![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تَآكُلُ الذَّاكِرَةِ فِي المِخْيَالِ الأَدَبِيِّ العَرَبِيِّ الحَدِيثِ
بِقَلَمِ: الشّاعر فُؤَاد زَادِيكِي تُعَدُّ الذَّاكِرَةُ فِي الأَدَبِ العَرَبِيِّ الحَدِيثِ مِحْوَرَ الهُوِيَّةِ وَجِهَةَ الِانْتِمَاءِ، لِذَا جَاءَ تَصْوِيرُ "تَآكُلِهَا" أَوْ مَا يُعْرَفُ طِبِّيّاً بِـ "الزَّهَايْمَر" بِمَثَابَةِ فاجِعَةٍ وُجُودِيَّةٍ كُبْرَى. لَمْ يَتَعَامَلِ الشُّعَرَاءُ وَالرِّوَائِيُّونَ العَرَبُ مَعَ هَذَا المَرَضِ كَعِلَّةٍ جَسَدِيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ رَسَمُوهُ كَغُرْبَةٍ قَسْرِيَّةٍ دَاخِلَ الـمَكَانِ وَالزَّمَانِ. إِنَّ النَّصَّ الأَدَبِيَّ، الَّذِي يَتَنَاوَلُ الزَّهَايْمَرَ يَنْقَسِمُ غَالِبًا إِلَى مِحْوَرَيْنِ: الأَوَّلُ: هُوَ مِحْوَرُ "الذَّاتِ الـمُتَآكِلَةِ"، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ المَرِيضُ إِلَى كَائِنٍ يَعِيشُ فِي "حَاضِرٍ مُسْتَمِرٍّ" بِلَا مَاضٍ، فَيُصْبِحُ الوَجْهُ فِي المِرْآةِ غَرِيباً، وَتَفْقِدُ الأَسْمَاءُ دَلَالَاتِهَا. هُنَا، يُصَوِّرُ الأَدَبُ الحَدِيثُ الذَّاكِرَةَ كَقَلْعَةٍ تَتَسَاقَطُ حِجَارَتُهَا وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ، حَتَّى يَبْقَى الجَسَدُ بِلَا تَارِيخٍ. الثَّانِي: هُوَ مِحْوَرُ "الفَقْدِ الـمُتَبَادَلِ" بَيْنَ الـمَرِيضِ وَمُحِيطِهِ. فالأَهْلُ وَالأَصْدِقَاءُ يُعَانُونَ مِنْ نَوْعٍ مِنَ "الثُّكْلِ" وَالـمُصَابُ بَيْنَهُمْ حَيٌّ يُرْزَقُ. وَقَدْ بَرَعَ الأَدَبُ فِي وَصْفِ تِلْكَ اللَّحْظَةِ القَاسِيَةِ حِينَ يَنْظُرُ الوالِدُ إِلَى ابْنِهِ نَظْرَةَ التَّائِهٍ، فَيَتَحَوَّلُ السَّنَدُ إِلَى عِبْءٍ عَاطِفِيٍّ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ أَيُّوبِيٍّ. تَسْتَخْدِمُ الصُّورَةُ البَيَانِيَّةُ فِي هَذَا الـمَقَامِ اسْتِعَارَاتِ "الضَّبَابِ"، "الـمَحْوِ"، وَ"الثُّقُوبِ". فَالذَّاكِرَةُ لَمْ تَعُدْ سِجِلّاً مَحْفُوظاً، بَلْ ثَوْبٌ يَتَهَرَّأُ، وَكُلُّ خَيْطٍ يَنْسَلُّ مِنْهُ يُمَثِّلُ رَحِيلًا لِشَخْصِيَّةٍ أَوْ مَوْقِفٍ. إِنَّ تَنَاوُلَ الأَدَبِ لِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ بَحْثٌ عَنِ القِيمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، الَّتِي تَبْقَى حِينَ تَغِيبُ الـمَعْلُومَةُ، وَهِيَ "العَاطِفَةُ"؛ فَالـمَرِيضُ قَدْ يَنْسَى "الاسْمَ" لَكِنَّهُ قَدْ يَتَجَاوَبُ مَعَ "اللَّمْسَةِ" الحَانِيَةِ، وَهَذَا مَا يُرَكِّزُ عَلَيْهِ الإِبْدَاعُ الأَدَبِيُّ الإِنْسَانِيُّ. لَدَينَا شَوَاهِدٌ مِنَ الأَدَبِ وَالرِّوَايَةِ * نَجِيب مَحْفُوظ (قُشْتُمُر): حَيْثُ جَعَلَ النِّسْيَانَ غِرْبَالاً لِلْعُمْرِ. * لُطْفِيَّة الدِّلَيْمِي (سَيِّدَاتُ زُحَل): حَيْثُ يَتَمَاهَى ضَيَاعُ التَّارِيخِ الشَّخْصِيِّ مَعَ ضَيَاعِ الأَوْطَانِ. فالزَّهَايْمَرُ فِي أَدَبِ السِّيرَةِ هو (تَجَارِبٌ حَقِيقِيَّةٌ) صَوَّرَها أَدَبَاءُ مِثْلُ الطَّاهِر بِن جَلُّون وَ غَازِي القُصَيْبِي. إنَّ الزَّهَايْمَرَ هُوَ رِحْلَةٌ عَكْسِيَّةٌ نَحْوَ الطُّفُولَةِ، حَيْثُ تَفْقِدُ الكَلِمَاتُ مَعَانِيهَا وَتَبْقَى الرُّوحُ تَبْحَثُ عَنْ أَمَانِهَا الأَوَّلِ. أمَّا الوَصَايَا الإِنْسَانِيَّةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الـمُصَابِ مِنْ خِلَالِ تَحْلِيلِ النُّصُوصِ الأَدَبِيَّةِ، الَّتِي رَصَدَتْ هَذَا الـمَرَضَ، يُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُ مَجْمُوعَةٍ مِنَ التَّوَجُّهَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي يُؤَكِّدُ عَلَيْهَا الأَدَبُ لِلْمُحِيطِينَ بـِالـمَرِيضِ: ١. لُغَةُ القَلْبِ بَدِيلَةً عَنْ لُغَةِ العَقْلِ: حِينَ يَعْجَزُ الـمَرِيضُ عَنِ التَّذَكُّرِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْجَزُ عَنِ "الشُّعُورِ". يُوصِي الأَدَبُ بِالتَّرْكِيزِ عَلَى نَبْرَةِ الصَّوْتِ الهَادِئَةِ وَاللَّمْسَةِ الحَانِيَةِ، فَالرَّسَائِلُ العَاطِفِيَّةُ تَصِلُ حَتَّى حِينَ تَتَعَطَّلُ مَسَارَاتُ الـمَنْطِقِ. ٢. الصَّبْرُ كَفِعْلٍ إِبْدَاعِيٍّ: لَيْسَ الصَّبْرُ مُجَرَّدَ تَحَمُّلٍ، بَلْ هُوَ "إِعَادَةُ تَعَرُّفٍ" يَوْمِيَّةٍ عَلَى الـمَرِيضِ. يُعَلِّمُنَا الأَدَبُ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مَعَ مَرِيضِ الزَّهَايْمَرِ هُوَ صَفْحَةٌ جَدِيدَةٌ بَيْضَاءُ، يَنْبَغِي مِلْؤُهَا بِالـمَوَدَّةِ دُونَ انْتِظَارِ مُقَابِلٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ. ٣. احْتِرَامُ "التَّارِيخِ الغَائِبِ": يُؤَكِّدُ الكُتَّابُ عَلَى ضَرُورَةِ التَّعَامُلِ مَعَ الـمَرِيضِ بـِالإِجْلَالِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ تَارِيخُهُ، لَا بِالارْتِبَاكِ الَّذِي يُسَبِّبُهُ حَاضِرُهُ. فَالإِنْسَانُ لَيْسَ بِمَا نَسِيَهُ، بَلْ بِمَا أَنْجَزَهُ قَبْلَ الغِيَابِ. ٤. مُشَارَكَةُ العِبْءِ النَّفْسِيِّ: يُبَيِّنُ الأَدَبُ أَنَّ مَنْ يَقُومُ عَلَى رِعَايَةِ الـمَرِيضِ يَحْتَاجُ نَفْسُهُ إِلَى رِعَايَةٍ، فَالاحْتِرَاقُ النَّفْسِيُّ لِلْمُحِيطِينَ هُوَ جُزْءٌ مِنَ المَأْسَاةِ، وَالتَّضَامُنُ الِاجْتِمَاعِيُّ هُوَ التِّرْيَاقُ. إِنَّ تَنَاوُلَ الأَدَبِ لِهَذَا المَوْضُوعِ، كَمَا رَصَدَتُهُ هنا، يُؤَكِّدُ أَنَّ الأَدِيبَ لَيْسَ طَبِيباً يُشَخِّصُ الخَلَلَ الكِيمِيَائِيَّ فِي الدِّمَاغِ، بَلْ هُوَ شَاهِدٌ عَلَى "انْكِسَارِ الرُّوحِ" أَمَامَ سُلْطَةِ الزَّمَنِ، وَمُوَثِّقٌ لِلْمُعَانَاةِ الصَّامِتَةِ، الَّتِي تَعِيشُهَا الأُسَرُ بَيْنَ حُبٍّ بَاقٍ وَذَاكِرَةٍ تَمْضِي. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|