Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الأزخيني > ازخ تركيا > من تاريخ البلدة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 03-01-2026, 04:48 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,614
افتراضي المدارس في آزخ بقلم: فؤاد زاديكى

المدارس في آزخ


بقلم: فؤاد زاديكى
تُعدّ المدرسة مؤسسة مركزية في حياة المجتمعات البشرية، إذ تمثّل الإطار الأساس الذي تُبنى ضمنه شخصية الفرد معرفيًا وثقافيًا وقيميًا. فالعملية التعليمية التي تحتضنها المدرسة لا تُختزَل في تلقين المعارف أو تنظيم الدروس، بل تتجاوز ذلك إلى تشكيل الوعي الجماعي ونشر قيم الانضباط والمسؤولية وروح المبادرة، إضافة إلى ترسيخ مهارات القراءة والكتابة والتفكير الناقد والبحث العلمي. ومن خلال هذه الوظائف، تُمكّن المدرسة أبناء المجتمع من فهم بيئتهم والتفاعل الواعي مع تحدياتها، كما تتيح لهم سبل الارتقاء المعرفي والاجتماعي، ما يجعلها عاملًا أساسيًا في تحقيق التنمية والاستقرار الثقافي والحضاري.
لهذا تحتلّ المدرسة مكانة محورية في حياة المجتمعات البشرية، إذ تمثّل المؤسسة الأساسية التي يُبنى من خلالها الإنسان معرفيًا وثقافيًا وسلوكيًا. فهي الفضاء الذي يكتسب فيه الفرد مهارات القراءة والكتابة وأساليب التفكير والتحليل، ما يساعده على فهم بيئته والتفاعل الواعي مع قضايا مجتمعه. كما تضطلع المدرسة بدور مهم في ترسيخ القيم الأخلاقية والاجتماعية، وتعزيز روح المسؤولية والانضباط والعمل الجماعي، ممّا يسهم في تشكيل شخصية متوازنة قادرة على الإسهام في بناء المجتمع. وإلى جانب ذلك، تُعدّ المدرسة أداة فعّالة لنشر الوعي وتوجيه الفكر نحو البحث والمعرفة، باعتبارها مدخلًا رئيسيًا للحدّ من الفوارق الاجتماعية وتمكين الأفراد من تحسين ظروفهم الحياتية. وبذلك تصبح المدرسة حجر الزاوية في أيّ نهضة تنموية أو حضارية، ومؤسسة لا غنًى عنها لضمان استمرارية الهوية الثقافية وتحقيق التقدم والاستقرار في المجتمع.

وتكتسب هذه الأهمية بُعدًا أعمق عند دراسة نشوء التعليم في المجتمعات التقليدية التي تمتلك هوية لغوية وثقافية خاصّة، مثل مجتمع (آزخ) والمناطق التاريخية المحيطة به. فمنذ دخول المسيحية إلى بيت زبدى – وهي من أوائل المناطق التي اعتنقت الإيمان المسيحي – أصبح للمعرفة الدينية واللغوية دور محوري في الحياة اليومية، إذ احتاج أبناء المجتمع إلى فهم العقيدة الجديدة بلغتها السريانية وإلى استيعاب أسس العبادة والطقس عبر التعلّم والدرس. وقد اضطلع رجال الدين والأساقفة في بيت زبداي بدور بارز في هذا المجال، فكانوا المعلمين الأوائل الذين نقلوا المعرفة، وفسّروا النصوص المقدسة، ونسخوا المخطوطات، وحافظوا على اللغة السريانية بوصفها وعاءً للهوية الروحية والثقافية.

ومع امتداد هذا النشاط التعليمي المبكّر داخل الكنائس والأديرة، بدأ يتشكّل وعي جماعي بأهمية المعرفة ودورها في حفظ التراث وتثبيت الإيمان، ما خلق بيئة خصبة لظهور فكرة التعليم المنظم. ولم يكن نشاط المبشّرين في المناطق المجاورة منعزلًا عن هذا السياق، إذ عزّزت جهودهم الشعور بالحاجة إلى مؤسسات تعليمية قادرة على نقل المعرفة بصورة منهجية، واستيعاب الأجيال الناشئة، وإعداد أفراد مؤهّلين لمواصلة الخدمة الدينية والثقافية في المجتمع. وهكذا شكّل التفاعل بين جهود رجال الدين في بيت زبداي وانتشار المسيحية فيها تراكمًا معرفيًا وثقافيًا ممهّدًا لظهور نواة تعليمية أكثر تنظيمًا.

وبمرور الزمن، تحوّل هذا التراكم إلى حاجة مجتمعية واضحة، إذ أدرك أبناء (آزخ) أنّ التعليم لم يعد مجرّد وسيلة لفهم الطقوس الدينية أو حفظ اللغة فحسب، بل أصبح ضرورة للحفاظ على الهوية المميّزة أمام التحوّلات الاجتماعية والسياسية التي مرّت بها المنطقة. ومن ثمّ, جاءت فكرة إنشاء مدرسة في (آزخ) باعتبارها خطوة طبيعية في مسار طويل من الوعي المتنامي بقيمة المعرفة، وحاجة ملحّة لصون التراث من الاندثار، وتوفير فضاء تعليمي يُسهم في تنمية قُدرات الأطفال والشباب، ويعزّز مكانة المجتمع السرياني في محيطه.

وهكذا لم يكن إنشاء المدرسة في (آزخ) حدثًا مفاجئًا أو قرارًا إداريًا معزولًا، بل هو نتيجة تاريخية لجهود دينية وثقافية امتدّت عبر قرون، بدأت مع مبشّري بيت زبدى ورجال الدين فيها، وترسّخت من خلال العمل الكنسي المستمر، وتبلورت في وعي المجتمع بضرورة بناء مؤسسة تعليمية رسمية. لقد جاءت المدرسة لتكون الامتداد الطبيعي لرسالة المعرفة التي حملها رجال الدين منذ القرون الأولى، ولتصبح محورًا أساسيًا في نشر الوعي، وتعزيز القراءة والبحث، وتثبيت الهوية السريانية، وبناء جيل قادر على مواصلة الإرث الحضاري لآزخ والمحافظة عليه.
لقد أسهم عمل رجال الدين في بيت زبداي، منذ اللحظة التي انتشرت فيها المسيحية ودخلت إلى بيت زبدى - إحدى أوائل المناطق التي اعتنقت الإيمان المسيحي - في ترسيخ وعي مجتمعي وثقافي مهّد بصورة طبيعية لظهور فكرة إنشاء مدرسة تعليمية. فمع انشغالهم بتفسير العقيدة الجديدة وتعليم النصوص والطقوس السريانية، نشأ لدى المجتمع إدراكٌ واضح بأنّ الفهم الديني مرتبط بالمعرفة اللغوية والثقافية، الأمر الذي عزّز الحاجة إلى تعليم منظّم يُحافظ على الهوية الروحية واللغوية للمنطقة. كما أسّس رجال الدين طبقةً مثقّفة قادرة على النّسخ والشّرح والتّدريس، ما خلق نواة تعليمية داخل الإطار الكنسي تطوّرت تدريجيًا إلى تصورٍ لمؤسسة تعليمية قائمة بذاتها. وهكذا، فإنّ تفاعل الدّور الدّينيّ مع حاجة المجتمع للفهم والوعي أنتج بيئة فكرية وثقافية مهيّأة لبلورة مشروع مدرسة تعليمية في (آزخ)، باعتبارها امتدادًا مؤسّسيًا لتراكم طويل من النشاط الكنسي والثقافي.
منذ القرون المسيحية الأولى، شهدت منطقة بيت زبداي (آزخ) تحوّلاً عميقًا في بنيتها الثقافية والدينية نتيجة دخول المسيحية إليها ضمن حركة تبشير واسعة شملت مناطق طور عبدين، وبيت نهرين السفلى، وامتدادات مراكز الثقافة السريانية الكبرى في الرها ونصيبين. وقد ارتبط هذا التحوّل بعملية تأسيسية أعادت تشكيل الوظيفة الاجتماعية للمعرفة، إذ أصبح التعليم جزءًا بنيويًا من المشروع الكنسي الناشئ، وتولّى رجال الدين، من رهبان وكتبة ومبشّرين وأساقفة، الدور المركزي في صياغته وترسيخه.
1- الرهبان ودورهم التأسيسي في بناء التقليد التعليمي
مثّل الرهبان الروّاد الأوائل في إنشاء النواة الأولى للتعليم المنظّم في المنطقة. فقد حملوا معهم نموذج الحياة الدّيريّة الذي يقوم على ربط الحياة الروحية بالمعرفة الكتابية، ما جعل الأديرة التي أُقيمت في محيط طور عبدين مركزًا إشعاعيًا للتعليم. اعتمد الرهبان على السريانية بوصفها الوعاء اللغوي للتعليم والطقس واللاهوت، فكان تعليم القراءة والكتابة، وحفظ نصوص الكتاب المقدس، والتدرّب على التراتيل والنّسك، من الوظائف الأساسية للمؤسسات الديرية.
وقد لعبت هذه الأديرة دورًا يتجاوز الإطار الروحي إلى وظيفة ثقافية واضحة، من خلال نسخ المخطوطات وتداولها، وتنظيم حلقات للدرس، ومرافقة الطلّاب في مراحل التكوين الكنسي، ما أسهم في خلق «ثقافة ديريّة» متماسكة ساعدت القرى المحيطة، ومنها بيت زبداي، على نسج علاقة عميقة بين الدين والتعليم.
2 - المبشّرون والقدّيسون: نقل النموذج التربوي السرياني إلى الأطراف

