة المراجعة، مجلة الديموقراطية، عدد 12 في 10 أكتوبر 2003، مؤسسة الأهـرام، القاهرة
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 08-08-2014, 03:39 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 37,570
افتراضي الخديعة الكبري العرب بين الحقيقة والوهم 1 ياسين المصري الحوار المتمدن-الع


الخديعة الكبري العرب بين الحقيقة والوهم 1


إلى كل إنسـان عاقـل يريد أن يعـرف شـيئا عن حـقيـقة " العـرب " وأكاذيبـهم المقدسة.

فـظـيعٌ جـهـلُ ما يجـري وأفـظـعُ منـهُ أن تـدري ...
الشاعر عبد الله الـبردُّوني
من اليمن

إشارة أولـية

العقل وحـده هو القـادر عـلى قـيادتنا إلى الـفهم الحـقيقي للـدين والأخلاق والحياة بأسـرها.

لا يوجد شعب واحد من شعوب العالم أجمع يشغل نفسه ووقته وحياته بكاملها بالدين الذي يعتنقه، مثلما تنشغل الشعوب المتأسلمة بدينها إلي حد " الهوس أو الجنون "، بل وتشغل العالم أجمع به في محاولة يائسة لإثبات أنه " دين الحق "، ومن ثم نشره بين الشعوب الأخرى، تارة بالإرهاب والقتل، وتارة أخرى بالحرب والدمار. إنها شــعــوب مغيَّبة العقل مسلوبة الضمير، تقــدس الموت وتكـره الحـياة. والسبب في ذلك، "الثقافة" الدينية التي تربت عليها وشربت من معينها. هذه الثقافة البدوية الحمقاء التي نبعت من أعماق الصحراء الجرداء وضربت بجذورها في أعماق النفس البشرية، فصحَّرتها وأصابتها بعمى البصائر وتحجير القلوب وتلويث العقـول.

ما طبيعة هذه الثقافة وما منبعها؟
وكيف فرضت على العقول والقلوب والنفوس مع سيل جارف من سوء التقدير وسوء الإدراك معا؟!!.

هـذا الكـتاب يتمحور حول هذه " الثقافة " لنعرف مدى حماقتها وكيف أتيح لها أن تضرب بجذورها في الأعماق البشرية، فتحول الإنسان إلى آلة صماء ساحقة ماحقة لغيره أو لنفسه، إنه قـراءة لتاريخ " البـدو العـربان "، ساكني الجزء الأوسط من شبه الجزيرة، والذين عـرَّفوا أنفسهم بإسـم " العــرب "، فعـرفهم العالم بهذا الإسم، وفـيه تحـلـيل لـدين " الإسـلام " الخاص بهم، الـذي ما كان ليظهـر بين أي شعـب آخر من شعوب العالم مالم يظـهـر بينهم، ويحمل معالم حـياتهـم بكاملها، فهـو في حـقيقـته دين بدوي صحـراوي بكل المقاييـس . وأي حديث عن أي منهما دون التطـرق إلى الآخـر يكون مضيعة للـوقـت والجـهـد، إذ لا يمكـن فـهـمـه فـهـما صحيحا، لأن كل شيء لا بـد أن يرجع إلى أصله، وكل إناء لا بـد أن ينضـح بمـا فـيـه.

ويوضح الكـتاب كيف أن أولئك البـدو العـربان من أحـط وأردأ شعوب الأرض قاطبـة، ولكنهم أكـثرهم حـظا وأشـدهم أثرا، فكانوا يخمـدون إلى كمائنهم في الصحراء، ثم يقـومـون من جــديد، ليعـودوا مخمـودين إليها، كي ينطلـقوا ثانية، مـرة بسيوف دينهم المُهَنـَّدة ومـرة أخـرى بدولارات نفـطـهـم المُعـَطَّـرة وهكـذا.

وقـد تمكـنـوا على مـر التاريخ من تثبيت ثلاثة أمـور أساسية هي:

أولا: فبركة فكـرة دينية ـ سياسية، عبارة عن "أسلمة البشر" بأساليب الصعلكة من خلال إرْساء قـواعـد العبودية والعنصـرية بينهم، والعمل الدائم على نشرها بحد السيف نظرا لهشاشتها وفسادها وإفسادها لضمائر وسلوك البشر وإتعاسهم في حياتهم، وربطها بطقوس وثنـية متخلفة وتقاليد بدوية حقـيرة كانت ـ ومازالت ـ سائدة بينهم، وتشكل مصـدر رزق دائم لـهم ولـحيـاتهم.

ثانيا: العـمل عـلى تقـديسهم بصفتهم "خـير أمـة أخـرجـت للناس" لتنتشل الناس من الظلمات إلى الـنور. وهم على العكس تماما، وتقديس لـغتهم بصفتها لـغة أهـل الجـنة، وذلك من خلال النصوص الـدينية العنصـرية التي جاءت للإنتصار لهم فقـط، والتي لا تقبل الجـدل ولا تحـتمل الاعـتراض.

