![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
ملحمة آزخ البطولية
أيام السّيفو ١٩١٥م بقلم: فؤاد زاديكي سنقوم بعرض مفصّل على حلقات، لتلك الملحمة البطولية لشعب آزخ، رجالًا ونساءً ليقف أبناء شعب آزخ وأحفاده - وهم فخورون - على حقيقة ما جرى والذي يمكن وصفه بالأسطوريّ. (١) في خريف عام 1915، كانت سماء آزخ مُثقلة بالغبار والغضب، والهواء يعجّ برائحة الحرب والتهديد، عندما وصل خبر اقتراب قوات عمر ناجي بك، قائد الفوج التركي، إلى أهل البلدة. لم يكن الخبر مجرّد تحذير عابر، بل كان إعلانًا عن اختبار عسير، لمواجهة محتومة بين إرادة حياة وإرادة قهر، بين شعب صغير مُصرّ على البقاء وجيش يزهو بقوته ويظنّ أنّ الأرض له وحده. كان عمر ناجي بك، صاحب الجنون العسكري، قد أُغري بالمال والأكاذيب من بعض الأكراد، في جزيرة ابن عمر، الذين أوهموه بأنّ آزخ تُساند الفدائيين الأرمن، وأنّها تعصي أوامر الدولة التركية. فأراد أن يذهب بنفسه إلى البلدة، قاصدًا إذلالها وتدميرها - تدعمه بذلك قوّات من بعض العشائر الكردية، التي كانت لها ثارات مع بلدة آزخ، وسعت لمرّات كثيرة للنيل من عزيمة آزخ وكسر هيبتها، فكان الفشلُ حليفها في كلّ مرّة حاولت ذلك - ظانًّا أنّ النّصر أمامه يَسيرٌ. لم يكنْ يعلم بأنّ سكان آزخ، رجالًا ونساءً، كانوا مستعدّين ليتحوّلوا إلى صخرة صمّاء في وجهه، صخرة لا تلين. حين بدأ القصف المدفعيّ على البلدة، لم تتراجعْ عزيمة الآزخيين، بل ازدادت صلابةً. قلوبهم كانت ممتلئةً بإيمانٍ راسخٍ بأنّ الدّفاع عن الحقّ لا يُقهر، وأنّ الله ينصر من يقاتل في سبيل برّه وكرامته. لم يكنِ العدد كبيرًا، ولا العُدّة متوفّرة، ولا الخبرة العسكرية فاعلةً، لكنّ ما كان لديهم من إيمانٍ ووحدةٍ وحبٍّ للوطن كان أكبرَ من أيّ سلاح. تمّت مُحاصرة البلدة من كلّ الجهات، وتقدّم الجنود الأتراك مستندين إلى المدفعية الثقيلة والبنادق، بينما حفروا خنادقهم متأمّلين أن يكسروا إرادة سكان آزخ. لكن السّكان، الذين جمعوا دماء كلّ الطوائف في البلدة: الإسفسي، الآزخي، الكربوراني، الأرمني، العميريني، الكلداني، الكفشنّي، القلّثي، الجبلي، البابقّي، المدوّي والجزراوي وحدّوا كلمتهم وعزيمتهم، لم يستسلموا. كان سور آزخ، الذي شُيّد بسرعة مذهلة بعد إدراك الخطر الداهم، معجزةً دفاعية قائمةً بذاتها. من أعلى أسطح المنازل، كان المقاتلون يتربّصون بالأعداء، ومن خنادقهم، يصدّون أيّ محاولة للتقدّم. النّساء كذلك شاركن في المقاومة، حاملات الحجارة وموادّ البناء، وجالسات إلى جانب الرجال في حراسة الأبواب، يُمدِدنَهم بالعون والدّعم اللوجستي، حتى أصبح كلُّ قلبٍ في البلدة نابضًا بروح واحدة: روح آزخ المقاوم. كان من أبرز الأبطال الذين قاوموا في الصفوف الأمامية: الأسقف حنّا إيليا البروتستانتي، وملكِي گورگيس، اللذان قادا الوفد المدني - مع يوسف الخوري وآخرين - الذي حاول التفاوض مع عمر ناجي بك، مع المطران بهنام عقراوي وآخرين، ساهموا في كشف حقيقة البلدة كملاذ آمن للفدائيين الأرمن المزيف. إلى جانبهم، وقف من بابقّا صَلو كِته (صليبا)، ومن قلّث يعقوب گَبرِه وكذلك الأبطال اندراوس إيليا وإيشوع حنّا گبره زعيم البلدة المنتخَب وغيرهم من رجال الدير الذين صمدوا في الدفاع عن البلدة من جهة الشمال، حيث توقّع أهل آزخ أن يكون الهجوم الأعنف كان المسؤول عنها البطل يعقوب حنّا گبرِهْ. بعد ثلاثة أيّام من المفاوضات الكاذبة، رفض ناجي باشا مقابلة وفد البلدة، ابتدأ الهجوم البري الأخير، ولكنّهم وجدوا سكان آزخ، مدجّجين بالعزيمة والدّهاء، قد أعدّوا كلّ شيء بدقّة. الطابيات، الخنادق، فتحات السّور، كلّها كانت مُعدّة لتلقين العدو درسًا لن يُنسى. القصف المدفعي الذي دام ساعات، دمّر بعض الأبراج وفتح أبواب السّور، لكنّه لم يهزم إرادة الناس. وفي كلّ شارع، كلّ حارة، كان صوت البطولة والرفض يتردّد، معلنًا أنّ آزخ لن تُهزم، وأنّ دماء الأجداد وعرق الرجال والنُساء لم تذهب سُدًى. هكذا، خرجت آزخ من تلك المحنة شامخة، مرفوعة الرأس، تروي للعالم قصة وحدة شعب وتضامن أهل بلدة صغيرة ضد أعظم جيوش زمانها. ملحمة حقيقية، ليست من نسج الخيال، بل من صُنع الرجال والنساء الذين رفضوا الاستسلام، وأثبتوا أنّ الحقَّ إذا اجتمع خلفه العزم والإيمان، فهو ينتصر مهما علا صوت الباطل يتبع... |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|