كان للمبشّرين والقديسين الذين قدموا من مراكز علمية سريانية كالرّها ونصيبين دور بارز في إرساء نموذج تربوي يخدم عملية التبشير نفسها. فقد اعتمد هؤلاء على أسلوب يجمع بين نشر العقيدة المسيحية وتعليم أساسيات اللغة السريانية والكتاب المقدّس، وهو ما جعل التعليم وسيلة استراتيجية لترسيخ الإيمان داخل المجتمعات الريفية.
وقد ساهم حضور القديسين ونُسّاك المنطقة في تعزيز هذا الارتباط، إذ تحوّلت سيرهم وممارساتهم الروحية إلى مصادر تعليمية غير مكتوبة، أثّرت في تشكيل وعي الجماعات المحلية، ورسّخت فكرة أنّ التعليم عنصر جوهري في الحفاظ على الإيمان الجديد واستدامة الكنيسة في الأطراف.
3 - الأساقفة ودورهم التنظيمي في تكوين البنية التعليمية
أدّى الأساقفة دورًا محوريًا في تنظيم النشاط التعليمي وضبطه مؤسسيًا. فإلى جانب دورهم الرعوي، عملوا على توجيه عملية التعليم الديني، وصياغة المناهج التي تُدرَّس للشمامسة والمبتدئين، وتحديد معايير الكهنوت التي تتطلّب مستوى معرفيًا ولغويًا واضحًا. كما ساهموا في إنشاء «بيوت تعليم» صغيرة بالقرب من الكنائس، تكون بمثابة مدارس أولية تُدرّس فيها السريانية واللاهوت الأساسي، وتؤهّل الشباب للخدمة الكنسية.
وقد أدّى هذا الإطار التنظيمي إلى تكوين بنية تعليمية غير رسمية ولكنّها فعّالة، اعتمدت على صلة وثيقة بين الرعية والأسقف، وأسهمت في انتقال النموذج التعليمي الديري إلى المجتمعات القروية، مثل بيت زبداي.

4 - نحو نشوء فكرة إنشاء مدرسة في بيت زبداي (آزخ)

ضمن هذا السياق التاريخي المتراكم، تشكّلت في بيت زبداي بيئة دينية وثقافية تعترف مركزية التعليم الكنسي وتعدّه عنصرًا مكمّلاً لوجود الكنيسة نفسها. ومع ازدياد عدد المؤمنين واتّساع الحاجة إلى كَتَبة وصلوات وقُرّاء وخُدّام يُجيدون السريانية، ظهرت الحاجة إلى إنشاء مدرسة محلية، أو «بيت تعليم»، يعمل تحت إشراف كهنة المنطقة ورهبان الأديرة المجاورة.
وقد جاءت هذه المبادرة استجابة لاعتبارات عدّة، أهمها:
1. الحفاظ على اللغة السريانية بوصفها لغة الطقوس والهوية الروحية.
2. إعداد خُدّام وكَتبَة قادرين على خدمة الكنيسة وتلاوة النصوص الليتورجية.
3. تأصيل المعرفة الدينية في سياق اجتماعي يعتمد على التقاليد الشفوية والنصوص الكنسية.
4. مواجهة تحديات الاندماج اللغوي والثقافي في محيط متعدّد اللغات، ما جعل المدرسة أداة لحماية الهوية المحلية.
وهكذا نشأت في بيت زبداي فكرة إنشاء مدرسة محلّية، لم تكن انعزالاً عن المحيط بل امتدادًا مباشرًا للثقافة الديرية في طور عبدين، التي جعلت التعليم محورًا من محاور الوجود المسيحي. وقد ساعدت هذه المدرسة -بمستوياتها الأولى والبسيطة - على ترسيخ بنية تعليمية تقليدية حافظت على اللغة والتراث السريانيين، وأسهمت في استمرار حضور المسيحية في المنطقة عبر القرون.
إن تاريخ التعليم في بيت زبداي (آزخ) ليس حدثًا عابرًا أو مبادرة محلية منفصلة، بل هو ثمرة تفاعل طويل بين:
* الثقافة الدّيرية (الأديرة) السريانية
* الدَّور التبشيري للمؤسسات الروحية
* الإشراف الأسقفي والتنظيم الكنسي
* وحاجات المجتمع المحلي للحفاظ على لغته وإيمانه وذاكرته التاريخية.
ومن هذا التفاعل تشكّلت فكرة المدرسة، باعتبارها مؤسسة تربوية تحمل إرثًا مسيحيًا عميقًا، وتعبّر عن حضور كنسي واجتماعي ممتدّ منذ بدايات المسيحية في بيت نهرين.
إنّ الرّبط بين نشاط المبشّرين (آدّاي - أجى - آحي - الأسقف مَزرا - شوبحا ليشوع - الأسقف شَبثا - الأسقف طَبْرَا - الأسقف هيلودوروس -فيلبّس - مار يعقوب - مار أشعيا الحلبي - مار أوگين - مار ميخائيل - النّاسك فنحاس - يوحانون - الأسقف الآزخي باباي العظيم (الكبير) – عبديشوع وغيرهم) في منطقة بيت زبدى من جهة، وعمل الأساقفة والاكليروس في بيت زبداي من جهة أخرى، يكشف عن مسار منطقي أسهم في بلورة اللبنة الأولى لظهور مدرسة في إزخ. فقد أدّى حضور المبشّرين، بما حملوه من مناهج تعليمية أولية وأساليب تبشير تعتمد على نشر القراءة والكتابة لفهم النصوص المقدسة، إلى إثارة الوعي بأهمية التعليم النظامي داخل الأوساط المحلية. وفي الوقت نفسه، امتلك رجال الدين في بيت زبداي خبرة طقسية ولغوية وبنية كنسيّة ثابتة مكّنتهم من استيعاب هذا الحراك التعليمي وتطويره ضمن إطار مؤسسي منضبط. وهكذا، تلاقى المحفّز الخارجي الذي مثّله نشاط المبشّرين مع القدرة التنظيمية الداخلية التي مثّلها الأساقفة والاكليروس، ليُنتج بيئة فكرية واجتماعية مهيّأة لتأسيس مدرسة في آزخ، بوصفها امتدادًا طبيعيًا لتفاعل تأثيرات روحية وثقافية مشتركة.