ثالثا: تجـييـش الـجيـوش الجـرارة من الـعملاء الدجـالين الأفَّاقين والـمـرتزقة الملفـقـين وقطـاع الطـرق والقتلة المجـرمين في كافة أنحاء العالم، لتتخذ من أكاذيبهم مصدرا لأرزاقهم، ومن ثم تتولى الـترويج لبضاعتهم الفاسدة والمفسدة، وتجميلها في أعين "العـبيد" التعساء الأذلاء و"الرعاع" الجهلاء الحقـراء، والدفاع المستميت والمُمِيت عنها وعنهم بالنيابة أمام الـرافضين لكل أنواع "العبـودية" الـتعـيسة الـذلـيلة والجاهلة الـحـقـيرة.
لـقد ظهرت عصابة الصعاليك المحمدية في غـفلة من الـزمن بين أولئك البـدو الأخساء، أجلاف الصحراء، لـيشرعـوا شـريعة القتل والسلب والنهـب والكـذب والسبي والاغتصاب وكــراهية الآخـر، واستباحة النفس البشرية، واعـتلوا على أساسها الأمم والشعـوب الأخـرى الـعـريقة، وأزالوا هويتها الأصيلة، كي يظلوا يخـدعـونها ويبـتزونها ويتلاعبون بمشاعرها منذ ما يقـرب من 1500عام، الأمـر الذي لا يمكن أن يصدقه عـقل سَـوِيٌّ، أو يقـبله أي إنسان يتـوفـر لـديه أقـل قــدر من العـزة والكـرامة.
وهاهم الآن ينطلقـون من كمائنهم الصحـراوية مـرة أخـرى ويغـزون الـعالم بدولارات نفطـهم ويقتحمون الـبلاد بقذارتهم المقـدسة وسيوفهم المهـندة.
وبذلك يثبتون مدى تمتعهم بعبقـرية بدوية منقطعة النظـير، لا يمكن أن تتوفـر لغـيرهم. عبقـرية اللـؤم والخـبث التي لا مثيل لها في تاريخ البشـرية جمعاء. وفيما عدا ذلك لم يقدمـوا للإنسانية أي شيء يذكـر على الإطلاق.

إننا في هذا الكـتاب نتتبع تطـور التاريخ السياسي ـ الديني لأولئك البدو العـربان منذ نشأة عصابة الصعاليك المحمدية قبل ما يقـرب من 1500عام حتى أحفادهم المتسعودين ـ المتوهبنين في والوقت الحاضر، ومدى تأثيرهم عـلى الشعـوب المجاورة لهم، وإخضاعهم لمبادئهم الصحراوية الحقـيرة.
ونتساءل كيف يقـوم دين وتاريخ بالكامل على أكاذيب وتضليلات، وكيف يبقى هذه الفـترة الـزمنية الطـويلة، ولماذا؟.

وسوف نحاول قدر المستطاع:
❉-;---;-- أن نسمي الأشخاص والأشياء بأسمائهم، الأمر الذي لم يتعـوده أحد في هذه المنطقة من قبل.

❉-;---;-- أن نعـرف ـ وقدر المستطاع أيضا ـ كيف أنهم حقيقة من أشـد البشـر لـؤما وخبثا، وأكـثرهم خسة ودناءة، وأنه قد آن الأوان لتعـريتهم وكشف اللثام عن لـؤمهم وخبثهم، وفضح خستهم ودناءتهم. وذلك بلغة بسيطة ومبسطة، دون الادعاء بأننا سنصل بهذا إلى الـحـقيقة كاملة، لأننا نتعامل مع أمور مقدسة فرضا، رغم أنها مشكوك في صحتهما، وتغلفها الأكاذيب والأباطيل والتضليلات والخـرافات ويصاحبها الإرهاب والعنف الدمـوي منذ بدايتها وحتى الآن، ومن ثم تُكَـوِّن مـزبلة عـفنة من أقـذر مزابل التاريخ البشـري على الإطلاق، ومع ذلك جعلونا نستحب العيش فيها، ونتماهى، بل ونتباهى بها وبهم وبحياتهم.

❉-;---;-- أن نعرف كيف تم تجييش الجيوش من العملاء الذين يقتاتون من وراء الترويج لهذه البضاعة الفاسدة ومن ثم يعملون على إفساد البشـر بواسطتها وتحويلهم إلى " رعاع "، يتولى الكثيرون منهم تنفيذ عمليات إجـرامية ضد شعوبهم وشعوب العالم أجمع أينما وجدوا.

❉-;---;-- وسوف نرى أن أي مـدح أو تقريظ قالوه عـن أنفسهم وصـدَّقْناه، كما صدَّقَهُ الآخـرون، ورحنا، كما راح الآخرون يرددونه كالببغاوات، يجـب أن يستبـدل بعكسه من الـذم والتحقير كي ينطبق تماما عـلى حـقيقتهم.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن جميع ما جاء في هذا الكتاب يعرفه الكثيرون جدا في هذه المنطقة المستعـربة ، ولكنهم يخفونه إما خوفا أو نفاقا وتزلفا . ونظرا إلى أن ما يخفونه يثقل بلا شك ضمائرهم، فقد يفصح البعض منهم ـ بين حين وآخر ـ عن شيء مما يخفيه كنوع من إراحة الضمير . ولكنه يذهب تحت حد السيف أدراج الرياح كما سنرى على الصفحات التالية!!.

وقد نضطـر ـ من وقـت لآخر ـ إلى استعمال بعض الألفاظ البـذيئة والحقـيرة والشتائم واللعنات التي نسبوها إلى إلههم الأكبر وجاءت على لسان نبيهم الأكـرم (كما ينعتونهما)، وما زالت تجيء على ألسنة أولئك البـدو الأقـذار وعـمـلائهم الأبـرار في كافة البلاد المتأسلمة دون أن يتعـرضوا للمحاسبة والعقاب، وذلك لأنه لا يمكن تجاهلها أو تجَنُّبِها عـند الحديث عـنهم أو عـن دينهم، فهي جـزء لا يتجـزأ مـن حـياتهم وركـيزة عـقائدية في ثقـافتهم وتفكـيرهم وسلـوكـهم، حتى يقلعون في يوم ليس ببعيد عن طاعة الله ورسوله وألي الأمـر منهم، ويتحـررون من الأسـوة الحسنة في نبيـهم، ويصبحون مثل البشر الآخرين.

لـذا أرجـو المعـذرة.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:12 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke