![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
||||
|
||||
|
يَقِينُ الصُّمُودِ فِي عَصْفِ الحَيَاةِ (٣) بقلم: فؤاد زاديكيتَقِفُ اللَّحَظَاتُ حَائِرَةً عَلَى أَعْتَابِ الزَّمَنِ، وَيَجِدُ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ مُلْقًى فِي أَتُونِ صِرَاعٍ أَبَدِيٍّ لَا يَسْتَكِينُ. إِنَّهَا مَعَارِكُ الحَيَاةِ، الَّتِي تَنِشُّ عُبَابَهَا مُتَلَاطِمَةَ الأَمْوَاجِ، تَنْقَضُّ عَلَى هَشَاشَةِ أَيَّامِهِ كَإِعْصَارٍ عَاتٍ، يَجْرُفُهُ تَارَةً إِلَى عُمْقِ المَجْهُولِ، وَيَغْمُرُهُ تَارَةً أُخْرَى بِثِقَلِ الأَعْبَاءِ وَمَرَارَةِ التَّحَدِّيَاتِ. وَفِي هَذَا المَعْمَعَانِ، لَا يَمْلِكُ المَرْءُ تَرَفَ الِاسْتِسْلَامِ؛ بَلْ يَنْبَثِقُ مِنْ أَعْمَاقِ كِيَانِهِ وَهَجُ الإِرَادَةِ، فَيَجْمَعُ مَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ كَمَنَتْ فِي حَنَايَاهُ، وَيَلْتَفِعُ بِالصَّبْرِ دِرْعًا، وَبِالتَّحَمُّلِ سِلَاحًا. يَخُوضُ المَعْرَكَةَ صَامِدًا أَمَامَ الرِّيَاحِ العَاتِيَةِ، يَنْتَزِعُ الأَمَلَ مِنْ فَمِ الخَطَرِ، وَيَبُثُّ فِي طَرِيقِهِ سَعْيًا حَثِيثًا لَا يَعْرِفُ الكَلَلَ، رَغْبَةً فِي التَّغَلُّبِ عَلَى طُغْيَانِ المَصَائِبِ، أَوْ بُلُوغِ شَاطِئِ النَّجَاةِ بِأَقَلِّ الخَسَائِرِ. وَمَا أَشَدَّ مَا تَكْشِفُهُ المِحَنُ مِنْ خَبَايَا النُّفُوسِ! فَفِي سَاعَاتِ الضِّيقِ تَتَسَاقَطُ أَقْنِعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَتَبْدُو حَقَائِقُ كَانَتْ مُسْتَتِرَةً خَلْفَ رَفَاهِيَةِ الأَيَّامِ وَهُدُوءِهَا. هُنَالِكَ يَتَبَيَّنُ مَنْ يَسْتَمْسِكُ بِالأَمَلِ وَإِنْ ضَاقَتِ السُّبُلُ، وَمَنْ تَهْوِي بِهِ أَوَّلُ عَاصِفَةٍ إِلَى قَاعِ اليَأْسِ. فَلَيْسَتِ القُوَّةُ أَنْ يَعِيشَ الإِنْسَانُ بِلَا أَلَمٍ، وَلَا أَنْ يَمْضِيَ فِي دَرْبِهِ دُونَ عَثَرَاتٍ، وَإِنَّمَا أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَقِفُ كُلَّمَا أَسْقَطَتْهُ الحَيَاةُ، وَكَيْفَ يُعِيدُ بِنَاءَ نَفْسِهِ كُلَّمَا تَنَاثَرَ مِنْ حَوْلِهِ مَا كَانَ يَظُنُّهُ ثَابِتًا. فَالصِّرَاعُ لَيْسَ جِرَاحًا تُنْكَأُ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ السَّبِيلُ الوَحِيدُ الَّذِي تُصْقَلُ فِيهِ المَعَادِنُ، وَتَتَجَلَّى عَبْرَهُ حَقِيقَةُ الإِنْسَانِ حِينَ يَأْبَى السُّقُوطَ، فَيَبْقَى شَامِخًا بِرَغْمِ عُتُوِّ العَاصِفَةِ. وَرُبَّمَا لَمْ تَكُنِ المِحَنُ الَّتِي نَحْسَبُهَا نِهَايَةَ الطَّرِيقِ إِلَّا مَعَابِرَ خَفِيَّةً نَعْبُرُهَا نَحْوَ ذَوَاتِنَا الأَعْمَقِ، فَنَخْرُجُ مِنْهَا أَكْثَرَ وَعْيًا، وَأَشَدَّ بَأْسًا، وَأَبْصَرَ بِقِيمَةِ مَا نَمْلِكُ مِنْ نِعَمٍ كُنَّا نَمُرُّ بِهَا دُونَ أَنْ نَلْتَفِتَ إِلَيْهَا. وَفِي خِضَمِّ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، يَبْقَى اليَقِينُ هُوَ الزَّادَ الَّذِي يُبْقِي الرُّوحَ مُتَمَاسِكَةً، وَيَمْنَحُ القَلْبَ قُدْرَةً عَلَى مُوَاصَلَةِ السَّيْرِ حِينَ تَثْقُلُ الخُطَى. فَمَا دَامَ فِي الإِنْسَانِ نَفَسٌ يَتَرَدَّدُ، وَفِي قَلْبِهِ شُعْلَةٌ لَمْ تُطْفِئْهَا الرِّيَاحُ، فَلَيْسَ لِلْهَزِيمَةِ سُلْطَانٌ عَلَيْهِ. وَمَا دَامَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ لِنَفْسِهِ: «سَأَمْضِي»، فَإِنَّ الطَّرِيقَ، مَهْمَا طَالَ وَاشْتَدَّ وَعُرَتْ فِيهِ الأَشْوَاكُ، لَا يَزَالُ يَحْمِلُ فِي نِهَايَتِهِ مَتَّسَعًا لِنُورٍ جَدِيدٍ. إِنَّ الحَيَاةَ لَا تَعِدُ أَحَدًا بِطَرِيقٍ مَفْرُوشٍ بِالوُرُودِ، وَلَا تَضْمَنُ لِأَحَدٍ أَنْ تَكُونَ رِيَاحُهَا دَائِمًا فِي صَالِحِهِ؛ لَكِنَّهَا تَمْنَحُ الصَّابِرِينَ فُرْصَةً لِاكْتِشَافِ قُوَّتِهِمْ، وَتَعْلِيمِهِمْ أَنَّ العَاصِفَةَ، مَهْمَا اشْتَدَّتْ، لَا تَدُومُ. وَإِذَا انْكَشَفَتْ غُيُومُهَا، وَعَادَتِ السَّمَاءُ إِلَى صَفَائِهَا، سَيَنْظُرُ الإِنْسَانُ إِلَى الخَلْفِ، فَيُدْرِكُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْتَازُ عَاصِفَةً فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ يَبْنِي فِي دَاخِلِهِ إِنْسَانًا أَقْوَى، وَقَلْبًا أَرْسَخَ، وَيَقِينًا لَا تَهُزُّهُ رِيَاحُ الحَيَاةِ. التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 09-08-2026 الساعة 05:15 AM |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|