القرن 4 (حوالي 337–344 م)
حدث: غزوات شابور الثاني وعمليات أسر/ استشهاد لأسقف بيت زبداي (هيلودوروس) ومرافقيه، واستشهاد عدد من الخدّام (تُذكر حالات مثل داسا وعبديشوع).
دلالة تعليمية: وجود أسقف وطبقة كهنوتية تعني وجود حاجات طقسية وتعليم قرّاء.
في القرون الأولى للمسيحية، لم يكن الأسقف مجرّد رجل دين ليتورجي، بل كان:

مربّياً ومعلّماً للكتاب المقدس.
مشرفاً على الكهنة والشمامسة.
قائداً اجتماعياً وإدارياً.
منظِّماً لحياة المجتمع المسيحي.
حافظاً للتراث الشفهي والكتابي
وفي تاريخ آزخ (بيت زبداي) كان هناك أساقفة عظام قاموا بأدوار رائعة في هذا السبيل منهم الأسقف مزرا والأسقف بَطْرَا والأسقف هيلودوروس والأسقف العظيم ابن آزخ باباي الكبير.
وجود أربعة أساقفة في بيت زبداي يدلّ على:
مركز كنسي مهمّ.
توفّر كَهنة وقُرّاء وشمامسة.
وبالتالي وجود "طبقة تعليمية" مصغّرة.
هذه البنية هي التي سمحت في القرن الثامن عشر بأن تظهر مدرسة حقيقية مرتبطة بالكنيسة.
هل شكّل هؤلاء الأساقفة نواة مدرسة آزخ؟
نعم – بشكل غير مباشر لم يؤسسوا مدرسة رسمية، لكنّهم:
- زرعوا تقليد التعليم الديني.
- شكّلوا طبقة من المتعلمين.
- أسهموا في رفع الوعي الروحي والاجتماعي
ووضعوا البنية الثقافية التي ستتحوّل لاحقاً إلى مؤسسة تعليمية (مدرسة).
بمعنى آخر:من دون نشاط أولئك الأساقفة، ربّما لم تكن مدرسة في آزخ في القرن 18 لتظهر بالشكل الذي ظهرت عليه.
إنّ هذا الدور يشير عادةً إلى وجود نوع من "التعليم الأوّلي غير النظامي" أينما وُجد هؤلاء.

القرن 6 (حوالي منتصف القرن 500 ــ 600 م)
حدث: ميلاد ونشأة الأسقف باباي الكبير551)) م في (بيت عَيناثَا) التابعة لآزخ, دراسته في نصيبين, نشاطه الرهباني وإشارته إلى تأسيس دير/ مدرسة في وطنه (آزخ) قبل نشاطه اللاحق في جبل إيزلا.
دلالة تعليمية: وجود نشاط رهباني تعليمي في آزخ/ المحيط - نواة فعلية لنقل مهارات النسخ واللاهوت)

القرون 7-12
حدث: استمرار تأثير المراكز الرهبانية (نِصيبين، جبل إيزلا، دير الزعفران, دير مار كبريئيل) على القرى المحيطة, انتقال معلمين ونُسّاخ.
دلالة تعليمية: تعزّز فكرة حلقات تعليمية نصف مؤسسية، نسخ مخطوطات محلية أحيانًا

القرون 13–16
حدث: اضطرابات إقليمية متقطعة, استمرار التعليم الطقسي عبر كهنة محليين وممارسات نقل شفهي.
دلالة تعليمية: نقص مؤسسات كبيرة لكن بقاء الممارسة التعليمية داخل المجتمع.

القرنان 17–18
حدث: تأسيس مدارس ملحقة بالكنائس في مناطق طور عبدين وبدايات ما يُعرف لاحقًا بمدرسة آزخ (المؤسسة التي نعرفها في السجلّات الحديثة).
دلالة تعليمية: تحوّلٌ إلى شكلٍ أكثر انتظامًا, تخرُّجُ شمامسة وكتّاب، استمرارُ التراث السرياني.

القرن 19- القرن 20 (حتى 1915 وما بعدها)
حدث: نشاط تعليمي محلّي مستمر، لكن الأحداث (اضطهادات، السّيفو/المجازر، نزوح السكان) أدّت إلى فقدٍ كبير في السجلات والذاكرة المحلية.
دلالة تعليمية: الكثير من أسماء المعلمين والخدّام ذهبت مع المجتمعات إلى المنافي أو ضاعت, لذا الاعتماد على الذاكرة الشفوية والمخطوطات المهجّرة ضروري لاستعادة القوائم.
تصوُّري التفصيلي للمراحل (ملخّص)

1 - المرحلة الأوّلية (قرن 1–4 م): تبشير أولي ووجود مجاميع مسيحية صغيرة - تعليم شفهي وطقسي داخل البيوت والكنائس. (أصل التقليد التعليمي)
2 - المرحلة الرهبانية الأولى (قرن 5–7 م): تفاعل مع أديرة طور عبدين (دير مار كبريئيل ودير الزّعفران وغيرهما) تعليم مكتوب محدود، حلقات لتدريب الشمامسة والقراء. (بدايات شبه منظّمة)
3- المرحلة المتقطِّعة (قرون 8–16 م): تقلبات سياسية/عسكرية تؤثّر على المؤسسات، لكن يبقى التعليم الكنسي باستمرار عبر الكهنة والمعلمين المحليين.
4- المرحلة المؤسَّسية المبكرة (القرنان 17–18 م): ظهور مدارس ملحقة بالكنيسة بصورة أكثر انتظامًا.
كيف بدأت المدرسة في آزخ؟
أولاً: التعليم الكنسي المبكّر في بيت زبداي (بداية انتشار المسيحية)

1- البيئة التاريخية
تمتّعت آزخ ومحيطها بحضور مسيحي مبكر جداً، ربّما من بداية القرون المسيحية الأولى, كانت بيت زبداي من البيوت أو المراكز التي كانت تُعقد فيها حلقات تعليم ديني.

2 - طبيعة التعليم
تعليم غير مؤسّسي, يتمّ داخل البيوت، الكنائس الصغيرة، أو أماكن تجمّع المؤمنين, يقوده مبشرون، رهبان، شمامسة، كهنة، أساقفة متنقلون.
أمّا محتوى التعليم فكان:
شرح الإنجيل.
تعليم العقيدة الأساسية.
قراءة الصلوات الطقسية.
تلقين اللغة السريانية بشكل وظيفي (لأجل الصلاة والقراءة فقط).
مبادئ الحساب (لمعرفة الأوقات والأزمنة)
الخطّ (بهدف عمليات النّسخ في ما بعد)
اللغة العربية (النّحو والصّرف) الخ..
كانت سمات هذا التّعليم:
شفهية إلى حدٍّ كبير.
غير منهجية.
مرتبطة بالاحتياجات الرعوية المباشرة.
تخدم نشر الإيمان أكثر من أيّ هدف أكاديمي.

حدوده:
لم يستخدم صفوفاً أو مستويات تعليمية.
لم يدرّس الأدب السرياني بشكل واسع.
لم ينتج كتّاباً أو نسّاخين إلّا بشكل فردي.

ثانياً: مدرسة آزخ في القرن الثامن عشر
1- ظهور المدرسة
ظهرت مدرسة آزخ في القرن 18 كمدرسة "ملحقة بالكنيسة".
شكّلت جزءاً من نهضة التعليم السرياني في طور عبدين (مثل مدارس معرا وبيت زعفران).
2- طبيعة المدرسة
عمل بمجهود فردي ضمن دائرة الخوف من الملاحقة
* صف واحد أو أكثر ضمن غرفة واحدة صغيرة, دون مستويات تعليمية, ساعات دراسة محدّدة.
منهج مدروس لتعليم:
اللغة السريانية قراءةً وكتابةً.
قواعد اللغة (النحو والصرف).
اللغة العربية قراءة وكتابة.
اللاهوت والطقوس.
تدريب الشمامسة.
مادّة الحساب.

3- مخرجات المدرسة
تخريج شمامسة وكهنة وكتبة.
نسخ المخطوطات.
الحفاظ على التراث السرياني مكتوباً.
وجود "معلمين" مختصّين بالتدريس.

إذن كانت المدرسة في آزخ, لا تحمل مفهوم المدرسة المعروف والسائد كبناء مستقلّ وكوسائل تعليميّة وإيضاحيّة فهي كانت تقتصر على تعليم اللغة العربية والسريانيّة والصلوات والطقوس وبيت كازو والألحان الخاصّة بالمناسبات الدينيّة والتراتيل إلى جانب الحساب كما رأينا, فمن حيث البناء كانت على هيئة غرفة ملاصقة للكنيسة أو في بيت من بيوت الأهالي أو أيّ حالة أخرى من هذا النّوع, كما لم تكن هناك مقاعد يجلس عليها الطلاب ولا طاولة يسندون إليها دفاترهم أثناء تدوين أية معلومة أو فكرة.
البنية المكانية للمدرسة, اتسم المكان بالبساطة الشديدة فهو كان عبارة غرفة حجرية أو من الطّين صغيرة تابعة للكنيسة, يجلس فيها الطلاب على الأرض أو على حصير والاعتماد على ألواح خشبية للكتابة يكتب عليها الطلاب بقلم من القصب, مع استخدام مخطوطات كنسية قديمة في التعليم ودفاتر ورقية كنسية سميكة, في القرن الثامن عشر لم يكن قلم الرصاص شائعاً في أغلب مناطق العالم الإسلامي والشرق، وكانت أدوات الكتابة تختلف حسب المنطقة ونظام التعليم، لكنّ الطلاب كانوا عادة يكتبون على الألواح الخشبية باستخدام الحبر الخفيف الذي يمكن مسحه أو باستخدام الطبشور، وهو ما كان ينتشر في المدارس القرآنية والكتاتيب ومدارس السريان واليهود والمدارس العثمانية. أما الكتابة الدائمة فكانت تتم بالقلم القصبي أو القلم الريشي مع الحبر المصنوع من السخام والصمغ العربي والماء، إذ كان الورق غالي الثمن ولا يُستخدم إلا للتدوين الجادّ مثل النسخ والملخصات والرسائل والسجلات. وفي أوروبا وحدها بدأ استخدام قلم الرصاص الحديث بالظهور في أواخر القرن الثامن عشر بعد اختراعه عام 1795، لكنّه لم ينتشر مباشرة في مدارس الشرق التي بقيت تعتمد اللوح والقلم القصب والحبر والطبشور طوال ذلك القرن. ومع دخول القرن التاسع عشر، وخاصة في نصفه الثاني، شهدت الدولة العثمانية إصلاحات تعليمية واسعة أدت إلى ظهور المدارس الحديثة وازدياد استيراد الأدوات الأوروبية، ومع هذه التغييرات بدأ قلم الرصاص ينتشر تدريجياً في تركيا، وخصوصاً في المناطق الحضرية والمدارس التي أدخلت مناهج الرسم والهندسة، حتى أصبح مألوفاً ومستخدماً بشكل أوسع مع نهاية القرن التاسع عشر.
كان الكهنة المحلّيون هم العمود الفقريّ الأساسي منهم كهنة خريجو دير مار كبرئيل وشمامسة كبار ذوو معرفة بالسريانية وأشخاص عرفوا باسم (الملفونو) نذكر من هؤلاء:

الملفونو حنا - يُرجَّح أنّه من مطلع القرن 20 إلى الأربعينيات.

الملفونو بولس - ربّما في الفترة بين 1930–1955.

الملفونو حبيب - ممن درّسوا في الستينيات إلى سنة الإغلاق (1985)م.

القسّ يوسف شاهين (1893 – 1947)م: درس منذ صغره اللغتين العربية والسريانيّة, مارس مهنة التّعليم في بلدة (آزخ) وقرية (إسفس) كان خطّاطًا بارعًا في اللغتين السريانيّة والعربيّة, نسخ ثلاثة أناجيل بخط يده باللغة السريانيّة, واحد لكنيسة (آزخ) والثاني لكنيسة مار دودو في قرية (إسفس) والثالث للكنيسة السريانية في مدينة (زاخو) بالعراق كان يخدم الرعية الكاثوليكية في (آزخ). له كتاب عن أحداث 1915 التي وقعت في منطقة بيت زبدى.

جبرائيل قس توما هـندو (1875 – 1967)م يُذكر كـ "قسّ ومعلّم/ معلّم مدرسة" في آزخ وله سرد عن أحداث 1915م.
والده القسّ (توما هندو) أصلهم من الجزيرة, كان شمّاسًا يعقوبيًّا, عُرِض عليه أن يصبح كاهنًا لكنّه لم يرغب بداية الأمر, على الرّغم من محاولات المطران (برصوم) في إقناعه بذلك, وأخيرًا احتال عليه المطران بأن دعاه إلى عنده ليبات ليلته هناك وفي الغد وهو يوم الأحد سيذهب معه لحضور القدّاس, وفعلًا صار كما أراد المطران, وكان المطران طلب من أربعة شمامسة أشدّاء أن يُمسكوا بالشمّاس (توما) بعد انتهاء القدّاس يوم الأحد ويحملوه إلى المذبح, حيث سيقوم برسامته قسًّا وهذا ما صار تمامًا, لكنّه لم يبقَ على المذهب اليعقوبي, فهو أعلن ومع الشماس (حنا القصير) أمام غبطة البطريرك (أنطون سمحيري) اعتناقه الكثلكة.

الشمّاس إيليا: لقب "شمّاس" + اسم محلّي حسب روايات / ذاكرة بعض من أبناء آزخ، ذُكر كأحد أوّل من درّس التلاميذ في المدرسة الشعبية/ الكنسية (قراءة سريانية، تعليم أساسي). مشاركات في منتديات / نقاشات عاما ً (ذكريات محليّة) - في سياق "أهل البلد / كبار السن يتذكّرون معلمي مدرسة آزخ قبل الهجرة"
اتّسم الشماس إيليا - وفق ما يوحي به دوره - بعمق روحي واضح نابع من تكوين كنسي طويل داخل تقليد طور عبدين. فمكانته بوصفه شماسًا قارئًا أو مرنّمًا تعني التزامًا شديدًا بالصلوات اليومية، واتّساع معرفة بالتراث الليتورجي، وقدرة على تعليم الصغار مبادئ الإيمان والتراتيل. كان دوره في التعليم محوريًا، ليس فقط بوصفه معلّمًا للنصوص الكنسية، بل كمسؤول عن تأسيس جيل جديد قادر على القراءة بالسريانية وفهم أساسيات الطقس. كان يمتلك صوتاً قويّاً ومميّزاً يهزّ أرجاء الكنيسة أثناء القداس، وكان حضوره يفرض الهيبة والخشوع, كما كان معروفاً بصرامته الشديدة (وهي سمة معلمي تلك الحقبة). كان يعتبر أنّ الخطأ في طقوس الكنيسة أمر لا يُتهاون فيه، مما جعل طلابه يتقنون اللغة والألحان بشكل ممتاز خوفاً واحتراماً له كان المعلم إيليا ضليعاً في "البيت كازو" (خزانة الألحان السريانية). اشتهرت آزخ بلكنتها وألحانها الخاصة التي تختلف قليلاً عن ألحان دير الزعفران أو الموصل، وكان المعلم إيليا هو الحافظ الأمين لهذا "الطقس الآزخيني".
تعليم الشمامسة: تخرجت على يده أجيال من الشمامسة (الدييكون). كان تدريسه صارماً ودقيقاً, لا يقبل بالخطأ في لفظ اللغة السريانية أو في مقامات الألحان.
المدرسة الكنسية: في الفترة التي ضُيّق فيها على التعليم السرياني، كان هو من يجمع الأطفال والشباب في فناء كنيسة العذراء (مارت مريم) لتعليمهم القراءة، الكتابة، والصلوات.

الشّمّاس / القسّ جبرائيل جمعة, الذي نزح بعد ذلك إلى ديريك وكان الكاهن الرئسيي الوحيد لكنائس ديريك والقرى المحيطة بها, وعلى يديه تعمّدتُ في كنيسة بره بيت (خان يونس) يقول ابنه يوسف القس جبرائيل جمعة في كتابه (آزخ أحداث ورجال) عن والده: " ولد في آزخ عام 1883م, تعلّم القراءة والكتابة في مدرسة قريته، وكان التعليم باللغتين السريانية والعربية. زار القدس عام 1906 سيراً على الأقدام كما كانت تقتضي عادات تلك الأيام ولم يلبث فيها بل عاد إلى آزخ وانكبّ على الدّرس والتحصيل, وفي عام 1911 سافر من آزخ إلى القدس ثانية ، وكانت هذه السفرة طلباً للعلم والثقافة, وفي هذه المدينة المقدسة عاش سنوات كان يعمل صباحاً ويدرس بعد الظهر, وكانت دراسته في دير مار مرقس للسريان وما أكثر الساعات التي كان يقضيها مطالعاً في مكتبة الدير ولكم استفاد من ملازمة رهبان الدير، وكلّهم من المثقفين الأفاضل . فأخذ عنهم العلوم الدينية وشروح الكتاب المقدس وأصول الترجمة الفورية من السريانية إلى العربية أثناء قراءة نصوص الصلوات . كما أخذ أيضاً الألحان الكنسية السريانية، وكلّ ما يتصل من قريب أو بعيد بالكنيسة وبالتراث السرياني" وفي مكان آخر من كتابه يقول:" عاش في آزخ يعلّم الطلاب اللغة السريانية وألحانها الكنسية حتى عام 1926 فقد كان رئيس جوقة الشمامسة (ܪܝܫ ܓܘܕܐ ) ومن أبرز طلابه الذين اتقنوا الألحان الكنسية المعروفة اليوم بألحان آزخ وكورة بازبدي، نذكر: القس يوسف جرجس والد المطران برنابا ، الخوري يوسف داود (بيلان) راعي كنيسة آزخ ومعلم الكثير من الطلاب، الشماس قرياقس يوسف، والشماس سعيد يوسف ( الضرير ) ولا مجال هنا لذكر العشرات غيرهم وفي شهر شباط 1929 رُسِمَ الشماس جبرائيل كاهناً. توفي صباح الأحد الواقع في 22 / 1 / 1962 بمرض تسمم الكلاوي"

