![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
قرأت المنشور المتعلق بقرية حلوة وأحداث سيفو، ومن حق أهل حلوة أن يدافعوا عن تاريخ قريتهم، كما أن من حق ضحايا سيفو وذويهم أن تُحفظ ذاكرتهم وأن تُذكر الجرائم والمآسي التي تعرض لها المسيحيون في تلك المرحلة. لكن احترام الضحايا واحترام تاريخ حلوة في الوقت نفسه يفرضان علينا أن نتحرى الدقة، وألا نستبدل رواية تاريخية بأخرى لمجرد أنها تناسب ذاكرتنا المحلية. والمشكلة الأساسية في المنشور أنه يطالب الآخرين بالدليل عندما يتهمون حلوة أو أهلها، ثم يقدم في المقابل رواية شفوية محلية وكأنها حقيقة تاريخية نهائية، مع أن المصادر المتوفرة تقدم روايات مختلفة تحتاج كلها إلى المقارنة والتحقيق.
أول ما يحتاج إلى تصحيح هو القول إن المسيحيين الذين كانوا في حلوة كانوا «أكرادًا مسيحيين»، وأن مسيحيتهم كانت مجرد انتماء ديني. صحيح أن المسيحية لا تعني تلقائيًا قومية معينة، وهذه قاعدة لا خلاف عليها، لكن لا يجوز تحويل هذه القاعدة إلى دليل على أن مسيحيي حلوة كانوا أكرادًا. الهوية القومية لا تثبت بمجرد الدين أو مكان السكن، وإنما تحتاج إلى أدلة تاريخية تتعلق بأسماء العائلات والأنساب واللغة والوثائق وشهادة أصحابها عن أنفسهم. والمصادر التي تتحدث عن حلوة تحديدًا تذكر وجود نحو أربعين عائلة مسيحية سريانية في القرية، إلى جانب نحو عشر عائلات كردية، أي أنها تميز بوضوح بين السكان المسيحيين وبين العائلات الكردية الموجودة في القرية. كما تربط المصادر عددًا من مسيحيي حلوة بقرى وبلدات سريانية في منطقة طور عابدين، مثل هبوب وحاح وعين وردو. لذلك فإن القول إن هؤلاء المسيحيين كانوا أكرادًا يحتاج إلى دليل تاريخي مستقل، ولا يمكن إثباته بمجرد القول إن المسيحية دين وليست قومية. ثم تأتي رواية الآغا علي عيسى، وأن القوات العثمانية حاصرت القرية وطالبته بتسليم المسيحيين، وأنه بدلًا من ذلك أمر بإخفائهم وتوزيعهم على بيوت أهل القرية، ثم أرسل برقية يقول فيها إن المسيحيين غير موجودين في القرية. هذه رواية مهمة من ذاكرة أهل حلوة، ومن حقهم أن يحافظوا عليها وأن يبحثوا عن أدلتها، لكن الرواية الشفوية مهما كانت محترمة لا تصبح تلقائيًا وثيقة تاريخية. والسؤال هنا ليس من أجل تكذيب أهل القرية، وإنما من أجل توثيق ما يقولونه: أين نص البرقية الأصلية؟ من كتبها؟ متى سُجلت؟ من أول شخص نقلها؟ وهل توجد شهادة مستقلة أو وثيقة أخرى تؤكد أن علي عيسى قام فعلًا بإخفاء المسيحيين وتوزيعهم على بيوت أهل القرية؟ إذا توفرت هذه الأدلة فستكون ذات قيمة كبيرة في إعادة بناء تاريخ حلوة. وفي المقابل توجد مصادر أخرى تروي أحداث حلوة بصورة مختلفة تمامًا، ولا يجوز تجاهلها. فهناك روايات تاريخية تذكر أن حلوة كانت تضم نحو أربعين عائلة سريانية، وأن قوات مرتبطة بقَدّور بك وصلت إلى القرية وحاصرتها، ثم جرى قتل عدد من الرجال والنساء، بينما أخذ الأطفال الذين نجوا وأجبروا على اعتناق الإسلام. وتوجد روايات أخرى تربط مصير بعض سكان حلوة بمنطقة قيرو. وهذه الروايات قد تكون بحاجة هي الأخرى إلى النقد والمقارنة، لكن وجودها في المصادر يعني أن الرواية التي يقدمها المنشور ليست الرواية الوحيدة