![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
من كتابي (هوامش) سيرة ذاتية ودراسة سيكولوجية
من شبابنا ٢ فؤاد زاديكي فِي مُقْتَبَلِ مَرْحَلَةِ الشَّبَابِ، تَفَتَّحَتْ فِي نَفْسِي هِوَايَةٌ جَمِيلَةٌ، لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ تَسْلِيَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ غَدَتْ رِفِيقَةَ دَرْبٍ وَمَيْدَانًا لِلتَّحَدِّي وَإِثْبَاتِ الذَّاتِ، إِنَّهَا لُعْبَةُ الشِّطْرَنْجِ. وَكَانَتْ أَوَّلُ بَادِرَةٍ لِهٰذِهِ الْعَلَاقَةِ الْوَطِيدَةِ هَدِيَّةً عَزِيزَةً تَلَقَّيْتُهَا مِنْ أَحَدِ الْأَصْدِقَاءِ: رُقْعَةُ شِطْرَنْجٍ إِلَى جَانِبِ لُعْبَةِ الدُّومِينُو، وَقَدْ أَوْصَى لِي بِهِمَا صَدِيقٌ لَهُ قَادِمٌ مِنْ رُوسْيَا، فَكَانَ لِتِلْكَ الْهَدِيَّةِ وَقْعٌ خَاصٌّ فِي نَفْسِي، إِذْ شَكَّلَتْ أُولَى مُمْتَلَكَاتِي فِي عَالَمِ الشِّطْرَنْجِ. وَمُنْذُ ذٰلِكَ الْحِينِ، أَصْبَحْتُ أَنَا مَنْ أَدْخَلَ هٰذِهِ اللُّعْبَةَ إِلَى بَيْتِنَا، فَتَحَوَّلَتْ أَوْقَاتُنَا الْعَائِلِيَّةُ إِلَى مَجَالِسَ حَافِلَةٍ بِالْمُنَافَسَةِ وَالْحَمَاسِ. كُنَّا نَجْتَمِعُ، نَحْنُ الْإِخْوَةَ، حَوْلَ الرُّقْعَةِ، نَتَبَارَى فِي نَقْلِ الْقِطَعِ وَنُخْفِي فِي صُدُورِنَا رَغْبَةً مُتَّقِدَةً فِي الْفَوْزِ. وَلَمْ تَكُنْ مُبَارَيَاتُنَا تَقْتَصِرُ عَلَيْنَا فَقَطْ، بَلْ كَانَ يَفِدُ إِلَيْنَا أَصْدِقَاءٌ لِيُشَارِكُونَا تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الْمُمْتِعَةَ، فَنَخُوضُ مَعًا مُبَارَيَاتٍ تَمْتَزِجُ فِيهَا الْمُتْعَةُ بِرُوحِ التَّنَافُسِ. وَسُرْعَانَ مَا بَرَزَ أَخِي جُوزِيفُ فِي هٰذِهِ اللُّعْبَةِ، فَتَمَرَّسَ فِيهَا وَأَظْهَرَ مَهَارَةً لَافِتَةً، حَتَّى تَصَدَّرَ بَيْنَ إِخْوَتِي فِي بَرَاعَةِ اللَّعِبِ، وَكَانَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ يَتَغَلَّبُ عَلَيَّ، مِمَّا كَانَ يَزِيدُ مِنْ حَمَاسِي لِلتَّطَوُّرِ وَمُجَارَاتِهِ. وَلَمْ يَكُنْ جُوزِيفُ وَحْدَهُ مَنْ أَجَادَ الشِّطْرَنْجَ، بَلْ شَارَكَهُ فِي ذٰلِكَ إِخْوَتِي الْآخَرُونَ: ألْيَاسُ، وَفَهْمِي، وَأَدِيبُ، فَكَانَتِ الْمُنَافَسَةُ بَيْنَنَا عَلَى أَشُدِّهَا، نَتَسَابَقُ عَلَى الْفَوْزِ بِحَمَاسٍ مُنْقَطِعِ النَّظِيرِ. وَمَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ، تَطَوَّرَتْ مَهَارَتِي فِي اللُّعْبَةِ، فَلَمْ أَعُدْ أَكْتَفِي بِالْمُنَافَسَاتِ الْعَائِلِيَّةِ، بَلْ مَثَّلْتُ نِقَابَةَ مُعَلِّمِي دِيرِك فِي إِحْدَى الدَّوْرَاتِ الَّتِي أُقِيمَتْ فِي الْقَامِشْلِي، وَجَمَعَتْ نُقَابَاتِ مُعَلِّمِي الْمُحَافَظَةِ. وَأَذْكُرُ أَنِّي حَصَلْتُ يَوْمَهَا عَلَى مَرْكَزٍ مُتَوَسِّطٍ، غَيْرَ أَنَّ تِلْكَ التَّجْرِبَةَ كَانَتْ لِي خُطْوَةً مُهِمَّةً فِي تَعْزِيزِ ثِقَتِي بِنَفْسِي وَصَقْلِ مَهَارَاتِي. وَبَقِيتُ مُوَاظِبًا عَلَى مُمَارَسَةِ الشِّطْرَنْجِ طِيلَةَ إِقَامَتِي فِي دِيرِك، حَتَّى حِينَ هِجْرَتِي إِلَى أَلْمَانِيَا سَنَةَ ١٩٨٦. وَهُنَاكَ، لَمْ تَنْقَطِعْ صِلَتِي بِهٰذِهِ اللُّعْبَةِ، بَلِ ازْدَادَتْ رُسُوخًا، إِذْ تَعَرَّفْنَا عَلَى رَجُلٍ أَلْمَانِيٍّ، فَنَّانٍ وَرَسَّامٍ، يُدْعَى بِيْنُو تْرَايْبَر، فَعَرَضَ عَلَيَّ وَعَلَى أَخِي جُورْج فِكْرَةَ الِانْتِسَابِ إِلَى نَادِي الْبَلْدَةِ (لِيُوبُولْدْسْهَافِن – إِيغِنْشْتَاين). وَقَدْ تَحَدَّثَ مَعَ رَئِيسِ النَّادِي هِلْمُوت وَنَائِبِهِ فَالْتَر فَاينْدِل، فَلَقِيَتِ الْفِكْرَةُ اسْتِحْسَانًا، خَاصَّةً أَنَّ النَّادِي كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى لَاعِبِينَ جُدُدٍ. وَبِالْفِعْلِ، تَقَدَّمْنَا بِطَلَبِ الِانْتِسَابِ، وَانْخَرَطْنَا فِي نَشَاطِ النَّادِي لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. وَفِي بَدَايَةِ مَشْوَارِي، كُنْتُ أَلْعَبُ فِي الْفَرِيقِ الثَّالِثِ، ثُمَّ مَا لَبِثْتُ أَنْ انْتَقَلْتُ إِلَى الْفَرِيقِ الثَّانِي، بَعْدَ أَنْ حَقَّقْتُ عِدَّةَ انْتِصَارَاتٍ سَاهَمَتْ فِي تَعْزِيزِ مَكَانَةِ النَّادِي. أَمَّا أَخِي جُورْج، فَكَانَ يَلْعَبُ فِي الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ، مُجَسِّدًا بِذٰلِكَ تَمَيُّزَهُ فِي هٰذَا الْمِضْمَارِ. وَخِلَالَ هٰذِهِ السِّنِينَ، عِشْنَا مَعًا مَحَطَّاتٍ مُتَبَايِنَةً، لَحَظَاتِ فَوْزٍ مَفْرِحَةٍ، رَفَعَتْ مِنْ مَعْنَوِيَّاتِنَا وَمَنَحَتْنَا شُعُورًا بِالْإِنْجَازِ، وَأُخْرَى مَشُوبَةٍ بِالْخَيْبَةِ وَالْحُزْنِ عِنْدَ تَذَوُّقِ مَرَارَةِ الْهَزِيمَةِ. وَكَانَتْ كُلُّ تِلْكَ التَّجَارِبِ، عَلَى اخْتِلَافِهَا، تُثْرِي مَسِيرَتَنَا وَتُعَلِّمُنَا دُرُوسًا لَا تُنْسَى. وَبَعْدَ إِحَالَتِي عَلَى التَّقَاعُدِ، خَفَتَ نَشَاطِي الشِّطْرَنْجِيُّ، وَلٰكِنَّ صِلَتِي بِاللُّعْبَةِ لَمْ تَنْقَطِعْ تَمَامًا، فَلَا تَزَالُ لَدَيَّ رُقْعَةُ شِطْرَنْجٍ فِي الْبَيْتِ، نَسْتَعِيدُ حَوْلَهَا، أَنَا وَبَعْضُ الْأَصْدِقَاءِ وَالزُّوَّارِ، تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الْجَمِيلَةَ، حَيْثُ نَتَبَارَى فِي هُدُوءٍ، وَنَسْتَحْضِرُ ذِكْرَيَاتِ أَيَّامٍ مَضَتْ، بَقِيَتْ مَاثِلَةً فِي الذَّاكِرَةِ، لَا يَمْحُوهَا الزَّمَنُ. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|