المعلم الرئيسي: الشماس يعقوب (رفيق إيليا) وعندما يُقال "المعلم يعقوب" في سياق مدرسة آزخ القديمة (قبل الهجرة الكبيرة)، فالمقصود غالباً هو الشماس يعقوب الذي شكّل "الثنائي" مع الشماس إيليا.
عائلته: تشير بعض المصادر الشفهية إلى أنّه من عائلة أصلان أو يرتبط بلقب "المعلم" كصفة ومهنة.
دوره: هو الذي كان يمسك بزمام تعليم اللغة والألحان "الرّصينة" والهادئة، وكان العمود الفقري للمدرسة مع الشماس إيليا.

الخوري توما بيلان (1901 – 1986) م رسم قسيسا في عام 1945م وهو الشخص الديناميكي, الذي حافظ على تراث بلدة آزخ وأملاكها وكان معلّمًا في مدرسة آزخ تابع خطى والده الخوري توما وهو علّم في المدرسة لغاية إقفالها, تحمّل الكثير من العذاب والمتاعب والضغوطات من قبل الدولة التركية, كي يمتنع عن تعليم السريانية والعربية في مدرسة آزخ, لكنّه استمرّ بالسّرّ في عمله وهو مرتاح الضمير, حدّثني ابنه ملفونو يعقوب توما (أبو رئيف) عن جوانب من تلك المعاناة التي عانى منها والده والاضطهاد لسنوات طويلة حيث يقول:" وأنا عشتها وشاهدتها بعيني كيف كان العسكر يفاجؤنا لمنع والدي من التعليم", كما أفادني بأسماء بعض الذين علّموا في مدرسة آزخ وهو بنفسه تعلّم في تلك المدرسة وكان عمره 5 سنوات, يقول: "كان التعليم يتمّ في غرفة تابعة للكنيسة والغرفة كان لها شُبّاك مطلّ على الاسقاق (الزُّقاق) الجنوبي للكنيسة وحين كانوا يطرقون الباب الخارجي كنّا نهرب من الشبّاك وننزل الى المَغَّلِهْ (ساحة كانت تستريح فيها الأغنام قرب السّقلان) على بعد مئة متر" وقال لي أيضًا:" في عام 1985 زرت والدي (الخوري يوسف بيلان) في آزخ وهو طريح الفراش على تخت وأثناء دخولي عليه شاهدتُ خمسة أطفال وهم جالسون أمامه وهو يعلّمهم" هذا يعني أنّ الخوري يوسف بيلان لم ينقطع عن التعليم لغاية 1985م, ابنه الأب توما الخوري يوسف داؤود ولد في آزخ 1935م وحصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة آزخ الرّسمية توفي في المانيا في 3/3/2023م.

القس صومي (صاموئيل ملكي أسمر) وهو معلّم ومربّي الخوري يوسف توما بيلان وخاله بنفس الوقت (1895 – 1941)م

القس يوسف صاغ وهو الذي أصبح فيما بعد سريان كاثوليك وهو في اسطنبول وخدم في ماردين للعلم هو خال الدكتور ابراهيم وخال بهنان ملكي (كما قال لي ملفونو يعقوب توما).

الأسقف حنا ايليا وهو علمٌ على رأسه نار, لقد كان عالمًا علّامة, يُجيد السريانية والكردية وله فيهما أشعار, كان يردّدها الكرد والسريان ويجيد العربية والتركية والانكليزية
يقول عنه حفيده القس جوزيف ايليا في موقع ديريك ديلان عن جدّه:" إنّه كان مولعًا بالعلم فأرسله والده إلى (دير الزّعفران) لاستكمال تعليمه على رجاء الانخراط في السّلك الرّهبانيّ ولكنّ سيرته تغيّر اتجاهها تمامًا حينما التقى في (ماردين) ببعثةٍ تبشيريّةٍ إنجيليّةٍ أمريكيّةٍ بقيادة المبشّرة (مسز فلنكا) أخذ عنها مبادئ المعتقد الإنجيليّ ثمّ تابع دراسته الّلاهوتيّة بشكلٍ نظاميٍّ وبعد تخرّجه عيّن مرسلًا للخدمة في (هسّانا) و(كربوران) وبعض القرى الأخرى المحيطة بآزخ حيث كان يصلّي فيهم ويعظهم باللغة الكرديّة الّتي كانوا يعرفونها بالإضافة إلى لغتهم الأمّ السّريانيّة الكلدانيّة ولهذا الغرض قام بتأليف وتلحين العديد من التّرانيم والتّسابيح الدّينيّة بهذه الّلغة الّتي كان يتقنها مع العربيّة والتّركيّة والإنكليزيّة ثمّ قام بتأسيس أوّل كنيسةٍ إنجيليّةٍ في المنطقة وبعد خدمةٍ طويلةٍ مثمرةٍ دعاه ربّه ليدخل إلى فرحه فأسلم روحه الطّاهرة بشيخوخةٍ صالحةٍ في عام ١٩٣٦ ودفن في كنيسة السّريان في (آزخ) وما زال جثمانه راقدًا فيها حتّى هذه الّلحظة" وروى لي خالي أنيس أندراوس ايليا (حفيده):" كان جدّي حنا إيليا فتح مدرسة لأولاده وأحفاده في آزخ يعلّمهم فيها اللغة العربية والتعاليم الدينية" ويتابع أنيس ايليا: "أنا دخلت مدرسة الدولة وهي كانت في البيرمة تحت بيت جرديكا (كوركيس لحدو – حَدِّك), وكانت تعلّم التركي فقط (يقصد بذلك المدرسة الحكوميّة الرّسمية التّركيّة) إلى جانب بعض المواد الدرسية لكن باللغة التركية ويذكر اسم المعلم التركي (گمران) ويتابع:"كان على أهل آزخ ممنوعًا أن يتمّ تعليم العربية أو التحدّث بها. وكان التعليم يجري في السرّ دون علم الحكومة" ويقول: "معظم رجال الدين كانوا يعلّمون في مدرسة آزخ" ويقول أيضًا: "كانت تقريبا في كلّ أسرة تعرف القراءة والكتابة غرفة مخصّصة للتعليم والتعلّم". وقال لي: "إنه دخل مدرسة آزخ أوّل سنة وما كمّل بسبب نزوحهم إلى سورية (1938 -1939)م". ويضيف: "إنّه يذكر ذلك اليوم حيث كان في الصيف أوائل موسم العنب وكان يرتدي دشداشة مخططة" كما قال لي: " إنّه حين زار دير مار كبريئيل وعلم المسؤول في الدير أنّه حفيد حنا إيليا طلب أن يُؤتى له بسجل الزّوّار حيث كان حنا إيليا سجّل فيه كلمة بليغة بثلاث لغات سريانية وعربية وانكليزية, قرأها (خالي أنيس)". عندما اعتنق المذهب البروتستانتي خصّص غرفة في داره يقوم فيها بتعليم أبنائه و أحفاده, وكانت الكنيسة تُسمّى بيت الصّلاة عند البروتستانت, وهي في بيت الأسقف حنّا إيليا, وبعد انتقاله إلى الأخدار السماوية تابع ابنه فيليبس (لِبّوس) مهمّة متابعة شأن المدرسة والتعليم فيها حيث انتقلت إلى داره.

