ميديا في القرن الأول الميلادي لا تعني استمرار المملكة الميدية القديمة — قراءة نقدية ف
ميديا في القرن الأول الميلادي لا تعني استمرار المملكة الميدية القديمة — قراءة نقدية في المنشور المتداول
الباحث: فؤاد زاديكي
في ردنا على منشور السيد Dilor Mirkari وهو بعنوان إشارة تاريخية لوجود مملكة ميديا في القرن الأول الميلادي
إنّ المنشور المتداول يخلط بين ثلاث مسائل تاريخية مختلفة: المملكة الميدية القديمة، واستمرار استعمال اسم «ميديا» في العصور اللاحقة، ثم مسألة أصل الأكراد. وهذا الخلط يجعل بعض المعلومات الصحيحة جزئيًّا تبدو وكأنّها تُثبت نتيجةً لا تُثبتها المصادر. صحيح أنّ يوسيفوس يذكر غزو الآلان لبلاد «ميديا» وأنّ ملكها كان باكوروس، لكنّ الرجوع إلى المصادر التاريخية المتخصّصة يوضح أنّ المقصود هنا هو ميديا الأتروباتينية (Media Atropatene)، وهي كيان سياسي في شمال غربي إيران نشأ بعد العصر الميدي القديم، واستمرّ في العصر الهلنستي ثم الفرثي. وتذكر Encyclopaedia Iranica صراحةً أنّ الملك الفرثي فولوغاسيس الأول عيّن أخاه باكوروس ملكًا على ميديا الأتروباتينية، وأنّ الآلان غزوا هذه البلاد نحو سنة 72م، فاضطر باكوروس إلى الفرار إلى الجبال. لذلك فإنّ الاستدلال من ذكر يوسيفوس لـ«ميديا» في القرن الأول الميلادي إلى أنّ المملكة الميدية القديمة نفسها ظلّت قائمة منذ القرن السادس قبل الميلاد هو استدلال غير صحيح، فاستمرار الاسم الجغرافي أو وجود دولة تحمل اسم ميديا لا يعني استمرار الدولة الميدية القديمة نفسها. وهنا ينبغي أيضًا تصحيح التاريخ الوارد في المنشور: الغزو الذي تُشير إليه المصادر المتخصصة يؤرّخ إلى نحو 72م، وليس 62م. كما أنّ الآلان أنفسهم كانوا جماعة إيرانية قديمة من المجموعة السكيثية/السارماتية، وكانت لهم تحرّكات عسكرية في أرمينيا وميديا وبارثيا خلال القرنين الأول والثاني للميلاد. أمّا الاستدلال بالمصادر اليونانية على أنّ دولة كورش كانت تسمى «ميديا الموسّعة» أو أنّ حروب داريوس كانت «الحروب الميدية»، فلا يُمكن استخدام هذه التسميات وحدها لإثبات استمرار الدولة الميدية أو إثبات هوية إثنية لاحقة. فالمصادر اليونانية القديمة لم تكن دائمًا دقيقة في الفصل بين «المِيدي» و«الفارسي»، كما أنّ معرفتنا باللغة الميدية نفسها محدودة للغاية، إذ لم تصلنا نصوص مِيدية أصلية مُتّصلة، وإنّما نعرفها بصورة غير مباشرة من أسماء وكلمات وشواهد في لغات أخرى. والخلط الأكبر في المنشور هو الانتقال من هذه المُعطيات إلى الأكراد. فَكَون المِيديين شعبًا إيرانيًّا عاش في مناطق واسعة من زاغروس وغربي إيران، وكَون الكردية اليوم من اللغات الإيرانية الشمالية الغربية، لا يُساوي تاريخيًّا أو لُغويًّا القول إنّ الأكراد هم المِيديون أو أنّ الميديين هم أسلاف الأكراد بصورة مُثبتة. بل إنّ الباحث في اللغة المِيدية، روديغر شمِت، يؤكّد في Encyclopaedia Iranica أنّ اللغات الإيرانية الحديثة التي يُقال إنّها تنحدر مباشرة من المِيدية القديمة لا يُمكن إثبات هذا الانحدار المباشر بالنسبة إلى الكردية، فالاشتراك في بعض السمات اللغوية لا يكفي لأنّها سمات أوسع انتشارًا في اللغات الإيرانية الشمالية الغربية وليست خصائص ميدية حصرية. وهذا لا يعني بالطبع أنّ البحث في الصلات بين سكان زاغروس القدماء وتكوّن الشعب الكردي لا قيمة له، بل يعني أنّ علينا التفريق بين احتمال الاستمرارية السكانية والثقافية وبين إثبات النسب التاريخي المباشر. فالكردية تنتمي بالفعل إلى مجموعة اللغات الإيرانية الشمالية الغربية، لكنّ التاريخ المحدّد للانتقال من اللغات الإيرانية القديمة إلى اللغات الكردية الحديثة ليس مُوثّقًا بصورة تسمح لنا بكتابة معادلة بسيطة من نوع «ميديون = أكراد». بل تُشير الدراسات اللغوية إلى أنّ تاريخ كثير من اللغات الإيرانية الشمالية الغربية الحديثة لا يُمكن إعادة بنائه بصورة تفصيلية بسبب نقص المصادر الوسيطة. وعليه، فإنّ ذكر يوسيفوس لميديا في القرن الأول الميلادي لا يدحض سقوط المملكة المِيدية القديمة في القرن السادس قبل الميلاد، وإنّما يدلّ على استمرار اسم «مِيديا» ووجود كيان سياسي هو مِيديا الأتروباتينية في العصر الفرثي. وكذلك فإنّ هذه الإشارة لا تُقدّم دليلًا على أنّ سكان تلك المملكة كانوا «المِيديين القدماء» بالمعنى السياسي والإثني نفسه، ولا تُقدّم دليلًا على أنّهم أصبحوا الأكراد في العصور اللاحقة. أمّا تحويل هذه المعلومة إلى بُرهان على أنّ «الأكراد أحفاد المِيديين» فهو انتقال من المعلومة التاريخية إلى فَرَضِيّة نِسبيّة لم يُثبتها النصّ المذكور.
والمنهج التاريخي لا يقتضي نَفي أيّ صِلة مُحتملة بين الميديين وسكان زاغروس الذين أصبحوا جزءًا من التكوين التاريخي للكرد، لكنّه يقتضي أيضًا ألّا نحول فَرَضِية تاريخية قابلة للنقاش إلى حقيقة قطعية لمجرّد أنّ اسم «مِيديا» يظهر في مصدر من القرن الأول الميلادي. المشكلة في المنشور ليست في ذكر ميديا أو يوسيفوس، وإنّما في القفزة الاستنتاجية بين ميديا القديمة، وميديا الأتروباتينية، ثم الأكراد المعاصرين، وكأنّها كيان واحد مستمرّ بلا انقطاع لمدّة تقارب ألف عام. وهذا تحديدًا ما لا تُثبته الأدلّة التي استُشهِد بها.
__________________
fouad.hanna@online.de
|