الموجودة في المادة التاريخية. والأهم من ذلك أن هناك شاهدًا لا يمكن تجاهله عند الحديث عن حلوة، وهو مار أثناسيوس يشوع صموئيل، الذي ولد في حلوة سنة 1907، أي أنه كان ابنًا للقرية وعاصر آثار تلك الأحداث وهو طفل. وقد تناول المؤرخ ديفيد غاونت شهادته وذكرياته إلى جانب مصادر وشهادات أخرى. ورواية يشوع صموئيل لا تتطابق بالكامل مع الروايات الأخرى حول حلوة، وهذا بحد ذاته مهم؛ لأنه يبين أن الذاكرة التاريخية للمنطقة ليست رواية واحدة متجانسة، وإنما مجموعة شهادات يجب مقارنتها وفحصها. ولذلك فإن اختيار رواية واحدة وإسقاط بقية الروايات لا يؤدي إلى كتابة تاريخ، بل إلى انتقاء ذاكرة تخدم موقفًا مسبقًا. وهنا يجب أيضًا الانتباه إلى الخلط بين حلوة وبين المسيحيين الذين جرى جمعهم من قرى أخرى، وبين حلوة ومنطقة قيرو. فهناك فرق بين المسيحيين الذين كانوا سكانًا في حلوة، وبين مجموعات مسيحية جرى اقتيادها من هبوب وحاح وعين وردو وغيرها، وبين الأحداث التي وقعت في مواقع أخرى في منطقة نصيبين. المصادر المتعلقة بالمنطقة تذكر بالفعل قيرو باعتبارها موقعًا ارتبط في الذاكرة والمصادر المحلية بقتل مجموعات من المسيحيين خلال أحداث 1915، لكن هذا لا يعني أن كل رواية متداولة عن قيرو بكل تفاصيلها أصبحت حقيقة تاريخية ثابتة. أما تفاصيل البحيرة والغرق وإطلاق النار على كل من يحاول رفع رأسه من الماء، فهي تحتاج إلى مصدر محدد وشهادة يمكن التحقق منها، ولا يكفي القول إنها رواية متوارثة. والمنهج الصحيح هنا بسيط جدًا: إذا كنا نقول إن اتهام قرية أو عشيرة كاملة بالمشاركة في جريمة تاريخية يحتاج إلى وثيقة وشهادة ومصدر واضح، فعلينا أن نطبق المعيار نفسه على رواية البراءة. فلا يجوز رفض اتهام لأنه «رواية متناقلة»، ثم قبول رواية مضادة لأنها متناقلة داخل القرية أو العائلة. كلاهما يحتاج إلى البحث والتوثيق والمقارنة. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يؤدي نقد هذا المنشور إلى الوقوع في الخطأ المعاكس، أي تحميل الكورد جميعًا مسؤولية سيفو. هذا غير صحيح وغير عادل تاريخيًا. وجود أفراد أو زعامات أو مجموعات كردية شاركت في جرائم ضد المسيحيين لا يعني أن الكورد جميعًا كانوا مسؤولين عنها، كما أن وجود مسلمين وكورد قاموا بحماية المسيحيين لا يعني أن كل فرد أو كل عشيرة كانت بريئة من أي مشاركة. تاريخ تلك المرحلة أكثر تعقيدًا من هذه الثنائية البسيطة، وفيه ضحايا وقتلة ومقاومون وحماة ومتعاونون من جماعات مختلفة. لذلك فإن المشكلة في المنشور ليست في دفاعه عن حلوة بحد ذاته، فهذا حق مشروع، وإنما في أنه يقدم رواية محلية على أنها الحقيقة التاريخية الوحيدة، وفي الوقت نفسه يرفض الروايات الأخرى بحجة أنها غير موثقة. فإذا كان لدى أهل حلوة دليل على أن الآغا علي عيسى أخفى المسيحيين وحماهم، فليُقدَّم هذا الدليل، وسيكون من واجب كل باحث منصف أن يأخذه بجدية. وإذا كانت هناك وثائق أو شهادات تثبت أن بعض سكان القرية شاركوا في قتل أو تسليم المسيحيين، فيجب أيضًا عرضها ومناقشتها. لا ينبغي أن نخاف من أي نتيجة يصل إليها البحث التاريخي. أما مسألة هوية المسيحيين في حلوة، فهي أوضح من أن تُحسم بعبارة عامة تقول إن «المسيحية دين وليست قومية». المصادر التي تتناول حلوة تميز بين نحو أربعين عائلة مسيحية سريانية وبين نحو عشر عائلات كردية، ولذلك فإن تحويل مسيحيي القرية جميعًا إلى «أكراد مسيحيين» يحتاج إلى إثبات خاص لكل مجموعة أو عائلة، ولا يمكن اعتباره حقيقة تاريخية لمجرد أنهم عاشوا في منطقة كان فيها سكان أكراد. والخلاصة أن سيفو مأساة حقيقية لا يجوز إنكارها أو التقليل من ضحاياها، وفي الوقت نفسه لا يجوز تحويل هذه المأساة إلى اتهام جماعي للكورد، كما لا يجوز تحويل وجود حالات حماية للمسيحيين إلى وسيلة لمحو أي مشاركة محتملة لبعض الأشخاص أو الجماعات في الجرائم. التاريخ لا يكتب بتبرئة قوم بأكملهم ولا بإدانة قوم بأكملهم، وإنما بالوثائق والشهادات ومقارنة الروايات. إذا كانت رواية حلوة صحيحة، فإن أفضل طريقة للدفاع عنها ليست تكرارها، وإنما توثيقها. وإذا كانت هناك رواية أخرى صحيحة، فإن أفضل طريقة لإثباتها هي تقديم مصادرها. أما أن نطالب الآخرين بالدليل ثم نعفي روايتنا من الدليل، فهذا ليس إنصافًا للتاريخ ولا للضحايا ولا لأهل حلوة أنفسهم. الحقيقة لا تخيف أحدًا، والتاريخ العادل لا يبحث عن إدانة قوم أو تبرئة قوم، وإنما يبحث عما حدث فعلًا ويحفظ أسماء الضحايا ويضع المسؤولية على من تثبت مسؤوليته، فردًا أو جماعة، بعيدًا عن التعميم والخلط والانتقائية. الباحث فؤاد زاديكي |
|
#2
|
||||
|
||||
|
قرأت المنشور المتعلق بقرية حلوة وأحداث سيفو، ومن حق أهل حلوة أن يدافعوا عن تاريخ قريتهم، كما أن من حق ضحايا سيفو وذويهم أن تُحفظ ذاكرتهم وأن تُذكر الجرائم والمآسي التي تعرض لها المسيحيون في تلك المرحلة. لكن احترام الضحايا واحترام تاريخ حلوة في الوقت نفسه يفرضان علينا أن نتحرى الدقة، وألا نستبدل رواية تاريخية بأخرى لمجرد أنها تناسب ذاكرتنا المحلية. والمشكلة الأساسية في المنشور أنه يطالب الآخرين بالدليل عندما يتهمون حلوة أو أهلها، ثم يقدم في المقابل رواية شفوية محلية وكأنها حقيقة تاريخية نهائية، مع أن المصادر المتوفرة تقدم روايات مختلفة تحتاج كلها إلى المقارنة والتحقيق.
أول ما يحتاج إلى تصحيح هو القول إن المسيحيين الذين كانوا في حلوة كانوا «أكرادًا مسيحيين»، وأن مسيحيتهم كانت مجرد انتماء ديني. صحيح أن المسيحية لا تعني تلقائيًا قومية معينة، وهذه قاعدة لا خلاف عليها، لكن لا يجوز تحويل هذه القاعدة إلى دليل على أن مسيحيي حلوة كانوا أكرادًا. الهوية القومية لا تثبت بمجرد الدين أو مكان السكن، وإنما تحتاج إلى أدلة تاريخية تتعلق بأسماء العائلات والأنساب واللغة والوثائق وشهادة أصحابها عن أنفسهم. والمصادر التي تتحدث عن حلوة تحديدًا تذكر وجود نحو أربعين عائلة مسيحية سريانية في القرية، إلى جانب نحو عشر عائلات كردية، أي أنها تميز بوضوح بين السكان المسيحيين وبين العائلات الكردية الموجودة في القرية. كما تربط المصادر عددًا من مسيحيي حلوة بقرى وبلدات سريانية في منطقة طور عابدين، مثل خبب وحاح وعين وردو. لذلك فإن القول إنّ هؤلاء المسيحيين كانوا أكرادًا يحتاج إلى دليل تاريخي مستقل، ولا يمكن إثباته بمجرد القول إنّ المسيحية دين وليست قومية. لا تتجاوز الأدلة، إذا كان يريد إثبات أن السريان في حلوة كانوا أكرادًا بالعرق، فعليه أن يقدم مصدرًا يثبت ذلك، لا أن يستند إلى وجود عشر عائلات كردية في القرية. فوجود جماعة كردية مهاجرة أو مقيمة في قرية مختلطة لا يحوّل تلقائيًا بقية سكانها السريان إلى أكراد، تمامًا كما أن وجود أسر سريانية مهاجرة في قرية لا يجعل جميع سكانها سريانًا. ثم تأتي رواية الآغا علي عيسى، وأن القوات العثمانية حاصرت القرية وطالبته بتسليم المسيحيين، وأنه بدلًا من ذلك أمر بإخفائهم وتوزيعهم على بيوت أهل القرية، ثم أرسل برقية يقول فيها إن المسيحيين غير موجودين في القرية. هذه رواية مهمة من ذاكرة أهل حلوة، ومن حقهم أن يحافظوا عليها وأن يبحثوا عن أدلتها، لكن الرواية الشفوية مهما كانت محترمة لا تصبح تلقائيًا وثيقة تاريخية. والسؤال هنا ليس من أجل تكذيب أهل القرية، وإنّما من أجل توثيق ما يقولونه: أين نص البرقية الأصلية؟ مَن كتبها؟ متى سُجلت؟ مَن أول شخص نقلها؟ وهل توجد شهادة مستقلة أو وثيقة أخرى تؤكد أنّ علي عيسى قام فعلًا بإخفاء المسيحيين وتوزيعهم على بيوت أهل القرية؟ إذا توفّرت هذه الأدلة فستكون ذات قيمة كبيرة في إعادة بناء تاريخ حلوة. وفي المقابل توجد مصادر أخرى تروي أحداث حلوة بصورة مختلفة تمامًا، ولا يجوز تجاهلها. فهناك روايات تاريخية تذكر أنّ حلوة كانت تضمّ نحو أربعين عائلة سريانية، وأن قوات مرتبطة بقَدّور بك وصلت إلى القرية وحاصرتها، ثم جرى قتل عدد من الرجال والنساء، بينما أخذ الأطفال الذين نجوا وأجبروا على اعتناق الإسلام. وتوجد روايات أخرى تربط مصير بعض سكان حلوة بمنطقة قيرو. وهذه الروايات قد تكون بحاجة هي الأخرى إلى النقد والمقارنة، لكن وجودها في المصادر يعني أن الرواية التي يقدمها المنشور ليست الرواية الوحيدة الموجودة في المادة التاريخية. والأهم من ذلك أن هناك شاهدًا لا يمكن تجاهله عند الحديث عن حلوة، وهو مار أثناسيوس يشوع صموئيل، الذي ولد في حلوة سنة 1907، أي أنه كان ابنًا للقرية وعاصر آثار تلك الأحداث وهو طفل. وقد تناول المؤرخ ديفيد غاونت شهادته وذكرياته إلى جانب مصادر وشهادات أخرى. ورواية يشوع صموئيل لا تتطابق بالكامل مع الروايات الأخرى حول حلوة، وهذا بحد ذاته مهم؛ لأنه يبين أن الذاكرة التاريخية للمنطقة ليست رواية واحدة متجانسة، وإنما مجموعة شهادات يجب مقارنتها وفحصها. ولذلك فإن اختيار رواية واحدة وإسقاط بقية الروايات لا يؤدي إلى كتابة تاريخ، بل إلى انتقاء ذاكرة تخدم موقفًا مسبقًا. وهنا يجب أيضًا الانتباه إلى الخلط بين حلوة وبين المسيحيين الذين جرى جمعهم من قرى أخرى، وبين حلوة ومنطقة قيرو. فهناك فرق بين المسيحيين الذين كانوا سكانًا في حلوة، وبين مجموعات مسيحية جرى اقتيادها من هبوب وحاح وعين وردو وغيرها، وبين الأحداث التي وقعت في مواقع أخرى في منطقة نصيبين. المصادر المتعلقة بالمنطقة تذكر بالفعل قيرو باعتبارها موقعًا ارتبط في الذاكرة والمصادر المحلية بقتل مجموعات من المسيحيين خلال أحداث 1915، لكن هذا لا يعني أن كل رواية متداولة عن قيرو بكل تفاصيلها أصبحت حقيقة تاريخية ثابتة. أما تفاصيل البحيرة والغرق وإطلاق النار على كل من يحاول رفع رأسه من الماء، فهي تحتاج إلى مصدر محدد وشهادة يمكن التحقق منها، ولا يكفي القول إنها رواية متوارثة. والمنهج الصحيح هنا بسيط جدًا: إذا كنا نقول إن اتهام قرية أو عشيرة كاملة بالمشاركة في جريمة تاريخية يحتاج إلى وثيقة وشهادة ومصدر واضح، فعلينا أن نطبق المعيار نفسه على رواية البراءة. فلا يجوز رفض اتهام لأنه «رواية متناقلة»، ثم قبول رواية مضادة لأنها متناقلة داخل القرية أو العائلة. كلاهما يحتاج إلى البحث والتوثيق والمقارنة. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يؤدي نقد هذا المنشور إلى الوقوع في الخطأ المعاكس، أي تحميل الكورد جميعًا مسؤولية سيفو. هذا غير صحيح وغير عادل تاريخيًا. وجود أفراد أو زعامات أو مجموعات كردية شاركت في جرائم ضد المسيحيين لا يعني أن الكورد جميعًا كانوا مسؤولين عنها، كما أن وجود مسلمين وكورد قاموا بحماية المسيحيين لا يعني أن كل فرد أو كل عشيرة كانت بريئة من أي مشاركة. تاريخ تلك المرحلة أكثر تعقيدًا من هذه الثنائية البسيطة، وفيه ضحايا وقتلة ومقاومون وحماة ومتعاونون من جماعات مختلفة. لذلك فإن المشكلة في المنشور ليست في دفاعه عن حلوة بحد ذاته، فهذا حق مشروع، وإنما في أنه يقدم رواية محلية على أنها الحقيقة التاريخية الوحيدة، وفي الوقت نفسه يرفض الروايات الأخرى بحجة أنها غير موثقة. فإذا كان لدى أهل حلوة دليل على أن الآغا علي عيسى أخفى المسيحيين وحماهم، فليُقدَّم هذا الدليل، وسيكون من واجب كل باحث منصف أن يأخذه بجدية. وإذا كانت هناك وثائق أو شهادات تثبت أن بعض سكان القرية شاركوا في قتل أو تسليم المسيحيين، فيجب أيضًا عرضها ومناقشتها. لا ينبغي أن نخاف من أي نتيجة يصل إليها البحث التاريخي. أما مسألة هوية المسيحيين في حلوة، فهي أوضح من أن تُحسم بعبارة عامة تقول إن «المسيحية دين وليست قومية». المصادر التي تتناول حلوة تميز بين نحو أربعين عائلة مسيحية سريانية وبين نحو عشر عائلات كردية، ولذلك فإن تحويل مسيحيي القرية جميعًا إلى «أكراد مسيحيين» يحتاج إلى إثبات خاص لكل مجموعة أو عائلة، ولا يمكن اعتباره حقيقة تاريخية لمجرد أنهم عاشوا في منطقة كان فيها سكان أكراد. والخلاصة أن سيفو مأساة حقيقية لا يجوز إنكارها أو التقليل من ضحاياها، وفي الوقت نفسه لا يجوز تحويل هذه المأساة إلى اتهام جماعي للكورد، كما لا يجوز تحويل وجود حالات حماية للمسيحيين إلى وسيلة لمحو أي مشاركة محتملة لبعض الأشخاص أو الجماعات في الجرائم. التاريخ لا يكتب بتبرئة قوم بأكملهم ولا بإدانة قوم بأكملهم، وإنما بالوثائق والشهادات ومقارنة الروايات. إذا كانت رواية حلوة صحيحة، فإن أفضل طريقة للدفاع عنها ليست تكرارها، وإنما توثيقها. وإذا كانت هناك رواية أخرى صحيحة، فإن أفضل طريقة لإثباتها هي تقديم مصادرها. أما أن نطالب الآخرين بالدليل ثم نعفي روايتنا من الدليل، فهذا ليس إنصافًا للتاريخ ولا للضحايا ولا لأهل حلوة أنفسهم. الحقيقة لا تخيف أحدًا، والتاريخ العادل لا يبحث عن إدانة قوم أو تبرئة قوم، وإنما يبحث عما حدث فعلًا ويحفظ أسماء الضحايا ويضع المسؤولية على من تثبت مسؤوليته، فردًا أو جماعة، بعيدًا عن التعميم والخلط والانتقائية. الباحث فؤاد زاديكي |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|