Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 08:52 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,329
افتراضي السريان بين مطرقة الدولة العثمانية والتركية وسندان بعض الجماعات الكردية: قراءة تاريخي

السريان بين مطرقة الدولة العثمانية والتركية وسندان بعض الجماعات الكردية: قراءة تاريخية موثقة
الباحث: فؤاد زاديكي

إن البحث في تاريخ السريان والمسيحيين في الأناضول لا يحتمل التعميم على شعب بأكمله، كما لا يجوز في الوقت نفسه أن يؤدي الخوف من التعميم إلى إنكار وقائع تاريخية موثقة. فالسؤال ليس: هل كان «الأكراد» مسؤولين عن اضطهاد السريان؟ وإنما السؤال التاريخي الدقيق هو: هل شاركت جماعات وقبائل وتنظيمات وشخصيات كردية محددة، في مراحل مختلفة، في الاعتداء على المسيحيين، وقتلهم ونهب ممتلكاتهم وتهجيرهم؟ والجواب الذي تفرضه الوثائق والدراسات التاريخية هو: نعم، توجد أدلة متعددة على ذلك، إلى جانب وجود أطراف أخرى كان لها دور بالغ الخطورة، وعلى رأسها السلطات العثمانية ثم الدولة التركية وقواتها وأجهزتها.

وتزداد أهمية هذه الحقيقة لأن السريان لم يكونوا جماعة وافدة إلى المنطقة، بل من أقدم سكان بلاد الرافدين والأناضول، وكانت مناطق مثل طور عابدين وماردين ودياربكر ونصيبين وميديات تضم منذ قرون تجمعات سريانية ومسيحية عريقة. وقد أدى العنف المتكرر منذ القرن التاسع عشر، ثم الكارثة الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى، إلى تدمير جزء كبير من هذا الوجود التاريخي.

ومن الوقائع التي يصعب تجاوزها أن السلطان عبد الحميد الثاني أنشأ في أواخر القرن التاسع عشر تشكيلات «الحميدية» العسكرية، التي كان عمادها زعماء قبائل كردية ورجالها، واستخدمتها الدولة في شرق الأناضول. وتشير الدراسات التاريخية إلى تورط هذه القوات في حملات ضد المسيحيين، ولا سيما الأرمن، شملت الابتزاز والنهب والقتل والإكراه الديني، وأسهمت أعمال العنف التي وقعت بين 1894 و1896 في موجات هجرة مسيحية من المنطقة.

ولم يكن السريان خارج دائرة هذه الأحداث. فالدراسات الخاصة بالسريان في طور عابدين توثق أن المنطقة تعرضت خلال القرن التاسع عشر لسلسلة من الغارات والاعتداءات من بعض القبائل الكردية، وأن موجات العنف التي سبقت عام 1915 أدت إلى إضعاف الوجود المسيحي وزيادة شعور السكان بعدم الأمان. كما توثق المصادر المتخصصة في تاريخ السريان أن أحداث 1895 في ولاية دياربكر أدت إلى نهب وحرق عدد كبير من القرى المسيحية، وأن تشكيلات الحميدية الكردية كانت تتمتع بحماية أو تسامح رسمي مكّن بعض عناصرها من ممارسة العنف والإفلات من العقاب.

أما عام 1915، فقد دخلت المأساة مرحلة مختلفة تمامًا. فالمصادر الأكاديمية لا تصف ما حدث للسريان والأشوريين والكلدان باعتباره مجرد صراع محلي بين جماعات، وإنما تضعه في سياق حملة أوسع من القتل والترحيل والتطهير العرقي التي طالت المسيحيين في الدولة العثمانية. ويؤكد الباحث ديفيد غاونت، اعتمادًا على وثائق أرشيفية عثمانية وعسكرية ومصادر محلية وشهادات، أن السريان والآشوريين والكلدان تعرضوا لمجازر وعمليات تطهير عرقي واسعة خلال الحرب العالمية الأولى.

وفي هذه الأحداث تحديدًا يظهر دور بعض القبائل الكردية بصورة لا يمكن إنكارها. فالدراسات الخاصة بـ«سيفو» توثق مشاركة قوات قبلية كردية إلى جانب قوات عثمانية في الهجمات على قرى مسيحية، بينما توثق مصادر أخرى حالات محددة في طور عابدين تعرض فيها السكان السريان للقتل والنهب والإجلاء على أيدي مجموعات كردية محلية. وتذكر دراسة أكاديمية عن الحرب العالمية الأولى أن السلطات التركية، بمشاركة كردية، نفذت عمليات ترحيل وقتل جماعي ضد الأرمن واليونانيين والآشوريين.

وتقدم قرى طور عابدين أمثلة أكثر تحديدًا. ففي بعض الروايات التاريخية الخاصة بقرية «أرناس» قرب مديات، ترد أسماء جماعات قبلية كردية محلية متهمة بالمشاركة في قتل رجال سريان والاستيلاء على ممتلكاتهم. وفي قرية «مدون» تذكر الروايات التاريخية هجمات لقوات قبلية كردية على السكان السريان، ثم تعرض الفارين لكمين أثناء مغادرتهم القرية، وبعد مقتل عدد منهم واستقرار الناجين في أماكن أخرى، انتقلت ملكية البيوت والأراضي إلى أفراد من قبيلة كردية محلية. كما توثق المصادر نفسها عمليات ترحيل لاحقة للسريان من المنطقة.

وفي مديات نفسها تشير المصادر إلى أن السلطات العثمانية استعانت بقبائل محلية، من بينها قبائل كردية، للهجوم على الأحياء المسيحية عندما رفض سكانها تسليم أسلحتهم، وأن القتال أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من المسيحيين وفرار الناجين إلى المناطق الأكثر تحصينًا. وهذا مهم للغاية، لأنه يوضح أن المسؤولية في تلك المرحلة لم تكن موزعة ببساطة بين «أتراك» و«أكراد»، بل كانت هناك سلطة مركزية عثمانية تستخدم قوى محلية متعددة لتنفيذ أو دعم عملياتها.

ومن الأمثلة الأخرى قرية صالح في منطقة مديات، حيث تذكر المصادر أن القرية تعرضت عام 1915 لهجوم شاركت فيه قوات عثمانية وعشائر كردية، وأن عددًا من سكانها قُتلوا وفر الناجون إلى مناطق أخرى، ثم واجه بعض العائدين لاحقًا نزاعات وعنفًا مع سكان أكراد استقروا في ممتلكات المسيحيين الذين غادروا.

لكن من الضروري، حتى عند الحديث عن هذه الوقائع، ألا نقع في خطأ تاريخي آخر هو اختزال «سيفو» في مسؤولية القبائل الكردية. فالأبحاث الأكاديمية الحديثة تؤكد أن الدولة العثمانية وأجهزتها العسكرية والأمنية كانت طرفًا أساسيًا في عملية الترحيل والقتل، وأن القوات والموظفين الحكوميين والمجموعات المحلية شاركوا بدرجات مختلفة. بل إن بعض الدراسات ترى أن تدمير المجتمعات المسيحية في الأناضول بين 1894 و1924 كان عملية طويلة متعددة المراحل شاركت فيها حكومات عثمانية وتركية متعاقبة، إلى جانب قوات رسمية وشبه رسمية وقوى محلية.

ولهذا فإن من الخطأ أيضًا استخدام جرائم بعض القبائل الكردية لإعفاء الدولة العثمانية أو التركية من مسؤوليتها، كما أنه من الخطأ استخدام مسؤولية الدولة العثمانية لنفي مشاركة جماعات كردية محلية في بعض المجازر. التاريخ هنا أكثر تعقيدًا من الروايات القومية المبسطة.

وإذا انتقلنا إلى العقود الأخيرة من القرن العشرين، نجد أن معاناة السريان لم تنتهِ بانتهاء الحرب العالمية الأولى. ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين أصبح السريان في جنوب شرقي تركيا عالقين في قلب الحرب بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني PKK. وتشير تقارير صحفية وحقوقية ودراسات عن طور عابدين إلى أن السريان تعرضوا لضغوط من أطراف متعددة، وأن العنف دفع أعدادًا كبيرة منهم إلى مغادرة قراهم التاريخية. ففي تقرير نشرته صحيفة The Independent عام 1994، وُصفت المنطقة بأنها تشهد نزوحًا متسارعًا للسريان بسبب وقوعهم بين المقاتلين الأكراد والقوات التركية، وانخفض عدد السريان المقيمين في المنطقة بصورة حادة خلال فترة قصيرة.

ولا يعني ذلك أن الـPKK كان المسؤول الوحيد عن النزوح. فالمصادر توثق أيضًا الانتهاكات التي ارتكبتها القوات التركية وحراس القرى الذين سلحتهم الدولة، بما في ذلك احتلال ممتلكات سريان غادروا قراهم، ورفض إخلائها عند محاولة بعضهم العودة. وهنا تظهر مرة أخرى ضرورة التمييز بين الفاعل الكردي المسلح، والدولة التركية، والقوات التابعة لها، والسكان المحليين بدل جمع الجميع في طرف واحد.

ومن الوقائع المهمة أيضًا أن بعض الجماعات الكردية المسلحة ذات الطابع الإسلامي شاركت في الاعتداء على السريان. فقد شهدت التسعينيات نشاطًا لجماعة «حزب الله» التركي، وهي جماعة كردية إسلامية مسلحة، وتذكر الدراسات المتعلقة بالوجود السرياني في طور عابدين أن هجمات الجماعة والاضطرابات المرتبطة بالصراع المسلح ساهمت في إخلاء بعض القرى السريانية. كما أن الصراع بين الـPKK والدولة التركية أدى في حالات أخرى إلى إفراغ قرى سريانية من سكانها. وهكذا لم يكن السريان طرفًا رئيسيًا في الصراع، لكنهم دفعوا ثمنه من وجودهم وأمنهم وممتلكاتهم.