الرّبّان عبد النور المعلم "الناسك"
لم يكن الربّان عبد النور معلماً تقليدياً يأتي لإعطاء درس ويغادر، بل كان نذر حياته بالكامل للكنيسة والمدرسة:
- السكن في المدرسة: كان يعيش في غرفة بسيطة جدًّا داخل حرم كنيسة العذراء (مارت مريم) في آزخ. هذا جعل المدرسة بيته، والطلاب أبناءه.
- أسلوب التعليم: عُرف بأسلوبه الذي يمزج بين الصرامة الشديدة والمحبة الأبوية. كان حريصاً جداً على أن يتقن الأطفال اللغة السريانية والطقوس، لأنه كان يدرك أن فقدان اللغة يعني فقدان الهوية في ذلك المحيط الصعب.
- المرجعية اللغوية: كان ضليعاً في اللغة السريانية الفصحى (الكثوبونويو)، وكان المرجع الذي يعود إليه المعلمون الآخرون (مثل الشمامسة) عند الاختلاف في تفسير نص أو لفظ كلمة.
في الفترة التي عاش فيها (خاصة الخمسينات والستينات)، كانت آزخ تواجه ضغوطاً ديموغرافية وسياسية هائلة فكان له دور روحي وقيادي.
ظلّ حارسًا للكنيسة, وكان وجوده بزيّه الرهباني وهيبته يمنح طمأنينة لأهل آزخ. كان هو من يقرع الناقوس، وهو من يقيم الصلوات اليومية (الصباح والمساء) دون انقطاع، مما حافظ على نبض الحياة في الكنيسة والمدرسة. كان قدوةً, يعيش حياة تقشف وزهد (نسك) واضحة، مما جعله مثالاً حياً لطلابه عن التمسك بالإيمان والتواضع.
توفي الربان عبد النور في السبعينات (حوالي عام 1978/1979 على الأغلب)، ودفن في بيث كديشى (بيت القديسين) داخل كنيسة العذراء في آزخ.

يقول المعلّم حنا إيشوع نور الدين (1884- 1980)م في كتابه (رجال آزخ) وهو عبارة عن مذكرات شخصيّة, لكنّه يتناول جوانب كثيرة من حياة آزخ والكثير من شخصيّاتها وأحداثها في الصفحة 22 بعنوان (الحالة الثقافية في آزخ) سأكتب النصّ بحرفيته دون أيّ تصحيح لغوي:"كانت الأمّيّة مخيّمة على كافّة سكّان (آزخ) لم يكن فيها واحد يعرف أن يمسك القلم في يده (أعتقد أنّ هذا القول فيه مبالغة وهو بعيد عن الحقيقة كما يتّضح ممّا شرحناه سابقًا), إلى يوم قدوم المبشّرين البروتستانت, الذين فتحوا المدارس في القرى وأعظمها في ماردين حيث كان فيها مدرسة وميتم. فكانوا يأخذون الأطفال ويربّوهم ويثقّفوهم تثقيفًا حسنًا, وبعد تخرّجهم ينتخبون له إبنة من اليتيمات فيتزوّجها, فتصبح عائلة بروتستانتية, وبهذه الطريقة ربح المبشّرون نفوسًا كثيرةً, وهؤلاء المبشّرون فتحوا مدرسة في آزخ تعلّم فيها شباب (آزخ) الكتابة والقراءة ومن نفس (آزخ) كان يذهب طلّاب إلى (ماردين) كي يدرسوا الإنكليزيّة والعربية والخطّ, ثمّ فتح الرّهبان الدّومينيكان مدرسة في (آزخ) في كنيسة السريان الكاثوليك (سألت ملفونو يعقوب توما عمّا إذا كانت هناك فعلًا في آزخ كنيسة كاثوليكية فأجاب: على حدّ علمي لم تكن هناك أيّة كنيسة كاثوليكية في آزخ, كان الكاثوليك يرغبون ببناء كنيسة (في شرقي بيت القس جرجيس المتكثلك وهو فوق اللّزج في الحارة الفوقانية) وكلّما انتهوا من بناء ثلاث أو أربع ريزات من الحجر, يأتي في المساء رجال من آزخ الغيورين على عقيدتهم الأرثوذكسيّة, ليقوموا بهدم ما تمّ بناؤه, بسبب تمسّكهم الشديد بالعقيدة الأرثوذكسية ويُضيف كانت مدرستهم في غُرف تتبع بيوت بعض المتكثلكين في آزخ),
وأوّل مدرّس فيها كان يوسف الخوري والد (حِنِى) زوجتي, ومن بعد يوسف الخوري جاء المعلّم (يعقوب إبراهيم) من عائلة برصوم, كان قد تخرّج من السيمينير (الحلقة الدراسيّة) وصار مدرّسًا وأنا كنتُ أدرس عنده إلى سنة 1896م أي لحين ذهابي إلى السيمينير (معهد مار يوحنّا الحبيب) في الموصل, ودرست فيها (في مدرسة آزخ) لغاية 1905م وتركت المدرسة".
يقول المعلّم (حنّا نور الدين) في نفس المصدر في ص 27:"عندما أصبح عمري خمس سنوات أرسلتني والدتي إلى المدرسة, وأنا لا أُميّز الخير من الشّرّ, ولا أعرف ما هي المدرسة, أعطاني المدرّس كرّاسة فيها الأحرف العربيّة وصرتُ أتعلّم كلّ يومٍ حرفًا أو حرفين, وكذلك الأحرف السّريانيّة, وعلّموني خدمة القدّاس وعمري ست سنوات, وصرت أحفظها جيّدًا وأخدم مع الطلّاب الأكبر منّي حتّى أتقوّى, ومن بعد ذلك أصبحتُ أخدم وحدي من دون خوف. وبعض الأحيان كنتُ أخدم أربعة كهنة"
وفي الصفحة 28 يقول:"وكنت أذهب إلى المدرسة من دون انقطاع, وأشتاق إلى المدرسة اشتياق العطشان إلى الماء, وكنت دائمًا من الأوّلين, ولو أنّه لم يكن صفوف كما هي اليوم في المدارس, إذ في تلك الفترة كلّ طالب كان يدرس وحده وله كتابه وحده, والجميع يجلسون في غرفة واحدة تابعة للكنيسة, ويُشرف عليه مدرّس واحد, وأتذكّر أنّني أنهيت الكرّاسة الأولى وأخذت كتاب إسمه (اللقمان) وبعده أخذت كتاب (جَني الأثمار) ثم كتاب (كليلة ودمنة) ثم (رسائل مار بولص) وكذلك بالسرياني أخذت (مزامير داؤود النّبي), وكنّا نتعلّم الخطّ العربي والسرياني, أتذكّر جيّدًا أخذتُ القلم باليد اليُسرى لأكتب على الورقة وإذا بضربة كفّ (صفعة) على وجهي من قبل المعلّم (يعقوب) وسحب القلم من اليد اليُسرى ووضعه باليد اليُمنَى, وهذه الضّربة علّمتني الكتابة باليد اليُمنَى, وأيضًا الطّعام, أمّا بقيّة الأعمال فأنا أستعمل اليد اليُسرَى. أصبح عمري اثنتي عشرة سنة, وأنا في مدرسة (آزخ) مع رفاقي الذين قضيتُ معهم أجمل سنوات حياتي المدرسيّة, ولم أنقطع عن المدرسة حتّى لو تساقطت الثّلوج بغزارة بحيث أنّ الثّلج ارتفع لغاية السّطح, ومع هذا فإنّي قمتُ صباحًا وذهبتُ إلى المدرسة وعند وصولي الكنيسة شاهدتُ جميع الكهنة موجودين داخل الكنيسة ولا يوجد خادم يخدمهم أثناء القدّاس, فلمّا شاهدوني فرحوا بقدومي, وبدأ القدّاس الأوّل قس (بهنام) وخدمتُه, ثمّ بدأ القدّاس الثاني القسّ (صليبا) ثمّ الثالث القسّ (حنّا مليحة) ثم الرّابع الخوري (عبد الأحد) ومن بعد هذه القداديس شكرني الكهنة وتمنّوا لي مستقبلًا زاهرًا وحظًّا سعيدًا, وفعلًا نفس تلك السنة نلت هذا الحظّ السّعيد والمبارك الذي طلبه لي الكهنة الأربعة إذ أنّني من بين جميع تلامذة مدرسة (آزخ) إنتُخِبتُ للذهاب إلى الموصل والدخول في سيمينير (مار يوحنّا الحبيب) وهذا ذهابي إلى السيمينير صار سببًا لسعادتي وسعادة أولادي. فأشكر الله ثمّ فضل مَن صار السّبب لهذه النّعمة, نعم إنّ الفضل الأوّل هو الله والفضل الثاني هو المرحوم المعلّم (يعقوب إبراهيم بازو) فالمعلّم (يعقوب) فضّلني على جميع تلاميذ المدرسة أكبر منّي سِنًّا وأحسن منّي عِلمًا, فقدّمني إلى الأب (الباتري) الذي كان موجودًا في (آزخ)" ويتابع في ص 29 ليذكر أسماء بعض الكهنة في (آزخ) في تلك الفترة:" أذكر كان عمري تسع سنوات واجتمعت مع الكهنة (القس بهنام قريو) والقس (صليبا نور الدين) والخوري (عبد الأحد حبيب) والقسّ (حنّا مليحة برصوم) والقس (توما هندو) يحضر وهو ضرير, وكان عمري تسع سنوات كنت أردّد عبارات (مار كيرلس) عن اللاهوت أمام المرحوم المعلّم (جبرائيل (جبرو) إبن القس توما هندو ووالد الدكتور (توما هندو) وأمام المرحوم (ملكون) الإبن الثاني للمرحوم القس (توما هندو).
يقول المعلّم (حنا) في نفس المصدر ص 34 :" كم كان فرحي في السنين الأولى عظيمًأ (في سيمينار الموصل) إذ كانت السّنة تمرّ وأنا لا أشعر بمرورها, متى تبتدئ ومتى تنتهي, فقط أعرف أنّي كنت لأقضي وقتي بسرور, عند وجودي في الفُرَص مع رفاقي, كنت دائمًا أنشد أناشيد وألحان سريانيّة حسب ما تعلّمتها في (آزخ) وألفظ لفظ أهل (آزخ) وجميع الطلاب كانوا يضحكون على لفظي لأنّي كنت ألفظ حرف (الثاء) (سينًا) وحرف (الضاد) (زايًا) ولم أكن أعلم سبب ضحكهم"

الخوري عبد الأحد شمّاس كوركيس (1847 – 1937)م هو الآخر علّم في مدرسة (آزخ)

المعلّم عزّو الأعمى وكان يقوم بتعليم النّسوة والبنات صلوات وتراتيل الكنيسة وكان متميزًا في حفظ صلوات البيث كاز بشكل كامل وكان يتقن الالحان الكنسية، وخدم بيعة ازخ الى يوم مغادرته، وتوفّي في سويسرا
رحمة الله على روحه الطاهرة

ولا ننسى المعلّمات النّسوة فكان حضورهنّ أيضًا فاعلًا نذكر منهنّ مريم والدة الخوري يوسف بيلان (داهودة) وأخت القس صاموئيل وغيرها من النساء فمريم ( دادة ) كانت تعلّم النسوة مع الصباية (البنات) الصلوات مع الترنيم الكنسي، وكان لها صوت رائع فهي التي ربّتنا وعلّمتني أجمل التراتيل وبالعلامة كانت تَعْلَم وتحفظ عن ظهر قلب جميع الصلوات .كما يقول ملفونو يعقوب توما.

أُنشئت بعد ذلك المدرسة الحكوميّة التركيّة في (آزخ) يتمّ تعليم اللغة التركية فقط دون السريانية والعربيّة ثم زادت المدارس الحكومية بسبب الزيادة السكّانية في (آزخ) فصارت فيها مدارس إعدادية وثانوية الخ..

.شكّل صدور قانون توحيد التعليم في 3 آذار/مارس 1924 نقطة التحوّل الأساسية في سياسة الدولة التركية تجاه اللغة والتعليم في فترة ما بعد تأسيس الجمهورية. فقد ألغى هذا القانونُ جميعَ أشكال التعليم الديني والطائفي والمدارس الأجنبية أو الأهلية التي كانت تقدّم تعليمًا بلغات متعدّدة، ودمجها ضمن جهاز تعليمي مركزي واحد تابع لوزارة المعارف. وقد ترتّب على ذلك أن أصبحت اللغة التركية اللغةَ الوحيدة الرسمية للتعليم في المدارس الحكومية، وأنّه جرى تقييد أو إلغاء التعليم بلغات أخرى، بما ينسجم مع مشروع بناء الدولة القومية المركزية.

ابتداءً من منتصف العشرينيات، اتّخذت الدولة خطوات أكثر صراحة لتوظيف اللغة أداةً لإعادة تشكيل الهوية الوطنية. فإلى جانب إصلاحات اللغة التي شملت التحوّل إلى الحرف اللاتيني عام 1928 وإنشاء جمعية اللغة التركية عام 1932، اتّخذت الحكومة إجراءات صارمة للحدّ من حضور اللغات غير التركية في المجال العام، بما في ذلك المؤسسة التعليمية. ومن هنا بدأ تطبيق واسع النطاق لسياسة "اللغة الواحدة" عبر إلزام المدارس بالتدريس بالتركية حصراً، ومنع استخدام العربية والكردية في التدريس النظامي سواء في المراحل الابتدائية أو الثانوية.

بالنسبة للغة الكردية، فقد تعرّضت لسياسة تضييق ممنهجة منذ أواخر عشرينيات القرن العشرين. جاءت هذه السياسة في إطار ما عُرف ب(تقارير إعادة التنظيم الشرقي) الصادر عام 1925 عقب ثورة الشيخ سعيد, وقد نصّت الوثائق المرتبطة بالخطة على حظر استخدام الكردية في المؤسسات الرسمية، بما في ذلك المؤسسات التعليمية، وعلى ضرورة تعزيز التعليم التركي في المناطق الكردية. واستمرّ حظر التعليم بالكردية طوال العقود التالية، ولم يُسمح بتدريسها - ولو بشكل جزئي أو اختياري - إلا ابتداءً من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

أمّا اللغة العربية، التي كانت لغة العلوم الشرعية والمدارس الدينية في العهد العثماني، فقد تراجع حضورها تدريجيًا مع تطبيق قانون توحيد التعليم الذي ألغى المدارس الشرعية التقليدية ومعاهدها، ثم اكتمل منعها باعتبارها لغة تعليم عام في المدارس. وبحلول الثلاثينيات، كانت العربية ممنوعة من الاستخدام كلغة تدريس في التعليم النظامي، واقتصر وجودها على مقرّرات محدودة في معاهد الأئمة والخطباء بعد إعادة افتتاحها تدريجيًا في الخمسينيات، أي باعتبارها لغة دينية لا تعليمية عامة.

تاريخ اللغة السريانية في تركيا يختلف بدرجة ما عن تاريخ العربية والكردية، لكنّه خضع للمنطق نفسه للدولة القومية: لغة رسمية واحدة، مع تضييق على اللغات غير التركية، مع استثناءات ضيقة مرتبطة بمعاهدة لوزان.
لم ترد السريانية في معاهدة لوزان (1923) بوصفها «لغة أقلية محمية» فالمعاهدة اعترفت فقط بثلاث فئات: الأرمن، واليونان، واليهود, ونتيجة لذلك لم تُمنح الجماعات السريانية (السريان الأرثوذكس، السريان الكاثوليك، الكلدان، الآشوريون) الحقوق المؤسسية نفسها التي حصلت عليها الأقليات المعترف بها. وهذا ترك السريان خارج إطار الحماية القانونية للتعليم بلغتهم.

1 - مرحلة الجمهورية المبكرة (1924–1950)

مع صدور قانون توحيد التعليم 1924، أُغلقت جميع المدارس الدينية والطائفية بما فيها المدارس السريانية التي كانت تدرّس بالسريانية أو بالعربية. لم يُسمح بعد ذلك بإنشاء مدارس جديدة تدرّس بالسريانية، ولم تُدرج السريانية في التعليم الرسمي، ولم تُمنح وضعًا لغويًا خاصًا كاللغات "المعترف بها" في لوزان.

بذلك، وعمليًا، منذ 1924 أصبح التعليم بالسريانية ممنوعًا في النظام التعليمي الرسمي، باستثناء حصص كنسية غير رسمية داخل الأديرة أو الكنائس، وهي لم تُعترف بها كمدارس.

2-1950–1990: استمرار الحظر خارج الأطر الدّينية

طوال هذه العقود، لم يُسمح بإقامة مدارس سريانية رسمية. اقتصرت السريانية على:
- التعليم الكنسي داخل الأديرة (غير معترف به كتعليم نظامي).
- نشاطات لغوية محدودة داخل المجتمع السرياني دون صفة "مدرسية".
لم يكن ممكنًا إنشاء مدرسة تدرّس موادًا منتظمة بالسريانية، ولا إدراج السريانية بوصفها "لغة اختيارية" في التعليم العام.

3 - التسعينيات2011: تضييق مستمرّ لكن مع بعض الانفتاح الاجتماعي
ظلّ الوضع القانوني للسريانية جامدًا، ولم يحدث أي اعتراف رسمي بها. شهدت الفترة بعض محاولات المجتمع السرياني للحفاظ على اللغة في داخل الكنائس والمراكز الثقافية، دون صفة تعليمية رسمية.

4 - بعد 2011: تحوّل جديد - فتح أول مدرسة سريانية رسمية

في إطار انفتاح أوسع على الأقليات، سمحت الدولة عام 2013 بافتتاح مدرسة (روضة مار أفرام السرياني) في إسطنبول، وهي أوّل مدرسة سريانية مُرخّصة رسميًا منذ تأسيس الجمهورية.
تُدرّس هذه المدرسة أجزاءً من المنهاج بالسريانية (ضمن حصص لغوية وثقافية)، إلى جانب المناهج التركية الإلزامية.
لاحقًا، ظهرت مبادرات أخرى، لكنّها بقيت محدودة للغاية، والاعتراف بالسريانية بقي "اعترافًا تعليمياً خاصًا" وليس " اعترافًا دستورياً كلغة أقلية".
يمكن القول إنّ سياسة منع التعليم بغير التركية - سواء العربية أو الكردية أو الأرمنية أو السريانيّة أو غيرها - كانت جزءًا بنيويًا من مشروع الدولة القومية الذي سعى إلى بناء "هوية لغوية وطنية موحّدة". ورغم السماح المحدود للغات الأقليات غير المسلمة بموجب معاهدة لوزان، ظلّ تعليم تلك اللغات محصورًا في مؤسسات مجتمعية داخلية، خاضعة لشروط صارمة وإشراف حكومي مباشر، وفي نطاق جغرافي محدود للغاية

1- التحولات في الحياة الثقافية
* انحسار الوجود السرياني: كانت آزخ من المعاقل التاريخية للثقافة السريانية الأرثوذكسية. إلّا أنّ الضغوط المستمرة، التي بدأت مع مذابح سيفو واستمرت مع سياسات الجمهورية القومية والنزاعات المسلحة، أدّت إلى هجرة الأغلبية العظمى من سكان آزخ الأصليين (الآزخيين) إلى المدن التركية الكبرى وإلى الخارج (خاصة سوريا وأوروبا). هذه الهجرة أدت إلى انحسار دور آزخ كمركز ثقافي سرياني حيوي.
* التراث المسيحي: رغم الهجرة، ما زالت المنطقة تحتضن كنائس وأديرة تاريخية، مثل كنيسة العذراء في إيدل (يُعتقد أنّ بانيها أو الآمر ببنائها كان أسقف (آزخ) المعروف باسم (بَطْرَا) في 340 م وفي نفس الفترة أمر ببناء كنيسة بره بيت و كنيسة العذراء في ديريك القديمة) التي تُعدّ شواهد على عمق هذا التراث.
* الثقافة المحلية السائدة: أصبحت الثقافة الكردية هي الغالبة في المنطقة، متشاركة مع عادات وتقاليد جنوب شرق الأناضول، والتي تتميز بـالترابط الأسري القوي، وعادات الضيافة المتأصلة، وازدهار الموسيقى الشعبية وجلسات السمر التقليدية.
* تأثير السياسات المركزية: أدت السياسات الهادفة إلى تعزيز الهوية القومية التركية إلى تهميش الهويات واللغات غير التركية، مما أحدث صراعاً بين التوجهات العلمانية للدولة والثقافة التقليدية/الدينية العميقة في المنطقة.
2- المدرسة والتعليم
كان للتعليم في آزخ دور محوري في الصراع بين الحفاظ على الهوية السريانية ومتطلبات الدولة الحديثة:
* تصفية المدارس السريانية: كانت الأديرة والكنائس السريانية في طور عابدين تدير مدارس خاصة بها لتعليم اللغة السريانية (الآرامية) والتراث الكنسي. إلا أنّ تأسيس الجمهورية صاحَبَه فرضُ نظامٍ تعليمي مركزي، وقيود مشددة، وسياسات اقتصادية (كالضرائب الباهظة) استهدفت الأقليات، مما أدّى إلى إغلاق ومصادرة هذه المدارس التاريخية.
* التوحيد اللغوي القسري: تمّ فرض التعليم الإلزامي باللغة التركية فقط في جميع المدارس الحكومية، وحُظرت رسمياً اللغات الأم الأخرى (كالسريانية والكردية) في العملية التعليمية. هذا القرار عزل الأجيال الجديدة عن تراثها اللغوي والثقافي الأصيل.
* النظام التعليمي المركزي: تمّ تطبيق نظام تعليمي موحّد في آزخ، كغيرها من المناطق، حيث لم تسمح الدولة رسمياً بفتح مدارس خاصة بالأقليات العرقية غير المعترف بها في معاهدة لوزان. كما تضمّن المنهج مادة التعليم الديني السُنّي الإجباري لسنوات طويلة، مما شكّل تحدياً للأقلية المسيحية السريانية وللمسلمين من غير السنة.
بناءً عليه، يمكن القول إنّ الحياة الثقافية في آزخ تحوّلت من مركز سرياني مزدهر إلى منطقة ذات أغلبية كردية تحمل تراثاً سريانياً عريقاً، في ظلّ نظام تعليمي مركزي سَعى إلى توحيد الهوية وإلغاء التمايز الثقافي واللغوي للأقليات.

استمرّت هيمنة اللغة التركية بوصفها اللغة الوحيدة للتعليم العامّ حتى زمن قريب، ولم يشهد النظام التعليمي التركي انفراجًا تجاه اللغات الأخرى إلّا منذ عام 2002 فصاعدًا، مع السماح تدريجيًا بفتح دورات خاصة لتعليم الكردية، ثم إدراج الكردية والعربية كلغات اختيارية في بعض المدارس الحكومية بعد 2012. ومع ذلك، ما يزال التعليم الرسمي الإلزامي بالتركية قاعدةً دستورية وهيكلية في النظام التعليمي.
بحلول 1985 لم يعد هناك عدد كافٍ من الطلاب، فأُغلقت المدرسة تلقائياً رغم عدم صدور قرار رسمي بإغلاقها. بسبب الهجرة, بعد الإغلاق تشتّت الملافنة والطلاب في المهجر، ليبدأ فصل جديد من التعليم السرياني في أوروبا.
مدرسة آزخ ليست مجرد "مدرسة"، بل ذاكرة جماعية ومؤسسة ثقافية قامت بدور تربوي ولغوي وديني لا يمكن تعويضه. رغم غياب الوثائق الرسمية، إلّا أنّ شهادات أهل البلدة وما تبقّى من كتبها وطلابها تشكّل اليوم مصادر ثمينة لإعادة كتابة تاريخها.
اليوم، تتمثّل قيمة مدرسة آزخ في:
كونها من أقدم مؤسسات التعليم التقليدي في كلّ منطقة طور عبدين.
حفظها لغة وطقوساً بقيت حيّة رغم كلّ المحن.
كونها شاهداً على تاريخ ثقافي طويل امتدّ لأكثر من 150 عاماً.
استمرار خرّيجيها في خدمة الكنائس في تركيا والمهجر.
(الصور المنشورة هنا مُلتقطة من كاميرتي لمدرسة آزخ (الغرفة) أثناء زيارتي لآزخ من داخل المدرسة, حيث خزانات رفوفها ملأى بالكتب المتناثرة والمكوّمة فوق بعضها البعض بشكل غير منظّم وقد تراكم فوقها غبار السنين بسبب الإهمال).
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:00 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke