ملحق طفولتنا من كتابي (هوامش) – سيرة ذاتية لم أكن قد تجاوزت العام والنصف حين حملتني
ملحق طفولتنا
من كتابي (هوامش) – سيرة ذاتية
لم أكن قد تجاوزت العام والنصف حين حملتني والدتي على ظهرها، ومضت بي صوب أحد حقول القطن في قرية مجاورة لقرية برّه بيت. كانت تلك الحقول تموج بالنساء والرجال على حدّ سواء، يعملون في جني المحصول لقاء أجرٍ يسير، في زمنٍ كان العمل الدائم فيه نادرًا، والوظيفة حلمًا بعيد المنال. هناك، كانت الحياة تُقاس بقدرة اليد على الكسب، وبصبر الجسد على مشقّة الأيام.
لم تكن أمّي استثناءً من نساء قريتنا؛ بل كانت واحدة من كثيرات حملن عبء العيش على أكتافهن، يشاركن الرجال في مختلف الأعمال الزراعية. كانت تعمل في الحصاد، تجمع السنابل من سيقان القمح أو الشعير، وتربطها بحزمٍ متقنة، تمهيدًا لنقلها إلى البيادر حيث تُدرس وتُذرّى. كان العرق جزءًا من يومها، كما كان الأمل رفيقها الدائم في تأمين لقمة العيش وضرورات الحياة من طعامٍ وكساءٍ ومأوى.
في ذلك اليوم، وضعتني أمّي على بطانية بسيطة، خيطت من قطع قماشٍ متفرقة، جمعتها يدها بعناية لتصنع منها فراشًا متواضعًا. تركتني هناك، غير بعيدٍ عنها، بينما انشغلت بجني القطن بين صفوف النبات الأبيض الممتدّ. كنت طفلًا صغيرًا، غافلًا عن قسوة العالم، ألهو في صمت الحقل وتحت شمسٍ لا ترحم.
وحين انتهت من عملها، عادت إليّ لتأخذني وتعود بي إلى البيت. لكنها، ما إن اقتربت، حتى تجمّدت في مكانها، وقد استبدّ بها الذهول والرعب. رأت مشهدًا لم يكن يخطر ببال: كنت جالسًا في مكاني، وأمامي أفعى رفعت نصف جسدها، تواجهني وجهًا لوجه. كانت تحدّق بي، وأنا أمدّ يدي الصغيرة لأضرب رأسها في براءةٍ مطلقة، كأنني ألهو بلعبةٍ حيّة. وكلّما ضربتها، تراجعت قليلًا، ثم عادت إلى وضعها الأول، تراقبني بعينيها اللامعتين، وتحرك رأسها بمرونة، وكأنها تشارك في لعبةٍ صامتة.
تقدّمت أمّي نحوي بخطواتٍ مترددة، يكاد قلبها يقفز من بين ضلوعها. وما إن اقتربت، حتى انسلّت الأفعى بهدوء وغادرت المكان، دون أن تلحق بي أيّ أذى. عندها، أسرعت أمّي نحوي، واحتضنتني بقوة، وجسدها يرتجف من شدّة الخوف، كأنها نجت لتوّها من كارثةٍ محقّقة.
ظلّت تروي لي تلك الحادثة مرارًا، وأنا أكبر عامًا بعد عام، حتى صرت شابًا ثم رجلًا. وكانت تختم روايتها دائمًا بعبارةٍ تختلط فيها الدهشة بالإيمان: “لقد أنقذك الله من موتٍ كان أقرب إليك من نفسك.”
أما أنا، فكلما استعدت تلك الصورة في مخيّلتي، بدا لي المشهد غريبًا على نحوٍ لا يخلو من العذوبة: طفلٌ صغير يلهو ببراءته مع أفعى، وكأن بينهما لغة خفية من الألفة. لم تكن في نظري آنذاك مخلوقًا مخيفًا، بل رفيقة لعبةٍ عابرة، تستجيب لحركاتي بلينٍ وهدوء، في لحظةٍ من طفولةٍ لا تعرف الخوف، ولا تدرك حدود الخطر.
__________________
fouad.hanna@online.de
|