وهذه الوقائع تجعل شهادة المطران يوحنا إبراهيم جديرة بالبحث، لأنها لا تأتي في فراغ تاريخي كامل. فحين يقول إن بعض الجماعات «المحسوبة على الإخوة الأكراد» أساءت إلى الحضور السرياني، وإن أعمالها دفعت السريان إلى مغادرة المنطقة، فإن الجزء المتعلق بوقوع اعتداءات وضغوط من بعض الجهات الكردية يجد ما يسنده في دراسات ووثائق وشهادات تاريخية مستقلة. أما القول بوجود مخطط كردي موحد ومركزي هدفه تهجير السريان فهو ادعاء يحتاج إلى أدلة مباشرة ومحددة، ولا ينبغي استخلاصه تلقائيًا من مجرد ثبوت مشاركة جماعات كردية متعددة في أحداث مختلفة وعلى فترات زمنية متباعدة.

والأمر نفسه ينطبق على الأرمن؛ فالمصادر التاريخية توثق أن تشكيلات الحميدية التي كان يغلب عليها الطابع القبلي الكردي شاركت في أعمال عنف واسعة ضد الأرمن في تسعينيات القرن التاسع عشر، وأن زعماء ورجال قبائل كردية شاركوا لاحقًا في عمليات قتل ونهب وتهجير خلال الحرب العالمية الأولى. لكن هذا لا يعني أن «الأكراد» كشعب كانوا جميعًا مشاركين أو مؤيدين لهذه الجرائم. بل إن التاريخ نفسه يقدم أمثلة على أكراد رفضوا المشاركة، وعلى أفراد وزعماء محليين ساعدوا المسيحيين أو حموهم، وهو أمر يجب ألا يُطمس إذا كان الهدف كتابة تاريخ لا دعاية سياسية.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نستبدل إنكار جريمة تاريخية بتعميم تاريخي آخر. فليس من العلمية أن نقول إن الأكراد جميعًا اضطهدوا السريان، مثلما ليس من العلمية أن نقول إن مشاركة جماعات كردية في الاعتداءات مجرد «دعاية معادية للأكراد». الوثائق والدراسات تقول شيئًا أكثر دقة: كانت هناك جماعات وقبائل وقوى كردية شاركت في أوقات وأماكن محددة في قتل مسيحيين ونهبهم وتهجيرهم والاستيلاء على ممتلكاتهم، وكانت هناك في الوقت نفسه قوى كردية أخرى لم تشارك في ذلك، بل ساعدت بعض المسيحيين وحمتهم؛ كما أن الدولة العثمانية ثم الدولة التركية والقوات التابعة لهما تتحملان مسؤوليات أساسية في مراحل عديدة من هذا التاريخ.

ولهذا فإن الاعتراف بدور بعض الجماعات الكردية في اضطهاد السريان لا ينبغي أن يكون عداءً للكرد، كما أن الاعتراف بالمسؤولية العثمانية والتركية لا ينبغي أن يتحول إلى عداء للأتراك المعاصرين. المطلوب هو شيء أبسط وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: أن نترك الوثيقة تتحدث، وأن نسمّي الفاعل عندما نعرفه، وأن نرفض التعميم عندما لا يثبته الدليل، وأن نحفظ ذاكرة الضحايا من دون تحويلها إلى كراهية جماعية للأحياء.

والسريان الذين هُجّروا من طور عابدين وماردين ودياربكر وغيرها لم يكونوا أرقامًا في كتب التاريخ؛ كانوا أصحاب قرى وبيوت وكنائس وأديرة وأراضٍ وذاكرة تمتد إلى قرون. وحين نبحث في أسباب اختفاء جزء كبير من هذا الوجود المسيحي، فإن علينا أن نقرأ الصورة كاملة: سياسات الدولة، والمجازر العثمانية، والتعاون الذي حصل أحيانًا بين السلطات وبعض القوى المحلية، واعتداءات بعض القبائل والجماعات الكردية، ثم صراعات القرن العشرين بين الدولة التركية والحركات الكردية المسلحة، وكل ما نتج عن ذلك من خوف وتهجير واستيلاء على الممتلكات.

إن إنصاف السريان لا يحتاج إلى اتهام شعب كامل، وإنما يحتاج إلى الاعتراف بالحقيقة أينما وجدت: الجريمة مسؤولية من ارتكبها، لا مسؤولية قومية تنتقل بالدم إلى أحفاد من لم يرتكبوها.

الباحث فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:29 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke